عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 13-12-2025, 09:53 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,619
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع

صـــ 52 الى صـــ 61
(184)






وإذا شهد الشهود على رجل وامرأة بالزنا فادعت المرأة أنه أكرهها ولم يشهد الشهود بذلك ولكنهم شهدوا أنها طاوعته فعليهما الحد ; لأن إنكارها صفة الطواعية لا يكون فوق إنكارها أصل الفعل ولا ينفعها ذلك بعد ما شهد الشهود به عليها ولكن إن قالت : تزوجني ، وقال الرجل : كذبت بل زنيت بها فلا حد على واحد منهما ; لأنها تدعي عليه الصداق ولو ساعدها الزوج على ذلك لزمه الصداق فإذا أنكر كان لها أن تحلفه عليه فإذا نكل لزمه الصداق وإن حلف لم يلزمه الصداق ولا يحد واحد منهما ; لأنه لو أقيم الحد إنما يقام بالحلف والحدود لا تقام بالأيمان بخلاف الأول فإنها بدعوي الإكراه لا تدعي الصداق ; لأن الزنا بالمكرهة لا يوجب الصداق لها والشافعي رحمه الله يخالفنا في الفصلين فيقول بمجرد دعواهما أو دعوى أحدهما النكاح لا يسقط الحد لقوله صلى الله عليه وسلم { لو أعطي الناس بدعواهم } وهذا ; لأن كل زان لا يعجز عن دعوي نكاح صحيح أو فاسد فلو أسقطنا الحد بمجرد الدعوى لانسد باب إقامة الحد ولكنا نقول كما أمرنا بإقامة الحدود فقد أمرنا بدرئها بالشبهة قال صلى الله عليه وسلم { ادرءوا الحدود بالشبهات } وتتمكن الشبهة عند دعوى أحدهما النكاح لاحتمال أن يكون صادقا ، ألا ترى أنه تسمع بينته على ذلك ويستحلف خصمه على قول من يرى الاستحلاف في النكاح فإذا سقط الحد يسقط عن الآخر للشركة ولا يؤدي هذا إلى سد باب الحد ، ألا ترى أن هذا الحد يقام بالإقرار ثم لو رجع المقر عن إقراره لا يقام عليه ولا يؤدي ذلك إلى سد باب إقامة [ ص: 53 ] الحد في الإقرار .

فأما إذا زنى بمكرهة يلزمه الحد دون المهر عندنا وعند الشافعي رحمه الله تعالى يجب المهر لها وهي نظير مسألة القطع والضمان أنهما لا يجتمعان عندنا على ما نبينه في السرقة إن شاء الله تعالى والشافعي رحمه الله تعالى يقول : هنا المستوفى بالوطء متقوم لحقها بدليل أنه متقوم بالعقد والشبهة فلا يجوز إسقاط حقها عنه بغير رضاها ، فإذا كانت مطاوعة فقد رضيت بسقوط حقها فيجب المهر لها ولكنا نقول فعله بالمكرهة زنى والواجب بالزنا الحد فلا يجوز الزيادة على ذلك بالرأي ، ثم لو كان بضعها يتقوم على الزاني لم يسقط ذلك برضاها ، ألا ترى أنه لما كان يتقوم بشبهة العقد لم يسقط برضاها بأن طاوعته والدليل عليه أنه لو زنى بأمة وهي مطاوعة لم يجب المهر وتقوم بضعها لحق المولى فلا يسقط برضاها ولكن إنما لم يجب ; لأن البضع لا يتقوم بالمال بالزنا المحض ، وإنما يتقوم بالعقد أو بشبهته ولم يوجد ثم إذا سقط الحد عنه بدعواها النكاح وجب الصداق لها ; لأن الوطء في غير الملك لا ينفك عن عقوبة أو غرامة فإذا جعل ما ادعت من النكاح كالثابت في إسقاط الحد ، فكذلك في إيجاب المهر يجعل كالثابت في إيراث الشبهة

( قال ) وكذلك الرجل يطأ جارية امرأته وقال : ظننتها تحل لي ، أو يطأ جارية أبيه أو أمه ويقول : ظننت أنها تحل لي لا حد عليهما عندنا ، وقال زفر رحمه الله تعالى عليهما الحد ; لأن السبب وهو الزنا قد تقرر بدليل أنهما لو قالا علمنا بالحرمة يلزمهما الحد ولو سقط إنما يسقط بالظن والظن لا يغني من الحق شيئا كمن وطئ جارية أخيه أو أخته وقال : ظننتها تحل لي ولكنا نقول قد تمكنت بينهما شبهة اشتباه ; لأنه اشتبه عليه ما يشتبه ، فإن مال المرأة من وجه كأنه للزوج قيل في تأويل قوله تعالى { ووجدك عائلا فأغنى } أي بمال خديجة ، ولما جاء رجل إلى علي رضي الله عنه فقال : إن عبدي سرق مرآة امرأتي ، فقال : مالك سرق بعضه بعضا ولأنها حلال له فربما يشتبه عليه أن حال جاريتها كحالها ، وفي جارية الأب والأم .

كذلك قد يشتبه ذلك باعتبار أن الأملاك متصلة بين الآباء والأولاد ، والمنافع دائرة ولأن الولد جزء من أبيه فربما اشتبه عليه أنها لما كانت حلالا للأصل تكون حلالا للجزء أيضا وشبهة الاشتباه مؤثرة في حق من اشتبه عليه دون من لم يشتبه عليه كالقوم على مائدة فسقوا خمرا على علم منهم أنه خمر يلزمه الحد ومن لم يعلم لا يحد والأصل في حديث سعيد بن المسيب رضي الله عنه أن رجلا تضيف أهل بيت باليمن فأصبح يخبر الناس أنه زنى بربة البيت فكتب إلى عمر رضي الله عنه فقال عمر إن كان يعلم أن [ ص: 54 ] الله حرم الزنا فحدوه وإن كان لا يعلم فعلموه ، فإن عاد فحدوه فقد جعل ظن الحل في ذلك الوقت شبهة لعدم اشتهار الأحكام فلأن يكون الظن في موضع الاشتباه مورثا شبهة أولى فأما إذا لم يجب الحد وجب المهر ; لما بينا أن هذا الفعل في غير الملك لا ينفك عن عقوبة أو غرامة وإذا سقطت العقوبة وجب المهر

( قال ) وإذا شهد الشهود على رجل أنه استكره هذه المرأة فزنى بها حد الرجل دون المرأة ; لأن وجوب الحد للزجر وهي منزجرة حين أبت التمكين حتى استكرهها ، ولأن الإكراه من جهتها يعتبر في نفي الإثم عنها على ما ذكرنا في كتاب الإكراه أن لها أن تمكن إذا أكرهت بوعيد متلف ، والحد أقرب إلى السقوط من الإثم فإذا سقط الإثم عنها فالحد أولى ، ويقام الحد على الرجل ; لأن الزنا التام قد ثبت عليه وجنايته إذا استكرهها أغلظ من جنايته إذا طاوعته .

ولا يقال قد سقط الحد عنها فينبغي أن يسقط عنه كما لو ادعت النكاح وهذا ; لأن الشبهة بدعوي النكاح تتمكن في الفعل والفعل مشترك بينهما ، فأما كونها مكرهة لا يتمكن به شبهة في الفعل ولا يخرج فعل الرجل من أن يكون زنى محضا ; لأن المرأة محل الفعل ولا تنعدم المحلية بكونها مكرهة ، وهو كما لو زنى بصبية أو مجنونة أو نائمة يقام عليه الحد وإن لم يجب عليها
( قال ) ولو أن مجنونا أكره عاقلة حتى زنى بها لا حد على واحد منهما أما المرأة فلأنها مكرهة غير ممكنة طوعا ، وأما الرجل فلأنه مجنون ليس من أهل التزام العقوبة ، فإذا دعت العاقلة البالغة مجنونا أو صبيا إلى نفسها فزنى بها لا حد عليها عندنا ، وقال الشافعي رحمه الله تعالى عليها الحد وهو رواية عن أبي يوسف رحمه الله تعالى ; لأنها زانية فعليها الحد بالنص ، وبيانه وهو أن الزنا ليس إلا وطء متعر عن العقد والملك وشبههما وقد وجد ذلك إلا أنه سقط الحد عن أحدهما لانعدام الأهلية لمعنى فلا يمتنع إقامته على الآخر كما لو زنى بصبية أو مجنونة وهذا ; لأن فعل كل واحد منهما كامل في نفسه وهي في التمكين زانية كالرجل في الإيلاج ، ألا ترى أن الله تعالى سماها زانية وبدأ بذكرها وأن من نسبها إلى الزنا يلزمه الحد ، ولو كان لا يتصور منها مباشرة الزنا لم يحد قاذفها به كالمجبوب ولأنها بهذا التمكين تقضي شهوتها كالرجل بالإيلاج فإذا ثبت كمال الفعل من كل جانب يراعى حال كل واحد منهما فيما يلزمه من العقوبة .

( وحجتنا ) في ذلك أنها مكنت نفسها من فاعل لم يأثم ولم يحرج فلا يلزمها الحد كما لو مكنت نفسها من زوجها وبيان الوصف ظاهر ; لأن الإثم والحرج ينبني على الخطاب وهما لا يخاطبان وتحقيقه أن المباشر للفعل هو الرجل والمرأة تابعة بدليل [ ص: 55 ] تصور الفعل فيها وهي نائمة لا تشعر بذلك ، وإن لم يكن أصل الفعل زنى فهي لا تصير زانية ; لأن ثبوت التبع بثبوت الأصل وفعل الصبي والمجنون زنى لغة ، ولكن ليس بزنا شرعا ; لأن الزنا شرعا فعل وجب الكف عنه لخطاب الشرع فلا ينفك عن الإثم والحرج ، وفعل الصبي والمجنون لا يوصف بذلك وإذا انعدم الزنا شرعا في جانبه فكذلك في جانبها والحد حكم شرعي فيستدعي ثبوت سببه شرعا وإنما سماها الله تعالى زانية على معنى أنها مزني بها كما قال تعالى { في عيشة راضية } أي مرضية وقال تعالى { من ماء دافق } أي مدفوق ، وإنما يجب الحد على قاذفها لنسبتها إلى ما تتعير وتستوجب به الحد وتقضي به شهوتها وهو التمكين من الزنا وإن كانت تابعة في ذلك .

وأما الرجل إذا زنى بصبية فهو المباشر لأصل الفعل وفعله زنى لغة وشرعا فلهذا لزمه الحد بحقيقة أن المرأة محل والمحلية مشتهاة وذلك باللين والحرارة فلا يتمكن نقصان فيه بجنونها وصغرها فقد تم فعله زنى لمصادفة محله ، فأما من جانب الرجل استعمال الآلة لا نفس الآلة واستعمال الآلة لا يكون زنى شرعا إلا إذا كان واجب الكف عند الخطاب وذا بصفة الإثم والحرج وذلك ينعدم بالصبا والجنون وهذا فقه دقيق وفرق حسن وفي الكتاب علل فقال : ذكر الصبي كأصبعه ، معناه ما هو المقصود بالزنا معدوم في آلة الصبي فلا يكون فعله بهذه الآلة زنى والمعتوه بمنزلة الصبي في الحكم ، فأما المحصنة إذا زنى بها غير المحصن فعليها الرجم ; لأن فعل غير المحصن زنى فتصير هي زانية بالتمكين من الزنا ، ثم المعتبر حالها فيما يقام من العقوبة بعد تقرر السبب وكل رجل يزني بامرأة لا يجب عليها الحد بشبهة مثل الخرساء التي لا تنطق فلا حد عليه ; لأن الشبهة تمكنت هنا والخرساء لو كانت تنطق ربما تدعي شبهة نكاح وقد لا تقدر على إظهار ما في نفسها بالإشارة ، وقد بينا أنها لو ادعت النكاح سقط عنها الحد فكذلك إذا كانت خرساء والأصل فيه حديث عمر رضي الله تعالى عنه ادرءوا ما استطعتم فإن الإمام لإن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة ، فإذا وجدتم للمسلم مخرجا فادرءوا عنه وهذا بخلاف ما إذا زنى بصبية أو مجنونة ; لأن سقوط الحد عنها ليس للشبهة بل لانعدام الأهلية

( قال ) وإذا زنى الحربي المستأمن بالمسلمة أو الذمية فعليها الحد ولا حد عليه في قول أبي حنيفة ، وقال محمد رحمهما الله تعالى : لا حد على واحد منهما ، وهو قول أبي يوسف رحمه الله الأول ثم رجع وقال : يحدان جميعا ، أما المستأمن فعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لا تقام عليه الحدود التي هي لله تعالى خالصا كحد الزنا والسرقة وقطع الطريق ، وفي قول [ ص: 56 ] أبي يوسف الآخر والشافعي رحمهما الله تعالى يقام الحد عليه كما يقام على الذمي ; لأنه ما دام في دارنا فهو ملتزم أحكامنا فيما يرجع إلى المعاملات كالذمي ، ألا ترى أنه يقام عليه القصاص وحد القذف ويمنع من الربا ويجبر على بيع العبد المسلم والمصحف إذا اشتراه كما يجبر عليه الذمي ؟ وهذا ; لأن هذه الحدود تقام صيانة لدار الإسلام فلو قلنا لا تقام على المستأمن يرجع ذلك إلى الاستخفاف بالمسلمين وما أعطيناه الأمان ليستخف بخلاف حد شرب الخمر فإنه لا يقام على الذمي وهذا ; لأنهما يعتقدان إباحة شرب الخمر وإنما أعطيناهم الأمان على أن نتركهم وما يدينون .

( وحجتنا ) في ذلك قوله تعالى { ثم أبلغه مأمنه } فتبليغ المستأمن مأمنه واجب بهذا النص حقا لله تعالى ، وفي إقامة الحد عليه تفويت ذلك ولا يجوز استيفاء حقوق الله تعالى على وجه يكون فيه تفويت ما هو حق الله ، والمعنى أن المستأمن ما التزم شيئا من حقوق الله تعالى وإنما دخل تاجرا ليعاملنا ثم يرجع إلى داره ، ألا ترى أنه يمنع من الرجوع إلى دار الحرب ؟ ولو كان ملتزما شيئا من حقوق الله تعالى يمنع من ذلك كالذمي وهذا ; لأن منعه من أن يعود حربا للمسلمين بعد ما حصل في أيديهم حق الله تعالى بخلاف القصاص فإنه حق العباد وهو قد التزم حقوق العباد في المعاملات ، وحد القذف فيه بعض حق العباد أيضا ; لأن المقصود رفع العار عن المقذوف ، والإجبار على بيع العبد المسلم من حق العبد وهو من حقوق المسلمين أيضا ; لأن في استخدام العبد المسلم نوع إذلال بالمسلمين وكذلك في استخفافه بالمصحف وأما الربا فهو مستثنى من كل عهد قال صلى الله عليه وسلم { إلا من أربى فليس بيننا وبينه عهد } .

فأما في جانب المرأة المسلمة فمحمد رحمه الله تعالى يقول لا حد عليها أيضا ; لأنها مكنت نفسها من فاعل لا يلزم الحد بفعله فهو كالتمكين من صبي أو مجنون وهذا ; لأن الكفار لا يخاطبون بالشرائع عندنا ، وما هو من خالص حق الله تعالى فالخطاب فيه قاصر عن الكافر كما هو قاصر عن الصبي والمجنون وقاس هذا بما لو مكنت نفسها من مكره فإنه لا يجب الحد عليها وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول فعل المستأمن زنى بدليل أنه لو قذفه قاذف به بعد الإسلام لا يقام عليه الحد فصارت هي زانية بالتمكين من الزنا ويقام عليها الحد ، بخلاف الصبي والمجنون فإن فعلهما ليس بزنا شرعا حتى لو قذفهما قاذف بذلك الفعل بعد البلوغ والعقل يجب عليه الحد وهذا ; لأن معنى قولنا الكفار لا يخاطبون بالشرائع والعبادات التي تنبني على الإسلام ، فأما الحرمات ثابتة في حقهم وكان فعل المستأمن واجب الكف عنه بخطاب الشرع [ ص: 57 ] فيكون زنى إلا أنه لا يقام عليه الحد لوجوب تبليغه مأمنه وأما إذا مكنت نفسها من مكره فعند أبي حنيفة رحمه الله يجب الحد عليها ، وإن ضجع أبو يوسف رحمه الله تعالى الرواية فيه بقوله : لست أحفظ عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى في المكره شيئا وهذا ; لأن المكره ممنوع عن الإقدام على الزنا وفي الإقدام عليه يكون فعله زنى وتصير هي بالتمكين زانية تبعا فيلزمها الحد

( قال ) وإذا زنى المسلم أو الذمي بالمستأمنة حد المسلم والذمي دون المستأمنة عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى يحدان .

أما الكلام في المستأمنة فقد بيناه ، وتعذر إقامة الحد عليها ليس للشبهة فلا يمنع إقامته على الرجل مسلما كان أو ذميا ; لأن حد الزنا يقام على أهل الذمة عندنا ، وقال مالك رحمه الله تعالى : لا يقام ولكنه يدفع إلى أهل دينه ليقيموا عليه ما يعتقدون من العقوبة ; لما روي عن عمر وعلي رضي الله عنهما لما سئلا عن ذميين زنيا فقالا : يدفعان إلى أهل دينهما ، ولكنا نقول : قد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجم على اليهوديين وكانا ذميين ولنا فيه أسوة حسنة ، ولأن الذمي من أهل دارنا وملتزم أحكامنا فيما يرجع إلى المعاملات وهو يعتقد حرمة الزنا كما يعتقده المسلم فيقام عليه كما يقام على المسلم ; لأن المقصود من الحدود تطهير دار الإسلام عن ارتكاب الفواحش توضيحه أن من كان من أهل دارنا فهو تحت يد الإمام حقيقة وحكما حتى يمنعه من الرجوع إلى دار الحرب فيقيم الحد عليه أيضا بخلاف المستأمن فإنه ليس تحت يد الإمام حكما حتى لا يمنعه من الرجوع إلى دار الحرب

( قال ) وإذا شهد الشهود على رجل أنه زنى بامرأة فقال : ظننت أنها تحل لي أو شبهتها بامرأتي أو جاريتي لم يدرأ عنه الحد ; لأن فعل الزنا قد تحقق عنه وظنه هذا ليس بصادر عن دليل فكان لغوا
وكذلك لو أن بصيرا وجد امرأة على فراشه فواقعها على ظن أنها امرأته وهي أجنبية فعليه الحد ، وكذلك الأعمى عندنا ، وقال زفر رحمه الله : يدرأ الحد عن الأعمى ; لأنه عدم آلة التمييز وهو البصر فبني على ظاهر الحال ، والظاهر أن لا يكون على فراشه إلا زوجته أو أمته فيصير ذلك شبهة في حقه بخلاف البصير ، ومذهبنا مروي عن عمر رضي الله عنه ، والمعنى فيه إن اعتمد مجرد الظن فإن الموجودة على فراشه قد تكون أمه أو أخته وقد تكون أجنبية وقد تكون زوجته فلا معتبر بذلك ، وهو متمكن من أن يسألها كتمكن البصير من أن يراها .

فأما إذا دعا الأعمى امرأته إلى فراشه فأتته أجنبية فواقعها ، إن كانت قالت له أنا زوجتك فلا حد عليه وإن أجابت أو أتته ساكتة [ ص: 58 ] فكذلك الجواب عند أبي يوسف وعند محمد رحمهما الله تعالى يجب عليه الحد ; لأنها إذا قالت : أنا زوجتك فقد اعتمد خبر الواحد وذلك دليل شرعي ، ألا ترى أن البصير إذا تزوج امرأة فأخبره رجل أن امرأته هذه كان له أن يعتمد خبره ويطأها ؟ فإذا تبين أنها غير امرأته كان الثابت حكم الوطء بشبهة ، فكذلك هي إذا أخبرته بذلك ، فأما إذا لم تخبره فأبو يوسف رحمه الله تعالى يقول إجابتها أو إتيانها بعد ما دعا زوجته بمنزلة إخبارها أني زوجتك ومحمد رحمه الله تعالى يقول : إن أجابته إلى الفراش فهو كما لو وجدها نائمة على فراشه وكما لا يسقط الحد هناك بظنه فكذلك هنا

( قال ) رجل استأجر امرأة ليزني بها فزنى بها فلا حد عليهما في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي رحمهم الله تعالى : عليهما الحد لتحقق فعل الزنا منهما ، فإن الاستئجار ليس بطريق لاستباحة البضع شرعا فكان لغوا بمنزلة ما لو استأجرها للطبخ أو الخبز ثم زنى بها ، وهذا ; لأن محل الاستئجار منفعة لها حكم المالية والمستوفى بالوطء في حكم العتق وهو ليس بمال أصلا والعقد بدون محله لا ينعقد أصلا ، فإذا لم ينعقد به كان هو والإذن سواء .

ولو زنى بها بإذنها يلزمه الحد ولكن أبو حنيفة رحمه الله احتج بحديثين ذكرهما عن عمر رضي الله عنه أحدهما ما روي أن امرأة استسقت راعيا فأبى أن يسقيها حتى تمكنه من نفسها فدرأ عمر رضي الله عنه الحد عنهما ، والثاني أن امرأة سألت رجلا مالا فأبى أن يعطيها حتى تمكنه من نفسها فدرأ الحد وقال : هذا مهر ولا يجوز أن يقال إنما درأ الحد عنها ; لأنها كانت مضطرة تخاف الهلاك من العطش ; لأن هذا المعنى لا يوجب سقوط الحد عنه وهو غير موجود فيما إذا كانت سائلة مالا كما ذكرنا في الحديث الثاني مع أنه علل فقال إن هذا مهر ومعنى هذا أن المهر والأجر يتقاربان قال تعالى { فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن } سمي المهر أجرا .

ولو قال : أمهرتك كذا لأزني بك لم يجب الحد ، فكذلك إذا قال : استأجرتك توضيحه أن هذا الفعل ليس بزنا ، وأهل اللغة لا يسمون الوطء الذي يترتب على العقد زنى ولا يفصلون بين الزنا وغيره إلا بالعقد فكذلك لا يفصلون بين الاستئجار والنكاح ; لأن الفرق بينهما شرعي ، وأهل اللغة لا يعرفون ذلك فعرفنا أن هذا الفعل ليس بزنا لغة وذلك شبهة في المنع من وجوب الحد حقا لله تعالى كما لا يجب الحد على المختلس ; لأن فعله ليس بسرقة لغة ، يوضحه أن المستوفى بالوطء وإن كان في حكم العتق فهو في الحقيقة منفعة ، والاستئجار عقد مشروع لملك المنفعة وباعتبار هذه الحقيقة يصير شبهة [ ص: 59 ] بخلاف الاستئجار للطبخ والخبز ولأن العقد هناك غير مضاف إلى المستوفى بالوطء ولا إلى ما هو سبب له ، والعقد المضاف إلى محل يوجب الشبهة في ذلك المحل لا في محل آخر

( قال ) رجل أكره حتى زنى بامرأة كان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول أولا يلزمه الحد وهو قول زفر رحمه الله تعالى ; لأن الرجل لا يزني ما لم تنتشر آلته وذلك دليل الطواعية بخلاف المرأة فإن التمكين يتحقق منها مع الإكراه فلا يكون تمكينها دليل الطواعية ثم رجع فقال إذا كان المكره سلطانا فلا حد عليه ; لأن الحد مشروع للزجر وهو منزجر عن الزنا وإنما كان قصده من الإقدام دفع الهلاك عن نفسه فلا يلزمه الحد كالمرأة وهذا ; لأن انتشار الآلة لا يدل على أنه كان طائعا ; لأن انتشار الآلة قد يكون طبعا وقد يكون طوعا .

ألا ترى أن النائم قد تنتشر آلته من غير قصد وفعل منه ؟ وإنما انتشار الآلة دليل الفحولية ، فأما إذا أكرهه غير السلطان عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى يلزمه الحد إذا زنى وعندهما إذا جاء من إكراه غير السلطان ما يشبه إكراه السلطان فلا حد عليه ، وقيل هذا اختلاف عصر ، فإن السلطان كان مطاعا في زمن أبي حنيفة ، ولم ير لغير السلطان من القوة ما يقوى به على الإكراه ، فقال : لا يتحقق الإكراه إلا من السلطان ، ثم في عصرهما قد ظهرت القوة لكل متغلب فقالا : يتحقق الإكراه من غير السلطان ، وجه قولهما أن المعتبر خوف التلف على نفسه وذلك يتحقق إذا كان المكره قادرا على إيقاع ما هدد به سلطانا كان أو غيره ، بل خوف التلف هنا أظهر ; لأن المتغلب يكون مستعجلا لما قصده لخوفه من العزل بقوة السلطان والسلطان ذو أناة بما يفعله ، فإذا تحقق الإكراه من السلطان بالتهديد فمن المتغلب أولى وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول ما يكون مغيرا للحكم يختص بالسلطان كإقامة الجمعة ونحوها ، وتحقيقه أن الإكراه من غير السلطان نادر ; لأنه مغلوب بقوة السلطان فالمبتلى به يستغيث بالسلطان ليدفع شره عنه فإذا عجز عن ذلك فهو نادر ولا حكم للنادر فأما المبتلى بالسلطان لا يمكنه أن يستغيث بغيره ليدفع شره عنه فيتحقق خوف التلف على نفسه فيكون ذلك مسقطا للحد عنه

( قال ) رجل زنى بأمة أو حرة ثم قال اشتريتها درئ عنه الحد ; لأنه ادعى سببا مبيحا فإن الشراء في الأمة يفيد ملك المتعة وفي الحرة النكاح فإنه ينعقد بلفظ الشراء فكان دعواه الشراء كدعوى النكاح وقد بينا أن مجرد دعوى النكاح يسقط الحد
( قال ) وإذا شهد الشهود على رجل بالزنا وزكاهم المزكون وزعموا أنهم أحرار مسلمون فرجمه الإمام ثم تبين أنهم عبيد أو مجوس فإن ثبت [ ص: 60 ] المزكون على التزكية وزعموا أنهم أحرار فلا ضمان عليهم ولا على الشهود أما على الشهود فلأنه لم يتبين كذبهم ولم تقبل شهادتهم إذ لا شهادة على المسلمين للعبيد والكفار ، وأما على المزكين فلأنهم اعتمدوا ما سمعوا من إسلامهم وحريتهم وإنما زكوهم بقول الناس فلم يتبين كذبهم فيما أخبروا به القاضي من قول الناس إنهم أحرار مسلمون فأما إذا رجعوا عن التزكية ، وقالوا : تعمدنا فعليهم ضمان الدية في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى : لا ضمان على المزكين ولكن الدية في بيت المال في الوجهين ; لأن المزكين ما أثبتوا سبب الإتلاف وهو الزنا وإنما أثنوا على الشهود خيرا ، فكانوا في المعنى كشهود الإحصان ، إلا أن أولئك أثبتوا خصالا محمودة في الزاني لا يقام الرجم عليه إلا بها وهؤلاء أثبتوا خصالا في الشاهد لا يقام الرجم إلا عندها ، فكما لا ضمان على شهود الإحصان إذا رجعوا فكذلك لا ضمان على المزكين وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : المزكون جعلوا ما ليس بموجب موجبا فكانوا بمنزلة من أثبت سبب الإتلاف ، وبيان ذلك أن الشهادة لا توجب شيئا بدون التزكية ، وسبب الإتلاف الشهادة ، وإنما كانت موجبة بالتزكية فكانت التزكية علة العلة وهي بمنزلة العلة في إضافة الحكم إليه ، بخلاف شهود الإحصان فإن الشهادة على الزنا بدون الإحصان موجب للعقوبة ، وشهود الإحصان ما جعلوا ما ليس بموجب موجبا وأما الشهادة لا توجب شيئا بدون التزكية فمن هذا الوجه تقع الفرقة بينهما ولهذا اشترط الذكورة في المزكين كشهود الزنا .

ويثبت الإحصان بشهادة النساء مع الرجال وإن كان المزكون قالوا هم عدول فلا شيء عليهم بالاتفاق ; لأنهم صادقون في ذلك والعبد قد يكون عدلا ويكون القاضي جهل حين اكتفى منهم بهذا القدر فلهذا لا يضمن المزكون

( قال ) وإذا زنى بجارية فقتلها ، إن قتلها بفعله فعليه الحد وضمان القيمة ، الحد للزنا والقيمة لإتلاف النفس ، وهما معنيان كل واحد منهما منفصل عن الآخر ، وكذلك لو فعل ذلك بحرة فعليه الحد والدية وروى بشر عن أبي يوسف رحمه الله تعالى في الأمة يدرأ عنه الحد للشبهة ; لأن ضمان القيمة سبب لملك الأمة بخلاف الحرة ، وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أنه إذا زنى بأمة فأذهب بصرها فعليه قيمتها وسقط عنه الحد ; لأن الجثة العمياء تملك بالضمان فيصير ذلك شبهة في إسقاط الحد ، فأما إذا قتلها فإنما لزمه ضمان القيمة بالجناية ، وضمان القيمة بالجناية بدل النفس فلا يوجب الملك ; لأن وجوبها بعد تقرر الجناية بالموت وهي ليست بمحل للملك [ ص: 61 ] بعد الموت
( قال ) وإذا زنى بأمة هي رهن عنده فإن قال ظننت أنها تحل لي درئ عنه الحد ، وإن قال : علمت أنها علي حرام حد ; لأن عقد الرهن يثبت ملك اليد حقا للمرتهن وبملك اليد تثبت شبهة الاشتباه كما في المعتدة من خلع أو من تطليقات إذا وطئها ، وقال : ظننت أنها تحل لي لا يحد لبقاء ملك اليد له فيها بسبب العدة ، وذكر في كتاب الرهن أنه يحد على كل حال ; لأن حق المرتهن إنما يثبت في المالية وذلك ليس بسبب للحل بحال وهو نظير الغريم إذا وطئ جارية من التركة يلزمه الحد وإن كانت المالية حقا له فإنها تباع في دينه
( قال ) ولو استأجر أمة لتخدمه أو استعارها فزنى بها فعليه الحد في الوجهين جميعا لانعدام شبهة الاشتباه فإن ملك المنفعة لا يتعدى إلى ملك المحل بحال
( قال ) وإذا شهد أربعة على رجل بالزنا واختلفوا في المزني بها أو في المكان أو في الوقت بطلت شهادتهم وذلك ; لأن الزنا فعل يختلف باختلاف المحل والمكان والزمان وما لم يجتمع الشهود الأربعة على فعل واحد لا يثبت ذلك عند الإمام ، ولكن لا حد على الشهود عندنا ، وقال زفر رحمه الله : عليهم حد القذف ; لأن كل اثنين نسباه إلى زنى آخر فكانا قاذفين له ، وشرط سقوط الحد عنهم اجتماعهم على الشهادة بزنا واحد .

ألا ترى أنه لو شهد ثلاثة وسكت الرابع حد الثلاثة ؟ فكذلك إذا شهد كل اثنين على زنا آخر ; لأن الزنا لا يثبت بشهادة المثنى ، ولكنا نقول : قد اجتمع الأربعة على الشهادة عليه بالزنا ، وذلك منع من وجوب الحد عليهم ، كما لو شهد أربعة من الفساق بالزنا على رجل توضيحه أنا لو اعتبرنا اختلافهم في المزني بها أو في المكان أو في الزمان في إيراث الشبهة وذلك مسقط للحد عن المشهود عليه غير موجب للحد عليهم ، ويجعل في الحكم كأنهم امتنعوا من بيان ذلك أصلا ، ولو شهدوا عليه بالزنا وامتنعوا من بيان المزني بها والمكان والزمان لا يقام الحد على المشهود عليه ولا عليهم فهذا مثله .

( قال ) وإذا شهدوا على بيت واحد أنه زنى بها فيه ، فقال اثنان : في مقدمه وقال اثنان : في مؤخره في القياس لا حد على المشهود عليه وهو قول زفر رحمه الله تعالى ; لأن الفعل في مقدم البيت غير الفعل في مؤخر البيت وهو بمنزلة الشهادة في بيتين أو قبيلتين ، وفي الاستحسان يقام الحد على المشهود عليه عندنا ; لأنهم اجتمعوا على فعل واحد واختلفوا فيما لم يكلفوا نقله ، والتوفيق ممكن فوجب قبول شهادتهم كما لو اختلفوا في ثيابها حين زنى بها وبيان الوصف أنهم لو شهدوا أنه زنى بها في هذا البيت لم يسألهم القاضي إن كان في مقدمه أو في مؤخره ، وبيان إمكان التوفيق من وجهين ( أحدهما ) [ ص: 62 ] أن ابتداء الفعل كان في مقدم البيت وانتهاءه كان في مؤخره لاضطرابهما أو كان في وسط البيت فظن اثنان أن ذلك الموضع من مقدم البيت واثنان أنه من مؤخر البيت فشهدوا على ما وقع عندهم بخلاف البيتين والقبيلتين فالتوفيق هناك غير ممكن ، ثم هذا الاستحسان منا لتصحيح الشهادة لا لإقامة الحد فإنما يستحسن لدرء الحد ولم يذكر إذا تقارب اختلافهم في الزمان ، والجواب فيه كالجواب في المكان إذا تقارب على وجه يمكن التوفيق تقبل شهادتهم استحسانا ، ولو اختلفوا في الثوب الذي كان عليه حين زنى بها لم تبطل شهادتهم ; لأنهم لو امتنعوا من بيان ثوبه حين زنى لم يقدح ذلك في شهادتهم فعرفنا أنهم اختلفوا فيما لم يكلفوا نقله والتوفيق ممكن لجواز أن يكون عليه ثوبان وقع بصر اثنان على أحدهما وبصر الآخرين على الآخر


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.40 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.77 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.48%)]