
13-12-2025, 09:37 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,570
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد التاسع
صـــ 22 الى صـــ 31
(181)
ولو حلف لا يكلم فلانا فناداه من بعيد فإن كان بحيث لا يسمع صوته لا يحنث ، وإن كان بحيث يسمع صوته فهو حانث ; لأنه يكون مكلما فلانا بإيقاع صوته في أذنه فإذا كان من البعد بحيث لا يسمع لم يوجد ذلك ، وإذا كان بحيث يسمع فقد أوقع صوته في إذنه وإن لم يفهم لتغافله عنه واشتغاله بغيره فيحنث ، ألا ترى أن الأول يسمى هاذيا والثاني يسمى مناديا له ؟ وكذلك لو ناداه وهو نائم فأيقظه حنث وهذا ظاهر وقع في بعض نسخ الأصل فناداه أو أيقظه وهذا إشارة إلى أنه وإن لم ينتبه بندائه فهو حانث ; لأنه أوقع صوته في أذنه ولكنه لم يفهم لمانع ، والأظهر أنه لا يحنث ; لأن النائم كالغائب ، وإن لم ينتبه كان بمنزلة ما لو ناداه من بعيد بحيث لا يسمع صوته فلا يكون حانثا ، وإذا انتبه فقد علمنا أنه أسمعه صوته فيكون مكلما له ، وقيل : هو على الخلاف عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى يحنث ; لأنه يجعل النائم كالمنتبه وعندهما لا يحنث ، بيانه فيمن رمى سهما إلى صيد فوقع عند نائم حيا ثم لم يدرك ذكاته حتى مات على ما نبينه في كتاب الصيد .
وإن مر على قوم فسلم عليهم وهو فيهم حنث ; لأنه مخاطب كل واحد منهم بسلامه ، إلا أن ينوي القوم دونه فيدين فيما بينه وبين الله تعالى ; لأنه لا يكون مكلما له إذا قصد بالخطاب غيره ولكنه لا يدين [ ص: 23 ] في القضاء ; لأنه في الظاهر مخاطب لهم .
وإن كتب إليه أو أرسل لم يحنث لما بينا أن الكلام لا يكون إلا مشافهة ، ألا ترى أن أحدا منا لا يستجيز أن يقول : كلمني الله وقد أتانا كتابه ورسوله ؟ وإنما يقال : كلم الله موسى تكليما ; لأنه أسمعه كلامه بلا واسطة ، وكذلك لو أومى أو أشار لم يحنث ; لأن الكلام ما لا يتحقق من الأخرس والإيماء والإشارة يتحقق منه فلا يكون كلاما وذكر هشام عن محمد رحمهما الله تعالى قال : سألني هارون عمن حلف لا يكتب إلى فلان فأمر أن يكتب إليه بإيماء أو إشارة هل يحنث فقلت : نعم إذا كان مثلك يا أمير المؤمنين وهذا صحيح ; لأن السلطان لا يكتب بنفسه عادة إنما يأمر به غيره ومن عادتهم الأمر بالإيماء والإشارة ، وعن ابن سماعة قال : سألت محمدا عمن حلف لا يقرأ كتابا لفلان فنظر فيه حتى فهمه ولم يقرأه فقال : سأل هارون أبا يوسف رحمه الله تعالى عن هذا وكان قد ابتلي بشيء منه فقال : لا يحنث وأنا بريء من ذلك ، ثم ندم وقال أما أنا فلا أقول فيه شيئا ، وذكر هشام وابن رستم عن محمد رحمه الله تعالى أنه يحنث ; لأن المقصود الوقوف على ما فيه لا عين القراءة ، وفي الأيمان يعتبر المقصود وجه قول أبي يوسف رحمه الله تعالى أن اللفظ مراعى ولفظه القراءة والنظر والتفكر ليفهم لا يكون قراءة ، ألا ترى أنه لا يتأدى به فرض القراءة في الصلاة ؟
وإن قال : لا أكلم مولاك وله موليان أعلى وأسفل ولا نية له حنث بأيهما كلم ، وكذلك لو قال : لا أكلم جدك وله جدان من قبل أبيه وأمه ; لأن هذا اسم مشترك والأسماء المشتركة في موضع النفي تعم ; لأن معنى النفي لا يتحقق بدون التعميم وهو بمنزلة النكرة تعم في موضع النفي دون الإثبات وهذا إشارة إلى الفرق بين هذا وبين الوصية لمولاه وقد بينا تمام هذا الفرق في الجامع .
وإن حلف لا يفارق غريمه حتى يستوفي ماله عليه فلزمه ثم فر منه الغريم لم يحنث ; لأنه عقد يمينه على فعل نفسه في المفارقة وهو ما فارق غريمه إنما الغريم هو الذي فارقه ، وكذلك لو كابره حتى انفلت منه ; لأنه يقصد بيمينه منع نفسه عما في وسعه دون ما ليس في وسعه .
( قال ) : ولو أن المطلوب أحال بالمال على رجل وأبرأه الطالب منه ثم فارقه لم يحنث عند محمد وأبي حنيفة رحمهما الله تعالى وفي قول أبي يوسف رحمه الله تعالى يحنث ; لأن ما جعله غاية وهو استيفاء ماله عليه قد فات حين برئ المطلوب بالحوالة ، وقد بينا أن فوت الغاية عندهما يسقط اليمين لا إلى حنث خلافا لأبي يوسف رحمه الله تعالى كما في قوله لا أكلمك حتى يأذن لي فلان فإن نوى المال على المحال عليه ورجع الطالب إلى [ ص: 24 ] المطلوب لم يحنث أيضا ; لأن الحوالة تنفسخ بالتوى ولا يتبين أنها لم تكن وإنما تنفسخ الحوالة في حق حكم يحتمل الفسخ ، وسقوط اليمين لا يحتمل الفسخ فلهذا لا يعود اليمين بانفساخ الحوالة وإن لم يحل بالمال ولكنه قضاه وفارقه ثم وجده زيوفا أو بهرجة أو ستوقا فإن كان الغالب عليه الفضة لم يحنث ، وإن رده ; لأنه مستوف بالقبض ، ألا ترى أنه لو تجوز بها في الصرف والسلم جاز ؟ فتم شرط بره ثم انتقض قبضه بالرد فلا ينتقض به حكم البر ; لأنه لا يحتمل الانتقاض وإن كان الغالب النحاس كالستوقة فهو حانث ; لأنه ما صار مستوفيا حقه بالقبض ، ألا ترى أنه لو تجوز به في الصرف والسلم لا يجوز .
وإن استحق المقبوض من يده لم يحنث ; لأنه مستوف ، ألا ترى أنه لو أجازه المستحق بعد الافتراق في الصرف والسلم جاز ؟ ثم انتقض قبضه بالاستحقاق بعد حصول الاستيفاء وشرط البر لا يحتمل الانتقاض .
وإن حلف ليعطينه حقه عن قريب فهو وقوله عاجلا سواء ، وإن نوى وقتا فهو على ما نوى ; لأن الدنيا كلها قريب عاجل ، وإن لم يكن له نية فهو على أقل من شهر استحسانا وقد بينا هذا .
وإن حلف أن لا يحبس عنه من حقه شيئا ولا نية له فينبغي أن يعطيه ساعة حلف ; لأن الحبس عبارة عن التأخير فإن لم يؤخره بعد الحلف لم يكن حابسا ، وإن أخره كان حابسا ولكن الحبس قد يطول ويقصر فإن حاسبه فأعطاه كل شيء له عنده وأقر بذلك الطالب ثم أتاه بعد ذلك بأيام فقال : بقي لي عندك كذا من قبل كذا فذكر المطلوب ذلك وقد كان نسيا ذلك جميعا لم يحنث إذا أعطاه ساعتئذ ، أو قال له : خذه ; لأن الحبس لا يتحقق فيما لا يكون معلوما لهما وبعد التذكر لم يحبسه ولكنه أعطاه بالمناولة أو التخلية بينه وبينه فلهذا لم يحنث .
وإن حلف لا يقعد على الأرض ولا نية له فقعد على بساط أو غيره لم يحنث ; لأن القاعد على الأرض من يباشر الأرض من غير أن يكون بينه وبين الأرض ما هو منفصل عنه ولم يوجد ذلك وفي العرف الرجل يقول لغيره اجلس على البساط ولا تجلس على الأرض ويقول فلان جالس على الأرض وفلان على البساط والعرف معتبر في الأيمان .
وإن قعد على الأرض ولباسه بينه وبين الأرض حنث ; لأنه يسمى في الناس قاعدا على الأرض ولأن الملبوس تبع اللابس فلا يصير حائلا بينه وبين الأرض ولأن الإنسان إنما يمتنع من الجلوس على الأرض لكي لا تضر به وهذا يوجد ، وإن كان ذيله بينه وبين الأرض ولا يوجد إذا جلس على بساط
وإن حلف لا يمشي على الأرض فمشى عليها بنعل أو خف حنث ; لأن المشي على الأرض هكذا يكون في العرف [ ص: 25 ] وإن مشي على بساط لم يحنث ; لأنه غير ماش على الأرض ولو مشي على ظهر إجار حافيا أو بنعلين حنث ; لأن ظهر الإجار يسمى أرضا عرفا فإن من أراد الجلوس عليه يقول له غيره اجلس على البساط ولا تجلس على الأرض
وإن حلف لا يدخل في الفرات فمر على الجسر أو دخل سفينة لم يحنث ، وإن دخل الماء حنث ; لأن في العرف دخول الفرات بالشروع في الماء ، والجسر والسفينة ما اتخذ للعاجزين عن الشروع في الفرات ، فعرفنا أن الحاصل على الجسر أو السفينة لا يكون داخلا في الفرات عرفا وفي النوادر .
ولو حلف لا يدخل بغداد فمر في الدجلة في السفينة فهو حانث في قول محمد رحمه الله تعالى وعند أبي يوسف رحمه الله لا يحنث ما لم يخرج إلى الحد .
( قال ) ولو كان من أهل بغداد فجاء من الموصل في السفينة في دجلة حتى دخل بغداد كان مقيما وإن لم يخرج إلى الحد ومحمد رحمه الله تعالى سوى بينهما ويقول الموضع الذي حصل فيه من بغداد فيكون حانثا ، كما لو حلف لا يدخل الدار فدخلها راكبا وأبو يوسف رحمه الله تعالى يقول : مراد الحالف دخول الموضع الذي يتوطن فيه أهل بغداد ولا يوجد ذلك ما لم يخرج إلى الحد فإن قهر الماء يمنع قهر غيره .
وإن حلف لا يكلم فلانا إلى كذا وكذا ، فإن نوى شيئا فهو على ما نوى ، وإن لم يكن له نية ولم يسم شيئا فله أن يكلمه بعد ذلك اليوم ; لأن الكلام كان مطلقا له قبل اليمين فلا يمتنع إلا القدر المتيقن به ، والمتيقن ذلك اليوم ; لأنا نعلم أنه إذا كان مراده أقل من يوم لا يحلف على ذلك ولا يقين فيما وراء ذلك فلا يحنث بالشك .
( فإن قيل ) أليس أنه لو قال لفلان : علي كذا وكذا درهما يلزمه أحد وعشرون درهما ( قلنا ) وهنا لو قال : كذا وكذا يوما فالجواب كذلك ، فأما إذا لم يقل يوما فيحتمل أن مراده الساعة ، واليوم والليلة يشتمل على ساعات كثيرة فلهذا له أن يكلمه بعد ذلك اليوم .
وإن حلف لا يكلم فلانا إلى قدوم الحاج أو إلى الحصاد فقدم أول قادم كان له أن يكلمه ; لأن مراده وقت القدوم ووقت الحصاد ، وقد علمنا بدخول ذلك الوقت فهو كما لو حلف لا يكلمه إلى الغد فكما طلع الفجر من الغد له أن يكلمه
ولو حلف لا يؤم الناس فأم بعضهم حنث ; لأن الناس اسم جنس وقد علمنا أنه لم يرد استغراق الجنس ; لأن ذلك لا يتحقق فيتناول أدنى ما ينطلق عليه اسم الجنس
وإن حلف لا يكلمه حتى الشتاء فجاء أول الشتاء سقطت اليمين وكذلك الصيف وقد بينا الفصول الأربعة في كتاب الطلاق
وإن حلف لا يستعير من فلان فاستعار منه حائطا يضع عليه جذوعه حنث ; لأن الاستعارة طلب العارية [ ص: 26 ] وقد تحقق منه بما استعار من حائطه ليضع عليه جذوعه فهو كما لو استعار منه بيتا أو دارا أو دابة ، ولو سار إليه ضيفا أو دخل عليه فاستقى من بئره لم يحنث ; لأنه لا يسمى مستعيرا شيئا فإن موضع جلوس الضيف وما جلس عليه في يد المضيف ومن استقى من بئر في دار غيره لا تثبت يده على الرشا فلا يكون مستعيرا شيئا من ذلك
ولو حلف لا يعرف هذا الرجل وهو يعرفه بوجهه دون اسمه لم يحنث ; لأنه يعرفه من وجه دون وجه فإنه يمكنه أن يشير إليه إذا كان حاضرا ولا يمكنه إحضاره إذا كان غائبا والثابت من وجه دون وجه لا يكون ثابتا مطلقا ، والأصل فيه ما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل رجلا عن رجل فقال : هل تعرفه ؟ فقال : نعم ، فقال : هل تدري ما اسمه ؟ قال : لا ، قال : فإنك إذا لا تعرفه } إلا أن يعني معرفة وجهه فإن عني ذلك فقد شدد الأمر على نفسه ، واللفظ محتمل لما نوى ، وهذا إذا كان للمحلوف عليه اسم فإن لم يكن له اسم بأن ولد من رجل فرأى الولد جاره ولكن لم يسم بعد فحلف الجار أنه لا يعرف هذا الولد فهو حانث ; لأنه يعرف وجهه ويعرف نسبه وليس له اسم خاص ليشترط معرفة ذلك فكان حانثا في يمينه والله أعلم بالصواب .
باب في الاستثناء ( قال ) وإذا قال الرجل لامرأته : أنت طالق إلا أن يقدم فلان فإن قدم فلان لم تطلق ، وإن مات قبل أن يقدم طلقت ; لأن معنى كلامه أنت طالق إن لم يقدم فلان أي إلا أن يقدم فلان فلا تكون طالقا ، وإنما لا تكون طالقا عند قدوم فلان إذا كان الوقوع متعلقا بشرط عدم القدوم ، سواء كان الشرط نفيا أو إثباتا فما لم يوجد لا ينزل الجزاء ، فإن قدم فلان فشرط الوقوع قد انعدم وإذا مات قبل أن يقدم فقد تحقق شرط الوقوع الآن ، وهذا بخلاف ما لو قال : أنت طالق إن كلمت فلانا إلا أن يقدم فلان فإنها إن كلمت فلانا قبل القدوم طلقت ، وإن سبق القدوم لم تطلق بعد ذلك ، وإن كلمت فلانا يمين لوجود الشرط والجزاء واليمين قابلة للتوقيت ، فكان قوله إلا أن يقدم فلان توقيت - ليمينه بمعنى حتى وإذا كلمت قبل القدوم فقد وجد الشرط واليمين باقية فتطلق .
وإذا قدم فلان فقد انتهت اليمين بوجود غايتها ، وإذا كلمت بعد ذلك فقد وجد الشرط ولا يمين ، فأما في الأول قوله : أنت طالق إيقاع لا يحتمل التوقيت فلو جعلنا قوله إلا أن يقدم فلان بمعنى حتى كان لغوا وكلام العاقل مهما أمكن [ ص: 27 ] تصحيحه لا يجوز إلغاؤه فجعلنا قوله " إلا أن يقدم فلان " بمعنى الشرط ; لأن الإيقاع يحتمل التعليق بالشرط .
ولو قال : أنت طالق إلا أن يرى فلان غير ذلك فهذا إليه على مجلسه الذي يعلم فيه فإن قام قبل أن يرى غيره طلقت ; لأن معنى كلامه إن لم ير فلان غير ذلك .
ولو قال : إن رأى فلان غير ذلك كأن يتوقت بالمجلس عليه فكذلك إذا قال إن لم ير فلان غير ذلك ; لأنه تمليك للأمر من فلان ، وكذلك لو قال : إلا أن يشاء فلان غير ذلك أو إلا أن يبدو لفلان غير ذلك كله بلسانه ; لأنا لا نقف على ما في ضميره وإنما يعبر عما في قلبه لسانه .
ولو قال : إلا أن أرى غير ذلك أو إلا أن أشاء أو إلا أن يبدو لي فهو إلى الموت ; لأن في حقه لا يمكن أن يحمل على معنى تمليك الأمر من نفسه فإنه كان مالكا لأمرها فيحمل على حقيقة الشرط ، وعدم رؤيته غير ذلك بعد موتها يتحقق ، والحال بعد موتها في حقه كالحال قبله ، وكذلك قوله أنت طالق إن شاء فلان أو أحب أو رضي أو هوي أو أراد ذلك كله على مجلس علمه به .
ولو أضاف إلى نفسه فكان على الأبد ; لأن في حق الغير يجعل تمليكا للأمر منه فيختص بالمجلس وفي حق نفسه لا يمكن أن يجعل تمليكا فيبقى حقيقة الشرط معتبرا ولو قال : إن لم أشأ ثم قال بعد ذلك لا أشاء لا يقع به الطلاق ; لأن الشرط عدم مشيئة طلاقها في عمره ولم يوجد ذلك بقوله لا أشاء فإنه متمكن من أن يشاء بعد ذلك .
ولو قال : إن أبيت طلاقك أو كرهت طلاقك ثم قال : لست أشاء طلاقك وقد أبيته طلقت ; لأنه جعل الشرط هنا وجود فعل هو إباء منه ، وقد وجد ذلك بقوله : لا أشاء ، أو بقوله : أبيت ، وفي الأول جعل الشرط عدم المشيئة فكأنه قال : إن سكت عن مشيئة طلاقك حتى أموت فلا يصير الشرط موجودا بقوله لا أشاء فلهذا لا تطلق .
ولو قال : إن لم يشأ فلان ذلك ، فقال فلان : لا أشاء طلقت لا بقوله لا أشاء ولكن بخروج المشيئة عن يده ، فقوله لا أشاء بمنزلة ما لو قام عن المجلس أو أخذ في عمل آخر حتى أنه لو وقت كلامه في حق فلان فقال إن لم يشأ فلان اليوم فقال فلان لا أشاء لم تطلق ; لأن هذا يتوقت باليوم دون المجلس وبقوله لا أشاء لا تنعدم المشيئة منه في بقية اليوم فلهذا لا تطلق ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصدق والصواب وإليه المرجع والمآب .
باب اليمين في الأزهار والرياحين ( قال ) رضي الله عنه وإذا حلف لا يشتري بنفسجا فاشترى دهن بنفسج حنث عندنا [ ص: 28 ] ولم يحنث عند الشافعي رحمه الله تعالى ; لأنه يعتبر حقيقة لفظه وما اشترى غير البنفسج ; لأن المنتقل إلى الدهن رائحة البنفسج لا عينه ولكنا نعتبر العرف فإنه إذا أطلق اسم البنفسج في العرف يراد به الدهن ويسمى بائعه بائع البنفسج فيصير هو بشرائه مشتريا للبنفسج أيضا ولو اشترى ورق البنفسج لم يحنث وذكر الكرخي في مختصره أنه يحنث أيضا ، وهذا شيء ينبني على العرف وفي عرف أهل الكوفة بائع الورق لا يسمى بائع البنفسج وإنما يسمى به بائع الدهن فبنى الجواب في الكتاب على ذلك ، ثم شاهد الكرخي عرف أهل بغداد أنهم يسمون بائع الورق بائع البنفسج أيضا ، فقال : يحنث به ، وهكذا في ديارنا ، ولا يقول : اللفظ في أحدهما حقيقة وفي الآخر مجاز ولكن فيهما حقيقة أو يحنث فيهما باعتبار عموم المجاز ، والخيري كالبنفسج فأما الحنا والورد فقال : إني أستحسن أن أجعله على الورق والورد إذا لم يكن له نية .
وإن اشترى دهنهما لم يحنث والقياس في الكل واحد ولكنه بنى الاستحسان على العرف وأن الورد والحنا تسمى به العين دون الدهن ، والبنفسج والخيري يسمى بهما مطلقا والياسمين قياس الورد يسمى به العين فإن الدهن يسمى به زنبقا .
وإن حلف لا يشتري بزرا فاشترى دهن بزر حنث وإن اشترى الحب لم يحنث لاعتبار العرف الظاهر .
ولو حلف لا يشتري دهنا فهذا على الدهن الذي يدهن به الناس عادة حتى لو اشترى زيتا أو بزرا لم يحنث
ولو حلف لا يدهن فادهن بزيت حنث ولو ادهن بسمن أو بزر لم يحنث والزيت من حيث إنه يلقى فيه الأرايح ويطبخ ثم يدهن به يكون دهنا ومن حيث إنه لا يدهن به كذلك لا يكون دهنا مطلقا ، فإن كانت يمينه على الشراء لم يحنث ، وإذا كانت على الادهان يحنث به ، وأما السمن والبزر لا يدهن بهما في العادة بحال
ولو حلف لا يشتري بزا فاشترى فروا أو مسحا لم يحنث وكذلك الطيالسة والأكيسة ; لأن بائع هذه الأشياء لا يسمى بزازا ولا يباع في سوق البزازين أيضا فلا يصير مشتريا البز بشرائها
ولو حلف لا يشتري طعاما فاشترى تمرا أو فاكهة حنث في القياس ; لأن الطعام اسم لما يطعمه الناس ، والفاكهة والتمر بهذه الصفة ، ألا ترى أنه لو عقد يمينه على الأكل حنث بهما ؟ فكذلك الشراء ولكنه استحسن فقال : لا يحنث إلا في الحنطة والخبز والدقيق ; لأنه عقد يمينه على الشراء ، والشراء إنما يتم به وبالبائع ، وما يسمى بائعه بائع الطعام أو يباع في سوق الطعام يصير هو بشرائه مشتريا للطعام ، وبائع الفاكهة واللحم لا [ ص: 29 ] يسمى بائع الطعام فلا يصير هو بشرائها مشتريا للطعام أيضا بخلاف الأكل فإنه يتم بالآكل وحده فيعتبر فيه حقيقة الاسم
وإن حلف لا يشتري سلاحا فاشترى حديدا غير معمول لم يحنث ; لأن بائعه لا يسمى بائع السلاح وإنما يسمى حدادا وكذلك يباع في سوق الحدادين ولا يباع في سوق الأسلحة .
وإن اشترى سكينا لم يحنث أيضا ; لأن بائعه لا يسمى بائع السلاح وإنما يسمى سكانا ، وأما إذا اشترى سيفا أو درعا أو قوسا يحنث ; لأنه سلاح يباع في سوق السلاح وبائعه يسمى بائع السلاح فيصير هو مشتريا السلاح بشرائه .
( قال ) وإذا سأل رجل رجلا عن حديث فقال : أكان كذا وكذا ؟ فقال : نعم وسعه أن يقول : حدثني فلان بكذا ، وإن حلف على ذلك كان صادقا ; لأنه ذكر في جوابه نعم وهو غير مستقل بنفسه فيصير ما تقدم كالمعاد فيه ، ألا ترى أن من قرأ صكا على غيره ، وقال أشهد عليك بكذا وكذا فقال : نعم وسعه أن يشهد بجميع ذلك عليه
وإن حلف لا يشم طيبا فدهن به لحيته فوجد ريحه لم يحنث ; لأنه عقد يمينه على فعل منه يسمى شم الطيب ولم يوجد ، وإنما وصلت رائحة الطيب إلى دماغه فهو كما لو مر على سوق العطارين فدخل رائحة الطيب في أنفه ، ألا ترى أن المحرم بهذا لا يلزمه شيء وأنه لو ادهن قبل إحرامه ثم وجد ريحه بعد الإحرام لم يلزمه شيء ؟ وهو ممنوع من شم الطيب في الإحرام ، وليس الدهن بطيب إذا لم يجعل فيه طيب إنما الطيب ما يجعل فيه المسك والعنبر ونحوهما ; لأن الطيب ما له رائحة مستلذة وليس للدهن ذلك إذا لم يكن فيه طيب وإنما يستعمل الدهن لتليين الجلد ودفع اليبوسة لا للطيب إذا لم يكن متطيبا .
وإن حلف لا يشم دهنا أو لا يدهن فالزيت فيه كغيره من الأدهان وقد بينا الفرق بين هذا والشراء
وإن حلف لا يشم ريحانا فشم آسا أو ما أشبه ذلك من الرياحين حنث ، وإن شم الياسمين أو الورد لم يحنث ; لأنهما من جملة الأشجار ، والريحان اسم لما ليس له شجر ، ألا ترى أن الله تعالى قال { والنجم والشجر يسجدان } { والحب ذو العصف والريحان } قد جعل الريحان غير الشجر عرفنا أن ما له شجر فليس بريحان وإن كان له رائحة مستلذة ، وكذلك في العرف لا يطلق اسم الريحان على الورد والياسمين وإنما يطلق على ما ينبت من بزره مما لا شجر له ، وقيل : الريحان ما يكون لعينه رائحة مستلذة وشجر الورد والياسمين ليس لعينه رائحة إنما الرائحة للورد خاصة فلا يكون من جملة الرياحين
( قال ) ولو أن امرأة حلفت أن لا تلبس حليا فلبست خاتم الفضة لم تحنث ; لأن الرجل ممنوع من استعمال الحلي وله أن يلبس خاتم الفضة [ ص: 30 ] فعرفنا أنه ليس بحلي وقيل هذا إذا كان مصوغا على هيئة خاتم الرجال فأما إذا كان على هيئة خاتم النساء مما له فصوص فهو من الحلي ; لأنه يستعمل استعمال الحلي للتزين به ، والسوار والخلخال والقلادة والقرط من الحلي ; لأنها تستعمل استعمال الحلي للتزين بها حتى يختص بلبسها من يلبس الحلي ، والله تعالى وعد ذلك لأهل الجنة بقوله { يحلون فيها من أساور من ذهب } فأما اللؤلؤ عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يكون حليا إلا أن يكون مرصعا بالذهب والفضة ، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى هو حلي لقوله تعالى { يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا } ولقوله { وتستخرجوا منه حلية تلبسونها } وكذلك من حيث العرف يستعمل ذلك استعمال الحلي ، فالمرأة قد تلبس عقد لؤلؤ للتحلي بها ولكن أبو حنيفة رحمه الله تعالى شاهد العرف في عصره وأنهم يتحلون باللؤلؤ مرصعا بالذهب أو الفضة ولا يتحلون باللؤلؤ وحده فبنى الجواب على ما شاهده وقد بينا أنه لا تبنى مسائل الأيمان على ألفاظ القرآن ولكن قولهما أظهر وأقرب إلى عرف ديارنا .
ولو حلف لا يقطع بهذا السكين فكسره فجعل منه سكينا آخر ثم قطع لم يحنث ; لأنه حين كسره فقد زال الاسم الذي عقد به اليمين فلهذا لا يحنث وقد بينا نظيره في الدار إذا جعلها بستانا
ولو حلف لا يتزوج امرأة فتزوج امرأة بغير شهود حنث في القياس ; لأنه منع نفسه عن أصل العقد والفساد والجواز صفة لا ينعدم أصل العقد بانعدامها كالبيع ، ألا ترى أنه لو عقد يمينه على الماضي بأن قال : ما تزوجت كان على الفاسد والجائز فكذلك في المستقبل ، وجه الاستحسان أن المقصود بالنكاح ملك الحل وذلك لا يحصل بالعقد الفاسد كيف وقد نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصل العقد بغير شهود حيث قال : { لا نكاح إلا بشهود } بخلاف البيع فالمقصود هناك وهو الملك يحصل بالعقد الفاسد إذا تأكد بالقبض وبخلاف ما لو تدبر الكلام في النكاح ; لأنه في الخبر عن الماضي من النكاح ليس مقصوده الحل والعفة وإنما يمينه في الماضي على مجرد الخبر ، والخبر يتحقق عن العقد الفاسد والجائز .
ولو حلف لا يشتري عبدا فاشتراه شراء فاسدا حنث عندنا ، وعند زفر رحمه الله تعالى لا يحنث إلا بالقبض ; لأن القبض في الشراء الفاسد نظير القبول في الشراء الصحيح من حيث إن الملك لا يحصل إلا به ، ولكنا نقول : شرط حنثه العقد وبالإيجاب والقبول ينعقد العقد فاسدا كان أو صحيحا ، والملك غير معتبر في تحقيق شرط الحنث ، ألا ترى أنه لو اشتراه بشرط الخيار أو اشتراه لغيره حنث ؟ وإن لم يثبت الملك له قال [ ص: 31 ] وهذا والنكاح سواء في القياس ولكني أستحسن في البيع ، وهذا الاستحسان يعود إلى القياس في النكاح ، وأشار إلى الفرق فقال : ألا ترى أنه لو أعتقه بعد القبض عتق وأنه لا يقع الطلاق في النكاح الفاسد ؟ فدل أن العقد منعقد هنا غير منعقد هناك .
ولو حلف لا يصلي ركعتين فصلاها بغير وضوء ففي القياس يحنث وفي الاستحسان لا يحنث وهذا والنكاح سواء ; لأن المقصود بالصلاة العبادة ونيل الثواب ولا يحصل ذلك بالصلاة بغير وضوء لقوله صلى الله عليه وسلم { لا صلاة إلا بطهور }
( قال ) ولو حلف لا يصلي فافتتح الصلاة لم يحنث حتى يصلي ركعة وسجدة استحسانا وفي القياس يحنث ; لأن شرط حنثه فعل يكون به مصليا وقد حصل ذلك بالتكبير ; لأنه يسمى في العادة مصليا ، ويحرم عليه ما يحرم على المصلين ولكنه استحسن فقال : الصلاة تشتمل على أركان : منها القيام ، والقراءة ، والسجود ، والركوع ; لأنها عبادة بجميع البدن ، وكل ركن من هذه الأركان لا يتناوله اسم الصلاة فلا يكون مصليا مطلقا ما لم يأت بأركان الصلاة وإنما يسمى مصليا بعد التكبير مجازا على اعتبار أنه اشتغل بالأركان التي يصير بها مصليا ، فإذا قيد الركعة بسجدة فقد أتى بأركان الصلاة وما بعد ذلك يكون تكرارا ولا يشترط التكرار في إتمام شرط الحنث وقد بينا في كتاب الصلاة أن القعدة من أسباب التحلل .
وإن حلف لا يصوم فأصبح صائما ثم أفطر حنث ; لأن الصوم ركن واحد وهو الإمساك وشرطه النية فلما أصبح ناويا للصوم فقد أتى بما هو ركن الصوم فيتم به شرط حنثه إلا أن يكون قال يوما فحينئذ إذا أفطر قبل الليل لم يحنث ; لأن شرط حنثه صوم يوم كامل ولا يحصل ذلك إلا بامتداد الإمساك إلى غروب الشمس
وإن حلف ليفطرن عند فلان ولا نية له فأفطر على ماء وتعشى عند فلان حنث ; لأنه جعل شرط بره الفطر عند فلان وقد تعشى عند فلان وما أفطر عنده فالفطر الحكمي بغروب الشمس وحقيقته بوصول المفطر إلى جوفه وقد وجد ذلك قبل أن يأتي فلانا ، وإن كان نوى حين حلف العشاء لم يحنث ; لأن الفطر يذكر في العادة والمراد العشاء ، فإن الرجل يقول : أفطرت عند فلان وفلان يفطر عنده جماعة والمراد التعشي
وإن حلف لا يتوضأ بكوز فلان فصب فلان عليه الماء من كوزه فتوضأ حنث ; لأن التوضؤ بالماء الذي في الكوز لا يغير الكوز وقد وجد ذلك ، وإن كان الذي يصب عليه الماء من ذلك الكوز غيره ، وكوز الصفر والإدام وغير ذلك فيه سواء ، وهذا إذا كان ذلك يسمى كوزا عادة فأما إذا توضأ بإناء لفلان غير [ ص: 32 ] الكوز لم يحنث ولو كان فلان هو الذي وضاه وغسل يديه ووجهه لم يحنث ; لأنه عقد اليمين على فعل نفسه وهو التوضؤ ولم يوجد ، وكذلك لو حلف لا يشرب بقدح فلان والله سبحانه وتعالى أعلم .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|