عرض مشاركة واحدة
  #183  
قديم 13-12-2025, 09:45 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,619
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع

صـــ 42 الى صـــ 51
(183)




فكذلك تكميلها ، ألا ترى أن هذا الزاني لو كان عبدا مسلما لذمي فشهد ذميان أن مولاه كان أعتقه قبل الزنا وقد استجمع سائر شرائط الإحصان لا تقبل شهادتهما ، ومعلوم أن في غير هذه الحالة شهادة أهل الذمة على العتق على الذمي مقبولة ، ولكن لما كان المقصود هنا تكميل العقوبة على المسلم نظرنا إلى المقصود دون المشهود به .

يوضح ما قلنا أن الإحصان شرط والحكم يضاف إلى الشرط وجودا عنده كما يضاف إلى السبب ثبوتا به فكما لا يثبت سبب العقوبة بشهادة النساء فكذلك شرطها .

( وحجتنا ) فيه أن الإحصان ليس بسبب موجب للعقوبة فيثبت بشهادة الرجال مع النساء كسائر الحقوق ، وهذا لا إشكال فيه فإن الإحصان عبارة عن خصال حميدة بعضها مأمور به وبعضها مندوب إليه فيستحيل أن يكون سببا لإيجاب العقوبة ولا هو شرط أيضا ; لأن الشرط ما يتوقف الحكم على وجوده بعد السبب ولا يتوقف وجوب الرجم على وجود الإحصان بعد الزنا فإنه وإن صار محصنا بعد الزنا لم يرجم ولكنه عبارة عن حال في الزاني يصير الزنا في تلك الحالة موجبا للرجم ، والحكم غير مضاف إلى الحال ثبوتا به ولا وجودا عنده ، فعرفنا أن الشهادة بالنكاح في هذه الحال وفي غير هذه الحالة سواء .

وأما شهادة أهل الذمة فنقول : العتق هناك يثبت وإنما لا يثبت سبق التاريخ ; لأن هذا تاريخ ينكره المسلم وما ينكره المسلم لا يثبت بشهادة أهل الذمة ولأن المسلم يتضرر بهذه الشهادة من حيث إقامة العقوبة الكاملة عليه ، ولا يجوز أن يتضرر المسلم بشهادة الكفار ، وتحقيقه أن شهادة أهل الذمة دخلها الخصوص في المشهود عليه لا في المشهود به فإن شهادتهم على المسلمين غير مقبولة وعلى أهل الذمة مقبولة في الحدود وغيرها فإذا كان الخصوص في [ ص: 43 ] المشهود عليه ينظر إلى من يقام عليه الحكم بعد شهادتهم والذي يقام هنا الحد الكامل على المسلم فلا تقبل شهادتهما فيه ، فأما شهادة الرجال مع النساء دخلها الخصوص في المشهود به لا في المشهود عليه فإنما يمتنع قبولها إذا كان المشهود به سبب العقوبة أو شرطا مؤثرا في العقوبة ، وقد بينا أن ذلك غير موجود في الإحصان فلهذا قبلت شهادة النساء مع الرجال هنا .

( قال ) فإن قال شهود الإحصان حين استفسرهم القاضي : إنه تزوج امرأة فجامعها أو باضعها فذلك كاف ; لأن مطلق الجماع يتناول الجماع في الفرج خاصة ، ولهذا ما تعلق بالجماع من الأحكام شرعا إنما يتعلق بالجماع في الفرج ، والمباضعة مفاعلة من إدخال البضع في البضع فأما إذا قالوا دخل بها فذلك يكفي لثبوت الإحصان في قول أبي حنيفة ولا يكفي في قول محمد رحمهما الله تعالى ولم يذكر قول أبي يوسف وهو كقول أبي حنيفة رحمهما الله تعالى محمد رحمه الله يقول : الدخول مشترك قد يراد به الوطء وقد يراد به الملاقاة .

وكل لفظ مشترك أو مبهم يذكر الشهود فعلى القاضي أن يستفسرهم ليكون إقدامه على الأمر عن بصيرة ، ألا ترى أنهم لو قالوا : أتاها أو قربها لا يكتفى بذلك ؟ وأبو حنيفة رحمه الله قال : إنهم ذكروا الدخول مضافا إليها والدخول مضافا إلى النساء بحرف الباء يراد به الجماع ، قال الله تعالى { من نسائكم اللاتي دخلتم بهن } وإذا قيل : فلان دخل بامرأته لا يفهم منه إلا الجماع ، والاسم مشترك بدون الصلة ، وأما مع هذه الصلة والإضافة فلا وهو كاسم الوطء فقد يراد به الوطء بالقدم ، ثم إذا قالوا : وطئها كان ذلك كافيا لثبوت الإحصان فهذا مثله ، ولكن محمد رحمه الله تعالى يقول : قد يقال : دخل بها والمراد مر بها أي خلى بها إلا أن ذلك نوع مجاز والمجاز لا يعارض الحقيقة .

( قال ) وإن شهدوا على التزويج فقط غير أن له منها ولدا فهو إحصان ، ولا يكون الإحصان بشيء أبين من هذا ; لأنا لما حكمنا بثبوت النسب منه فقد حكمنا بالدخول بها وذلك أقوى من شهادة الشهود على أنه جامعها ، ولأن الذي يقع به العلم بالدخول بها إذا كان بينهما أولاد فوق ما يقع بشهادة الشاهدين .

( قال ) ولا يكون محصنا بالخلوة الموجبة للمهر والعدة ; لأن المقصود انكسار الشهوة بإصابة الحلال لاستغنائه عن الحرام ، وذلك لا يحصل بالخلوة وإنما تجعل الخلوة تسليما للمستحق بالعقد في حكم المهر والعدة ، ألا ترى أن سائر الأحكام المتعلقة بالوطء لا يثبت شيء منها بالخلوة ؟ فكذلك الإحصان

( قال ) ولا يجمع بين الجلد والرجم ، ولا بين الجلد والنفي أما في حق [ ص: 44 ] الجمع بين الجلد والرجم في حق المحصن فقد بيناه ، وأما في حق البكر فلا يجمع بين الجلد والنفي عندنا ، وقال الشافعي رحمه الله تعالى : يجمع بينهما فيجلد مائة ويغرب سنة ، واحتج في ذلك { بحديث العسيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال على ابنك جلد مائة وتغريب عام } وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب وغرب وأبو بكر رضي الله عنه ضرب وغرب وعمر رضي الله عنه ضرب وغرب ، واشتغل بعضهم بالقياس فقال : النفي مما يقع به التعزير فكان من جنسه حدا كالجلد ، ولكن هذا كلام الجهال فإن إثبات الحدود وتكميلها بالقياس لا يكون ولكن الحرف لهم أن الزنا قبل أن تتخذه المرأة عادة تكتسب به إنما ينشأ من الصحبة والمؤالفة والمؤانسة ، والفراغ والتغريب قاطع لهذا السبب والحد مشروع للزجر عن ارتكاب سببه فما يكون قاطعا للسبب يحصل به المقصود فيكون حدا .

ألا ترى أن حد السرقة مشروع بقطع اليد والرجل ; لأن تمكنه من هذا الفعل بالمشي والبطش فقطع الآلة الماشية والباطشة مانع له من ذلك ولا معنى لقولكم كيف تنفي مع المحرم أو بغير محرم ; لأن النفي هجرة واجبة فلا يعتبر فيه المحرم كالهجرة في التي أسلمت في دار الحرب ، فلما كان حدا فعلى الإمام أن يتكلف لما يحتاج إليه في إقامته كالجلد .

( وحجتنا ) فيه قوله تعالى { فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } فقد جعل الجلد جميع حد الزنا فلو أوجبنا معه التغريب كان الجلد بعض الحد فيكون زيادة على النص وذلك يعدل النسخ ، وروي { أن محدجا سقيما وجد على بطن أمة من إماء الحي يفجر بها فأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : اضربوه مائة ، فقالوا : إن بدنه لا يحتمل الضرب ، فقال صلى الله عليه وسلم : خذوا عثكالا عليه مائة شمراخ فاضربوه بها } ولم يأمره بالتغريب ، ولو كان ذلك حدا لتكلف له كما تكلف للحد ، وأن عمر رضي الله عنه جلد أبا بكرة رضي الله تعالى عنه في داره على الزنا ، وأمر امرأته أن تكتم فلو كان التغريب متمما للحد لما أمرها بالكتمان ; لأن ذلك لا يتصور ولما نفي شارب الخمر ارتد ولحق بالروم فقال والله لا أنفي أحدا بعد هذا أبدا فلو كان مشروعا حدا لما حلف أن لا يقيمه قال علي رضي الله عنه كفى بالنفي فتنة والحد مشروع لتسكين الفتنة فما يكون فتنة لا يكون حدا .

وعن إبراهيم رحمه الله تعالى أن عليا وابن مسعود رضي الله عنهما اختلفا في أم ولد زنت بعد موت مولاها قال علي رضي الله عنه تجلد ، ولا تنفى ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه تنفى وأخذنا بقول علي رضي الله عنه ; لأنه أقرب إلى دفع الفتنة والفساد ومعنى هذا ما ذكره في الكتاب قال أرأيت شابة زنت أكنت [ ص: 45 ] أنفيها ؟ أي في نفيها تعريض لها لمثل ما ابتليت به فإنها عند أبويها تكون محفوظة ففي دار الغربة تكون خليعة العذار ، والنساء لحم على وضم إلا ما ذب عنهن ، وإنما تبقى المرأة محفوظة بالحافظ والاستحياء وذلك ينعدم بالتغريب فيكون تعريضا لها للإقدام على هذه الفاحشة برفع المانع وهذا أولى مما قاله الخصم ; لأن ما ينشأ عن الصحبة والمؤانسة يكون مكتوما ، وما ينشأ عن المواقحة يكون ظاهرا ، فإن في هذا قطعا لسبب ما ينشأ عن المحادثة وهو مكتوم ففيه تعريض للزنا بطريق الوقاحة وهو أفحش ثم قال : أرأيت أمة زنت أكنت أنفيها ؟ فأحول بينها وبين مولاها وبين خدمتها وحق المولى في الخدمة مرعي وهو مقدم على الشرع ، وإذا ثبت أن الأمة لا تنفى فكذلك الحرة ; لأن الله قال { فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب } وإذا ثبت أن نصف الحد خمسون جلدة ثبت أن كماله مائة جلدة ثم لا يجوز أن تنفى الحرة مع المحرم ; لأن المحرم لم يزن فكيف يقام عليه الحد ؟ وبدون المحرم هي ممنوعة عن المسافرة شرعا فلا يجوز إقامة الحد بطريق فيه إبطال ما هو مستحق شرعا .

فأما المهاجرة لا تقصد السفر بغير محرم وإنما تقصد التخلص من المشركين حتى لو وصلت إلى جيش لهم منعة في دار الإسلام وأمنت لم يكن لها أن تسافر بغير محرم بعد ذلك ، فأما الحديث فقد بينا أن الجمع بين الجلد والتغريب كان في الابتداء ثم انتسخ بنزول سورة النور .

والمراد بالتغريب الحبس على سبيل التعزير قيل في تأويل قوله تعالى { أو ينفوا من الأرض } : إنه الحبس ، وقال القائل :


ومن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وقيار بها لغريب


أي : محبوس ، ونحن نقول بحبس بطريق التعزير حتى تظهر توبته وإن ثبت النفي على أحد فذلك بطريق المصلحة لا بطريق الحد كما نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم هيت المخنث من المدينة ، ونفى عمر رضي الله عنه نصر بن حجاج من المدينة حين سمع قائلة تقول :
هل من سبيل إلى خمر فأشربها أو هل سبيل إلى نصر بن حجاج
فنفاه والجمال لا يوجب النفي ولكن فعل ذلك للمصلحة ، فإنه قال : وما ذنبي يا أمير المؤمنين قال : لا ذنب لك وإنما الذنب لي حيث لا أطهر دار الهجرة منك ، وقول ابن أبي ليلى رحمه الله تعالى في النفي كقول الشافعي رحمه الله تعالى ، إلا أنه يقول ينفي إلى بلد غير البلد الذي فجر فيه ولكن دون مسيرة سفر وعند الشافعي رحمه الله لا يكون النفي دون مسيرة سفر .

( قال ) ولا يكون محصنا بالجماع في النكاح الفاسد ; لأنه نوع من الوطء الحرام فلا يتم به عليه النعمة [ ص: 46 ] ولا يستفيد كمال الحال ، والإحصان عبارة عن ذلك ولا بالجماع في النكاح الصحيح إذا كان قال لها إن تزوجتك فأنت طالق ; لأن الدلالة قامت لنا على أنها تطلق بنفس العقد فجماعه إياها بعد ذلك يكون زنى إلا أنه لا يجب به الحد لشبهة اختلاف العلماء ولكن لا يستفاد بهذا الفعل كمال الحال ، وكذلك إن تزوج المسلم مجوسية أو مسلمة بغير شهود فدخل بها ; لأن هذا من أنواع النكاح الفاسد
( قال ) وإذا ثبت الزنا عند القاضي سأل الزاني : أمحصن أنت ؟ لأنه لو أقر بالإحصان استغنى القاضي عن طلب إحصانه بالحجة ، فإن أنكر إحصانه وشهد الشهود عليه فرجم ثم رجع شهود الإحصان لم يضمنوا شيئا ; لأنهم ما شهدوا بسبب العقوبة ولا بشرطها ، ولأن سبب العقوبة ثابت ببقاء شهود الزنا على شهادتهم ، فإن رجع شهود الزنا وشهود الإحصان فلا ضمان على شهود الإحصان عندنا وعلى قول زفر رحمه الله تعالى يشتركون في الضمان بناء على أصل أن الإحصان شرط الرجم وأن شهود الشرط يضمنون عند الرجوع كشهود السبب عنده ، وعندنا لا ضمان على شهود الشرط ، ثم قد بينا أن الإحصان ليس بشرط ; لأن الشرط حقيقة ما يتوقف تمام السبب عليه ولكنه حال في الزاني فلا يكون الإتلاف مضافا إليه بوجه ، وربما قال زفر رحمه الله تعالى : الإحصان يغلظ جريمته والرجم عقوبة جريمة مغلظة ، فإذا ثبت أن بشهود الإحصان تغلظت جريمته كانوا بمنزلة من أثبت أصل الجريمة فصاروا في المعنى كستة نفر شهدوا على استحقاق القتل ، ولكن هذا بعيد ، فإن الإسلام والنكاح يثبت بشهادتهما ولا يجوز أن تضاف إليهما الجريمة ولا تغليظها ، ألا ترى أنه لو شهد رجلان بالزنا وآخران بالإحصان لا تتم الحجة ، معلوم أن الرجم يستحق بشهادة شهود أربعة فلو كان شهود الإحصان كشهود الزنا لتمت الحجة هنا ، فأما إذا رجع شهود الزنا أو بعضهم فالمسألة على ثلاثة أوجه :

إما أن يرجع أحدهم قبل القضاء أو بعد القضاء قبل إقامة الحد أو بعد إقامة الحد ، فإن رجع أحدهم قبل القضاء يحدون حد القذف عندنا كما لو رجعوا جميعا ، وقال زفر رحمه الله تعالى لا يحد إلا الراجع خاصة وجه قوله أن الحجة تمت باجتماع الأربعة على أداء الشهادة ، وتمام الحجة يمنع من أن يكون كلامهم قذفا ، ثم الراجع فسخ معنى الشهادة من كلامه برجوعه فينقلب كلامه قذفا ولكن له ولاية فسخ الشهادة على نفسه لا على غيره فيبقى كلام الباقين [ ص: 47 ] شهادة وصار في حقهم كأنه لم يرجع فلا يلزمهم الحد بخلاف ما إذا شهد ثلاثة وامتنع الرابع ; لأن الحجة لم تتم هناك والشهادة على الزنا في الحقيقة قذف ، ولكن باعتبار تمام الحجة يخرج من أن يكون قذفا شرعا فلما لم تتم الحجة هناك بقي كلامهم قذفا فيلزمهم الحد ولما تمت الحجة هنا لم يكن كلامهم قذفا ، ثم حكم فسخ الشهادة برجوع الرابع مقصور عليه فلا يتعدى إلى الباقي .

( وحجتنا ) فيه أن العارض بالشهود قبل القضاء كالمقترن بأصل الأداء بدليل عمى الشهود وردتهم وبدليل المال ، فإن رجوع الشهود هناك قبل القضاء يمنع القاضي من القضاء بالمال لعدم تمام الحجة في الابتداء ، فإذا ثبت هذا فنقول : لو امتنع الرابع من أداء الشهادة في الابتداء يقام حد القذف على الثلاثة ، ولا يكون ذلك لسكوت الرابع بل بنسبتهم إياه إلى الزنا ، فكذلك إذا رجع أحدهم قبل القضاء قوله إن الحجة تمت وكان كلامهم شهادة .

( قلنا ) هذا موقوف مراعى ; لأن الشهادة لا تكون حجة موجبة ما لم يتصل بها القضاء ، فإذا لم يتصل القضاء هنا بالشهادة حتى رجع أحدهم بقي كلامهم قذفا بالزنا إلا أن يكون حجة الحد على المشهود عليه تامة ، ألا ترى أن كلام الراجع قذف بالزنا ؟ ومعلوم أنه لو شهد مع القاذف ثلاثة نفر يقام عليهم الحد جميعا فكذلك هنا ، فأما إذا رجع أحدهم بعد القضاء قبل استيفاء الحد فإنه لا يقام الحد على المشهود عليه ; لأن العارض بعد القضاء فيما يندرئ بالشبهات كالعارض قبله بدليل عمى الشهود وردتهم وهذا ; لأن الإمام لا يمكنه إقامة الحد إلا بحجة كاملة ولم تبق بعد رجوع أحدهم ثم على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى الآخر يحدون جميعا حد القذف استحسانا ، وعند محمد وزفر رحمهما الله تعالى يحد الراجع وحده وهو القياس وهو قول أبي يوسف الأول رحمه الله تعالى ; لأن الأصل أن رجوع الشاهد بعد القضاء قبل الاستيفاء فيما يندرئ بالشبهات كالرجوع قبل القضاء .

وفيما يثبت مع الشبهات كالرجوع بعد الاستيفاء بدليل المال ، فإنهم إذا رجعوا بعد القضاء لا يمتنع الاستيفاء على المقضي عليه إذا ثبت هذا فنقول إقامة الحد على المشهود عليه تندرئ بالشبهات فرجوع أحدهم فيه بعد القضاء كالرجوع قبله ، فأما سقوط حد القذف عنهم يثبت مع الشبهات فرجوع أحدهم فيه بعد القضاء كرجوعه بعد الاستيفاء توضيحه أن الحجة تعتمد القضاء وبعد ما تمت الحجة لا يكون كلامهم قذفا ثم برجوع أحدهم يبطل معنى الحجة في حقه فيصير كلامه قذفا ولكن لا ولاية له على الباقين ولا على إبطال حكم الحاكم ، فيبقى كلام الباقين حجة غير قذف كما كان قبل [ ص: 48 ] رجوعه وأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى يقولان : رجوع أحدهم بعد القضاء كرجوعه قبل القضاء بدليل سقوط الحد عن المشهود عليه ، ولا يكون ذلك إلا بعد إبطال الحكم ، وإذا ثبت بطلان الحكم بهذا الدليل كان هذا وما قبل القضاء سواء ، وتحقيقه أن فيما يجب حقا لله تعالى تمام القضاء بالاستيفاء فإن الاستيفاء من تتمة القضاء ولهذا كان إلى الإمام وهذا ; لأن القضاء إما أن يكون لإعلام من له الحق بحقه أو لتمكينه من الاستيفاء ، وذلك لا يتصور في حقوق الله تعالى فكان المعتبر في حقوق الله تعالى النيابة في الاستيفاء ولا يتم ذلك بالقضاء بل بحقيقة الاستيفاء فإذا رجع أحدهم قبل تمام القضاء بالاستيفاء كان بمنزلة رجوعه قبل القضاء وكذلك إن أقيم بعض الحد ، ثم رجع أحدهم ; لأن الحد لا يتجزى فاستيفاؤه لا يكون إلا بإتمامه فأما إذا رجع أحدهم بعد إقامة الحد فهذا على وجهين :

إما أن يكون الحد جلدا أو رجما ، فإن كان جلدا فإنه يحد هذا الراجع بالاتفاق ولا حد على الباقين ; لأن الحجة تمت والحكم تأكد بالاستيفاء ، فرجوع أحدهم يبطل معنى الشهادة في حقه لإقراره فيكون قاذفا له ، ولا يبطل به معنى الشهادة المتأكدة في حق الباقين فلا حد عليهم ، فأما إذا كان الحد رجما فعندنا يحد الراجع وحده ، وقال زفر رحمه الله تعالى لا يحد الراجع أيضا ; لأن الراجع لا يكون قاذفا له بالرجوع فإنه يثني عليه خيرا فيقول : كان عفيفا ولم يكن زانيا ، وإنما يكون قاذفا له بالشهادة السابقة ، فتبين أنه قذف حيا ثم مات ومن قذف حيا ثم مات لا يقام عليه حد القذف ; لأن حد القذف لا يورث بخلاف ما إذا كان الحد جلدا ; لأن المقذوف حي بعد إقامة الحد عليه والدليل على الفرق أنه لو ظهر أن أحد الشهود كان عبدا ، فإن كان الحد جلدا يحدون حد القذف وإن كان رجم المشهود عليه فلا رجم عليهم بالاتفاق وهذا مثله .

( وحجتنا ) فيه أنه بالرجوع أقر على نفسه بالتزام حد القذف وإقراره على نفسه حجة وتحقيقه وهو أن الشاهد عند الرجوع لا يصير قاذفا من وقت الشهادة بل يصير قاذفا في الحال ; لأن اقتران معنى الشهادة بكلامه يمنعه من أن يكون قذفا وإنما انتزع معنى الشهادة من كلامه عند رجوعه فيصير كلامه السابق الآن قذفا ، كمن قال لامرأته : إن دخلت الدار فأنت طالق عند دخول الدار يصير ذلك الكلام طلاقا لا أن يتبين أنه كان طلاقا ; لأن صيرورته طلاقا باعتبار وصوله إلى المحل ، ووصوله إلى المحل مقصور على الحال ، فإذا ثبت أنه إنما يصير كلامه في الحال قذفا ، والمقذوف في الحال ميت ومن قذف ميتا يلزمه الحد ( فإن قيل ) هو في الحال مرجوم بحكم الحاكم لو [ ص: 49 ] قذفه قاذف لا يحد قاذفه فكيف يحد هذا الراجع ( قلنا ) هو مرجوم بحكم الحاكم بشهادتهم وهو يزعم أن شهادته ليست بحجة وزعمه معتبر في نفسه بخلاف القاذف ، فإن قذفه لا يقدح في الشهادة التي هي حجة .

( فإن قيل ) أكثر ما فيه أنه مقر بأنه كان عفيفا ، ولو قذفه إنسان بالزنا ثم أكذب نفسه وقال إنه كان عفيفا لا يقام عليه الحد أيضا ( قلنا ) نعم القاذف وإن أكذب نفسه فالحجة المسقطة للإحصان بقيت كاملة في حقه ، فأما إذا رجع واحد من الشهود لا تبقى الحجة المسقطة للإحصان كاملة في حقه فلهذا يقام عليه الحد وهذا بخلاف ما إذا ظهر أن أحدهم عبد ; لأن العبد لا شهادة له فتبين أن كلامهم كان قذفا في حال حياته ، ومن قذف حيا ثم مات لا يقام عليه الحد ، فأما حكم الضمان فعلى الراجع ربع الدية ; لأنه زعم أنه مقتول ظلما بشهادتهم وكل شاهد على الزنا متلف ربع النفس كما قال عمر رضي الله عنه حين شهد أحد الشهود على المغيرة رضي الله عنه : أوه أودي ربع المغيرة ، ولأنه قد بقي على الشهادة من يقوم بثلاثة أرباع الحق ، وإنما انعدمت الحجة في ربع الحق فلهذا كان على الراجع ربع الدية عندنا .

( قال ) ولو رجعوا جميعا حدوا حد القذف وغرم كل واحد منهم ربع الدية عندنا ، وقال ابن أبي ليلى والحسن رحمهما الله تعالى : يقتلون ; لأنهم قاتلون له ، فإن ما يحصل بقضاء القاضي يكون مضافا إلى شهادة الشهود ، ونحن نسلم أنهم بمنزلة القاتلين له ، ولكن قضاء القاضي بإباحة دمه شبهة مانعة من وجوب القصاص مع أن الرجم يكون بالحجارة ، ومباشرة القتل بالحجر لا يوجب القصاص عندنا ، والشهود متسببون عندنا ، ولا قصاص على المتسبب على ما نبين في كتاب الديات في شهود القصاص

( قال ) وإن قال أحد الشهود بعد الرجم : كنت يوم شهدت عليه كافرا أو مملوكا لم يصدق على أصحابه في ذلك لما بينا أن كلامهم حجة متأكدة باعتبار الظاهر ، وإقرار المرء حجة على نفسه لا على غيره فلا يتبين بقوله إن كلامهم كان قذفا بخلاف ما إذا ظهر أن أحدهم كان كافرا أو عبدا فإن هناك تبين أن كلامهم كان قذفا فإن كان المقذوف حيا بأن كان الحد جلدا يحدون وإن كان المقذوف ميتا بأن كان الحد رجما لا يحدون ثم إذا ظهر أن أحد الشهود كان أعمى أو محدودا في قذف فهو وما لو ظهر أنه عبد سواء ; لأن المحدود في القذف ليس له شهادة الأداء فإن الشرع أبطل شهادته ولهذا لا يلاعن امرأته والأعمى ليست له شهادة في الزنا ; لأن الشهادة على الزنا لا تكون إلا بعد الرؤية كالمرود في المكحلة وليس للأعمى ذلك ومعتق البعض كالمكاتب عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى [ ص: 50 ] ولا شهادة للمكاتب ، فإذا كان ظهور هذا بعد الرجم فدية المرجوم في بيت المال ; لأن هذا خطأ من الإمام في عمله لله تعالى فيكون ضمانه في مال الله وهو مال بيت المال ، والإمام في هذا عامل للمسلمين ; لأن المقصود تطهير دار الإسلام عن ارتكاب الفواحش فيها فيكون الضمان في مال المسلمين ، وهذا ; لأنه لا يمكن إيجاب الضمان على الإمام ; لأنه لو ضمن كان خصما وفيما هو خصم لا يكون قاضيا كما في حقوق نفسه فإذا تعذر إيجاب الضمان عليه قلنا يجب الضمان على من وقع القضاء له ففي حقوق الله تعالى يكون على بيت المال ، وفي حقوق العباد كالقصاص والمال يكون الضمان على المقضي له
( قال ) فإن رجمه الإمام بشهادتهم قبل أن يسأل عن الشهود ، ثم سأل عنهم فأخبر أنهم غير عدول فلا ضمان على أحد ; لأن للفاسق شهادة الأداء عندنا ولكن يتوقف في شهادته لتمكن تهمة الكذب ، ولهذا يلاعن امرأته فلا يتبين بظهور فسقهم أن القاضي بغير حجة فلهذا لا يجب الضمان بخلاف ما سبق ، وفي الكتاب قال : إن هؤلاء قد تجوز شهادتهم إذا تابوا ، وهذا ضعيف فالكفار تجوز شهادتهم إذا أسلموا والعبيد إذا أعتقوا ، والاعتماد على ما قلنا
( قال ) فإن وجد الرجل مجبوبا بعد ما رجم فعلى الشهود الدية ; لأنه ظهر كذبهم بيقين ; لأن المجبوب ليس له آلة الزنا فكيف يزني ، وظهور كذبهم هنا فوق ظهور كذبهم فيما إذا رجعوا بخلاف ما إذا ظهر أنهم عبيد أو كفار ، فإن هناك لم يتيقن بكذبهم والعبد والكافر قد يصدق ، ولكن لا شهادة لهم فكان خطأ من الإمام فلهذا كان الضمان في بيت المال ، وإن كانت امرأة فنظر النساء إليها بعد الرجم ، وقلن هي عذراء أو رتقاء فلا ضمان على الشهود بقول النساء ; لأن شهادة النساء لا تكون حجة تامة في إلزام ضمان المال ولا مقصود هنا سوى إيجاب ضمان المال على الشهود بخلاف الجب فذلك معاين يتيقن به لا من جهة قول النساء ، لكن إن نظر إليها النساء قبل إقامة الحد وقلن هي عذراء أو رتقاء يدرأ عنها الحد ; لأن الشبهة تتمكن بقول النساء ولا شبهة أبلغ من هذا فمع الرتق لا يتصور الزنا الموجب للحد ، وبعد الزنا الموجب للحد لا يتصور بقاء العذرة
( قال ) وإذا شهدوا بالزنا والإحصان وماتوا أو غابوا أو عموا أو ارتدوا أو خرسوا أو ضربوا حد القذف قبل إقامة الحد أو قبل أن يقضى بشهادتهم لم يرجم ، أما ما يبطل الشهادة كالعمى والخرس والردة وحد القذف ; لأن هذه العوارض لو اقترنت بالشهادة منعتها من أن تكون حجة ، فكذلك إذا اعترضت بعد الشهادة قبل القضاء أو بعد القضاء قبل الاستيفاء ; لأن موجبه مما يندرئ [ ص: 51 ] بالشبهات ولكن لا حد على الشهود ; لأنهم جاءوا مجيء الشهود والعدد متكامل ، وكذلك إن أصاب ذلك أحد الشهود فهو وما لو أصابهم في الحكم سواء فأما في موت الشهود وغيبتهم فنقول إن ذلك لا يقدح في الحجة ، ألا ترى أن في حقوق الناس لا يمتنع على القاضي القضاء بها فكذلك في الزنا ، إذا كان الحد جلدا ; لأن بالموت يتأكد عدالتهم إذ لا يتصور منهم بعد الموت ما يبطل عدالتهم ، وكذلك غيبتهم لا تكون قدحا في عدالتهم فلا يمنع إقامة الحد على القاضي ، فأما إذا كان الحد رجما فإنه لا يقام بعد غيبة الشهود وموتهم ; لأن السنة في الرجم أن يبدأ به الشهود ثم الإمام ثم الناس وقد تعذر ذلك بموتهم وغيبتهم .

وهذا قولنا ، وأما عند الشافعي رحمه الله تعالى لا يعتبر في الرجم بداية الشهود ولكن الإمام هو الذي يبدأ قال ; لأن الشهود فارقوا سائر الناس في أداء الشهادة ، وإقامة الرجم ليس من أداء الشهادة في شيء فهم في ذلك كسائر الناس ، ألا ترى أن الحد لو كان جلدا لا يؤمر الشهود بالضرب ؟ فكذا الرجم ولكنا نستدل بحديث علي رضي الله عنه فإنه لما أراد أن يرجم شراحة الهمدانية قال الرجم رجمان رجم سر ورجم علانية فرجم العلانية أن يشهد على المرأة ما في بطنها وتعترف بذلك فيبدأ فيه الإمام ثم الناس ، ورجم السر أن يشهد أربعة على رجل بالزنا فيبدأ الشهود ثم الإمام ثم الناس ولأن في الأمر ببداية الشهود احتيالا لدرء الحد فالإنسان قد يجترئ على أداء الشهادة كاذبا ثم إذا آل الأمر إلى مباشرة القتل يمتنع من ذلك ، وقد أمرنا في الحدود بالاحتيال للدرء بخلاف الجلد فكل أحد لا يحسن الضرب ، فلو أمرنا الشهود بذلك ربما يقتلونه بخرقهم من غير أن يكون قتله مستحقا ، وذلك لا يوجد في الرجم ، فكل أحد يحسن الرمي وقد صار الإتلاف مستحقا هنا .

وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى قال : يؤمر الشهود بالبداية إذا كانوا حاضرين حتى إذا امتنعوا لا يقام الرجم فإذا ماتوا أو غابوا يقام الرجم هنا ; لأنه قد تعذر البداية بهم بسبب لا يلحقهم فيه تهمة فلا يمتنع إقامة الرجم كما لو كانوا مقطوعي الأيدي أو مرضى أو عاجزين عن الحضور بخلاف ما لو امتنعوا ; لأنهم صاروا متهمين بذلك ولكنا نقول حين كانوا مقطوعي الأيدي في الابتداء لم تستحق البداية بهم للتعذر ، فأما هنا فقد استحق البداية بهم لتيسر ذلك عند الحكم فإذا تعذر بالموت أو الغيبة لا يقام الحد كما لو تعذر بامتناعهم

( قال ) ولا يحفر للمرجوم ولا يربط بشيء ولا يمسك ولكن ينصب قائما للناس فيرجم { ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا ولم يحفر له ولا ربطه فإنه روي لما مسه حر الحجارة [ ص: 52 ] هرب فاستقبله رجل بلحي جمل فقتله ثم لما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هلا خليتم سبيله ؟ وفي رواية أبطأ عليه الموت فهرب من أرض قليلة الحجارة إلى أرض كثيرة الحجارة } ، ولو كان مربوطا أو في حفيرة لم يتمكن من الهرب ، وأما المرأة فإن حفر لها فحسن وإن ترك لم يضر لما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر برجم الغامدية أمر بأن يحفر لها إلى قريب من السرة فجعلت فيها فلما رجموها وماتت أمر بإخراجها وصلى عليها وقال : لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له } وأن عليا رضي الله عنه حفر لشراحة الهمدانية إلى قريب من السرة ثم لفها في ثيابها وجعلها فيها ثم رماها وكان مصيب الرمية فأصاب أصل أذنها ولأن مبنى حال المرأة على الستر والحفر أستر لها ; لأنها تضطرب إذا مستها الحجارة فربما ينكشف شيء من عورتها ولكن مع هذا الحفر ليس من الحد في شيء فلا يضر تركه فأما مبنى حال الرجال على الظهور فينصب قائما عند الرجم ولا يشبه بالنساء في الحفر له

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.63 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.00 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.51%)]