
13-12-2025, 03:15 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,593
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثامن
صـــ 152 الى صـــ 161
(175)
مسلم حلف على يمين ، ثم ارتد ، ثم أسلم ، فحنث فيها لم يلزمه شيء ; لأنه بالردة التحق بالكافر الأصلي ، ولهذا حبط عمله قال الله تعالى { : ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله } . وكما أن الكفر الأصلي ينافي الأهلية لليمين الموجبة للكفارة ، فكذلك الردة تنافي بقاء اليمين الموجبة للكفارة .
وإذا جعل الرجل لله على نفسه إطعام مسكين ، فهو على ما نوى من عدد المساكين وكيل الطعام ; لأن المنوي من محتملات لفظه ، وهو شيء بينه وبين ربه ، وإن لم يكن له نية فعليه طعام عشرة مساكين لكل مسكين نصف صاع من حنطة اعتبارا لما يوجبه على نفسه بما أوجب الله عليه من إطعام المساكين ، وأدنى ذلك عشرة مساكين في كفارة اليمين ، إلا أنه إن قال في نذره : إطعام المساكين فليس له أن [ ص: 153 ] يصرف الكل إلى مسكين واحد جملة ، وإن قال : طعام المساكين ، فله ذلك ; لأن بهذا اللفظ يلتزم مقدارا من الطعام ، وباللفظ الأول يلتزم الفعل ; لأن الإطعام فعل فلا يتأدى إلا بأفعال عشرة ، ويعطي من الكفارة من له الدار والخادم ; لأنهما يزيدان في حاجته فالدار تسترم ، والخادم يستنفق ، وقد بينا أنه يجوز صرف الزكاة إلى مثله ، فكذلك الكفارة ، وإن أوصى بأن يكفر عنه يمينه بعد موته ، فهو من ثلثه ; لأنه لا يجب أداؤه بعد الموت إلا بوصية ، ومحل الوصية الثلث ، ثم ذكر الاختلاف في مقدار الصاع ، وقد بيناه في صدقة الفطر والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .
باب الكسوة
( قال ) : رضي الله تعالى عنه والكسوة ثوب لكل مسكين إزار أو رداء أو قميص أو قباء أو كساء ، هكذا نقل عن الزهري في قوله تعالى { : أو كسوتهم } . أنه الإزار فصاعدا من ثوب تام لكل مسكين ، وعن ابن عباس رضي الله عنه قال : لكل مسكين ثوب ويعطي في الكسوة القباء ، والذي روي عن أبي موسى الأشعري أنه كان يعطي في كفارة اليمين لكل مسكين ثوبين ، فإنما يقصد التبرع بأحدهما ، فأما الواحد يتأدى به الواجب هكذا نقل عن مجاهد رحمه الله قال : أدناه ثوب لكل مسكين ، وأعلاه ما شئت وهكذا ; لأن الكسوة ما يكون المرء به مكتسيا ، وبالثوب الواحد يكون مكتسيا حتى يجوز له أن يصلي في ثوب واحد ، وإذا كان في ثوب واحد فالناس يسمونه مكتسيا لا عاريا والمراد بالإزار الكبير الذي هو كالرداء ، فأما الصغير الذي لا يتم به ستر العورة لا يجزي ، ولو كسا كل مسكين سراويل ، ذكر في النوادر عن محمد رحمه الله تعالى أنه يجزئه ; لأنه يكون به مكتسيا شرعا حتى تجوز صلاته فيه ، وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه لا يجزئه من الكسوة ; لأن لابس السراويل وحده يسمى عريانا لا مكتسيا ، إلا أن تبلغ قيمته الطعام ، فحينئذ يجزئه من الطعام إذا نواه ، ولو أعطى كل مسكين نصف ثوب لم يجزه من الكسوة ; لأن الاكتساء به لا يحصل ، ولكنه يجزي من الطعام إذا كان نصف ثوب يساوي نصف صاع من حنطة ، ولو كسا كل مسكين قلنسوة ، أو أعطاه نعلين أو خفين لا يجزيه من الكسوة ; لأن الاكتساء به لا يحصل ، وإن أعطى كل واحد منهم عمامة فإن كان ذلك يبلغ قميصا أو رداء أجزأه ، وإلا لم يجزه من الكسوة ; لأن العمامة كسوة [ ص: 154 ] الرأس كالقلنسوة ، ولكن يجزيه من الطعام إذا كانت قيمته تساوي قيمة الطعام .
ولو أعطى عشرة مساكين ثوبا بينهم ، وهو ثوب كثير القيمة ، يصيب كل مسكين أكثر من قيمة ثوب لم يجزه من الكسوة ; لأنه لا يكتسي به كل واحد منهم ، ولكن يجزيه من الطعام قال : ألا ترى أنه لو أعطى كل مسكين ربع صاع حنطة ، وذلك يساوي صاعا من تمر لم يجز عنه من الطعام ، ولو كان هذا المد من الحنطة يساوي ثوبا كان يجزئ من الكسوة دون الطعام ، وهذا تفسير لما أبهمه قبل هذا من أنه لا يجوز إقامة الطعام مقام الكسوة ، وتبين بهذا أن المراد هناك التمكين دون التمليك ، ولو أعطى مسكينا واحدا عشرة أثواب في مرة واحدة لم يجزه كما في الطعام ، وإن أعطاه في كل يوم ثوبا حتى استكمل عشرة أثواب في عشرة أيام أجزأه كما في الطعام . ( فإن قيل ) : الحاجة إلى الطعام تتجدد بتجدد الأيام ، والحاجة إلى الكسوة لا تتجدد بتجدد الأيام ، وإنما تتجدد في كل ستة أشهر أو نحو ذلك . ( قلنا ) : نعم الحاجة إلى الملبوس كذلك ، ولكنا أقمنا التمليك مقامه في باب الكسوة ، والتمليك يتحقق في كل يوم ، وإذا أقام الشيء مقام غيره يسقط اعتبار حقيقة نفسه ; وهذا لأن الحاجة إلى الملك لا نهاية لها ، إلا أنا لا نجوز أداء الكل دفعة واحدة للتنصيص على تفريق الأفعال ، وذلك بتفريق الأيام في حق الواحد ، وقد يحصل أيضا بتفرق الدفعات في يوم واحد ، إلا أنه ليس لذلك حد معلوم ، فقدرنا بالأيام ، وجعلنا تجدد الأيام في حق الواحد كتجدد الحاجة تيسيرا .
وإن أعطى عشرة مساكين عبدا أو دابة قيمته تبلغ عشرة أثواب أجزأه من الكسوة باعتبار القيمة ، كما لو أدى الدراهم ، وإن لم تبلغ قيمته عشرة أثواب ، وبلغت قيمة الطعام أجزأه من الطعام ; لأن مقصوده معلوم ، وهو سقوط الواجب به عنه ، فيحصل مقصوده بالطريق الممكن ، ولو أقام رجل البينة عليه أنه ملكه ، وأخذه ، فعليه استقبال التكفير ; لأن المؤدى استحق من يد المسكين ، فكأنه لم يصل إليه ، ولو كسا عن رجل بأمره عشرة مساكين أجزأ عنه ، وإن لم يعط عنه ثمنا ; لأن فعل الغير ينتقل إليه بأمره كفعله بنفسه ، والمسكين يصير قابضا له أولا ، ثم لنفسه وقد بينا في الطعام مثله في الظهار ، ولو كساهم بغير أمره ، ورضي به لم يجز عنه ، لأن الصدقة قد تمت من جهة المؤدي ، فلا يتصور وقوعها عن غيره بعد ذلك ، وإن رضي به ولو أعطى عن كفارة أيمانه في أكفان الموتى ، أو في بناء مسجد ، أو في قضاء دين ميت ، أو في عتق رقبة لم يجز عنه ; لأن الواجب إنما يتأدى بالتمليك إلى الفقير لا يحصل بهذا ، وقد بينا مثله في الزكاة أنه [ ص: 155 ] لا يجزئه . ( فإن قيل ) في باب الكفارة : التمليك غير محتاج إليه عندكم حتى يتأدى بالتمكين من الطعام بخلاف الزكاة . ( قلنا ) : لا يعتبر التمليك عن وجود ما هو المنصوص عليه ، وهو فعل الإطعام ، وهذا لا يوجد في هذه المواضع فلا بد من اعتبار التمليك ، وذلك لا يحصل بتكفين الميت وبناء المسجد ، وإن أعطى منها ابن السبيل منقطعا به أجزأه ; لأنه محل لصرف الزكاة إليه وقد بينا أن مصرف الكفارة من هو مصرف الزكاة .
ولو كانت عليه يمينان ، فكسا عشرة مساكين كل مسكين ثوبين عنهما أجزأه عن يمين واحدة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى كما في الطعام .
وإذا كسا مسكينا عن كفارة يمينه ، ثم مات المسكين ، فورثه هذا منه ، أو اشتراه في حياته ، أو وهبه له لم يفسد ذلك عليه ; لأن الواجب قد تأدى بوصول الثوب إلى يد المسكين ، ولم يبطل ذلك بما اعترض له من الأسباب ، وقد بينا في الزكاة نظيره . والأصل فيه ما روي { أن بريرة كان يتصدق عليها ، وتهديه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقول : هي لها صدقة ، ولنا هدية } ، فهذا دليل على أن اختلاف أسباب الملك ينزل منزلة اختلاف الأعيان ، وفي حديث { أبي طلحة أنه تصدق على ابنته بحديقة له ، ثم ماتت فورثها منها ، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فقال عليه الصلاة والسلام : إن الله قبل منك صدقتك ، ورد عليك حديقتك } . والله أعلم بالصواب .
باب الصيام
( قال ) : وإذا حنث الرجل ، وهو معسر ، فعليه ثلاثة أيام متتابعة ، فإن أصبح في يوم مفطرا ، ثم عزم على الصوم عن كفارة يمينه لم يجزه ; لأنه دين في ذمته ، وما كان دينا في الذمة لا يتأدى إلا بنية من الليل ; وهذا ; لأنه إنما يتأدى بالنية من النهار صوم يوم توقف الإمساك في أول النهار عليه باعتبار أن النية تستند إليه ، وهذا فيما يكون عينا في الوقت دون ما يكون دينا في الذمة ، وإذا أفطرت المرأة في هذا الصوم لمرض أو حيض فعليها أن تستقبل ; لأنها تجد ثلاثة أيام خالية عن الحيض والمرض ، فلا تعذر فيها بالإفطار بعذر الحيض ، بخلاف الشهرين المتتابعين ، وقد بينا هذا في الصوم ، ولا يجزي الصوم عن هذا في أيام التشريق ; لأنه واجب في ذمته بصفة الكمال ، والصوم في هذه الأيام ناقص ; لأنه منهي عنه ، فلا يتأدى به ما وجب في ذمته بصفة الكمال ، فإن كان لهذا المعسر مال غائب عنه ، أو دين ، وهو لا يجد ما يطعم أو يكسو [ ص: 156 ] ولا ما يعتق أجزأه أن يصوم ; لأن المانع قدرته على المال ، وذلك لا يحصل بالملك دون اليد ، فما يكون دينا على مفلس ، أو غائبا عنه ، فهو غير قادر على التكفير به ، إلا أن يكون في ماله الغائب عبد ، فحينئذ لا يجزيه التكفير بالصوم ; لأنه متمكن من التكفير بالعتق فإن نفوذ العتق باعتبار الملك دون اليد .
وكذلك إن كان العبد آبقا ، وهو يعلم حياته ، فإنه لا يجزيه التكفير بالصوم لقدرته على التكفير بالعتق ، ولو كان له مال ، وعليه دين مثله أجزأه الصوم بعد ما يقضي دينه عن ذلك المال ، وهذا غير مشكل ; لأنه بعد قضاء الدين بالمال غير واجد لمال يكفر به ، وإنما الشبهة فيما إذا كفر بالصوم قبل أن يقضي دينه بالمال ، فمن مشايخنا من يقول : بأنه لا يجوز ، ويستدل بالتقييد الذي ذكره بقوله بعد ما يقضي دينه ; وهذا لأن المعتبر هنا الوجود دون الغنى ، وما لم يقض الدين بالمال ، فهو واجد . والأصح أنه يجزيه التكفير بالصوم لما أشار إليه في الكتاب من قوله : ألا ترى أن الصدقة تحل لهذا ، وفي هذا التعليل لا فرق بينهما قبل قضاء الدين وبعده وهذا لأن المال الذي في يده مستحق بدينه ، فيجعل كالمعدوم في حق التكفير بالصوم كالمسافر إذا كان معه ماء ، وهو يخاف العطش يجوز له التيمم ; لأن الماء مستحق لعطشه فيجعل كالمعدوم في حق التيمم ، وإن صام العبد عن كفارة يمينه ، فعتق قبل أن يفرغ منه ، وأصاب مالا لم يجزه الصوم ; لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل ، وقد بينا مثله في الحر المعسر إذا أيسر ، فكذلك في غيره ; لأن السبب الموجب للكفارة بالمال متحقق في حقه ، ولكن لانعدام الملك كان يكفر بالصوم ، وقد زال ذلك بالعتق فكان هو والحر سواء .
ولو صام رجل ستة أيام عن يمينين أجزأه ، وإن لم ينو ثلاثة أيام لكل واحدة ; لأن الواجب عليه نية الكفارة دون نية التمييز ، فإن التمييز في الجنس الواحد غير مفيد ، وإنما يستحق شرعا ما يكون مفيدا ، والصوم في نفسه أنواع ، فلا يتعين نوع من الكفارات إلا بالنية ، فأما كفارات الأيمان نوع واحد ، فلا يعتبر نية التمييز فيما بينهما كقضاء رمضان ، فإن عليه أن ينوي القضاء ، وليس عليه نية تعيين يوم الخميس والجمعة ، ثم فرق أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى بين هذا وبين الإطعام والكسوة من حيث إن يكون هناك ، لو أعطى كل مسكين صاعا أو ثوبين عن يمينين لم يجز إلا عن واحدة ; لأن الأداء يكون دفعة واحدة ، وهنا الصوم ستة أيام عن يمينين ، لا يتصور دفعة واحدة ، بل ما لم يفرغ عن صوم ثلاثة أيام لا يتصور صوم ثلاثة أخرى ، فلهذا جاز كل ثلاثة عن كفارة ، ووزان هذا من الطعام والكسوة ما لو فرق فعل الدفع ، وإن كان عنده طعام إحدى [ ص: 157 ] الكفارتين ، فصام لإحداهما ، ثم أطعم للأخرى لم يجزه الصوم ; لأنه كفر بالصوم في حال وجود ما يكفر به من المال ، وعليه أن يعيد الصوم بعد التكفير بالإطعام ; لأنه لما كفر بالإطعام عن يمين فقد صار غير واجد في حق اليمين الأخرى ، وهو نظير محدثين في سفر ، وجدا من الماء مقدار ما يكفي لوضوء أحدهما ، فتيمم أحدهما أولا ، ثم توضأ الآخر به ، فعلى من تيمم إعادة التيمم بعد ما توضأ به الآخر لهذا المعنى .
ولا يجوز صوم أحد عن أحد حي أو ميت في كفارة أو غيرها لحديث ابن عمر رضي الله عنهما موقوفا عليه ومرفوعا ، ولا يصوم أحد عن أحد ; ولأن معنى العبادة في الصوم الابتداء بما هو شاق على بدنه ، وهو الكف عن اقتضاء الشهوات ، وهذا لا يحصل في حق زيد بأداء عمرو . والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب .
باب من الأيمان
( قال ) رضي الله عنه : وإذا حلف الرجل على أمر لا يفعله أبدا ، ثم حلف في ذلك المجلس أو في مجلس آخر لا يفعله أبدا ، ثم فعله ، كانت عليه كفارة يمينين ; لأن اليمين عقد يباشره بمبتدأ وخبر ، وهو شرط وجزاء ، والثاني في ذلك مثل الأول فهما عقدان ، فبوجود الشرط مرة واحدة يحنث فيهما ، وهذا إذا نوى يمينا أخرى ، أو نوى التغليظ ; لأن معنى التغليظ بهذا يتحقق ، أو لم يكن له نية ; لأن المعتبر صيغة الكلام عند ذلك ، ثم الكفارات لا تندرئ بالشبهات خصوصا في كفارة اليمين فلا تتداخل ، وأما إذا نوى بالكلام الثاني اليمين الأول ، فعليه كفارة واحدة ; لأنه قصد التكرار ، والكلام الواحد قد يكرر فكان المنوي من محتملات لفظه ، وهو أمر بينه وبين ربه وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى قال : هذا إذا كانت يمينه بحجة أو عمرة أو صوم أو صدقة ، فأما إذا كانت يمينه بالله تعالى فلا تصح نيته ، وعليه كفارتان قال أبو يوسف رحمه الله تعالى : هذا أحسن ما سمعنا منه ، ووجهه أن قوله : فعليه حجة مذكور بصيغة الخبر ، فيحتمل أن يكون الثاني هو الأول ، فأما قوله : والله هذا إيجاب تعظيم المقسم به نفسه من غير أن يكون بصيغة الخبر ، فكان الثاني إيجابا كالأول فلا يحتمل معنى التكرار ; لأن ذلك في الإخبار دون الإيقاع والإيجاب ، وإذا كانت إحدى اليمينين بحجة ، والأخرى بالله فعليه كفارة وحجة ; لأن معنى تكرار الأول غير محتمل هنا فانعقدت يمينان [ ص: 158 ] وقد حنث فيهما بإيجاد الفعل مرة فيلزمه موجب كل واحد منهما .
فإن حلف ليفعلن كذا إلى وقت كذا ، وذلك الشيء معصية يحق عليه أن لا يفعله ; لأنه منهي عن الإقدام على المعصية ، ولا يرتفع النهي بيمينه ، ولكن اليمين منعقدة فإذا ذهب الوقت قبل أن يفعله ، فقد تحقق الحنث فيها بفوت شرط البر فيلزمه الكفارة ، فإن لم يؤقت فيه وقتا ، وذلك الفعل مما يقدر على أن يأتي به كشرب الخمر والزنا ونحوه لم يحنث إلى أن يموت ; لأن الحنث بفوت شرط البر ، وشرط البر بوجود ذلك الشيء منه في عمره ، فإذا مات قبل أن يفعله ، فقد تحقق الحنث بفوت شرط البر حين أشرف على الموت ، ووجبت عليه الكفارة فينبغي له أن يوصي بها لتقضى بعد موته ، كما ينبغي أن يوصي بسائر ما عليه من حقوق الله تعالى كالزكاة ونحوها .
وإذا حلف بأيمان متصلة معطوفة بعضها على بعض ، واستثنى في آخرها كان ذلك استثناء من جميعها ; لأن الكلمات المعطوفة بعضها على بعض ككلام واحد ، فيؤثر الاستثناء في إبطالها كلها اعتبارا للأيمان بالإيقاعات ، وقيل : هذا قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى لأن الاستثناء عندهما لإبطال الكلام ، وحاجة اليمين الأولى كحاجة اليمين الثانية ، فأما عند أبي يوسف رحمه الله تعالى الاستثناء بمنزلة الشرط ، فإنما ينصرف إلى ما يليه خاصة كما لو ذكر شرطا آخر ; لأن اليمين الأولى تامة بما ذكر لها من الشرط والجزاء ، فلا ينصرف الشرط المذكور آخرا إليها ، وقد بينا هذا في الجامع ، وكذلك لو قال : إلا أن يبدو لي أو أرى غير ذلك ، أو إلا أن أرى خيرا من ذلك ، فهذا كله من ألفاظ الاستثناء ، وبه يخرج الكلام من أن يكون عزيمة وإيجابا ، وإن قال : إلا أن لا أستطيع فهذا على ثلاثة أوجه ، فإن كان يعني ما سبق به من القضاء فهو موسع عليه ، ولا يلزمه الكفارة ; لأن المنوي من محتملات لفظه ، فالمذهب عند أهل السنة أن كل شيء بقضاء وقدر ، وأن الاستطاعة مع الفعل ، فإذا لم يفعل علمنا أن الاستطاعة التي قد استثنى بها لم توجد ، ولكن هذا في اليمين بالله فإن موجبه الكفارة ، وذلك بينه وبين ربه ، فإن كانت اليمين بالطلاق أو العتاق فهو مدين فيما بينه وبين الله تعالى ولكن لا يدين في الحكم ; لأن العادة الظاهرة أن الناس يريدون بهذه الاستطاعة ارتفاع الموانع ، فإن الرجل يقول : أنا مستطيع لكذا ولا أستطيع أن أفعل كذا على معنى أنه يمنعني مانع من ذلك . قال الله تعالى { : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } .
وفسر رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستطاعة بالزاد والراحلة ، فإذا كان الظاهر هذا ، والقاضي مأمور باتباع الظاهر لا يدينه في الحكم ، فإن كان يعني شيئا يعرض [ ص: 159 ] من البلايا لم يسقط عنه يمينه ما لم يعرض ذلك الشيء ، وكذلك إن لم يكن له نية الاستطاعة ، فهو على أمر يعرض له فلا يكون على القضاء والقدر ما لم ينوه ; لما بينا أن الكلام المطلق محمول على ما هو الظاهر والمتعارف ، ولو قال : والله لا أكلم فلانا والله لا أكلم فلانا رجلا آخر إن شاء الله تعالى يعني بالاستثناء اليمينين جميعا ، كان الاستثناء عليهما لكونه إحدى اليمينين معطوفة على الأخرى ، وفي بعض النسخ لم يذكر حرف العطف ، ولكن قال : والله لا أكلم فلانا وهذا صحيح أيضا ; لأن موجب هذه اليمين الكفارة ، وذلك أمر بينه وبين ربه ، فإذا لم يسكت بين اليمينين كان المنوي من محتملات لفظه ، أو يجعل الواو في الكلام الثاني للعطف دون القسم ، فكأنه قال : والله والله ، وكذلك لو قال : علي حجة إن كلمت فلانا ، وعلي عمرة إن كلمت فلانا إن شاء الله ، فكلمه لم يحنث ; لأن الكلام الثاني معطوف على الأول ، فأما إذا قال : عبدي حر إن كلمت فلانا ، عبدي الآخر حر إن كلمت فلانا إن شاء الله تعالى ثم كلمه عبده الأول حر في القضاء ، ويدين فيما بينه وبين الله ; لأنه لم يذكر بين الكلامين حرف العطف ، فانعدام الاتصال بينهما حكما ، ووجد الاتصال صورة حين لم يسكت بينهما ، فإن نوى صرف الاستثناء إليهما كان مدينا فيما بينه وبين الله تعالى للاحتمال ولا يدين في الحكم ; لأنه خلاف الظاهر ، فإن الكلام الثاني غير معطوف على الأول فيصير فاصلا بين الاستثناء والكلام الأول .
وإن قال لامرأته : إن حلفت بطلاقك فعبدي حر فهذه يمين بالعتق ; لأن اليمين تعرف بالجزاء ، والجزاء عتق العبد ; لأن الجزاء ما يتعقب حرف الجزاء وهو الفاء ، والشرط أن يحلف بطلاق امرأته ، فإذا قال بعد ذلك لعبده : إن حلفت بعتقك فامرأته طالق فإن عبده يعتق ; لأن بالكلام الثاني حلف بطلاق امرأته ، يذكر الشرط ، والجزاء طلاقها فوجد به الشرط في اليمين الأول ، فلهذا يعتق عبده ، ولا تطلق امرأته ; لأن الحلف بعتق العبد كان سابقا على الحلف بطلاقها ، وما يكون سابقا على اليمين لا يكون شرطا ; لأن الحالف إنما يقصد منع نفسه عن إيجاد الشرط ، وذلك لا يتحقق فيما كان سابقا على يمينه ، ولو قال لامرأته ثلاث مرات : إن حلفت بطلاقك فأنت طالق طلقت اثنتين إن كان دخل بها ; لأنه باليمين الثانية يحنث في اليمين الأولى فتطلق واحدة ، ثم باليمين الثالثة يحنث في اليمين الثانية فتطلق أخرى ; لأنها في عدته ، وإن لم يكن دخل بها لا تطلق إلا واحدة ; لأنها بانت بالأولى لا إلى عدة ; ولأن شرط الحنث في اليمين الثانية لا يوجد باليمين [ ص: 160 ] الثالثة ; لأن الشرط هو الحلف بطلاقها ، وذلك لا يتحقق في غير الملك بدون الإضافة إلى الملك ، فلهذا لا تطلق إلا واحدة .
ولو قال : عبده حر إن حلف بطلاق امرأته ، ثم قال لامرأته : أنت طالق إن شئت لا يعتق عبده ، وليس هذا بيمين ، وإن وجد الشرط والجزاء صورة بل هو مخير بمنزلة قوله : أمرك بيدك أو اختاري ، فقد خير رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه رضي الله تعالى عنهن مع نهيه عن اليمين بالطلاق ، والدليل عليه أنه يشترط وجود المشيئة منها في المجلس ، ولو كان يمينا لم يتوقف بالمجلس كقوله : أنت طالق إن كلمت ، وكذلك إذا قال : إذا حضت حيضة لم يعتق عبده ; لأن هذا تفسير لطلاق السنة بمنزلة قوله : أنت طالق للسنة وعلى قول زفر رحمه الله تعالى يعتق ; لأن هذا ليس بإيقاع لطلاق السنة بدليل أنه لو جامعها في الحيض ، ثم طهرت وقع الطلاق عليها ، ولو كان هذا كقوله للسنة لم يقع ، قلنا : هو سني من وجه فلا يحنث بالحيض وتطلق لوجود الشرط حقيقة ، وأما إذا قال لها : إذا حضت فأنت طالق ، أو إذا جاء غد فأنت طالق عتق عبده عندنا ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى لا يعتق قال : لأن الحالف يكون مانعا نفسه من إيجاد الشرط ، وإنما يكون الكلام يمينا بذكر شرط يتصور المنع عنه ، فأما بذكر شرط لا يتصور المنع عنه لا يصير حالفا بطلاقها فلا يعتق عبده ، كما لو قال : أنت طالق غدا ، ولكنا نقول : الكلام يعرف بصيغته ، وقد وجد صيغة اليمين بذكر الشرط والجزاء ، ولم يغلب عليه غيره فكان يمينا بخلاف قوله : أنت طالق غدا ; لأنه ما ذكر الشرط والجزاء ، إنما أضاف الطلاق إلى وقت ، وبخلاف قوله : أنت طالق إن شئت أو إذا حضت حيضة ; لأنه غلب عليه معنى آخر كما بينا ، وبأن لم يكن في وسعه منع هذا الشرط لا يخرج من أن يكون يمينا ، كما لو جعل الشرط فعل إنسان آخر لا يقدر على منعه من ذلك . والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب .
باب المساكنة ( قال ) رضي الله عنه : وإذا حلف الرجل لا يساكن فلانا ، ولا نية له فساكنه في دار كل واحد منهما في مقصورة على حدة لم يحنث ; لأن المساكنة على ميزان المفاعلة ، فشرط حنثه وجود السكنى مع فلان ، والسكنى المكث في مكان على سبيل الاستقرار والدوام ، فتكون المساكنة بوجود هذا الفعل منهما على سبيل المخالطة والمقارنة ، وذلك إذا سكنا بيتا واحدا [ ص: 161 ] أو سكنا في دار ، وكل واحد منهما في بيت منها ; لأن جميع الدار مسكن واحد ، فأما إذا كان في الدار مقاصير وحجر ، فكل مقصورة مسكن على حدة ، فلا يكون هو مساكنا فلانا فلا يحنث في يمينه بمنزلة ما لو سكنا في محلة ، كل واحد منهما على حدة ، والدليل على الفرق أن الدار التي تشتمل على المقاصير ، كل مقصورة منها حرز على حدة ، حتى لو أخرج السارق المتاع من مقصورة ، فأخذ في صحن الدار يقطع ، ولو سرق من يسكن إحدى المقصورتين من المقصورة الأخرى يقطع ، والدار التي تشتمل على بيوت حرز واحد حتى لو أخرج السارق المتاع من بيت ، وأخذ في صحن الدار لا يقطع ، ومن كان مأذونا في الدخول في أحد البيوت من الدار إذا سرق من البيت الآخر لا يقطع ، وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى قال : هذا إذا كانت الدار كبيرة نحو دار الوليد بالكوفة ، ونظيره دار نوح ببخارى ; لأن ذلك بمنزلة المحلة .
فأما إذا لم يكن بهذه الصفة فإنه يحنث ، سواء كانت الدار تشتمل على مقاصير ، أو على بيوت ; لأن في عرف الناس هذا مسكن واحد ويعد الحالف مساكنا لصاحبه ، وإن كان كل واحد في مقصورة ، وإن كان نوى حين حلف أن لا يساكنه في بيت واحد ، أو في حجرة أو في منزل واحد بأن يكونا فيه جميعا لم يحنث حتى يساكنه فيما نوى ; لأن المنوي من محتملات لفظه ، ( فإن قيل ) : المسكن ليس في لفظه ، فكيف تعمل نيته في تخصيص المسكن ، ونية التخصيص فيما لا لفظ له باطل ؟ ( قلنا ) : نحن لا نعتبر تخصيص المسكن حتى لو نوى شيئا بعينه ، لا تعمل نيته ، ولكن الفعل يقتضي المصدر لا محالة ، فبذكر الفعل يصير المصدر كالمذكور لغة ، وهو إنما نوى أكمل ما يكون من السكنى ; لأن أكمل ذلك أن يجمعها بيت واحد ، وما دون هذا عند المقابلة بهذا يكون قاصرا ، فيكون هذا منه نية نوع من السكنى ، وذلك صحيح ، نظيره ما قال في الجامع : إن خرجت ونوى السفر تعمل نيته ; لأنه نوى نوعا من الخروج ، والخروج الذي هو مصدر كالمذكور بذكر الفعل فتصح نيته في نوع منه بخلاف ما إذا نوى الخروج إلى بغداد ; لأن المكان ليس في لفظه فلا تعمل نيته في ذلك ، وإن كان نوى أن لا يساكنه في مدينة أو قرية ، وسمى ذلك ، فإن ساكنه في شيء من ذلك حنث ، ولا تكون المساكنة في ذلك إلا أن يسكنا بيتا واحدا أو دارا واحدة من دار البلدة أو القرية على ما بينا أن المساكنة فعل على سبيل المخالطة والمقارنة ، وذلك لا يكون إلا في مسكن واحد ، وفائدة تخصيصه البلدة أو القرية إخراج سائر المواضع عن يمينه .
وعن أبي يوسف رحمه الله أنه [ ص: 162 ] في هذا الفصل يحنث إذا جمعهما المكان الذي سمى في السكنى ، وإن كان كل واحد منهما في دار على حدة لأجل العرف فإنه يقال : فلان يساكن فلانا قرية كذا وبلدة كذا ، وإن كان كل واحد منهما في دار على حدة ، فأما في ظاهر الرواية لا يحنث في ذلك إلا أن ينويه ، فحينئذ تعمل نيته لما فيه من التشديد عليه .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|