
13-12-2025, 09:41 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,593
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع
صـــ 32 الى صـــ 41
(182)
باب اليمين في العتق ( قال ) رضي الله عنه رجل تزوج أمة ثم قال لها : إن مات مولاك فأنت طالق اثنتين فمات المولى والزوج وارثه وقع الطلاق عليها ، ولم تحل له حتى تنكح زوجا غيره في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى وقال محمد رحمه الله لا يقع الطلاق ; لأن موت المورث سبب لانتقال المال إلى الوارث وذلك مفسد للنكاح وأوان وقوع الطلاق بعد وجود الشرط فيقترن الطلاق بحال فساد النكاح ، ولا يقع الطلاق في هذه الحالة كما إذا قال : إذا باعك مني فأنت طالق اثنتين ثم اشتراها لم تطلق توضيحه أن الطلاق لا يقع إلا في النكاح المستقر وهو غير مستقر في حال انتقال الملك إليه ولهذا قال محمد لو كان قال : إذا مات مولاك فأنت حرة فمات المولى وهو وارثه لا تعتق ; لأن العتق لا ينزل إلا في الملك المستقر ، وبنفس موت المولى لا يستقر الملك للوارث ولكن أوان استقرار ملكه بعده بخلاف ما لو قال : إذا مات مولاك فملكتك ; لأن أوان العتق هناك ما بعد استقرار الملك وأبو يوسف رحمه الله تعالى يقول : وجد شرط الطلاق وهي منكوحة بعد فيقع الطلاق كما لو لم يكن الزوج وارثا له .
وبيان ذلك أن موت المولى سبب لزوال ملكه فإنما يزول ملكه بعد الموت ثم ينتقل إلى الوارث بعد ذلك ثم يفسد النكاح بعد ما يدخل في ملكه ووقوع الطلاق قبل هذا بدرجتين ; لأن وقوع الطلاق يقترن بزوال ملك المولى ، وزوال ملك المولى غير مؤثر في دفع استقرار النكاح والدليل عليه أنه لو قال لها إذا مات مولاك فأنت حرة لم تعتق ; لأن أوان وقوع العتق مع زوال ملك المالك ، وملك الوارث يكون بعد ذلك فإذا لم يعتبر الملك الذي يتأخر للوارث في تصحيح عتقه فكذلك لا يعتبر في المنع من وقوع الطلاق ، ألا ترى أنه لو شرط الملك بقوله : إذا مات مولاك فملكتك وقع العتق دون الطلاق ؟ فإذا لم يشترط الملك يقع الطلاق دون العتق ; لأن الملك منفذ للعتق مانع وقوع الطلاق رجل : قال لأمته إذا مات فلان فأنت حرة ثم باعها ثم تزوجها ثم قال لها : إذا مات مولاك فأنت طالق اثنتين [ ص: 33 ] ثم مات المولى وهو وارثه على قول أبي يوسف رحمه الله تعالى لا تعتق ويقع الطلاق ، وعلى قول زفر رحمه الله تعالى يقع العتاق ولا يقع الطلاق ، وعلى قول محمد رحمه الله تعالى لا يقع الطلاق ولا العتاق ، أما أبو يوسف رحمه الله تعالى مر على أصله أن الطلاق لا يمتنع وقوعه إلا بعد الملك كما أن العتق لا يقع إلا بعد الملك ، وقد علقهما الحالف بموت فلان والذي ثبت بموت فلان زوال ملكه ثم ثبوت الملك للوارث بعد ذلك ، فأوان العتق والطلاق قبل ثبوت الملك له فيقع الطلاق ولا يقع العتق ومحمد رحمه الله تعالى مر على أصله أن وقوع الطلاق مع وقوع الملك ، وحال وقوع الملك للزوج في رقبتها ليس بحال استقرار النكاح فلا يقع الطلاق ولا يقع العتق ; لأنه يقترن بوقوع الملك ، وأوان نفوذ العتق ما بعد الملك ، وأما زفر رحمه الله تعالى فإنه يقول : لا يقع الطلاق ; لما قال محمد رحمه الله تعالى ; لأن ما بعد موت المولى ليس بحال استقرار النكاح ، ويقع العتق باعتبار أنه حلف بالعتق في الملك والشرط ثم في الملك ; لأن تمام الشرط بعد موت المولى المورث وكما مات المورث انتقل الملك إلى الوارث فيقع العتق .
ولا يعتبر تخلل زوال الملك بعد ذلك كما لو قال لها : إن دخلت الدار فأنت حرة ثم باعها ثم اشتراها ثم دخلت الدار توضيحه أن العتق لما كان أوان نزوله بعد الملك يصير تقدير كلامه كأنه قال : إذا مات مولاك فورثتك ولا يدرج مثل هذا في الطلاق ; لأنه يبطل الطلاق ، والإدراج للتصحيح لا للأبطال أو يدرج حتى لا يقع الطلاق ويقع العتق كما هو مذهب زفر .
وإذا قال لأمته : إذا باعك فلان فأنت حرة فباعها من فلان ثم اشتراها منه لم تعتق ; لأن الشرط بيع فلان إياها وبيع فلان من الحالف سبب لزوال ملكه فأما وقوع الملك للحالف بشرائه لا ببيع فلان فلهذا لا تعتق ، ألا ترى أنه لو قال : إذا وهبك لي فلان فأنت حرة فباعها من فلان وسلمها ثم استودعها البائع ثم قال للبائع : هبها لي فقال : هي لك أنها له ؟ وهذا قبول ولا تعتق ; لأن العتق والهبة وقعا وهي في ملك غيره فإنه إنما يملكها بالهبة والشراء بعد خروجها من ملك البائع والواهب فكان العتق متصلا بزوال ملك البائع والواهب أو مقترنا بوقوع الملك للحالف ، ولا ينفذ العتق إلا بعد تقدم الملك في المحل .
وإن قال : إذا وهبك فلان مني فأنت حرة فوهبها منه وهو قابض لها عتقت ، وكذلك قوله : إذا باعك فلان مني فأنت حرة ; لأنه صرح بما هو سبب الملك في حقه وإضافة العتق إلى سبب الملك كإضافته إلى نفس الملك
رجل قال لآخر : يا فلان والله لا أكلمك عشرة أيام ، والله لا أكلمك تسعة أيام ، والله [ ص: 34 ] لا أكلمك ثمانية أيام فقد حنث مرتين ; لأنه باليمين الثانية صار مخاطبا له فيحنث في اليمين الأولى وباليمين الثالثة صار مخاطبا له فيحنث في اليمين الثانية وعليه اليمين الثالثة حتى إن كلمه في الثمانية الأيام حنث أيضا وإن قال : والله لا أكلمك ثمانية أيام والله لا أكلمك تسعة أيام والله لا أكلمك عشرة أيام فقد حنث مرتين وعليه اليمين الثالثة إن كلمه في العشرة الأيام حنث أيضا .
رجل قال : علي المشي إلى بيت الله تعالى ، وكل مملوك له حر وكل امرأة له طالق إن دخل هذه الدار ، وقال رجل آخر : علي مثل ما حلفت على يمينك من هذه الأيمان إن دخلت الدار فدخل الثاني الدار لزمه المشي إلى بيت الله تعالى ولم يلزمه عتق ولا طلاق ; لأن الثاني صرح بكلمة علي وهي كلمة التزام فكانت عاملة فيما يصح التزامه في الذمة دون ما لا يصح التزامه في الذمة ، والمشي إلى بيت الله تعالى يصح التزامه في الذمة فيتعلق بدخوله الدار وعند الدخول يصير كالمنجز فأما الطلاق لا يصح التزامه في الذمة والعتق وإن كان يصح التزامه في الذمة ولكن لا يتنجز في المحل بدون التنجيز فلهذا لا يعتق مملوكه ولا تطلق زوجته إذا دخل الدار ، وذكر في اختلاف زفر ويعقوب رحمهما الله تعالى أن الرجل إذا قال لامرأته : أنت طالق إن دخلت الدار ، وقال آخر علي مثل ذلك في امرأتي من الطلاق إن دخلتها فدخل الثاني الدار لم تطلق امرأته عند أبي يوسف رحمه الله تعالى وطلقت عند زفر رحمه الله تعالى ; لأنه ألزم نفسه عند دخول الدار في امرأته من الطلاق ما التزمه الأول والأول إنما ألزم نفسه وقوع الطلاق عليها عند الدخول لا لزوم الطلاق دينا في ذمته فيثبت ذلك في حق الثاني .
( قال ) في الكتاب ، ألا ترى أنه لو قال : لله علي طلاق امرأتي لا يلزمه شيء ؟ وهذا يصير رواية في فصل وفيه اختلاف أن من قال لامرأته طلاقك علي واجب أو طلاقك لي لازم فكان محمد بن سلمة رحمه الله تعالى يقول : يقع الطلاق فيهما جميعا والعراقيون من مشايخنا كانوا يقولون في قوله " علي واجب " : لا يقع وفي قوله " لي لازم " : يقع ، والأصح ما ذكره محمد بن مقاتل رضي الله تعالى عنه عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يقع الطلاق فيهما جميعا ; لأن الوجوب واللزوم يكون في الذمة والطلاق لا يلتزم في الذمة وليس لالتزامه في الذمة عمل في الوقوع وعلى قول محمد رحمه الله تعالى في قوله لي لازم يقع ; لأن معناه حكم الطلاق لي لازم وجعل السبب كناية عن الحكم صحيح وعلى قول أبي يوسف رحمه الله تعالى ينوي في ذلك لاحتمال أن يكون المراد لزوم الحكم إياه فإذا نوى الوقوع وقع فأما العتق فقد جعل الثاني بهذا اللفظ [ ص: 35 ] عليه عتق مماليكه فيؤمر بالوفاء بالنذر من غير أن يجبر عليه في القضاء كما لو قال : لله علي أن أعتق عبدي هذا لم يعتق بهذا القول ولكن الأفضل له إن بقي به معناه أن يؤمر بالوفاء فيما بينه وبين ربه كما هو موجب نذره ، ألا ترى أن رجلا لو قال عبده سالم حر إن دخل الدار فقال رجل آخر : علي مثل ما جعلت على نفسك إن دخلت الدار فدخلها أنه لا شيء عليه وهذا ظاهر ; لأن الثاني يلتزم بالدخول عتق ما لا يملكه ولا عتق فيما لا يملكه ابن آدم فإن عني به عتق عبد من عبيده الذي يملكه فالأحسن له أن يفي به وهو آثم إن لم يف به لترك الوفاء بالمنذور وبيانه في قوله تعالى { ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله } الآية ، وأما المشي إلى بيت الله تعالى والحج والعمرة والنذر والصيام وكل شيء يتقرب به العبد إلى ربه فإذا قال رجل آخر : علي مثل ما حلفت به إن فعلت ففعله الثاني فإنه عليه ، وكذلك لو قال الأول علي عتق نسمة إن فعلت كذا ففعل فعليه عتق نسمة ; لأنه قربة يصح التزامها في الذمة بالنذر والوفاء بالنذور يؤمر به الناذر بينه وبين ربه والله أعلم .
بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الحدود
( قال ) الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله تعالى إملاء
: الحد في اللغة هو المنع ، ومنه سمي البواب حدادا لمنعه الناس من الدخول وسمي اللفظ الجامع المانع حدا ; لأنه يجمع معاني الشيء ويمنع دخول غيره فيه فسميت العقوبات حدودا ; لكونها مانعة من ارتكاب أسبابها . وفي الشرع ، الحد : اسم لعقوبة مقدرة تجب حقا لله تعالى ولهذا لا يسمى به التعزير ; لأنه غير مقدر ولا يسمى به القصاص ; لأنه حق العباد وهذا ; لأن وجوب حق العباد في الأصل بطريق الجبران فأما ما يجب حقا لله تعالى فالمنع من ارتكاب سببه ; لأن الله تعالى عن أن يلحقه نقصان ليحتاج في حقه إلى الجبران
وهي أنواع فهذا الكتاب لبيان نوعين : منها حد الزنا وحد النسبة إلى الزنا ، وسبب كل واحد منهما ما يضاف إليه ; لأن الواجبات تضاف إلى أسبابها والموجب هو الله تعالى ولكن الأسباب لتيسير المعرفة على العباد لا أن تكون الأسباب هي الموجبة ، ثم حد الزنا نوعان : رجم في حق المحصن ، وجلد في غير المحصن .
وقد كان الحكم في الابتداء الحبس في البيوت والتعيير والأذى باللسان كما قال الله تعالى { فأمسكوهن في البيوت } وقال { فآذوهما } ثم انتسخ ذلك بحديث عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة } وقد كان هذا قبل نزول سورة النور بدليل قوله خذوا عني ، ولو كان بعد نزولها لقال خذوا عن الله تعالى ثم انتسخ ذلك بقوله تعالى { فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } واستقر الحكم على الجلد في حق غير المحصن والرجم في حق المحصن فأما الجلد فهو متفق عليه بين العلماء وأما الرجم فهو حد مشروع في حق المحصن ثابت بالسنة ، إلا على قول الخوارج فإنهم ينكرون الرجم ; لأنهم لا يقبلون الأخبار إذا لم تكن في حد التواتر والدليل على أن الرجم حد في حق المحصن [ ص: 37 ] { أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا بعد ما سأل عن إحصانه ورجم الغامدية ، وحديث العسيف حيث قال : واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها } دليل على ذلك ، وقال عمر رضي الله عنه على المنبر : وإن مما أنزل في القرآن أن الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة وسيأتي قوم ينكرون ذلك ولولا أن الناس يقولون زاد عمر في كتاب الله لكتبتها على حاشية المصحف والجمع بين الجلد والرجم في حق المحصن غير مشروع حدا عندنا وعند أصحاب الظواهر هما حد المحصن لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم { والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة } ولحديث علي رضي الله عنه فإنه جلد شراحة الهمدانية ، ثم رجمها ، ثم قال : جلدتها بكتاب الله ورجمتها بالسنة .
( وحجتنا ) حديث ماعز والغامدية قد رجمهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجلدهما ، وقال : فإن اعترفت فارجمها وقد بينا أن المقصود الزجر عن ارتكاب السبب وأبلغ ما يكون من الزجر بعقوبة تأتي على النفس بأفحش الوجوه فلا حاجة معها إلى الجلد ، والاشتغال به اشتغال بما لا يفيد وما لا فائدة فيه لا يكون مشروعا حدا ، وقد بينا أن الجمع بينهما قد انتسخ وقيل تأويل قوله جلد مائة ورجم بالحجارة الجلد في حق ثيب هو غير محصن ، والرجم في حق ثيب هو محصن وحديث علي رضي الله عنه تأويله أنه جلدها ; لأنه لم يعرف إحصانها ثم علم إحصانها فرجمها وهو القياس عندنا على ما بيناه في الجامع
ثم سبب هذا الحد يثبت عند الإمام بالشهادة تارة وبالإقرار أخرى فبدأ الكتاب ببيان ما يثبت بالشهادة فقال والزنا مختص من بين سائر الحقوق في أنه لا يثبت إلا بشهادة أربعة لقوله تعالى { فاستشهدوا عليهن أربعة منكم } وقال تعالى { ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } وقد تكلف بعضهم فيه معنى وهو أن الزنا لا يتم إلا باثنين ، وفعل كل واحد لا يثبت إلا بشهادة شاهدين ولكن هذا ضعيف فإن شهادة شاهدين كما يثبت فعل الواحد يثبت فعل الاثنين ولكنا نقول إن الله تعالى يحب الستر على عباده وإلى ذلك ندب وذم من أحب أن تشيع الفاحشة فلتحقيق معنى الستر شرط زيادة العدد في الشهود على هذه الفاحشة وإليه { أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله لهلال بن أمية ائت بأربعة يشهدون على صدق مقالتك وإلا فحد في ظهرك } وإليه أشار عمر رضي الله عنه حين شهد عنده أبو بكرة وشبل بن معبد ونافع بن الأزرق على المغيرة بن شعبة رضي الله عنه بالزنا فقال لزياد وهو الرابع بم تشهد فقال : أنا رأيت أقداما بادية وأنفاسا عالية وأمرا منكرا ، وفي رواية قال : رأيتهما تحت [ ص: 38 ] لحاف واحد ينخفضان ويرتفعان ويضطربان اضطراب الخيزران ، وفي رواية : رأيت رجلا أقعى وامرأة صرعى ورجلين مخضوبتين وإنسانا يذهب ويجيء ولم أر ما سوى ذلك فقال : الله أكبر الحمد لله الذي لم يفضح واحدا من أصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم ففي هذا بيان اشتراط الأربعة لإبقاء ستر العفة
( قال ) وإذا شهدت الأربعة بالزنا بين يدي القاضي ينبغي له أن يسألهم عن الزنا ما هو ؟ وكيف هو ؟ ومتى زنى ؟ وأين زنى ؟ لأنهم شهدوا بلفظ محتمل فلا بد من أن يستفسرهم ، أما السؤال عن ماهية الزنا ; لأن من الناس من يعتقد في كل وطء حرام أنه زنى ولأن الشرع سمى الفعل فيما دون الفرج زنى قال { العينان تزنيان وزناهما النظر واليدان تزنيان وزناهما البطش والرجلان تزنيان وزناهما المشي والفرج يصدق ذلك كله أو يكذب } والحد لا يجب إلا بالجماع في الفرج ، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استفسر ماعزا حتى فسر كالميل في المكحلة والرشا في البئر ؟ وقال له مع ذلك : لعلك قبلتها ، لعلك مسستها حتى إذا ذكر الكاف والنون قبل إقراره
. والزنا لغة : مأخوذ من الزنا وهو الضيق ولا يكون ذلك إلا بالجماع في الفرج
فلهذا سألهم عن ماهية الزنا وكيفيته ، وأما السؤال عن الوقت لجواز أن يكون العهد متقادما فإن حد الزنا بحجة البينة لا يقام بعد تقادم العهد عندنا والسؤال عن المكان لتوهم أن يكون فعل ذلك في دار الحرب حيث لم يكن تحت ولاية الإمام والسؤال عن المزني بها ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم سأل ماعزا عن ذلك بقوله الآن أقررت أربعة فبمن زنيت ولأن من الجائز أن يكون له نكاح أو شبهة نكاح في المفعول بها وذلك غير معلوم للشهود فإذا فسروا تبين ذلك للقاضي والحاصل أن القاضي مندوب إلى الاحتيال لدرء الحد كما قال صلى الله عليه وسلم { ادرءوا الحدود بالشبهات } ولقن المقر الرجوع بقوله أسرق ما إخاله سرق وقال عمر رضي الله عنه : اطردوا المعترفين يعني الذين يقرون على أنفسهم بالسبب الموجب للحد ومن أسباب احتيال الدرء أن يستقصي مع الشهود ولأن المتعلق بهذه الشهادة ما إذا وقع فيه الغلط لا يمكن تداركه فيستقضي للتحرز عن ذلك فإذا بينوا ذلك والقاضي لا يعرف عدالة الشهود فإنه يحبسه حتى يسأل عن الشهود وهذا ; لأنه لو خلى سبيله هرب فلا يظفر به بعد ذلك ولا وجه إلى أخذ الكفيل منه ; لأن أخذ الكفيل نوع احتياط فلا يكون مشروعا فيما بني على الدرء .
( فإن قيل ) الاحتياط في الحبس أظهر ( قلنا ) حبسه ليس بطريق الاحتياط بل بطريق التعزير ; لأنه صار متهما بارتكاب الفاحشة [ ص: 39 ] فيحبسه تعزيرا ولهذا لا يحبسه في الديون قبل ظهور عدالة الشهود ولأن الحبس أقصى العقوبة هناك فإنه بعد ما ثبت الحق لا يعاقبه إلا بالحبس فلا يجوز أن يفعله قبل ثبوت الحق بخلاف الحدود فإذا ظهرت عدالة الشهود نظر في أمر الرجل فإن كان محصنا رجمه وإن كان غير محصن جلده والإحصان الذي يتعلق به الرجم له شرائط فالمتقدمون يقولون شرائطه سبعة : العقل والبلوغ والحرية والنكاح الصحيح والدخول بالنكاح وأن يكون كل واحد من الزوجين مثل الآخر في صفة الإحصان والإسلام والأصح أن نقول شرط الإحصان على الخصوص اثنان الإسلام والدخول بالنكاح الصحيح بامرأة هي مثله ، فأما العقل والبلوغ فهما شرط الأهلية للعقوبة لا شرط الإحصان على الخصوص ; لأن غير المخاطب لا يكون أهلا لالتزام شيء من العقوبات والحرية شرط تكميل العقوبة لا أن تكون شرط الإحصان على الخصوص فأما الدخول شرط ثبت بقوله صلى الله عليه وسلم { الثيب بالثيب } والثيوبة لا تكون إلا بالدخول وشرطنا أن يكون ذلك بالنكاح الصحيح ; لأن الثيوبة على ما عليه أصل حال الآدمي من الحرية لا يتصور بسبب مشروع سوى النكاح الصحيح وكان المقصود به تغليظ الجريمة ; لأن الرجم أفحش العقوبات فيستدعي أغلظ الجنايات في الإقدام على الزنا بعد إصابة الحلال يكون أغلظ ولهذا لا تشترط العفة عن الزنا في هذا الإحصان بخلاف إحصان القذف ; لأن الزنا بعد الزنا أغلظ في الجريمة من الزنا بعد العفة .
فأما الإسلام شرط في قول علمائنا وعن أبي يوسف رحمه الله أنه ليس بشرط وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى { لحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهما رجم يهوديين زنيا } وزاد في بعض الروايات وقد أحصنا ، والمعنى فيه أن هذه عقوبة يعتقد الكافر حرمة سببها فيقام عليه كما يقام على المسلم كالجلد والقطع والقتل في القصاص بخلاف حد الشرب فإنه لا يعتقد حرمة سببه وتأثيره ما بينا أن ما اشترط في الإحصان إنما يشترط لمعنى تغلظ الجريمة ، وغلظ الجريمة باعتبار الدين من حيث اعتقاد الحرمة فإذا كان هو في دينه معتقدا للحرمة كالمسلم فقد حصل ما هو المقصود فكان به محصنا ، فإن المحصن من يكون في حصن ومنع من الزنا وهو باعتقاده ممنوع من الزنا ، وقد أنذر عليه بالعقوبة في دينه فكان محصنا ثم لا يجوز اشتراط الإسلام لمعنى الفضيلة والكرامة والنعمة كما لا يشترط سائر الفضائل من العلم والشرف ولا يجوز اشتراط الإسلام لمعنى التغليظ ; لأن الكفر أليق بهذا من الإسلام فالإسلام [ ص: 40 ] للتخفيف والعصمة والكفر من دواعي التغليظ فإذا كان تقام هذه العقوبة على المسلم بارتكاب هذه الفاحشة فعلى الكافر أولى .
( وحجتنا ) قوله صلى الله عليه وسلم { من أشرك بالله فليس بمحصن } معناه ليس بكامل الحال فإن المحصن من هو كامل الحال ، والرجم لا يقام إلا على من هو كامل الحال والاعتماد في المسألة على الاستدلال بالثيوبة فإن الثيوبة بالنكاح الصحيح شرط لإيجاب الرجم ومعلوم أن المقصود انكسار شهوته بإصابة الحلال وهذا المقصود يتم بالإصابة بملك اليمين كما يتم بالنكاح ، ثم شرط أن يكون بالنكاح فما كان ذلك إلا لاعتبار معنى النعمة ويتبين بهذا أن ما يشترط لإقامة الرجم يشترط بطريق هو نعمة فكذلك اعتقاد الحرمة يشترط بطريق هو نعمة وذلك بالإسلام بل أولى ; لأن أصل النعمة في الوطء بملك اليمين موجود إنما انعدم نهايتها ، وأصل النعمة منعدم هنا فيما يعتقده الكافر وتأثيره أن الجريمة كما تتغلظ باجتماع الموانع تتغلظ باجتماع النعم ولهذا هدد الله تعالى نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن وبضعف ما هدد به غيرهن بقوله تعالى { يضاعف لها العذاب ضعفين } لزيادة النعمة عليهن وعوتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على الزلات بما لم يؤاخذ به غيرهم لزيادة النعمة عليهم ، والحر يقام عليه الحد الكامل ولا يقام على العبد لزيادة نعمة الحرية في حق الحر ، فبدن العبد أكثر احتمالا للحد من بدن الحر فعرفنا أن بزيادة النعمة يزداد تغليظ الجريمة ; لما في ارتكاب الفاحشة من كفران النعمة ، فأما سائر الفضائل إنما لا تشترط ; لأن شرط الحد بالرأي لا يمكن إثباته ونحن قلنا ما يكون شرطا بالاتفاق لا ينبغي أن يشترط بطريق هو نعمة استدلالا بالثيوبة ، فأما ما لم يعرف شرطا لو أثبتناه لأثبتناه بالرأي ابتداء مع أنه إنما يشترط في الإحصان ما ينطلق عليه اسم الإحصان وسائر الفضائل لا ينطلق عليه اسم الإحصان ، وأما الإسلام فيطلق عليه اسم الإحصان في قوله تعالى { والذين يرمون المحصنات } وقال تعالى { فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة } فأما العفة ، وإن كان يطلق عليه اسم الإحصان ولكن العفة انزجار عن الزنا ، والانزجار عن الزنا مع الإقدام على الزنا لا يتحقق فلا يمكن اشتراط العفة مقترنا بالزنا ولا سابقا على الزنا ; لأنه لا تتغلظ به الجريمة كما بينا ، فإن الإصرار على الزنا أفحش في الجريمة مع أن العفة الوقوف على حدود الدين ، فإذا شرطنا أصل الدين بطريق هو نعمة فقد حصل ما هو المقصود .
فأما الحديث فإنما رجمهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بحكم التوراة ، ألا ترى أنه دعا بالتوراة [ ص: 41 ] وبابن صوريا الأعور وناشده بالله حتى اعترف بأن حكم الزنا في كتابهم الرجم فرجمهما ، وقال : أنا أحق من أحيا سنة أماتوها ، وإحياء سنة أميتت إنما يكون بالعمل بها فدل أنه إنما رجمهما بحكم التوراة ، ولم يكن الإحصان شرطا في الرجم بحكم التوراة ، وقوله وقد أحصنا شاذ ولو ثبت فمراده الإحصان من حيث الحرية كما في قوله تعالى { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } وأما اشتراط إحصان كل واحد منهما في الآخر فهو مذهبنا ، وفي رواية عن أبي يوسف وهو قول الشافعي رحمهما الله تعالى ليس بشرط ، حتى إن المملوكين إذا كان بينهما وطء بنكاح صحيح في حالة الرق ثم عتقا لا يكونا محصنين عندنا ، وكذلك الكافران ، وفي رواية أبي يوسف رحمه الله تعالى هما محصنان .
وكذلك الحر إذا تزوج أمة أو صغيرة أو مجنونة ودخل بها ، وكذلك المسلم إذا تزوج كتابية ودخل بها أو أسلمت المرأة قبل أن يدخل بها الزوج الكافر فدخل بها قبل أن يفرق بينهما فإنها لا تكون محصنة بهذا الدخول عندنا وعلى قول أبي يوسف والشافعي رحمهما الله تعالى يثبت الإحصان ; لأن ما هو المقصود قد تم وهو انكسار الشهوة بإصابة الحلال وأن يكون بطريق هو نهاية في النعمة ولكنا نستدل بما روي { أن كعب بن مالك أراد أن يتزوج بيهودية فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم دعها فإنها لا تحصنك } ، وأن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أراد أن يتزوج يهودية فقال له عمر رضي الله عنه : دعها فإنها لا تحصنك { وقال صلى الله عليه وسلم لا تحصن المسلم اليهودية ولا النصرانية ، ولا الحرة العبد ولا الحر الأمة } وفيه معنيان : أحدهما ، أن الزوجية تنبيء عن المساواة فذلك المفهوم من قولهم زوج نعل زوج خف ، وقد صارت الزوجية هنا شرطا فتشترط المساواة بينهما في الصفة ; لأن تمام الزوجية يكون به ثم بسبب الرق ينتقص ملك الحل ، وقد بينا ذلك في كتاب الطلاق فلا بد من اعتبار حرية كل واحد منهما لتكون الثيوبة بعد كمال ملك الحل ، وإذا ثبت اشتراط الحرية يثبت اشتراط البلوغ والعقل فيها بطريق الأولى ; لأن بسبب الصغر يدخل في هذا الفعل نقصان فإن تمام ميل طبع المرء إلى البالغة العاقلة .
وكذلك يشترط الإسلام ; لأن الكافرة في حق المسلم ناقصة الحال لا يتم سكونه إليها ، وقد بينا أن الرجم أقصى العقوبات ، وفي شرائطه يعتبر النهاية أيضا احتيالا لدرء هذه العقوبة ، فإن أقر الزاني بأنه محصن فإقراره عليه حجة تامة ; لأنه غير متهم فيما يقر به على نفسه ولكنه يستفسره الإمام ; لأن الإحصان لفظ مبهم وهو يطلق على أشياء يسمى به كل واحد منها ، وإن قال لست بمحصن فشهد عليه [ ص: 42 ] شاهدان أنه محصن استفسرهما عن الإحصان ما هو وكيف هو فإذا بينا ذلك رجمه إن كان الشاهد بالإحصان رجلين ، ولا يشترط في الإحصان عدد الأربعة ; لأنه ليس بسبب موجب للعقوبة .
( قال ) وكذلك لو شهد رجل وامرأتان بالإحصان وعلى قول زفر والشافعي رحمهما الله تعالى لا يثبت الإحصان بشهادة رجل وامرأتين ، أما الكلام مع الشافعي رحمه الله تعالى ينبني على ما بينا في النكاح أن النكاح في غير هذه الحالة عنده لا يثبت بشهادة الرجل مع النساء ; لأنه ليس بمال ولا من حقوق ما هو مال ، وإنما يتحقق الكلام هنا بيننا وبين زفر فحجته رحمه الله تعالى أن المقصود بالإحصان هنا تكميل العقوبة وباعتبار ما هو المقصود لا يكون للنساء فيه شهادة ; لأن المكمل للعقوبة بمنزلة الموجب لأصل العقوبة به فكما لا يثبت أصل العقوبة بشهادة النساء .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|