
13-12-2025, 10:06 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,623
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع
صـــ 72 الى صـــ 81
(186)
( قال ) ولا يمد في شيء من الحدود ، والتعزير قيل : مراده المد بين العقابين ، وقيل : مراده أن الجلاد لا يفصل عضده عن إبطه ولا يمد يده فوق رأسه ، وقيل : مراده أنه بعد ما أوقع السوط على بدن المجلود لا يمده ; لأنه زيادة مبالغة لم يستحق عليه ذلك ; لأنه ربما يؤدي إلى التلف ، والتحرز عن ذلك واجب شرعا في موضع لا يستحق الإتلاف شرعا ، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بحسم السارق بعد القطع للتحرز عن الإتلاف ، ويعطي كل عضو حظه من الضرب ; لأنه قد نال اللذة في كل عضو ، ولأن جميع الجلدات في عضو واحد ربما يؤدي إلى الإتلاف ، والإتلاف غير مستحق فيفرق على الأعضاء كي لا يؤدي إلى الإتلاف ، غير أنه لا يضرب الوجه والفرج ، أما الفرج فلا يحتمل الضرب والضرب على الفرج متلف ، وأما الوجه { فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمرهم برجم الغامدية أخذ حصاة كالحمصة ورماها بها قال للناس : ارموها واتقوا الوجه } فلما منع من ضرب الوجه في موضع كان الإتلاف مستحقا ففي موضع لم يستحق الإتلاف أولى ، ولأن الوجه موضع الحواس ففي الضرب عليه إذهاب بعض الحواس عنه وهو استهلاك حكما وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى لا يضرب الصدر والبطن أيضا ; لأن الضرب عليهما متلف .
( قال ) ولا يضرب الرأس في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وهو قول أبي يوسف رحمه الله تعالى الأول ، ثم رجع وقال يضرب الرأس أيضا ضربة واحدة وهو قول ابن أبي ليلى [ ص: 73 ] لحديث أبي بكر رضي الله عنه فإنه قال اضربوا الرأس فإن الشيطان في الرأس .
( وحجتنا ) في ذلك حديث عمر رضي الله عنه فإنه قال للجلاد إياك أن تضرب الرأس والفرج ولأن الرأس موضع الحواس ففي الضرب عليه تفويت بعض الحواس .
( قال ) ولا تجرد المرأة لإقامة الحد والتعزير عليها ; لأنها عورة مستورة ، وكشف العورة حرام إلا أنه ينزع عنها الحشو والفرو ليخلص الألم إلى بدنها ولأن ستر العورة يحصل بالملبوس عادة فلا حاجة إلى إبقاء الحشو والفرو عليها .
( قال ) وتضرب وهي قاعدة كأستر ما يكون ، ويضرب الرجل قائما ، وكان ابن أبي ليلى رحمه الله يضرب المرأة الحد وهي قائمة كالرجل ، ولكنا نأخذ بقول عمر رضي الله عنه حيث قال يضرب الرجل قائما والمرأة قاعدة ولأن مبنى حال الرجل على الانكشاف والظهور ومبنى حالها على الستر .
( قال ) فإن كان حدها الرجم فإن حفر لها فحسن وإن ترك لم يضر وقد بيناه
( قال ) وإن كانت حبلى حبست حتى تلد { لحديث الغامدية فإنها لما أقرت أن بها حبلا من الزنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهبي حتى تضعي حملك } ، ولحديث معاذ رضي الله عنه حين هم برجم المغنية " إن يكن لك عليها سبيل فلا سبيل لك على ما في بطنها " وهو المعنى ; لأن ما في بطنها نفس محترمة ، فإن المخلوق من ماء الزنا له من الحرمة والعهد ما لغيره ولم يوجد منه جناية ولو رجمت كان فيه إتلاف الولد ، ولو تركت هربت وليس للإمام أن يضيع الحد بعد ما ثبت عنده ببينة فيحبسها حتى تلد ثم إن كان حدها الرجم رجمها ; لأن إتلافها مستحق وإنما تؤخر لحق الولد وقد انفصل الولد عنها ، وإن كان حدها الجلد تؤخر إلى أن تتعافى من نفاسها ; لأن النفساء في حكم المريضة والحدود فيما دون النفس لا تقام في حالة المرض ، ولأنه إذا انضم ألم الجلد إلى ألم الولادة بما يؤدي إلى الإتلاف وهو غير مستحق في هذه الحالة فتؤخر إلى أن تتعافى من نفاسها .
( قال ) وإن شهدوا عليها بالزنا فادعت أنها حبلت فمجرد قولها لا يكون حجة فيما يؤخر الحد عنها كما لا يكون حجة في المسقط ، ولكن القاضي يريها النساء ; لأن هذا شيء يطلع عليه النساء ، وما يشكل على القاضي فإنما يرجع فيه إلى من له بصر في هذا الباب كما في قيم المتلفات ، والأصل فيه قوله تعالى { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } فإن قلن هي حبلى حبسها إلى سنتين فإن لم تلد رجمها للتيقن بكذبهن فإن الولد لا يبقى أكثر من سنتين ، وإن ادعت أنها عذراء أو رتقاء فنظر إليها النساء فقلن هي كذلك درئ الحد عنها [ ص: 74 ] لأن شهادتهن حجة فيما لا يطلع عليه الرجال ، ولكن لا يقام الحد على الشهود بقول النساء ، وكذلك المجبوب إذا علم أنه مجبوب درئ الحد ولم يحد الشهود ; لأن المجبوب لا يزني ولا حد على قاذفه ، وهذا ; لأن المقصود من إقامة الحد إظهار كذب القاذف ليندفع به العار عن المقذوف ، وكذبه ظاهر هنا ، وإنما يلحق العار القاذف هنا دون عفة المقذوف ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى قذف المجبوب كقذف غيره يوجب الجلد على القاذف بناء على أصله أن نفس القذف جريمة ، وفيما يرجع القاضي فيه إلى قول النساء يكتفى بقول امرأة واحدة والمثنى أحوط وقد بينا هذا في الطلاق
( قال ) وإذا قال المسلم الزاني : أنا عبد فشهد نصرانيان أن مولاه أعتقه منذ سنة وهو نصراني عتق بشهادتهما ولكن يقام عليه حد العبيد ; لأن شهادة النصراني لا تكون حجة على المسلم ، فيجعل فيما يقام عليه وجود هذه الشهادة كعدمها ، بخلاف ما إذا شهد على ذلك رجل وامرأتان ، فإن هذه الشهادة حجة على المسلم فيكون معتبرا في إقامة الحد الكامل عليه ، وهذا الفرق الذي قررناه في مسألة الإحصان
( قال ) وإن شهد أربعة نصارى على نصراني بالزنا فقضي عليه بالحد ثم أسلم قال أدرأ عنه الحد ; لأن القاضي لا يتمكن من إقامة الحد إلا بحجة ، وشهادة النصراني ليست بحجة على المسلم ، وقد بينا أن العارض من قبل إقامة الحد كالمقترن بالسبب ، وكذلك لو كان أقيم عليه بعضه وأسلم لا يقام عليه وما بقي ، وكذلك الشهادة على السرقة والقطع والقتل وهذا استحسان في الحدود والقصاص ، وأما في القياس فقد تم القضاء بما هو حجة ، ولا تأثير للإسلام بعد ذلك في إسقاط ما لزمه من الحق عنه كالمال إذا قضي عليه بشهادة النصراني فأسلم يستوفى منه وفي الاستحسان قال العقوبات تندرئ بالشبهات فيجعل المعترض قبل الاستيفاء شبهة مانعة كالمقترن بأصل السبب بخلاف الأموال ، فإنها تثبت بالشبهات ثم المقصود في العقوبات الاستيفاء ، ولهذا لو رجع الشهود قبل الاستيفاء امتنع الاستيفاء بخلاف المال ، وقد بينا أن في الحدود التي هي حق الله تعالى تمام القضاء بالاستيفاء فما يعترض قبل الاستيفاء من إسلام المقضي عليه يجعل كالموجود قبل القضاء ، ثم ذكر مسألة الشهادات أنشهادة الكفار بعضهم على بعض جائزة وإن اختلفت مللهم إلا على قول ابن أبي ليلى قال : لا نجيز شهادة أهل ملة على أهل ملة أخرى
( قال ) ولا تجوز شهادة الكافر المحدود في القذف ، فإن أسلم ثم شهد جازت شهادته ; لأنه بالإسلام استفاد عدالة لم تكن موجودة قبل إقامة الحد وهذه العدالة لم [ ص: 75 ] تصر مجروحة بخلاف العبد يقام عليه حد القذف ثم يعتق ; لأنه بالعتق لم يستفد عدالة لم تكن موجودة ، وقت إقامة الحد فإن العبد عدل في دينه وتمام بيان هذه الفصول في الشهادات
( قال ) أربعة شهدوا على رجل بالزنا ثم أقروا عند القاضي أنهم شهدوا بالباطل فعليهم الحد ; لأنهم أكذبوا أنفسهم بالرجوع عن الشهادة فإن لم يحدهم القاضي حتى شهد أربعة أخر غيرهم على ذلك الرجل بالزنا جازت شهادتهم لظهور عدالتهم وأقيم الحد على المشهود عليه بشهادتهم ; لأن شهادة الفريق الأول ورجوعهم في حق الفريق الثاني كالمعدوم ، ويدرأ عن الفريق الأول حد القذف ; لأنه تبين بشهادة الفريق الثاني أن المشهود عليه زان وأنهم صادقون في قذفه بالزنا ، ولأنه تبين أنه غير محصن وقذف غير المحصن لا يوجب الحد وأكثر ما في الباب أن الفريق الأول لم يعاينوا الزنا منه فحالهم كحال سائر الأجانب في قذفه والقاذف إنما يستوجب الحد إذا لم يكن هناك أربعة يشهدون على المقذوف بالزنا
( قال ) وإذا ثبت الزنا والسرقة على الكافر بشهادة المسلمين ثم أسلم أقيم عليه الحد ; لأنه لو كان مسلما عند أداء الشهادة كانت هذه الشهادة حجة عليه ، فكذلك إذا اعترض إسلامه إلا أن يكون العهد قد تقادم فحينئذ يدرأ عنه للشبهة كما لو كان مسلما حين شهدوا عليه
( قال ) رجل زنى بامرأة مستكرهة فأفضاها فعليه الحد للزنا فإن كانت تستمسك البول فعليه ثلث الدية ، وإن كانت لا تستمسك البول فعليه كمال الدية ; لأنه أفسد عليها عضوا لا ثاني له في البدن ، وهو ما يستمسك به البول وفي ذلك كمال الدية وما يجب بالجناية ليس بدل المستوفى بالوطء حتى يقال لا يجمع بينه وبين الحد بل هو بدل المتلف بالجناية وذلك غير المستوفى بالوطء فالمستوفى بالوطء ما يملك بالنكاح والإفضاء لا يكون مستحقا بالنكاح وإن طاوعته فعليها الحد وليس عليه ضمان الجناية لوجود الرضى منها فإن إذنها فيما دون النفس معتبر في إسقاط الأرش ، وكذلك إن كانت صبية يجامع مثلها إلا أن رضاها هناك لا يعتبر في إسقاط الأرش ; لأنها ليست من أهل إسقاط حقها
( قال ) وإن زنى بصبية لا يجامع مثلها فأفضاها فلا حد عليه ; لأن وجوب حد الزنا يعتمد كمال الفعل ، وكمال الفعل لا يتحقق بدون كمال المحل ، فقد تبين أن المحل لم يكن محلا لهذا الفعل حين أفضاها بخلاف ما إذا زنى بها ولم يفضها ; لأنه تبين أنها كانت محلا لذلك الفعل حين احتملت الجماع ، ولأن الحد مشروع للزجر ، وإنما يشرع الزجر فيما يميل الطبع إليه ، وطبع العقلاء لا يميل إلى وطء الصغيرة التي لا تشتهى ولا تحتمل الجماع فلهذا لا حد عليه ولكنه يعزر لارتكابه ما لا يحل [ ص: 76 ] له شرعا ثم إن كانت تستمسك البول فعليه ثلث الدية والمهر ، أما ثلث الدية لجرح الجائفة والمهر للوطء فإن الوطء في ملك الغير لا ينفك عن عقوبة أو غرامة وقد سقطت العقوبة لشبهة النقصان في الفعل فيجب المهر ; لأنه يثبت مع الشبهة ، والوطء ليس إلا إيلاج الفرج في الفرج ، وقد وجد ذلك منه ، ألا ترى أنه يجب المهر تارة بالعقد وتارة بالوطء ثم العقد على الصغيرة يوجب المهر ؟ فكذلك وطؤها إن كانت لا تستمسك البول فعليه كمال الدية لإفساد العضو الذي كان استمساك البول به فإنه لا ثاني له في البدن ولا مهر عليه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى وفي قول محمد رحمه الله تعالى عليه مهر لوجود حقيقة الوطء منه فكما لا يدخل المهر في بعض الدية فكذا لا يدخل في جميع الدية ; لأن وجوب الدية بالجناية على العاقلة مؤجلا والمهر في مال الجاني حالا فكيف يدخل أحدهما في الآخر وهما يقولان : الفعل واحد ، فإذا وجب به كمال بدل النفس يدخل فيه ما دونه ، كما لو شج رجلا فذهب عقله أو سقط جميع شعره حتى وجب عليه كمال الدية دخل فيه أرش الموضحة ، وهذا ; لأن المستوفى بالوطء في حكم العتق ، وكذلك المتلف بالجناية ، وعند اتحاد المستوفى لا يجب أكثر من بدل النفس بخلاف ما إذا كان البول يستمسك ، فإن الواجب هناك بعض بدل النفس فيجوز أن يجب المهر معه وهو نظير ما لو فقأ إحدى عيني أمة إنسان يضمن نصف قيمتها ولا يملك شيئا من الجثة بخلاف ما إذا فقأ العينين وضمن كمال الدية فإنه يملك الجثة .
( قال ) وإذا جامع صبية فأفضاها ومثلها لا يجامع لم تحرم عليه أمها وابنتها في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وفي قول أبي يوسف رحمه الله تعالى يحرم استحسانا لوجود حقيقة الوطء بوجود إيلاج الفرج في الفرج ، والوطء علة لإيجاب حرمة المصاهرة والدليل على أن الوطء جعل حكما أنه يتعلق به الاغتسال بنفس الإيلاج من غير إنزال ويجب به المهر ، وباب الحل والحرمة مبني على الاحتياط فللاحتياط استحسن أبو يوسف رحمه الله تعالى وجه قولهما أن ثبوت حرمة المصاهرة بالوطء ليس لعينه بل ; لأنه حرث للولد ولهذا لا يثبت بوطء الميتة وبالوطء في الدبر وهذا الفعل ليس بحرث للولد ; لأن الحرث لا يتحقق إلا بمحل منبت بخلاف الاغتسال فإن وجوبه باستطلاق وكاء المني ، وذلك يتم بمعنى الحرارة واللين في المحل ، وبخلاف ما إذا كانت صغيرة يشتهى مثلها ; لأن كون المحل منبتا حقيقة لا يمكن الوقوف عليه فيقام السبب الظاهر وهو كونها مشتهاة مقامه ، ألا ترى أن هذا الفعل حلال شرعا لمعنى الحرث ؟ [ ص: 77 ] ثم يحل وطء الصغيرة التي تشتهى بالنكاح ولا يحل وطء الصغيرة التي لا تشتهى ، ومن قذف هذا الذي جامع هذه الصبية لا حد عليه لارتكابه وطئا حراما فإن الوطء الحرام في غير الملك مسقطا للإحصان ، والصورة في إيراث الشبهة بمنزلة الحقيقة في درء ما يندرئ بالشبهات
( قال ) رجل زنى بامرأة فكسر فخذها فعليه الحد والأرش في ماله ; لأنه بمنزلة العمد ، ولا تعقل العاقلة العمد وهو الجواب عن قول محمد رحمه الله في مسألة الإفضاء بأن الواجب من الدية في ماله هنا ; لأن الفعل عمد فيستقيم إدخال المهر فيه
( قال ) وإذا قال الشهود تعمدنا النظر إلى الزانيين لم تبطل شهادتهم به ; لأنهم قصدوا بهذا النظر صحة تحمل الشهادة لا قضاء الشهوة ، فإنه لا يحل لهم أداء الشهادة ما لم يروا كالمرود في المكحلة ، والنظر إلى العورة عند الحاجة لا يوجب الفسق وإن تعمد ذلك ، ألا ترى أن القابلة تنظر والختان والحافظة كذلك ؟ وكذلك لو قالوا : رأينا ذلك ولم نتعمد النظر
( قال ) وإذا ادعت المزني بها أنها صارت مفضاة لم يقبل قولها في ذلك ما لم يشهد الشهود على الإفضاء وما لم يفسروا أنهم رأوا ذلك ; لأنها تدعي الجناية الموجبة للأرش وذلك لا يثبت إلا بشهادة الشهود
( قال ) ومن أتى امرأة أجنبية في دبرها فعليه الحد في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى والتعزير في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وكذلك اللواط عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى يوجب التعزير عليهما ، وعندهما يحدان حد الزنا يرجمان إن كانا محصنين ويجلدان إن كانا غير محصنين ، وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله ، وفي قول آخر قال : يقتلان على كل حال لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : { اقتلوا الفاعل والمفعول به } وفي رواية { ارجموا الأعلى والأسفل } وتأويل ذلك عندنا في حق من استحل ذلك الفعل ، فإنه يصير مرتدا فيقتل لذلك وهو تأويل الحديث الذي روي { من أتى امرأته الحائض أو أتى امرأته في غير مأتاها فقد كفر بما أنزل على محمد } يعني إذا استحل ذلك .
( وحجتهما ) أن هذا الفعل زنى فيتعلق به حد الزنا بالنص ، فأما من حيث الاسم فلأن الزنا فاحشة ، وهذا الفعل فاحشة بالنص قال الله تعالى { أتأتون الفاحشة } ومن حيث المعنى أن الزنا فعل معنوي له غرض وهو إيلاج الفرج في الفرج على وجه محظور لا شبهة فيه لقصد سفح الماء وقد وجد ذلك كله ، فإن القبل والدبر كل واحد منهما فرج يجب ستره شرعا ، وكل واحد منهما مشتهى طبعا حتى إن من لا يعرف الشرع لا يفصل بينهما ، والمحل إنما يصير مشتهى طبعا لمعنى الحرارة واللين وذلك لا يختلف بالقبل والدبر ولهذا وجب [ ص: 78 ] الاغتسال بنفس الإيلاج في الموضعين ولا شبهة في تمحض الحرمة هنا ; لأن المحل باعتبار الملك ، ويتصور هذا الفعل مملوكا في القبل ولا يتصور في الدبر فكان تمحض الحرمة هنا أبين ، ومعنى سفح الماء هنا أبلغ منه في القبل ; لأن هناك المحل منبت فيتوهم أن يكون الفعل حرثا وإن لم يقصد الزاني ذلك ، ولا توهم هنا فكان تضييع الماء هنا أبين ، وليس هذا الكلام على سبيل القياس فالحد بالقياس لا يثبت ولكن هذا إيجاب الحد بالنص وما كان اختلاف اسم المحل إلا كاختلاف اسم الفاعل فإن النص ورد بالحد في حق ماعز رضي الله عنه ، فإيجاب الحد على الغير بذلك الفعل لا يكون قياسا ، فكذلك هنا ورد النص بإيجاب الحد على من باشر هذا الفعل في محل هو قبل فإيجابه على المباشر في محل هو دبر بعد ثبوت المساواة في جميع المعاني لا يكون قياسا وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : هذا الفعل ليس بزنا لغة ، ألا ترى أنه ينفى عنه هذا الاسم بإثبات غيره ؟ فيقال : لاط وما زنى ، وكذلك أهل اللغة فصلوا بينهما قال القائل :
من كف ذات حر في زي ذي ذكر لها محبان لوطي وزناء
فقد غاير بينهما في الاسم ولا بد من اعتبار اسم الفعل الموجب للحد ، ولهذا لا يجب القطع على المختلس والمنتهب .
والذي ورد في الحديث { إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان } مجاز لا تثبت حقيقة اللغة به والمراد في حق الإثم ، ألا ترى أنه قال { وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان } والمراد في حق الإثم دون الحد ، كما أن الله تعالى سمى هذا الفعل فاحشة فقد سمى كل كبيرة فاحشة فقال {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن } ثم هذا الفعل دون الفعل في القبل في المعنى الذي لأجله وجب حد الزنا من وجهين :
أحدهما ، أن الحد مشروع زجرا وطبع كل واحد من الفاعلين يدعو إلى الفعل في القبل وإذا آل الأمر إلى الدبر كان المفعول به ممتنعا من ذلك بطبعه فيتمكن النقصان في دعاء الطبع إليه ، والثاني : أن حد الزنا مشروع صيانة للفراش ، فإن الفعل في القبل مفسد للفراش ويتخلق الولد من ذلك الماء لا والد له ليؤدبه فيصير ذلك جرما يفسد بسببه عالم ، وإليه أشار صلى الله عليه وسلم في قوله { وولد الزنا شر الثلاثة } .
وإذا آل الأمر إلى الدبر ينعدم معنى فساد الفراش ، ولا يجوز أن يجبر هذا النقصان بزيادة الحرمة من الوجه الذي قالا ; لأن ذلك يكون مقايسة ، ولا مدخل لها في الحدود ، ثم اختلف الصحابة رضي الله عنهم في هذه المسألة فالمروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنهما يحرقان بالنار وبه [ ص: 79 ] أمر في السبعة الذين وجدوا على اللواطة ، وكان علي رضي الله عنه يقول : يجلدان إن كانا غير محصنين ويرجمان إن كانا محصنين ، وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول : يعلى أعلى الأماكن من القرية ثم يلقى منكوسا فيتبع بالحجارة وهو قوله تعالى { فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة } الآية ، وكان ابن الزبير رضي الله عنه يقول يحبسان في أنتن المواضع حتى يموتا نتنا ، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى اتفقت الصحابة رضي الله عنهم أنه لا يسلم لهما أنفسهما ، وإنما اختلفوا في كيفية تغليظ عقوبتهما فأخذنا بقولهم فيما اتفقوا عليه ورجحنا قول علي رضي الله عنه بما يوجب عليهم من الحد وأبو حنيفة رحمه الله يقول : الصحابة اتفقوا على أن هذا الفعل ليس بزنا ; لأنهم عرفوا نص الزنا ومع هذا اختلفوا في موجب هذا الفعل ، ولا يظن بهم الاجتهاد في موضع النص فكان هذا اتفاقا منهم أن هذا الفعل غير الزنا ولا يمكن إيجاب حد الزنا بغير الزنا بقيت هذه جريمة لا عقوبة لها في الشرع مقدرة فيجب التعزير فيه يقينا ، وما وراء ذلك من السياسة موكول إلى رأي الإمام إن رأى شيئا من ذلك في حق فله أن يفعله شرعا
( قال ) والناس أحرار في كل شيء إلا في أربعة : في الشهادة ، والعقل ، والحدود ، والقصاص .
يعني بالشهادة أن المشهود عليه إذا طعن في الشاهد أنه عبد فما لم يقم البينة على حريته لا يقضى بشهادته ، وبالعقل أن عاقلة القاتل خطأ إذا زعموا أنه عبد فما لم تقم البينة على حريته لا يعقلون جنايته وبالحدود إذا ادعى الزاني أنه عبد ، فما لم تقم البينة على حريته لا يقيم عليه حد الأحرار ، وبالقصاص إذا قطع يد حر أو عبد وزعم أنه عبد لا قصاص عليه ، فما لم تقم البينة على حريته لا يقضى عليه بالقصاص وهذا ; لأن ثبوت الحرية لمجهول الحال باعتبار الظاهر ، وهو أن الدار الإسلام فالظاهر من حال كل من هو فيه الحرية أو باعتبار استصحاب الحال من حيث إن الناس أولاد آدم وحواء عليهما السلام وهما كانا حرين ، وهذا يصلح حجة لدفع الاستحقاق لا لإثبات الاستحقاق وشهادة الشاهد تثبت الاستحقاق .
وكذلك العاقلة تثبت استحقاق الدية عليهم ، وكذلك الحد والقصاص فالظاهر لهذا لا يكون حجة حتى تقوم البينة عليه وهو نظير اليد فإنها حجة لدفع الاستحقاق لا لإثباته حتى إنه باعتبار اليد في الجارية لا يستحق أولادها على الغير بخلاف ما إذا ثبت الملك فيها بالبينة فإن قامت البينة في هذه الفصول على أنه كان ملكا لفلان أعتقه وقضى القاضي بذلك ثم حضر المولى الغائب فأنكر ذلك فلا حاجة إلى إعادة البينة عليه ; لأن هذه بينة قامت على خصم وهو المنكر [ ص: 80 ] لحريته فإنه خصم عن الغائب لاتصال حقه بحق الغائب فالقضاء به عليه يكون قضاء على الغائب
( قال ) وإذا قضى القاضي بحد أو قصاص أو مال وأمضاه ثم قال : قضيت بالجور وأنا أعلم ذلك ضمنه في ماله وعزر وعزل عن القضاء ; لأنه فيما جار فيه ليس بقضاء بل هو إتلاف بغير حق إنما قضاؤه على موافقة أمر الشرع ، والشرع لا يأمر بالجور وهو فيما يتلف بغير حق كغيره في إيجاب الضمان عليه في ماله ويعزر لارتكابه ما لا يحل له قصدا ويعزل عن القضاء لظهور خيانته فيما جعل أمينا فيه ، وفي هذا اللفظ دليل أن الصحيح من مذهب علمائنا أن القاضي لا ينعزل بالجور ، ولكن يستحق عزله ; لأن الفسق عندنا لا يمنع صحة تقليده ابتداء فلا يمنع البقاء بطريق الأولى بخلاف ما تقوله المعتزلة إنه ينعزل بالجور ، وإن تقليد الفاسق ابتداء لا يصح بناء على أصلهم أن بالفسق يخرج من الإيمان ; لأن اسم الفسق اسم ذم واسم الإيمان اسم مدح فلا يجتمعان وهي معروفة من مذهبهم في القول بالمنزلة بين المنزلتين والشافعي رحمه الله يوافقهم في أنه ينعزل بناء على أصله أن بالفسق ينتقض إيمانه وأن التقليد ممن قلده كان على ظن أداء الأمانة فلا يبقى حكمه بعد الخيانة كما في الوديعة يقول بالخلاف من طريق الفعل يبطل العقد .
وهذا كله عندنا باطل فإن الولاة من الخلفاء والسلاطين والقضاة بعد الخلفاء الراشدين قل ما يخلو واحد منهم عن فسق وجور ، ففي القول بما قالوا يؤدي إلى أن يكون الناس سدى لا والي لهم ، وأي قول أفحش من هذا ، وإن ظهر أنه قضى بالجور وقد فعله خطأ لم يكن عليه غرمه ; لأنه غير معصوم عن الخطأ ، والخطأ موضوع شرعا قال الله تعالى { وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به } فكان هو قاضيا على موافقة أمر الشرع ظاهرا غير جان فيما فعل ، ولكن إذا تبين الخطأ أخذ المقضي له بغرم ذلك إن كان قضاؤه بحق العباد ، وإن كان بحق الله تعالى فضمانه في بيت المال ، وعلى هذا قال علماؤنا رحمهم الله تعالى : القاضي إذا أخبر عن قضائه بشيء وأمر الناس برجم أو قتل بناء على قضائه فإن كان عالما ورعا وسعهم أن يأخذوا بقوله من غير أن يستفسروه ، وإن كان عالما غير ورع لم يسعهم ذلك ما لم يستفسروا ، وكذلك لو كان ورعا غير عالم ; لأن الورع الذي هو غير عالم قد يخطئ لجهله ، والعالم الذي ليس بورع قد يعتمد الجور ويميل إلى الرشوة ، وأما إذا كان عالما ورعا فإنهم يأمنون الخطأ لعلمه والجور لورعه فيسعهم الأخذ بقوله
( قال ) وليس للمولى أن يقيم الحد على مملوكه ومملوكته عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى : له ذلك في الحدود التي هي محض حق الله [ ص: 81 ] تعالى إذا عاين سببه من العبد أو أقر به بين يديه وإذا ثبت بحجة البينة فله فيه قولان ، وفي حد القذف والقصاص له فيه وجهان وهذا إذا كان المولى ممن يملك إقامة الحد بولاية الإمامة ، إن كان إماما وإن كان مكاتبا أو ذميا أو امرأة فليس له ولاية إقامة الحد كما لا يثبت له ولاية إقامة الحد بتقليد القضاء والإمامة ، واحتج بحديث علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم } وحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إذا زنت أمة أحدكم فليحدها إلى أن قال بعد الثالثة فليبعها ولو بضفير } .
والجلد متى ذكر عند حكم الزنا يراد به الحد دون التعزير وقد ذكر في بعض الروايات فليجلدها الحد ، والمعنى فيه أن هذه عقوبة مشروعة للزجر والتطهير فيملك المولى إقامته بولاية الملك كالتعزير وتأثيره أنه إصلاح للملك ; لأن ملكه يتعيب بارتكاب هذه الفواحش فما شرع للزجر عنها يكون إصلاحا لملكه بمنزلة التزويج ، وفي التطهير إصلاح ملكه أيضا ، ألا ترى أن ما كان مشروعا للتطهير كالختان وصدقة الفطر يملكه المولى بولاية الملك ؟ وهذا ; لأنه من مملوكه ينزل منزلة السلطان من رعيته ، أو هو أقوى حتى تنفذ فيه تصرفاته ، ولو حلف لا يضربه فأمر غيره حتى ضربه حنث كالسلطان في حق الرعية ولهذا قلنا إذا كان مكاتبا أو ذميا أو امرأة لا يقيم الحد ; لأنه بولاية السلطنة لا يقيم ، فكذلك بولاية الملك كما في حق نفسه لما كان لا يقيم الحد على نفسه بولايته السلطنة لا يقيم بملكه نفسه ، ولأن في القول بأنه يقيم التعزير عليه دون الحد جمعا بين التعزير والحد بسبب فعل واحد ; لأنه إذا علم بزناه عزره ثم رفعه إلى الإمام فيقيم عليه الحد ولا يجمع بينهما بسبب فعل واحد .
( وحجتنا ) فيه قوله { فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب } واستيفاء ما على المحصنات للإمام خاصة فكذلك ما على الإماء من نصف ما على المحصنات ، وعن ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهم موقوفا ومرفوعا ضمن الإمام أربعة ، وفي رواية أربعة إلى الولاة :
الحدود والصدقات ، والجمعات ، والفيء . والمعنى فيه وهو أن هذا حق الله تعالى يستوفيه الإمام بولاية شرعية فلا يشاركه غيره في استيفائه كالخراج والجزية والصدقات وتأثيره أن بسبب الملك يثبت للمولى الولاية في ما هو من حقوق ملكه فأما حقوق الله تعالى استيفاؤها بطريق النيابة ، ألا ترى أن حق العبد لا يستوفيه إلا هو أو نائبه والإمام متعين للنيابة عن الشرع ، فأما المولى بولاية الملك لا يصير نائبا عن الشرع ، وهو كأجنبي آخر في استيفائه بخلاف التعزير [ ص: 82 ] فإنه من حقوق الملك ، والمقصود به التأديب ، ألا ترى أنه قد يعزر من لا يخاطب بحقوق الله كالصبيان وهو نظير التأديب في الدواب فإنه من حقوق الملك وكذلك الختان فإنه بمنزلة الخصي في الدواب لإصلاح الملك ، وكذلك صدقة الفطر فإنها بمنزلة المؤن والنفقات فلما كان معنى حق الملك مرجحا في هذه الأشياء ملك المولى إقامته ، ألا ترى أنه لو كان مكاتبا أو ذميا أو امرأة كان له إقامة التعزير دون الحد ؟ يوضحه أن فيما يثبت للمولى الولاية بسبب الملك هو مقدم على السلطان كالتزويج وبالاتفاق للإمام ولاية إقامة هذا الحد شاء المولى أو أبى ، عرفنا أنه لا يثبت ولاية إقامته بسبب الملك .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|