
13-12-2025, 10:00 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,619
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع
صـــ 62 الى صـــ 71
(185)
( قال ) وإذا شهد أربعة على رجل بالزنا وأحدهم والده أو ولده فالشهادة جائزة ; لأنه لا تهمة في شهادة الولد على والده ثم يرث الولد من والده وإن رجم بشهادته إلا أنه إذا أمره الإمام بالبداية ينبغي أن لا يتعمد قتله ; لأن الولادة مانع للولد من أن يتعرض لوالده بالقتل وإن كان مباح الدم على ما روي { أن حنظلة بن أبي عامر رضي الله عنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل أبيه المشرك فلم يأذن له وقال : يكفيك ذلك غيرك } ، وكذلك إن كان الشاهد أخا أو جدا أو واحدا من ذي الرحم المحرم ; لأنه اجتمع حرمتان الإسلام والقرابة ، وذلك مانع من التعرض له بالقتل كما في العادل لا يحل له أن يقتل أخاه الباغي بخلاف المسلم يحل له أن يقتل أخاه الكافر ; لأن الموجود هناك حرمة واحدة وهي القرابة فكان بمنزلة حرمة الإسلام فيما بين الأجانب .
( قال ) فأما في حق الوالدين من الكفار الموجود حرمتان الولاد يعني به الجزئية والقرابة فلو أنه أصاب مقتله لم يحرم الميراث أيضا ; لأنه قتل بحق ، وحرمان الميراث جزاء على القتل المحظور عقوبة فلا يثبت ذلك في القتل بحق
( قال ) ولو امتنع أحد الشهود من البداية بالرجم فذلك شبهة في إسقاط الحد عن المشهود عليه ، ولكن لا يقام الحد على الشهود ; لأنهم ثابتون على الشهادة ، وإنما امتنع بعضهم من مباشرة القتل وذلك لا يكون رجوعا عن الشهادة على الزنا وقد يمتنع الإنسان من مباشرة القتل بحق
( قال ) وإذا شهد الشهود على رجل بالزنا وعدلوا فلم يقض القاضي بالرجم حتى قتله إنسان بالسيف عمدا أو خطأ فعليه القصاص في العمد والدية على العاقلة في الخطأ ; لأن الشهادة لا توجب شيئا ما لم يتصل بها القضاء ، ألا ترى أنهم لو رجعوا بعد عدالتهم [ ص: 63 ] لم يقض القاضي بشيء ولم يضمنوا للمشهود له شيئا ولو وجب حق المشهود له قبل القضاء بظهور عدالتهم لصاروا متلفين ذلك عليه بالرجوع فينبغي أن يضمنوا له ، ولما ثبت أن الشهادة لا توجب شيئا بدون القضاء فبقيت النفس معصومة على ما كانت قبل الشهادة فيجب القصاص على من قتله عمدا ، ولأن الشهادة قد بطلت بالقتل فإن القاضي لا يقضي بها بعد ذلك لفوات المحل فهو كما لو بطلت الشهادة برجوعهم ، فإن قضى القاضي برجمه ثم قتله إنسان عمدا أو خطأ أو قطع يده أو فقأ عينه لا شيء عليه ; لأنه قد صار مباح الدم بقضاء القاضي ، والفعل في محل مباح لا يكون سبب وجوب الضمان ، وكذلك لو رجع الشهود عن شهادتهم فلا شيء على الجاني ; لأن رجوعهم ليس بحجة في حق الجاني فوجوده كعدمه .
وإن وجد أحد الشهود عبدا بعد ما قتله الرجل عمدا ففي القياس عليه القصاص ; لأنه تبين أنه كان محقون الدم حين ظهر أن عدد الشهود لم يتكامل ، فإن العبد لا شهادة له ، ولأن هذا في معنى قتله إياه قبل قضاء القاضي ; لأنه قد تبين أن قضاء القاضي كان باطلا ولكنه استحسن فأبطل عنه القصاص وجعل عليه الدية في ماله في ثلاث سنين ; لأن القاضي قضى بإباحة دمه ، وصورة قضاء القاضي تكفي لإيراث الشبهة فإنه لو كان حقا كان مبيحا للدم ، فصورته تمكن شبهة كالنكاح الفاسد يجعل شبهة في إسقاط الحد ولهذا لا يجب القصاص على المولى إذا جاء المشهود بقتله حيا .
وإذا امتنع وجوب القصاص للشبهة وجبت الدية في ماله ; لأن القتل عمد والعاقلة لا تعقل العمد ولكن تجب الدية في ثلاث سنين ; لأن وجوبها بنفس القتل فإن كان هذا الرجل قتله رجما فلا شيء عليه ; لأنه ممتثل أمر القاضي فيكون فعله كفعل القاضي فلا يضمن شيئا ولكن هذا خطأ من الإمام فيما عمله لله تعالى فتجب الدية في بيت المال بخلاف الأول ; لأن هناك ما امتثل أمر القاضي في قتله إياه بالسيف ولهذا يؤدبه القاضي هناك على ما صنع ولا يؤدبه هنا ، وإن لم يكونوا أجهزوا عليه حتى ظهر أن أحد الشهود عبد فأرش الجراحة أيضا في بيت المال اعتبارا للبعض بالكل والمعنى الجامع أن الخطأ من الإمام في الوجهين
( قال ) أربعة شهدوا على رجل بالزنا وهو غير محصن وضربه الإمام الحد ثم وجد أحدهم عبدا وقد مات من ذلك الضرب أو لم يمت فلا شيء في بيت المال ولا على الإمام في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعندهما هو على بيت المال وعلى هذا لو رجع الشهود وقد جرحته [ ص: 64 ] السياط فلا ضمان على الشهود في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعندهما يضمن الشهود أرش الجراحات والدية إن مات من ذلك .
( وحجتنا ) أن الجلدات أقيمت عليه بشهادتهم ، فالشاهد يجعل كالمباشر لما أوجبه بشهادته في حكم الضمان كما لو كان الحد رجما ، وكما أن شهود القصاص وشهود القتل إذا رجعوا ضمنوا ما أتلف بشهادتهم كأنهم باشروا ذلك فهذا مثله ، فإذا ثبت أنهم كالمباشرين تلفا ومن ضرب إنسانا بسوط فجرحه من ذلك فهو ضامن أرش الجراحة ولو مات من ذلك كان ضامنا للدية فكذلك إذا رجعوا هنا ، وإذا ظهر أنهم عبيد فقد ظهر الخطأ من الإمام ، فذلك الضمان في بيت المال وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول إنما أوجبوا بشهادتهم ضربا مؤلما غير جارح ومتلف ، بدليل أنه لا يقام هذا الحد الشديد على المريض كي لا يؤدي إلى الإتلاف ، وبدليل أنه يختار لإقامة الحد سوطا لا ثمرة له كي لا يجرحه ، ويفرق على الأعضاء كي لا يؤدي إلى الجراحة ، ولأنه لو ضربه فلم يجرحه يتم إقامة الحد حتى لا يعاد عليه فيثبت أنهم إذا أوجبوا بشهادتهم ضربا مؤلما غير جارح ولا متلف ، ولكن الجراحة والإتلاف أفضت إليه الشهادة والشاهد عند الرجوع لا يضمن ما أفضى إليه شهادته كالشهادة بالنسب في حال الحياة إذا رجع بعد ما مات المشهود عليه وورث المشهود له بنسبة .
وكما أن الجراحة والإتلاف ليس من موجب الشهادة فكذا ليس من موجب القضاء ; لأن القاضي إنما يقضي بما شهد به الشهود فلا يمكن إيجاب الضمان على القاضي ولا في بيت المال ; لأنه إنما يجب في بيت المال ما كان واجبا بقضاء القاضي إذا تبين فيه الخطأ ، ولا شيء على الجلاد أيضا ; لأنه امتثل أمر القاضي وهو مجتهد فيما أقام من الحد ، فلهذا لا يضمن أحد شيئا بخلاف ما إذا باشر الضرب بالسوط فإنما يحصل بضربه من موجبات فعله وهو متعد في ذلك فكان مؤاخذا بضمانه
( قال ) أربعة شهدوا على رجل بشيء يجب فيه التعزير فعزره الإمام فمات من ذلك فلا شيء على الإمام ، ولا في بيت المال عندنا ، وهو مذهب عمر وعلي رضي الله عنهما ، وعلى قول الشافعي رحمه الله تجب الدية في بيت المال ، وهو قول علي رضي الله عنه ; لأن التعزير للتأديب لا للإتلاف ، فإذا أدى إلى الإتلاف كان خطأ من الإمام فيجب الضمان في بيت المال ; لأنه عمل فيه لله تعالى ، وكما نقول في الزوج إذا عزر زوجته فماتت كان عليه ضمان الدية ، ولكنا نقول الإمام محق فيما أقام وهو مستوف حقا لله تعالى فيصير كأن من له الحق أماته بخلاف الزوج إذا عزر زوجته ; لأنه يستوفي ذلك [ ص: 65 ] لمنفعة نفسه فما يتولد منه يكون مضافا إليه .
توضيحه أن إقامة التعزير مستحق على الإمام شرعا إذا علم أنه لا ينزجر إلا به ، وما يكون مستحقا على المرء لا يتقيد بشرط ليس في وسعه التحرز عنه وهو كما لو قطع يد السارق فمات من ذلك فأما تعزير الزوج مباح له غير مستحق عليه والمباحات تتقيد بشرط السلامة كالمشي في الطريق والرمي إلى الصيد
( قال ) وإذا حكم الإمام على رجل بالزنا والرجم بشهادة الشهود وقال للناس ارجموه وسعهم أن يرجموه ، وإن لم يعاينوا أداء الشهادة ، وروى ابن سماعة عن محمد رحمهما الله تعالى لا يسعهم ذلك ما لم يشهد به عدل آخر عندهم ، أو يعاينوا أداء الشهادة والحكم ; لأن القتل أمر عظيم إذا وقع فيه الغلط لا يمكن التدارك والتلاقي ، ومن يكون مجرد قوله ملزما الأنبياء المعصومون عن الكذب فإنهم لا يقرون على الكذب والقاضي لا تبلغ درجته درجة الأنبياء بل هو غير معصوم عن الخطأ والكذب فلا يسعهم الإقدام بمجرد قوله على ما إذا وقع الغلط لا يمكن تداركه .
وجه ظاهر الرواية أن قضاء القاضي أولى من شهادة الشهود ، فلو عاينوا أداء الشهادة وسعهم أن يرجموه ، وإن كان الشهود غير معصومين عن الكذب فكذلك إذا أخبرهم القاضي بقضائه وهذا ; لأن العادة الظاهرة هي الاكتفاء في كل بلدة بقاض واحد فلو لم يكن مجرد حكمه حجة لكان يتخذ قاضيان في كل بلدة لحاجة الناس إلى ذلك وفي الاكتفاء بقاض واحد دليل على أن مجرد قوله حجة يطلق لهم الإقدام على إقامة الحد رجما كان أو قتلا حد قطاع الطريق أو قطعا في السرقة
( قال ) وإذا شهد عليه ثلاثة بالزنا وقال الرابع لم أر ما قالوا ولكني رأيتهما في لحاف واحد فشهادتهم باطلة ; لأن الرابع ما شهد بشيء فلم يتكامل عدد شهود الزنا فلا يجب الحد على المشهود عليه ويحد الثلاثة ; لأنهم قذفوه بالزنا حيث لم يتكامل عدد الشهود ولا يحد الرابع ; لأنه ما نسبه إلى الزنا بقوله رأيتهما في لحاف واحد ، والأصل فيه ما روينا من حديث المغيرة فإن عمر رضي الله تعالى عنه أقام الحد على الثلاثة حين امتنع زياد من الشهادة على صريح الزنا ولم يقم الحد على زياد ، وإن كان الرابع قال أشهد أنه زان ثم سئل عن صفته فلم يصف ذلك فعليه الحد بقوله إنه زان ; لأنه قد نسبه إلى الزنا بهذا وأكد ذلك بلفظ الشهادة ، ولو لم يؤكد ذلك بلفظة الشهادة ولكن قال هذا زان كان قاذفا له بهذا اللفظ مستوجبا الحد فهنا أولى ، وتأويل هذه المسألة أن الرابع إذا قال : هذا في مجلس آخر سوى المجلس الذي شهد فيه الثلاثة ، فأما إذا اجتمع الأربعة في مجلس وشهدوا عليه بالزنا وأبى بعضهم [ ص: 66 ] أن يفسر ذلك فلا حد على ما فسره بعد هذا ; لأن الأربعة إذا شهدوا عليه بالزنا فسئلوا عن كيفيته وماهيته وقالوا لا نزيد لك على هذا لم تقبل شهادتهم ; لأنهم لم يبينوا مبهم كلامهم ولكن لا حد عليهم لتكامل عددهم فإن تكامل عدد الشهود مانع من وجوب الحد عليه كما لو شهد عليه أربعة من الفساق بالزنا ، وكذلك إن وصف بعضهم دون بعض ; لأن عددهم متكامل في أصل الشهادة عليه بالزنا ، وامتناع بعضهم عن البيان لا يكون رجوعا عن الشهادة ولكن يصير ذلك شبهة في حق المشهود عليه فلا يقام عليه الحد ولا يقام على الشهود أيضا كما في فسق الشهود
( قال ) أربعة شهدوا على رجل بالزنا بامرأة فشهد أربعة على الشهود أنهم هم الذين زنوا بها لا تقبل شهادة واحد منهم ، ولا يقام الحد للشبهة التي دخلت عند أبي حنيفة رحمه الله ، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يقام حد الزنا على الفريق الأول ولا شيء على المشهود عليه للأول ; لأن الفريق الثاني عدول شهدوا على الفريق الأول بالزنا فوجب قبول شهادتهم ، وقد ثبت فسقهم لظهور زناهم بالحجة فتبطل شهادتهم على المشهود عليه الأول ، وبقيت الشبهة التي أشار إليها أبو حنيفة رحمهم الله تعالى إن قصد الفريق الثاني بهذه الشهادة إبطال شهادة الفريق الأول ; لأنهم حين لم يشهدوا إلى أن شهد الفريق الأول ، فإما أن يكونوا كاذبين قاصدين إلى إبطال شهادتهم أو كانوا صادقين ولكنهم اختاروا الستر فلما شهد الفريق الأول حملتهم الضغينة على الشهادة عليهم دون الحسبة ومثل هذه الشهادة لا تقبل كما لو شهدوا بالزنا بعد تقادم العهد ولأن في لفظهم ما يدل على أن قصدهم المجازاة دون الحسبة ، فإن في الشهادة بطريق الحسبة يقولون زنوا وهم زناة ، وأما قولهم هم الذين زنوا يكون على طريق المجازاة ثم هذا يؤدي إلى التهاتر فربما يشهد فريق ثالث على الفريق الثاني بمثل ذلك ، ومثل هذا لا يجوز إقامة الحد به
( قال ) وإن شهد ثلاثة نفر وامرأتان بالزنا لم تجز شهادتهم { لحديث الزهري قال مضت السنة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده أن لا شهادة للنساء في حد الزنا } فكانوا جميعا قذفة
( قال ) وإن شهد أربعة على شهادة أربعة على رجل بالزنا لا تجوز شهادتهم ; لأن الشهادة على الشهادة فيها ضرب شبهة من حيث إن الكلام إذا تداولته الألسنة تمكن فيه زيادة ونقصان ولأن الشهادة على الشهادة بدل والأبدال منصوبة للحاجة ولا تقام الحدود بمثله ; لأنها مبنية على الدرء ولا حد على الفروع ; لأنهم ما نسبوا المشهود عليه إلى الزنا إنما حكوا شهادة الأصول بذلك والحاكي للقذف عن غيره لا يكون قاذفا ، فإن قدم الأصول فشهدوا على شهادة أنفسهم على هذا [ ص: 67 ] الرجل بالزنا لا تقبل شهادتهم لوجهين : أحدهما أن العهد قد تطاول والثاني أن الحاكم حكم برد هذه الشهادة ; لأن في الموضع الذي تقبل الشهادة على الشهادة نقبل شهادة الأصول أيضا ففي الموضع الذي ترد أيضا يتعدى رده إلى شهادة الأصول من وجه وذلك شبهة ولا حد على الشهود لتكامل عددهم ، ولأنا إنما لا نقيم الحد على المشهود عليه بنوع شبهة والشبهة تصلح لدرء الحد بها لا لإيجاب الحد .
( قال ) وإن قال الشهود للرجل والمرأة في غير مجلس القاضي نشهد أنكما زانيان وقدموهما إلى القاضي وشهدوا عليهما وقالا : إنهم قد قالوا لنا هذه المقالة قبل أن يرفعونا إليك ، ولنا بذلك بينة لم تقبل شهادتهما على ذلك ولم تسقط شهادتهم به وحد الرجل والمرأة ; لأنهم عدول .
( فإن قيل ) صاروا قاذفين لهما بالنسبة إلى الزنا في غير مجلس القاضي فكانوا متهمين في الشهادة من حيث إنهم قصدوا بها إسقاط الحد .
( قلنا ) إنما كان كذلك ; لأن تكامل العدد كما يمنع من أن يكون كلامهم قذفا في مجلس القاضي فكذلك في غير مجلسه ولأن المقصود من فعلهما الندم معناه أن مقصود الشهود من هذه المقالة في غير مجلس القاضي أنكما زانيان ليظهر الندم ليستروا عليهما أو الإصرار ليشهدوا عليهما ، والشاهد مندوب إلى ذلك ولأن كلامهم الأول موقوف فإذا اتصل به شهادتهم في مجلس القاضي لم يكن قذفا وإلا فحينئذ يكون قذفا
( قال ) وإذا شهدوا عليهما بالزنا فقال : اثنان طاوعته ، وقال آخران : استكرهها درئ الحد عنهما في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يحد الرجل وحده لهما أن الحجة في جانب الرجل تمت موجبة للحد فإنما الاختلاف بينهم في حالها ، وذلك لا يغير حكم الفعل في جانبه فإن الكل لو اتفقوا أنها كانت طائعة أو مكرهة يجب الحد على الرجل وهذا ; لأن الزنا فعلان من الرجل والمرأة ، وإنما يقام الحد على كل واحد منهما بفعله ، وقد اتفقوا على وجود الفعل الموجب للحد على الرجل ولأبي حنيفة رحمه الله طريقان : أحدهما ، أن كل اثنين شهدا بفعل آخر فما لم يتفق الأربعة على الفعل الواحد لا يثبت الزنا كما لو اختلفوا في المكان والزمان ، وبيانه أن شاهدي الطواعية شهدا بفعل مشترك بينهما فإنها إذا كانت طائعة كانت شريكة له في الفعل حتى تشاركه في إثم الفعل وشاهدا الإكراه شهدا بفعل تفرد به الرجل ; لأنه لا شركة للمرأة في الفعل إذا كانت مكرهة حتى لا تشاركه في إثم الفعل والفعل المشترك غير الفعل الذي تفرد به الرجل ، وقولنا إن الزنا فعلان يعني من حيث الحكم فأما في الحقيقة [ ص: 68 ] الفعل واحد ولهذا لو تمكنت الشبهة من أحد الجانبين يصير ذلك شبهة في إسقاط الحد عن الآخر والطريق الثاني ما ذكره الطحاوي أن الذين شهدوا أنها طاوعته صاروا قاذفين لها ملتزمين حد القذف لولا شهادة الآخرين أنه زنى بها وهي مكرهة فكانا خصمين ولا شهادة للخصم ، وإنما لا يقام حد القذف عليهما بشهادة آخرين بمنزلة من قذف امرأة ثم أقام شاهدين أنها زنت ، وهي مكرهة سقط الحد عن القاذف ولأن اعتبار عدد الأربعة في الشهادة على الزنا الموجب للحد وهذه شهادة على سقوط إحصانها ; لأن زنا المكرهة لا يوجب حد الزنا عليها بحال ، وسقوط الإحصان يثبت بشهادة شاهدين .
وبيان هذا الطريق فيما ذكره محمد في الكيسانيات قال : لو شهد ثلاثة أنها طاوعته وواحد أنها مكرهة فعند أبي حنيفة رحمه الله لا يقام الحد على الشهود ، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يقام على الثلاثة حد القذف بخصومتها ; لأنهم صاروا قاذفين لها ، والشاهد على سقوط إحصانها واحد وبشهادة واحد لا يثبت الإحصان وهذا ; لأن المكرهة لا فعل لها فتكون هذه الشهادة في حقها بمنزلة ما لو امتنع الرابع من أداء الشهادة .
( قال ) ولو شهد ثلاثة : أنه استكرهها وواحد أنها طاوعته فليس على هذا الواحد حد القذف لها بشهادة الباقي بسقوط إحصانها هذا كله بناء على ظاهر المذهب أن المكرهة على الزنا يسقط إحصانها ، وقد روي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه لا يسقط إحصانها بفعلها .
ووجه ظاهر الرواية أنها ممكنة من وطء حرام فإن الإكراه لا يعدم لها الفعل خصوصا فيما لا يصلح أن تكون المكرهة آلة للمكره ولأنها مضطرة إلى ذلك ، وذلك لا يمنع سقوط إحصانها
( قال ) وإن شهد أربعة على رجل أنه زنى بهذه المرأة في موضع كذا في وقت كذا وشهد أربعة أنه زنى بهذه المرأة الأخرى في ذلك الوقت بعينه في مكان آخر والبينتان بينهما بعد لم يحد واحد منهم ; لأن القاضي تيقن بكذب أحد الفريقين والشخصان في وقت واحد لا يتصور أن يكونا في مكانين مختلفين ، ولا يعرف الصادق من الكاذب فيمتنع للتعارض أو لتمكن تهمة الكذب في شهادة كل فريق أو لعدم ظهور رجحان جانب الصدق ، وإن شهد كل فريق منهم على وقت غير الوقت الآخر جازت الشهادة وحد الرجل والمرأتان ; لأنه ثبت على الرجل فعلان وعلى كل امرأة فعل موجب للحد بحجة كاملة فيقيم القاضي الحد عليهم إذ الزنا بعد الزنا يتحقق في وقتين ومكانين مختلفين بامرأة وامرأتين
( قال ) وإن شهد أربعة أنه زنى يوم النحر بمكة العبد [ ص: 69 ] وشهد أربعة أنه قتل يوم النحر بالكوفة فلانا لم تقبل واحدة من الشهادتين لتيقن القاضي بكذب أحد الفريقين ، ولا حد على شهود الزنا لتكامل عددهم وعلى هذا سائر الأحكام من العتاق والطلاق ولا يقال لا تنكر كرامة الأولياء فيجوز أن يكون في يوم واحد بمكة والكوفة ; لأن مثل ذلك الولي لا يزني ولا يجحد ما فعله ولأنا أمرنا ببناء الأحكام على ما هو الظاهر المعروف ، فإن حضر أحد الفريقين وشهدوا فحكم الحاكم بشهادتهم ثم شهد الآخرون فشهادة الآخرين باطلة ; لأن رجحان جانب الصدق ثبت في شهادة الأولين حين اتصل الحكم بها فيبقى الكذب في شهادة الفريق الثاني ، ولا يقام الحد على شهود الزنا وإن كانوا هم الفريق الثاني لتكامل عددهم
( قال ) وإذا ثبت حد الزنا على رجل بشهادة الشهود وهو محصن أو غير محصن ، فلما أقيم عليه بعضه هرب فطلبه الشرط فأخذوه في فوره أقيم عليه بقية الحد ; لأن الهروب غير مسقط عنه ما لزمه من الحد ، وأصله أن حد الزنا لا يقام بحجة البينة بعد تقادم العهد عندنا وكذلك كل حد هو محض حق الله تعالى وعند الشافعي رحمه الله تعالى يقام واعتبره بسائر الحقوق من حيث إن تقادم العهد غير مسقط عنه ما لزمه فاعتبر البينة بالإقرار فإن هذه الحدود تقام بالإقرار بعد تقادم العهد فكذلك بالبينة ; لأنها إحدى الحجتين .
( وحجتنا ) في ذلك حديث عمر رضي الله عنه حيث قال : أيما قوم شهدوا على حد لم يشهدوا عند حضرته فإنما هم شهود ضغن ، قال الحسن رحمه الله تعالى في حديثه : لا شهادة لهم ، والمغني أن الشاهد على هذه الأسباب مخير في الابتداء بين أن يستر عليه أو يشهد فلما أخر الشهادة عرفنا أنه مال إلى الستر ثم حملته العداوة على أن يترك الستر ويشهد عليه فلا تكون هذه شهادة بطريق الحسبة فلهذا لا تقبل بخلاف حد القذف فإن الشهادة عليه لا تقبل إلا بخصومة المقذوف وطلبه الحد فإنما أخروا أداء الشهادة لعدم الخصومة من المقذوف ولأن فيه بعض حق العباد وهو دفع العار عن المقذوف فمتى أقام الحجة عليه وجب الحكم به لدفع الضرر عنه .
ولا يدخل على هذا الكلام السرقة فإن الشهادة عليها لا تقبل قبل الخصومة ولكن خصومة المسروق منه هناك في المال لا في الحد وبعد تقادم العهد الشهادة مقبولة فيما فيه الخصومة له ، ولأن الحد هناك محض حق الله تعالى ، ولهذا صح الرجوع فيه عن الإقرار بخلاف حد القذف ، وحد الله تعالى أقرب إلى الدرء ; لأنه يتعالى عن أن يلحقه خسران أو ضرر وهذا بخلاف الإقرار ، فإن معنى الضغينة لا يتحقق في الإقرار بعد التقادم إذ الإنسان لا يعادي نفسه على وجه يحمله [ ص: 70 ] ذلك على الإقرار ولم يبين في الكتاب حد التقادم وقد روي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه قال : جهدت بأبي حنيفة رحمه الله تعالى كل الجهد فأبى أن يؤقت في التقادم وقتا ، وهذا ; لأن ذلك يختلف باختلاف أحوال الناس في البعد من القاضي والقرب وباختلاف عادة القاضي في الجلوس ، والتوقيت لا يكون بالرأي بل بالنص فلما لم يجد فيه نصا أبى أن يوقته بشيء ، وجعله موكولا إلى رأي القاضي .
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أنهم إذا شهدوا بعد سنة لا تقبل وأشار الطحاوي رحمه الله تعالى إلى ستة أشهر وهو الحين ، والأصح ما نقل عن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى أنهما قدرا ذلك بشهر فقالا : ما دون الشهر قريب عاجل والشهر وما فوقه آجل كما بينا في الإيمان ، فإذا شهدوا به بعد شهر لا تقبل ، ولكن هذا إذا لم يكن بينهم وبين القاضي مسيرة شهر فإن كان ذلك وعلم أنه تأخر الأداء لبعدهم من مجلسه لا يكون ذلك قدحا في شهادتهم ، ولا يمتنع إقامة الحد به لحديث المغيرة رضي الله عنه فإنه كان واليا بالبصرة حين جاء الشهود إلى المدينة فشهدوا عليه بالزنا ، فكتب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن سلم عملك إلى أبي موسى والحق بي ، ثم لما حضر قبل الشهادة عليه حتى قال بعد شهادة الواحد : أوه أودي ربع المغيرة ، فعرفنا أن التقادم إذا كان لعذر ظاهر لا يكون قدحا بالشهادة ، إذا عرفنا هذا قلنا في مسألة الكتاب ، وهو ما إذا هرب فوجد بعد أيام في القياس أنه لا يمتنع إقامة بقية الحد ; لأنه إنما تأخر لعذر وهو هربه فلا يكون ذلك قدحا في الشهادة ولكنه استحسن فقال العارض في هذه الحدود بعد الشهادة قبل الإتمام كالمقترن بالشهادة بدليل عمى الشهود وردتهم وهذا ; لأن التفريط هنا كان من أعوان الإمام حتى تمكن من الهرب منهم فالظاهر أنهم مالوا إلى اكتساب سبب درء الحد عنه ثم حملتهم العداوة على الجد في طلبه فكان هذا والضغينة في الشهود سواء
( قال ) ولا تسقط شهادة القاذف ما لم يضرب تمام الحد إذا كان عدلا ; لأن القذف خبر متردد بين الصدق والكذب فلا يكون مسقطا للشهادة ، وإنما المسقط للشهادة إقامة الحد عليه ; لأن الحكم بكذبه يتحقق والحد لا يتجزى فما دونه يكون تعزيرا لا حدا والتعزير غير مسقط للشهادة ففي هذه المسألة عن أبي حنيفة رحمه الله ثلاث روايات أحدها ما بينا وهو قولهما والثانية إذا أقيم عليه أكثر الحد سقطت شهادته إقامة للأكثر مقام الكل ، والثالثة إذا ضرب سوطا واحدا تسقط شهادته ; لأن من ضرورة إقامة ذلك القدر من الحد الحكم بكذبه وكذلك هذه الروايات [ ص: 71 ] الثلاثة في النصراني إذا أقيم عليه بعض الحد ثم أسلم على ما ذكر في الجامع الصغير
( قال ) وإذا أقيم على القاذف تسعة وسبعون سوطا ثم قذف آخر لم يضرب إلا ذلك السوط الواحد ; لأن مبنى الحدود على التداخل والمغلب عندنا في حد القذف حق الله تعالى ، ولهذا لو قذف جماعة لا يقام عليه إلا حد واحد عندنا على ما نبينه وقد اجتمع الحدان هنا ; لأن كمال الحد الأول بالسوط الذي بقي ، فلهذا يدخل أحدهما في الآخر ولا يقام إلا ذلك السوط .
توضيحه أن المقصود إظهار كذبه ليندفع به العار عن المقذوف وذلك يحصل في حقهما بإقامة السوط ; لأنه يصير محكوما بكذبه وتسقط شهادته
( قال ) وضرب التعزير أشد من ضرب الزنا وضرب الزاني أشد من ضرب شارب الخمر ، وحد القذف أخف من جميع ذلك ، أما ضرب التعزير أشد ; لأن المقصود به الزجر وقد دخله التخفيف من حيث نقصان العدد فلو قلنا بتخفيف الضرب أيضا فات ما هو المقصود ; لأن الألم ما لم يخلص إليه لا ينزجر ، ولهذا قلنا يجرد في التعزير عن ثيابه ويعذر في إزار واحد ، واختلفوا في مقدار التعزير ، ففي ظاهر المذهب لا يبلغ التعزير أربعين سوطا وقد روي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه يجوز أن يبلغ التعزير خمسة وسبعين سوطا ، وهو قول ابن أبي ليلى رحمه الله تعالى والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم { من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين } قال أبو يوسف رحمه الله تعالى المراد الحد الكامل وهو حد الأحرار وأدناه ثمانون جلدة ، فينقص التعزير من ذلك خمسة أسواط وقيل كان ابن أبي ليلى رحمه الله تعالى يضرب بالخمسين مرة واحدة فنقص ضربة واحدة في التعزير وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى قال لا يزاد على تسعة وثلاثين سوطا ; لأن الأربعين في حق العبد في القذف والشرب حد فنقص التعزير عنه بضربة واحدة .
وهذا بيان أقصى التعزير ، فأما فيما دون ذلك الرأي إلى الإمام يعزره بقدر ما يعلم أنه ينزجر به ; لأن ذلك يختلف باختلاف أحوال الناس وباختلاف جرائمهم ، وروى بشر عن أبي يوسف رحمهما الله تعالى قال : أقرب كل شيء من بابه فالتعزير في اللمس والقبلة بشهوة أقربه من الزنا ، والتعزير في الشبهة بغير الزنا أقربه من الشبهة بالزنا فاعتبر كل فرع بأصله فيما أقيم من التعزير ، ثم الضرب في الزنا أشد من الضرب في الشرب ; لأن حد الزنا يتلى في القرآن وقد سماه الله تعالى عذابا بقوله تعالى { وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } ، وقال تعالى { ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله } وحد الشرب لا يتلى في القرآن ، ولأن المقصود هو الزجر ودعاء الطبع إلى الزنا عند [ ص: 72 ] غلبة الشبق أكثر منه إلى الشرب ، ثم حد الشرب أشد من حد القذف ; لأن جريمة الشارب متيقن بها بخلاف جريمة القاذف فالقذف خبر متمثل بين الصدق والكذب وقد يعجز عن إقامة أربعة من الشهداء مع صدقه ، فلهذا كان حد القذف أخف من حد الشرب حتى يضرب حد القذف وعليه ثيابه ، إلا أنه ينزع عنه الحشو والفرو ليخلص الألم إلى بدنه وسائر الحدود تقام على الرجل في إزار ، إلا أنه روى ابن رستم عن محمد رحمهما الله تعالى أنه يقام عليه حد الشرب ، وعليه ثيابه أيضا ; لأن حد الشرب حد القذف كما قال علي رضي الله عنه إذا شرب هذى وإذا هذى افترى وحد المفترين في كتاب الله تعالى ثمانون جلدة ولأن حد الشرب كان بالجريد والنعال في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن اتفقت الصحابة على الجلد في عهد عمر رضي الله عنه ، ولهذا قال علي رضي الله عنه ما من أحد أقيم عليه حد فيموت فأحب أن أديه إلا حد الشرب فإنه بآرائنا ، ولضعفه قال : لا يجرد عن ثيابه ولكن في ظاهر الرواية لتحقق جريمته يجرد كما في حد الزنا

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|