
13-12-2025, 03:21 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,570
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثامن
صـــ 162 الى صـــ 171
(176)
وإن حلف لا يساكنه في بيت فدخل عليه فيه زائرا أو ضيفا ، وأقام فيه يوما أو يومين لم يحنث ; لأن هذا ليس بمساكنة إنما المساكنة بالاستقرار والدوام ، وذلك بمتاعه وثقله ، ألا ترى أن الإنسان يدخل في المسجد كل يوم مرارا ، ولا يسمى ساكنا فيه ، ويدخل على الأمير ، ويكون في داره يوما ، ولا يسمى مساكنا له في داره ، فكذلك هذا الذي دخل على فلان زائرا أو ضيفا لا يكون ساكنا معه فيه ، فلا يحنث إلا أن ينويه ، فحينئذ في نيته تشديد عليه ، فيكون عاملا ، ألا ترى أن الرجل قد يمر بالقرية فيبيت فيها ، ويقول : ما ساكنتها قط فيكون صادقا في ذلك ، ولو كان ساكنا في دار فحلف أن لا يسكنها ، ولا نية له ، ثم أقام فيها يوما أو أكثر لزمه الحنث ; لأن السكنى فعل مستدام حتى يضرب له المدة ، ويقال : سكن يوما أو شهرا ، والاستدامة على ما يستدام كالإنشاء . قال الله تعالى { : وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى } . أي لا تمكث قاعدا ، فيجعل استدامة السكنى بعد يمينه كإنشائه ، وكذلك اللبس والركوب ; لأنه يستدام كالسكنى ، فأما إذا أخذ في النقلة من ساعته ، أو في نزع الثوب أو في النزول عن الدابة لم يحنث عندنا استحسانا ، وفي القياس يحنث ، وهو قول زفر رحمه الله تعالى لوجود جزء من الفعل المحلوف عليه بعد يمينه إلى أن يفرغ عنه ، ووجه الاستحسان أن هذا القدر لا يستطاع الامتناع عنه ، فيصير مستثنى لما عرف من مقصود الحالف ، وهو البر دون الحنث ، ولا يتأتى البر إلا بهذا ; ولأن السكنى هو الاستقرار والدوام في المكان ، والخروج ضده ، فالموجود منه بعد اليمين ما هو ضد السكنى حين أخذ في النقلة في الحال ، ولو خرج منها بنفسه ، ولم يشتغل بنقل الأمتعة يحنث عندنا ، وقال الشافعي رحمه الله تعالى : لا يحنث ; لأنه عقد يمينه على سكناه ، وحقيقة ذلك بنفسه فينعدم بخروجه عقيب اليمين ، وحكي عنه في التعليل هذه المسألة ، قال : خرجت من مكة ، وخلفت فيها دفيترات أفأكون ساكنا بمكة ؟
( وحجتنا ) في ذلك أنه ساكن فيها بثقله وعياله ، فما لم ينقلهم فهو ساكن فيها لما بينا أن السكنى فعل على سبيل الاستقرار والدوام ، وذلك لا يتأتى إلا بالثقل والمتاع ، والعرف شاهد لذلك فإنك تسأل السوقي ، أين تسكن ؟ فيقول : في محلة كذا وهو في تجارته يكون [ ص: 163 ] في السوق ، ثم يشير إلى موضع ثقله وعياله ومتاعه ، فعرفنا أن السكنى بذلك بخلاف الدفيترات ، فإن السكنى لا تتأتى بها ، مع أن من مشايخنا من يقول : إذا كان يمينه على أن لا يسكن بلدة كذا فخرج منها بنفسه لم يحنث ، وإن خلف ثقله بها ، وقد روي بعض ذلك عن محمد رحمه الله تعالى بخلاف السكنى في الدار ، فإن من يكون في المصر في السوق يسمى ساكنا في الدار التي فيها ثقله ومتاعه وعياله ، فأما المقيم بأوزجند لا يسمى ساكنا ببخارى ، وإن كان بها عياله وثقله ، وقال رضي الله عنه : وهذه المسألة تنبني على أصل في مسائل الأيمان بيننا وبين الشافعي رحمه الله تعالى أن عنده العبرة بحقيقة اللفظ ، والعادة بخلافها فلا تعتبر ; لأن المجاز لا يعارض الحقيقة وعندنا العادة الظاهرة اصطلاح طارئ على حقيقة اللغة ، والحالف يريد ذلك ظاهرا فيحمل كلامه عليه ، ألا ترى أن المديون يقول لصاحب الدين : والله لأجرينك على الشوك فيحمل على شدة المطل دون حقيقة اللفظ ، وكان مالك يقول : ألفاظ اليمين محمولة على ألفاظ القرآن ، وهذا بعيد أيضا فإن من حلف لا يستضيء بالسراج فاستضاء بالشمس لا يحنث ، والله تعالى سمى الشمس سراجا .
ومن حلف لا يجلس على البساط فجلس على الأرض لم يحنث ، والله تعالى سمى الأرض بساطا ، ولو حلف لا يمس وتدا ، فمس جبلا لا يحنث ، وقد سمى الله تعالى الجبال أوتادا ، فعرفنا أن الصحيح ما قلنا ، فإن نقل بعض الأمتعة فالمروي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، أنه يحنث إذا ترك بعض أمتعة فيها ; لأنه كان ساكنا فيها بجميع الأمتعة ، فيبقى ذلك ببقاء بعض الأمتعة فيها ، وهو أصل لأبي حنيفة حتى جعل بقاء صفة السكون في العصير مانعا من أن يكون خمرا ، وبقاء مسلم واحد منا في بلدة ارتد أهلها مانعا من أن تصير دار حرب ، إلا أن مشايخنا رحمهم الله قالوا : هذا إذا كان الباقي يتأتى بها السكنى ، أما ببقاء مكنسة أو وتد أو قطعة حصير فيها ، فيبقى ساكنا فيها فلا يحنث ، وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى قريب من هذا قال : إن بقي فيها ما يتأتى لمثله السكنى به يحنث وإلا فلا ، وعن محمد رحمه الله تعالى قال : إن نقل إلى المسكن الثاني ما يتأتى له السكنى به لم يحنث ; لأن بهذا صار ساكنا في المسكن الثاني فلا يبقى ساكنا في المسكن الأول ، ولو كان في طلب مسكن آخر ، فبقي في ذلك يوما أو أكثر لم يحنث في الصحيح من الجواب ; لأنه لا يمكنه طرح الأمتعة في السكة ، فيصير ذلك القدر مستثنى لما عرف من مقصوده إذا لم يفرط في الطلب ، وكذلك إن بقي في نقل الأمتعة أياما لكثرة أمتعته ولبعد المسافة ، ولم يستأجر لذلك جمالا بل جعل [ ص: 164 ] ينقل بنفسه شيئا فشيئا لم يحنث ، وإن بقي في ذلك شهرا إذا لم يفرط ; لأن نقل الأمتعة ضد الاستقرار في ذلك المكان ، فاشتغاله به يمنعه من أن يكون ساكنا فيه فلا يحنث لهذا .
ولو حلف لا يساكن فلانا في دار قد سماها بعينها ، واقتسما وضربا بينهما حائطا ، وفتح كل واحد منهما بابا لنفسه ، ثم سكن الحالف طائفة ، والآخر طائفة لزمه الحنث ; لأنه قد ساكنه فيها بعينها ، والمعنى فيه أن شرط حنثه حين عقد اليمين أن يجمعهما فعل السكنى في الموضع الذي عينه ، وقد وجد ذلك في القسمة وضرب الحائط كما قبله ، وهذا بخلاف ما لو كانت يمينه على أن لا يساكنه في منزل ، ولم يسم دارا بعينها ، ولم ينوها ; لأن هناك بالقسمة وضرب الحائط صار كل جانب منزلا على حدة ; ولأن في غير العين يعتبر الوصف ، وفي العين يعتبر العين دون الوصف ، كما لو حلف أن لا يكلم شابا فكلم شيخا ، كان شابا وقت يمينه لم يحنث ، بخلاف ما لو حلف أن لا يكلم هذا الشاب فكلمه بعد ما شاخ يحنث ; وهذا لأنه في الدار المعينة أظهر بيمينه التبرم منها لا من فلان ، وفي غير المعين إنما أظهر التبرم من مساكنة فلان ، ولا يكون مساكنا له إذا لم يجمعهما منزل واحد .
ولو حلف أن لا يساكنه ، وهو ينوي في بيت واحد فساكنه في منزل ، كل واحد منهما في بيت لم يحنث ; لأنه نوى أكمل ما يكون من المساكنة فتصح نيته ، ويصير المنوي كالملفوظ به ، وإن حلف أن لا يسكن دارا بعينها ، فهدمت وبنيت بناء آخر فسكنها يحنث ; لأنها تلك الدار بعينها ، ومعنى هذا أن البناء وصف ، ورفع البناء الأول ، وإحداث بناء آخر يغير الوصف ، وفي العين لا معتبر بالوصف ، واسم الدار يبقى بعد هدم البناء حتى لو سكنها ، كذلك صار حانثا ; وهذا لأن الدار اسم لما أدير عليه الحائط ، فلا يزول ذلك برفع البناء أما ترى أن العرب تطلق اسم الدار على الخرابات التي لم يبق منها إلا الآثار ، قال القائل :
عفت الديار محلها فمقامها وقال آخر :
يا دار مية بالعلياء فالسند وهذا بخلاف ما لو حلف لا يسكن بيتا عينه ، فهدم حتى ترك صحراء ، ثم بني بيت آخر في ذلك الموضع فسكنه لم يحنث ; لأن اسم البيت يزول بهدم البناء ، ألا ترى أنه لو سكنه حين كان صحراء لم يحنث ; وهذا لأن البيت اسم لما يكون صالحا للبيتوتة فيه ، والصحراء غير صالح لذلك . واليمين المعقودة باسم لا يبقى بعد زوال الاسم ، ثم إنما حدث اسم البيت لذلك الموضع بالبناء الذي أحدث ، فكان هذا اسما غير ما عقد به اليمين ، ووزانه من الدار أن لو جعلها بستانا أو حماما ، ثم بنى دارا فسكنها لم يحنث ; لأن الاسم زال . جعلها بستانا أو حماما ثم حدث اسم الدار [ ص: 165 ] بصفة حادثة ، فلم يكن ذلك الاسم الذي انعقد به اليمين .
وإذا حلف لا يسكن دار فلان هذه ، فباعها فسكن الحالف ، ولم يكن له نية لم يحنث في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى وقال محمد وزفر رحمهما الله تعالى : يحنث ، وكذلك العبد والثوب ، وكل ما يضاف إلى إنسان بالملك . وجه قول محمد وزفر رحمهما الله تعالى أنه جمع في كلامه بين الإشارة والإضافة ، فيتعلق الحكم بالإشارة ; لأنها أبلغ في التعريف من الإضافة ، فإنها تقطع الشركة ، والإضافة لا تقطع الشركة ، فكان هذا بمنزلة قوله : لا أسكن هذه الدار والدليل عليه ما لو قال : والله لا أكلم زوجة فلان هذه صديق فلان هذا ، فكلم بعدما عاداه ، وفارقها يحنث لما قلنا .
وكذلك لو قال : لا أكلم صاحب هذا الطيلسان ، فكلم بعد ما باع الطيلسان يحنث وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : عقد يمينه على ملك يضاف إلى مالك ، فلا يبقى بعد زوال الملك ، كما لو كان أطلق دار فلان ، وتحقيقه من وجهين : ( أحدهما ) أن الدار لا يقصد هجرها لعينها ، بل لأذى حصل من مالكها ، واليمين تتقيد بمقصود الحالف فصار بمعرفة مقصوده كأنه قال : مادام لفلان بخلاف الزوجة والصديق ، فإنه يقصد هجرانهما لعينها ، وكذلك قوله لصاحب الطيلسان ; لأنه يقصد هجرانه لعينه لا لطيلسانه ، فكان ذكر هذه الأشياء للتعريف لا لتقييد اليمين . ( فإن قيل ) في العبد : هو آدمي ، فيقصد هجرانه لعينه ، ومع ذلك قلتم : إذا حلف لا يكلم عبد فلان هذا ، فكلمه بعد ما باعه لا يحنث . ( قلنا ) : ذكر ابن سماعة في نوادره أن عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى يحنث بهذا في العبد .
ووجه ظاهر الرواية أن العبد مملوك ساقط المنزلة عند الأحرار ، فالظاهر أنه إذا كان الأذى منه لا يقصد هجرانه باليمين ، فلا يجعل له هذه المنزلة ، ولكن إنما يحلف إذا كان الأذى من ملكه ; ولأن إضافة المملوك إلى المالك حقيقة كالاسم ، ثم لو جمع في يمينه بين ذكر الاسم والعين ، وزال الاسم لم يبق اليمين ، كما لو حلف لا يدخل هذه الدار بعينها ، فجعلت بستانا فدخل لم يحنث لزوال الاسم ، فكذلك إذا جمع بين الإضافة والتعيين فزالت الإضافة لا يبقى اليمين ، بخلاف الزوجة والصديق ، فالإضافة هناك ليست بحقيقة ، ولكنه تعريف كالنسبة ، وكما أنه يتعلق اليمين بالعين دون النسبة ، فكذلك هنا يتعلق بالعين دون الإضافة ، فإن نوى أن لا يسكنها وإن زالت الإضافة فله ما نوى ; لأنه شدد الأمر على نفسه بنيته ، وكذلك عند محمد رحمه الله تعالى لو نوى أن لا يسكنها ما دامت لفلان فله ما نوى ; لأن المنوي من محتملات لفظه .
وإذا حلف أن لا يسكن دار فلان أو دارا لفلان ، ولم يسم دارا بعينها ، ولم ينوها فسكن دارا له قد باعها بعد [ ص: 166 ] يمينه لم يحنث ; لأنه جعل شرط الحنث وجود السكنى في دار مضافة إلى فلان ، ولم يوجد بخلاف قوله : زوجة فلان أو صديق فلان ; لأن هناك إنما يقصد هجرانهما لعينهما ، فيتعين ما كان موجودا وقت يمينه بناء على مقصوده ، كما لو عينه وذكر ابن سماعة عن أبي يوسف رحمهما الله تعالى التسوية بينهما ، ووجه أنه عقد اليمين بالإضافة ، وحقيقة ذلك فيما لو كان موجودا وقت يمينه ، ولكن على هذه الرواية لا بد أن يقال : إذا جمع بين الإضافة والتعيين يبقى اليمين بعد زوال الإضافة عند أبي يوسف رحمه الله تعالى ، كما هو قول محمد رحمه الله تعالى ، وأما إذا سكن دارا كانت مملوكة لفلان من وقت اليمين إلى وقت السكنى ، فهو حانث بالاتفاق ، وإن سكن دارا اشتراها فلان بعد يمينه حنث في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ولم يحنث في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى .
وكذلك العبد والدابة والثوب ، ولو حلف لا يأكل طعام فلان ، أو لا يشرب شراب فلان ، فتناول شيئا مما استحدثه فلان لنفسه ، فهو حانث بالاتفاق ، وقد أشار ابن سماعة إلى التسوية بين الكل عند أبي يوسف رحمه الله تعالى لما بينا أنه عقد اليمين على الإضافة ، فما لم يوجد حقيقة وقت اليمين لا يتناوله اليمين ، فأما وجه قوله في الفرق على ظاهر الرواية : أن الطعام والشراب يستحدث الملك فيهما في كل وقت ، فعرفنا أن مقصود الحالف وجود الإضافة إلى فلان وقت التناول ، فأما الدار والعبد والدابة فلا يستحدث الملك فيها في كل وقت ، فعرفنا أن مقصوده ما كان موجودا في الحال دون ما يستحدث فيه ، فكان هذا بمنزلة الزوجة والصديق . وجه قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى أنه عقد يمينه على ملك مضاف إلى المالك ، فإذا وجدت الإضافة إلى وقت الفعل كان حانثا كما في الطعام والشراب ، وتحقيقه أن شرط حنثه وجود السكنى في دار مضافة إلى فلان بالملك ، وإنما حمله على اليمين أذى دخله من فلان ، وفي هذا لا فرق بين الموجود في ملكه وقت اليمين ، وما استحدث الملك فيه ، بخلاف الزوجة والصديق ، وقد روى محمد عن أبي يوسف رحمهما الله تعالى في قوله : دارا لفلان أنه لا يحنث إذا سكن دارا اشتراها فلان بعد يمينه ، بخلاف قوله : دار فلان ; لأن اللام دليل على الملك ، فصار تقدير كلامه كأنه قال : لا أسكن دارا هي مملوكة لفلان ، فيتعين الموجود في ملكه دون ما يستحدثه ، ولا يوجد ذلك في قوله : دار فلان .
وروى بشر عن أبي يوسف رحمهما الله على عكس هذا قال : إذا قال : دار فلان لا يتناول ما يستحدث الملك فيه ، بخلاف قوله : دارا لفلان ; لأن في قوله : دار فلان تمام الكلام بذكر الإضافة ، ألا ترى أنه لو لم يذكر فلانا كان كلاما [ ص: 167 ] مختلا ، فلا بد من قيام الملك لفلان وقت اليمين ليتناوله اليمين ، وفي قوله : دارا لفلان . الكلام تام بدون ذكر فلان ، فإنه لو قال : لا أسكن دارا كان مستقيما ، فذكر فلان لتقييد اليمين بما يكون مضافا إلى فلان وقت السكنى ، وإن حلف لا يسكن دارا لفلان ، فسكن دارا بينه وبين آخر لم يحنث ، قل نصيب الآخر أو كثر ; لأنه جعل شرط الحنث وجود السكنى في دار يملكها فلان ، والمملوك لفلان بعض هذه الدار ، وبعض الدار لا يسمى دارا .
وإن حلف لا يسكن دارا اشتراها فلان ، فسكن دارا اشتراها لغيره حنث ; لأن المشتري لغيره كالمشتري لنفسه فيما ينبني على الشراء ، ألا ترى أن حقوق العقد تتعلق به ، وأنه يستغني عن إضافة العقد إلى غيره ، وإنما رتب الحالف يمينه على الشراء دون الملك ، فإن قال : أردت ما اشتراه لنفسه ، دين فيما بينه وبين الله تعالى ولا يدين في القضاء إذا كان يمينه بالطلاق ; لأنه نوى التخصيص في اللفظ العام .
وإن حلف لا يسكن بيتا ، ولا نية له فسكن بيتا من شعر أو فسطاطا أو خيمة ، لم يحنث إذا كان من أهل الأمصار ، وحنث إذا كان من أهل البادية ; لأن البيت اسم لموضع يبات فيه ، واليمين يتقيد بما عرف من مقصود الحالف ، فأهل الأمصار إنما يسكنون البيوت المبنية عادة ، وأهل البادية يسكنون البيوت المتخذة من الشعر ، فإذا كان الحالف بدويا فقد علمنا أن هذا مقصوده بيمينه ، فيحنث بخلاف ما إذا كان من أهل الأمصار ، واسم البيت للمبني حقيقة ، فلا يختلف فيه حكم أهل الأمصار وأهل البادية ; لأن أهل البادية يسمون البيت للمبني حقيقة ، والأصل في هذا أن سائلا سأل ابن مسعود رضي الله عنه فقال : إن صاحبا لنا أوجب بدنة . أفتجزي البقر ؟ فقال : ممن صاحبكم ؟ فقال : من بني رياح . قال : ومتى اقتنت بنو رياح البقر ؟ إنما وهم صاحبكم الإبل . فدل أن عند إطلاق الكلام يعتبر عرف المتكلم فيما يتقيد به كلامه .
وإذا حلف لا يسكن بيتا لفلان ، فسكن صفة له حنث ; لأن الصفة بيت ، إلا أن يكون نوى البيوت دون الصفاف ، فيدين فيما بينه وبين الله ، ولا يدين في القضاء ; لأنه نوى تخصيص اللفظ العام . من أصحابنا من يقول : هذا الجواب بناء على عرف أهل الكوفة ; لأن الصفة عندهم اسم لبيت يسكنونه يسمى صفا ، ومثله في ديارنا يسمى كشأنه ، فأما الصفة في عرف ديارنا غير البيت فلا يطلق عليه اسم البيت ، بل ينفى عنه ، فيقال : هذا صفة وليس ببيت فلا يحنث . قال : والأصح عندي أن مراده حقيقة ما نسميه الصفة ، ووجهه أن البيت اسم لمبنى مسقف مدخله من جانب واحد ، وهو مبني للبيتوتة فيه ، وهذا موجود في الصفة ، إلا أن مدخله أوسع من مدخل البيوت المعروفة [ ص: 168 ] فكان اسم البيت متناولا له ، فيحنث بسكناه ، إلا أن يكون نوى البيوت دون الصفاف ، فحينئذ يصدق فيما بينه وبين الله تعالى ; لأنه خص العام بنيته .
ولو حلف لا يسكن دار فلان هذه ، فسكن منزلا منها حنث ; لأن السكنى في الدار هكذا تكون ، فإن الإنسان يقول أنا ساكن في دار فلان ، وإنما يسكن في بعضها فإنه لا يسكن تحت السور ، وعلى الغرف والحجر إلا أن يكون نوى أن يسكنها كلها ، فلا يحنث حينئذ حتى يسكنها كلها ; لأنه نوى حقيقة كلامه ، ومطلق الكلام وإن كان محمولا على المتعارف فنية الحقيقة تصح فيه ، كما لو قال : يوم يقدم فلان فامرأته طالق حمل على الوقت للعرف ، فإن نوى حقيقة بياض النهار عملت نيته في ذلك ، فهذا مثله حتى لو كان حلف بعتق أو طلاق يدين في القضاء ; لأن هذه حقيقة غير مهجورة ، ولو حلف لا يسكن دارا لفلان ، وهو ينوي بأجر أو عارية ، وسكنها على غير ما عني ، ولم يجر قبل ذلك كلام ، فإنه يحنث ، وما نوي لا يغني عنه شيئا ; لأنه نوى التخصيص فيما ليس من لفظه ، فإن في لفظه فعل السكنى ، وهو نوى التخصيص في السبب الذي يتمكن به من السكنى ، إلا أن يكون قبل هذا كلام يدل عليه بأن استعاره فأبى فحلف ، وهو ينوي العارية ، ثم سكن بأجر فحينئذ لا يحنث ; لأن مطلق الكلام يتقيد بدلالة الحال ويصير ذلك كالمنصوص عليه . والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .
باب الدخول ( قال ) رضي الله عنه : وإذا حلف لا يدخل بيتا لفلان ، ولم يسم بيتا بعينه ، ولم يكن له نية فدخل بيتا هو فيه ساكن بأجر أو عارية ، فهو حانث عندنا ، وقال الشافعي رحمه الله تعالى : لا يحنث ; لأن الإضافة إلى فلان بالملك حقيقة وبالسكنى مجاز ، فلا تجتمع الحقيقة والمجاز في لفظ واحد ، والحقيقة مرادة بالاتفاق ، فيتنحى المجاز ، واللام في قوله لفلان دليل الملك أيضا . ( وحجتنا ) في ذلك أنه عقد يمينه على الإضافة إلى فلان ، وما يسكنه فلان عارية أو إجارة مضاف إليه بمنزلة ما يسكنه بالملك ، ألا ترى أنك تقول : بيت فلان ومنزل فلان ، وإن كان نازلا فيه بأجر أو عارية ، فكذلك مع حرف اللام { ، فإن النبي عليه الصلاة والسلام حين قال لرافع بن خديج : لمن هذا الحائط ؟ فقال : لي استأجرته } ، لم ينكر عليه إضافته إلى نفسه بحرف اللام ، ولا يقول : إنه إذا دخل بيتا هو ملك فلان أنه يحنث بحقيقة الإضافة بالملك لوجود الإضافة بالسكنى [ ص: 169 ] وحاصل هذا الكلام أنه يحنث باعتبار عموم المجاز ، وفي ذلك الملك والمستعار سواء ، كمن حلف لا يضع قدمه في دار فلان فدخلها حافيا أو متنعلا أو راكبا ، يحنث باعتبار عموم المجاز ، وهو الدخول دون حقيقة وضع القدم ، ( فإن قيل ) : كيف يكون للمجاز عموم ، والمصير إليه بطريق الضرورة ؟ ( قلنا ) : العموم للحقيقة ليس باعتبار أنه حقيقة ، بل بدليل ذلك الدليل بعينه موجود في المجاز ; وهذا لأن المجاز كالمستعار ، ويحصل بلبس الثوب المستعار دفع الحر والبرد ، كما يحصل بلبس الثوب المملوك ، ولا يقال : بأن المجاز يصار إليه للضرورة بل هو أحد قسمي الكلام ، ألا ترى أن في كتاب الله تعالى مجازا وحقيقة ، والله تعالى يتعالى أن تلحقه الضرورة ، فعرفنا أن العموم يعتبر في المجاز ، كما في الحقيقة ، وعلى هذا روي عن محمد رحمه الله تعالى أنه إذا حلف لا يدخل بيتا لفلان ، فدخل بيتا أجره فلان من غيره ، لم يحنث ; لأنه مضاف إلى المستأجر بالسكنى دون الآجر .
ولو حلف لا يسكن حانوتا لفلان ، فسكن حانوتا أجره ، فإن كان فلان ممن لا يسكن حانوتا ، لا يحنث بهذا أيضا ، وإن كان يسكن حانوتا ، فحينئذ يحنث لما عرف من مقصود الحالف ، فإن من حلف لا يسكن حانوت الأمير يعلم كل أحد أن مراده حانوت يملكه الأمير ، وإذا حلف لا يدخل على فلان ، ولم يسم شيئا ، ولم يكن له نية فدخل عليه بيته ، أو في بيت غيره أو في صفة حنث ; لأنه وجد الدخول على فلان . فإن الدخول عليه في موضع يبيت هو فيه ، أو يجلس لدخول الزائرين عليه ، وذلك يكون في بيته تارة وفي بيت غيره أخرى ، والصفة في هذه كالبيت ، فيحنث لهذا ، وإن دخل عليه في مسجد لم يحنث ; لأنه معد للعبادة فيه لا للبيتوتة والجلوس لدخول الزائرين عليه ، وكذلك إن دخل عليه في ظلة أو سقيفة ، أو دهليز باب دار لم يحنث ; لأن العرف الظاهر أن جلوسه لدخول الزائرين عليه ، لا يكون في مثل هذه المواضع عادة ، وإنما يكون نادرا عند الضرورة ، فأما الجلوس عادة يكون في الصفة أو البيت ، فهو وإن أتاه في هذه المواضع لا يكون داخلا عليه ، ولا يحنث ، وكذلك لو دخل عليه في فسطاط أو خيمة ، أو بيت شعر ، لم يحنث ، إلا أن يكون الحالف من أهل البادية ، والحاصل أنه جعل قوله : لا أدخل على فلان ، وقوله : لا أدخل عليه بيتا سواء لاعتبار العرف كما بينا .
وإذا حلف لا يدخل عليه بيتا فدخل عليه في المسجد ، أو في الكعبة لم يحنث ; لأنه مصلى ، والبيت اسم للموضع المعد للبيتوتة فيه . ( فإن قيل ) : أليس أن الله تعالى سمى الكعبة بيتا بقوله { : إن أول بيت وضع للناس } ، وسمى المساجد بيوتا في قوله { : في بيوت أذن الله } ؟ ( قلنا ) : قد بينا أن [ ص: 170 ] الأيمان لا تنبني على لفظ القرآن ، وقد سمي بيت العنكبوت بيتا ، فقال { : وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت } . ثم هذا لا يدل على أن مطلق اسم البيت في اليمين يتناوله . ( قال ) : وكل شيء من المساكن يقع عليه اسم بيت حنث فيه ، وإن دخل ، ومراده ما يطلق عليه الاسم عادة في الاستعمال ، وإن دخل بيتا هو فيه ، ولم ينو الدخول عليه لم يحنث ; لأن شرط حنثه الدخول عليه ، وذلك بأن يقصد زيارته ، أو الاستخفاف به بأن يقصد ضربه ، وهذا لم يوجد إذا لم ينو الدخول عليه ، أو لم يعلم أنه فيه ، ألا ترى أن السقاء يدخل دار الأمير في كل يوم ، ولا يقال : دخل على الأمير ، وقد روي عن محمد رحمه الله تعالى أنه يحنث ، وإن لم يعلم كونه فيه ، ولم ينو الدخول عليه بأن دخل على قوم هو فيهم ، والحالف لا يعلم بمكانه ; لأن حقيقة الدخول عليه قد وجد ، ولا يسقط حكمه باعتبار جهله ، وإذا حلف لا يدخل على فلان ، ولم يسم بيتا ، ولم ينوه فدخل دارا هو فيها لم يحنث ، ألا ترى أنه لو كان في بيت منها لا يراه الداخل ، فإنه لا يكون داخلا عليه ، أرأيت أنه لو كانت الدار عظيمة فيها منازل ، فدخل منزلا منها ، وفلان في منزل آخر كان يحنث ، إنما يقع اليمين في هذا إذا دخل عليه بيتا أو صفة ; لأنه حينئذ يكون داخلا عليه حقيقة ، إلا أن يكون حلف أن لا يدخل عليه دارا ، فحينئذ يحنث إذا دخل داره ; لأن اعتبار العرف عند عدم التصريح بخلافه ، وكذلك إن نوى دارا ; لأنه يشدد الأمر على نفسه بهذه النية .
ولو حلف لا يدخل بيتا وهو فيه داخل فمكث فيه أياما لم يحنث ; لأن الدخول هو الانفصال من الخارج إلى الداخل ، ولم يوجد ذلك بعد يمينه . إنما وجد المكث فيه ، وذلك غير الدخول ، وهذا بخلاف السكنى ; لأنه فعل مستدام يضرب له مدة فتكون للاستدامة فيه حكم الإنشاء ، فأما الدخول فليس بمستدام ، ألا ترى أنه لا يضرب له المدة ، فإنه لا يقال : دخل يوما أو شهرا ، إنما يقال : دخل ومكث فيه يوما ولو قال : والله لأدخلنه غدا ، فأقام فيه حتى مضى الغد حنث ; لأن شرط بره وجود فعل الدخول في غد ، ولم يوجد ، إنما وجد المكث فيه فإذا نوى بالدخول الإقامة لم يحنث ; لأن المنوي من محتملات لفظه ، فإن الدخول لمقصود الإقامة وكأنه جعل ذكر الدخول كناية عما هو المقصود ، فلهذا لم يحنث .
وإن قال : والله لا أدخلها إلا عابر سبيل فدخلها ليقعد فيها ، أو يعود مريضا ، أو يطعم حنث ; لأنه عقد يمينه على الدخول ، واستثنى دخولا بصفة ، وهو أن يكون عابر سبيل أي مجتازا ومار طريق . قال الله تعالى { : ولا جنبا إلا عابري سبيل } . وقد وجد الدخول لا على الوجه المستثنى فيحنث ، وإن [ ص: 171 ] دخلها مجتازا ، ثم بدا له أن يقعد فيها لم يحنث ; لأن دخوله على الوجه المستثنى فلم يحنث به ، وبقي ما وراء ذلك مكث في الدار ، وذلك غير الدخول ، فلا يحنث به أيضا ، وإن نوى بكلامه أن لا يدخلها لا يريد النزول فيها صحت نيته ; لأنه عابر سبيل يكون مجتازا في موضع ، ولا يكون نازلا فيه ، فجعل هذا مستثنى دليل على أن مراده منع نفسه مما هو ضده ، وهو الدخول للنزول فإذا صحت نيته صار المنوي كالملفوظ ، وإذا دخلها يريد أن يطعم أو يقعد لحاجة ، ولا يريد المقام فيها لم يحنث ; لأن شرط حنثه دخول بصفة ، وهو أن يكون للسكنى والقرار ، ولم يوجد وإذا حلف لا يدخل دار فلان فجعلها بستانا أو مسجدا ، ودخلها لم يحنث قال : لأنها قد تغيرت عن حالها ، ولم يرد تغير الوصف ; لأن ذلك لا يرفع اليمين إذا لم يكن وصفا داعيا إلى اليمين ، وإنما أراد تغيير الاسم ; لأنه عقد اليمين باسم الدار ، والبستان والمسجد والحمام غير الدار فإذا لم يبق ذلك الاسم لا يبقى اليمين ، وكذلك لو كانت دارا صغيرة فجعلها بيتا واحدا ، وأشرع بابه إلى الطريق ، أو إلى دار فدخله لم يحنث ; لأنها قد تغيرت ، وصارت بيتا ، وهذا إشارة إلى ما قلنا : أن اسم البيت غير اسم الدار ، فمن ضرورة حدوث اسم البيت لهذه البقعة زوال اسم الدار
وإن حلف لا يدخل بيتا بعينه فهدم سقفه ، وبقيت حيطانه فدخله يحنث ; لأنه بيت ، وإن انهدم سقفه ، قال الله تعالى { : فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا } أي ساقطة سقفها ; ولأن البيت اسم لما هو صالح للبيتوتة فيه ، وما بقيت الحيطان فهو صالح لذلك ، وإن لم يكن مسقفا بخلاف ما لو انهدمت الحيطان ; لأنه صار صحراء غير صالح للبيتوتة ، فلا يتناوله اسم البيت .
وإن حلف لا يدخل دار فلان ، فاحتمله إنسان فأدخله وهو كاره لم يحنث ; لأنه مدخل لا داخل ، ألا ترى أن الميت قد يدخل الدار ، وفعل الدخول منه لا يتحقق ، وإن أدخله بأمره حنث ; لأن فعل الغير بأمره كفعله بنفسه ، فأما إذا لم يأمره ، ولكنه غير ممتنع راض بقلبه حتى أدخله ، فقد قال بعض مشايخنا يحنث ; لأنه لما كان متمكنا من الامتناع ، فلم يفعل صار كالآمر به ، وإدخاله مكرها إنما يكون مستثنى ; لأنه لا يستطيع الامتناع عنه ، والأصح أنه لا يحنث ; لأنه عقد يمينه على فعل نفسه ، وقد انعدم فعله حقيقة وحكما ; لأن فعل الغير يغيره أمره ، واستعماله إياه لا يصير مضافا إليه حكما إلا بأمره ، ولم يوجد ، أما بترك المنع والرضا بالقلب فلا ، وإن دخلها على دابة حنث ; لأن سير الدابة يضاف إلى راكبها ، ألا ترى أن الراكب ضامن لما تطأ دابته ، وأنه يتمكن من إيقافه متى شاء ، فكان هذا والدخول ماشيا سواء .
وإن حلف لا يضع قدمه فيها فدخلها [ ص: 172 ] راكبا أو ماشيا عليه حذاء ، أو لم يكن حنث ; لأن وضع القدم عبارة عن الدخول عرفا ، فإذا نوى حين حلف أن لا يضع قدمه ماشيا فدخلها راكبا لم يحنث ; لأنه نوى حقيقة كلامه ، وهذه حقيقة مستعملة غير مهجورة ، وإن حلف لا يدخلها فقام على حائط من حيطانها حنث ; لأنه قد دخلها ، فإن القائم على حائط من حيطانها ليس بخارج منها ، فعرفنا أنه داخل فيها ، ألا ترى أن السارق لو أخذ في ذلك الموضع ، ومعه المال لم يقطع ، كما لو أخذ في صحن الدار . توضيحه : أن الدار اسم لما أدير عليه الحائط ، فيكون الحائط داخلا فيه ، ألا ترى أنه يدخل في بيع الدار من غير ذكر .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|