
13-12-2025, 03:00 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,570
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثامن
صـــ 122 الى صـــ 131
(172)
ولا يمين في الولاء في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى إن ادعى الأعلى أو الأسفل وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى : فيه اليمين وقد بينا هذا مع نظائره في كتاب النكاح والدعوى ، ولا خلاف أن المولى إذا جحد العتق فإنه يستحلف ; لأن العتق مما يعمل فيه البدل فيجري فيه الاستحلاف وعند نكوله يقضى بالعتق ، ثم الولاء ينبني عليه ، وهو نظير المرأة تستحلف في انقضاء العدة ، ثم إذا نكلت ينبني عليه صحة رجعة الزوج ، وكذلك لو ادعى رجل عربي على ورثة ميت قد ترك ابنة ومالا أنه مولاه الذي أعتقه ، وله نصف ميراثه فلا يمين على الابنة في الولاء ، ولكن تحلف أنها ما تعلم له في ميراث أبيها حقا ولا إرثا ; لأن هذا استحلاف في المال ، والمال مما يعمل فيه البدل وهو كمن ادعى ميراثا بنسب لا يستحلف المنكر على النسب عنده ، ويستحلف على الميراث ، وإن ادعى عربي على نبطي أنه والاه ، وجحده النبطي فلا يمين عليه في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى . وولاء الموالاة في هذا كولاء العتاقة فإن أقر به بعد إنكاره فهو مولاه ، ولا يكون جحوده نقضا للولاء [ ص: 123 ] وكذلك لو كان العربي هو الجاحد ; لأن النقض تصرف في العقد بالرفع بعد الثبوت وإنكار أصل الشيء لا يكون تصرفا فيه بالرفع كإنكار الزوج لأصل النكاح ، وإن ادعى نبطي على عربي أنه مولاه الذي أعتقه والعربي غائب ، ثم ادعى النبطي ذلك على آخر وأراد استحلافه فإنه لا حلف لوجهين : ( أحدهما ) أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى لا يرى الاستحلاف في الولاء .
( والثاني ) أنه قد ادعى ذلك على غيره ، ولو أقر الثاني له بذلك لم يكن مولاه في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى فكيف يستحلف على ذلك وعندهما إن قدم الغائب فادعى الولاء فهو أحق به ، وإن أنكر فهو مولى للثاني .
رجل من الموالي قتل رجلا خطأ فادعى ورثته على رجل من قبيلة أنه أعتقه وأرادوا استحلافه فليس لهم ذلك ; لأنه لا يمين في الولاء ; ولأنه ليس بخصم لهم ، وإن أقر الرجل به لم يصدق على العاقلة ; لأنه متهم في حق العاقلة ، وإنما يريد أن يلزمهم مالا بإقراره ، وهو لا يملك أن يلزمهم ذلك بإنشاء التصرف في هذه الحالة ، فكذلك بالإقرار ، وتكون الدية على القاتل في ماله ; لأن أصل وجوب الدية عليه في ماله ، وإن كان المقتول من الموالي فادعى رجل أنه أعتقه قبل القتل وأنه لا وارث له غيره ، وأراد استحلاف القاتل على الولاء ، وهو مقر بالقتل لم يستحلف عليه ، ولكن يحلف ما يعلم لهذا في دية فلان المسمى عليك حقا ; لأنه لو أقر بما ادعاه المدعي أمر بتسليم الدية إليه فإذا أنكر يستحلف على ذلك لرجاء نكوله فأما أصل الولاء فلا يمين فيه على من يدعيه فكيف على غيره .
وولد الملاعنة من قوم أمه ، وعقل جنايته عليهم ; لأنه لا نسب ولا ولاء من جانب الأب ، فيكون منسوبا إلى قوم الأم بالنسب إن كانت من العرب وبالولاء إن كانت من الموالي ، فإن أعتق ابن الملاعنة عبدا فعقل جنايته على عاقلة الأم أيضا ; لأن المعتق منسوب بالولاء إلى من ينسب إليه المعتق بواسطة ، وقد بينا أن المعتق منسوب إلى قوم أمه عليهم عقل جنايته ، فكذلك معتقه وإن مات العبد بعد موت الابن وأمه ولا وارث له غيره ، ورثه أقرب الناس من الأم من العصبات ; لأن الولد لما كان منسوبا إليها كانت هي في حقه كالأب ، ولو كان له أب كان ميراث معتقه لأقرب عصبة الأب بعد موته ، فكذلك هنا ولو كان لها ابن ثم مات المولى ولا وارث له غير ابن الأم ، وهو أخ المعتق لأمه ، فإنه يرث المولى كأنه أخ المعتق لأبيه وأمه ; ولأن هذا الابن أقرب عصبة الأم في نسبة المعتق إليها كالأب ، فكذلك ابنها في استحقاق ميراث المعتق كابن الأب .
ولو كان للمعتق أخ وأخت كان ميراث المولى للأخ دون الأخت لهذين [ ص: 124 ] المعنيين ، ولو لم يكن له وارث غير أمه لم يكن لها من الميراث شيء ; لما بينا أنه لا يرث من النساء بالولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن ، وكان الميراث لأقرب الناس منها من العصبات ; لأنها لما لم ترث شيئا كانت كالميتة ، فإن ادعاه الأب وهو حي ثبت النسب منه ; لأن النسب قد استتر باللعان بعد ما كان ثابتا منه بالفراش ، وبقي موقوفا على حقه ، فإذا ادعاه في حال قيام حاجته ثبت نسبه منه ، ورجع ولاء مواليه العتاقة والموالاة إليه ، ويرجع عاقلة الأم بما عقلوا عنهم على عاقلة الأب ، وما كانوا متبرعين في هذا الأداء بل كانوا مجبرين عليه في الحكم فيرجعون عليهم ، وقد بينا الفرق بين هذا وبين ما إذا جر الأب ولاء الولد بعد ما عقل عنه موالي الأم ، وإنما يرجعون على عاقلة الأب لما بينا أن النسب إنما يثبت من وقت العلوق فتبين أن عاقلة الأم أدوا ما كان مستحقا على عاقلة الأب ، وإن كان الابن ميتا لم تجز دعوة الأب إلا أن يكون بقي له ولد ; ولأنه بالموت استغنى عن النسب فدعوى الأب لا تكون إقرارا بالنسب بل تكون دعوى للميراث ، وهو في ذلك متناقض ، فإن خلف الولد ابنا فحاجة ابن الابن كحاجة الابن في تصحيح دعوى الأب ، ولو كان ولد الملاعنة بنتا فماتت وتركت ولدا ، ثم ادعاه الأب جازت دعوته في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى ; لأن موتها عن ولد كموت ابن الملاعنة عن ولد ; وهذا لأن ولدها محتاج إلى إثبات نسب أمه ليصير كريم الطرفين ، وفي قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى لم تجز دعوته ; لأن نسب هذا الولد إلى أبيه دون أمه ، فإن الولد من قوم أبيه .
ألا ترى أن إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنه من قريش ، وأن أولاد الخلفاء من الإماء يصلحون للخلافة فلا معتبر بوجود هذا الولد لما لم يكن منسوبا إليها ، فلهذا لا تصح دعوة الأب ، وإن كان ولد الملاعنة أعتق عبدا ، ثم مات لاعن ولد فادعى الأب نسبه لم يصدق باعتبار بقاء مولاه ; لأن الولاء أثر الملك ولو بقي له أصل الملك على العبد لم يصدق وهو في الدعوة باعتباره ، فبقاء الولاء أولى وهذا ; لأنه إنما يعتبر بقاء من يصير منسوبا إليه بالنسب إذا صحت دعوته ، والمولى لا يصير منسوبا إليه بالنسب ، وإذا لاعن بولدي توأم ، ثم أعتق أحدهما عبدا ومات فادعى الأب الحي منهما ثبت نسبهما ; لأنهما خلقا من ماء واحد ، فبقاء أحدهما محتاجا إلى النسبة كبقائهما [ ص: 125 ] وإذا ثبت نسبهما جر الأب ولاء معتق الميت منهما إلى نفسه ، كما لو كان ثابت النسب منه حين أعتقه . والله سبحانه وتعالى أعلم بالصدق والصواب وإليه المرجع والمآب . قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد انتهى شرح كتاب الولاء بطريق الإملاء من الممتحن بأنواع البلاء . يسأل من الله تعالى تبديل البلاء والجلاء بالعز والعلاء ، فإن ذلك عليه يسير وهو على ما يشاء قدير . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطاهرين .
[ ص: 126 ] كتاب الأيمان
( قال ) الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر السلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي : رضي الله تعالى عنه اليمين في اللغة القوة ، ومنه قوله تعالى { لأخذنا منه باليمين } ، وقال القائل :
رأيت عرابة الأوسي يسمو إلى الخيرات منقطع القرين إذا ما راية رفعت لمجد
تلقاها عرابة باليمين فما يستعمل بالعهود والتوثيق والقوة يسمى يمينا ، وقيل : اليمين الجارحة فلما كانت يستعمل بذلها في العهود سمي ما يؤكد به العقد باسمها ، وهي نوعان نوع يعرفه أهل اللغة ، وهو ما يقصد به تعظيم المقسم به ، ويسمون ذلك قسما إلا أنهم لا يخصون ذلك بالله تعالى وفي الشرع هذا النوع من اليمين لا يكون إلا بالله تعالى فهو المستحق للتعظيم بذاته على وجه لا يجوز هتك حرمة اسمه بحال . والنوع الآخر الشرط والجزاء ، وهو يمين عند الفقهاء لما فيها من معنى اليمين ، وهو المنع والإيجاب ، ولكن أهل اللغة لا يعرفون ذلك ; لأنه ليس فيه معنى التعظيم
ثم بدأ الكتاب ببيان النوع الأول فقال : الأيمان ثلاثة وهذا اللفظ على النحو الذي ذكره محمد رحمه الله تعالى يروى عن رجلين من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أبي مالك الغفاري وكعب بن مالك رحمهما الله ولم يرد عدد الأيمان ، فإن ذلك أكثر من أن يحصى ، وإنما أراد أن اليمين بالله تعالى تنقسم في أحكامها ثلاثة أقسام : يمين يكفر ، ويمين لا يكفر ، ويمين يرجوا أن لا يؤاخذ الله تعالى بها صاحبها ، فأما الذي يكفر فهو يمين على أمر في المستقبل لإيجاد فعل ، أو نفي فعل ، وهذا عقد مشروع أمر الله تعالى به في بيعة نصرة الحق وفي المظالم والخصومات ، وهي في وجوب الحفظ أربعة أنواع : نوع منها يجب إتمام البر فيها ، وهو أن يعقد على أمر طاعة أمر به ، أو الامتناع عن معصية ، وذلك فرض عليه قبل اليمين وباليمين يزداد وكادة [ ص: 127 ] ونوع لا يجوز حفظها وهو أن يحلف على ترك طاعة أو فعل معصية لقوله صلى الله عليه وسلم : { من حلف أن يطيع الله فليطعه ، ومن حلف أن يعصي الله فلا يعصه } . ونوع يتخير فيه بين البر والحنث ، والحنث خير من البر فيندب فيه إلى الحنث لقوله صلى الله عليه وسلم : { من حلف على يمين ورأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير ، وليكفر } . وأدنى درجات الأمر الندب ، ونوع يستوي فيه البر والحنث في الإباحة فيتخير بينهما ، وحفظ اليمين أولى بظاهر قوله تعالى { واحفظوا أيمانكم } . وحفظ اليمين يكون بالبر بعد وجودها فعرفنا أن المراد حفظ البر ، ومن حنث في هذا اليمين فعليه الكفارة كما قال تعالى { : فكفارته إطعام عشرة مساكين } . ويتخير بين الطعام والكسوة والإعتاق للتنصيص على حرف أو ; ولأن البداية بالأخف والختم بالأغلظ إشارة إلى ذلك ; لأنها لو كانت مرتبة كانت البداية بالأغلظ .
والتي لا تكفر اليمين الغموس ، وهي المعقودة على أمر في الماضي أو الحال كاذبة يتعمد صاحبها ذلك ، وهذه ليست بيمين حقيقة ; لأن اليمين عقد مشروع ، وهذه كبيرة محضة ، والكبيرة ضد المشروع ولكن سماه يمينا مجازا ; لأن ارتكاب هذه الكبيرة لاستعمال صورة اليمين كما سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيع الحر بيعا مجازا ; لأن ارتكاب تلك الكبيرة لاستعمال صورة البيع ، ثم لا ينعقد هذا اليمين فيما هو حكمه في الدنيا عندنا ، ولكنها توجب التوبة والاستغفار ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى تنعقد موجبة للكفارة فمن أصله محل اليمين نفس الخبر ، وشرط انعقادها القصد الصحيح ، وعندنا محل اليمين خبر فيه رجاء الصدق ; لأنها تنعقد موجبة للبر ، ثم الكفارة خلف عنه عند فوت البر ، فالخبر الذي لا يتصور فيه الصدق لا يكون محلا لليمين ، والعقد لا ينعقد بدون محله ، وحجته قوله تعالى { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } . فالله أثبت المؤاخذة في اليمين المكسوبة واليمين الغموس بهذه الصفة ; لأنها بالقلب مقصودة ، ثم فسر هذه المؤاخذة بالكفارة في قوله { بما عقدتم الأيمان } . معناه بما قصدتم ، والعقد هو القصد ومنه سميت النية عقيدة ، وأوجب الكفارة موصولة باليمين بقوله { : فكفارته } ; لأن الفاء للوصل ، وقال في آخر الآية { : ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم } والكفارة بنفس الحلف إنما تجب بالغموس ، والمراد بقوله : { واحفظوا أيمانكم } الامتناع من الحلف فإن بعد الحلف إنما يتصور حفظ البر وحفظ اليمين يذكر لمعنى الامتناع . قال القائل [ ص: 128 ]
: قليل الألايا حافظ ليمينه وإن بدرت منه الألية برت ; ولأن قوله خالف فعله في يمين بالله تعالى مقصود فيلزمه الكفارة كما في المعقودة على أمر في المستقبل ، وأقرب ما يقيسون عليه إذا حلف ليمسن السماء ، أو ليحولن هذا الحجر ذهبا ; وهذا لأن وجوب الكفارة في المعقودة على أمر في المستقبل لمعنى الحظر ، ولهذا سميت كفارة أي ساترة ، وهذا الحظر من حيث الاستشهاد بالله تعالى كاذبا ، وذلك بعينه موجود في الغموس ; ولأن الغموس إنما يخالف المعقودة على أمر في المستقبل في توهم البر ، والبر مانع من الكفارة ، وانعدام ما يمنع الكفارة يحقق معنى الكفارة فيها ، ولأن في أحد نوعي اليمين وهو الشرط والجزاء يسوى بين الماضي والمستقبل في موجبه ، فكذلك في النوع الآخر .
( وحجتنا ) في ذلك قوله تعالى { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } الآية ، فقد بين جزاء اليمين الغموس بالوعيد في الآخرة ، فلو كانت الكفارة فيها واجبة لكان الأولى بيانها ; ولأن الكفارة لو وجبت إنما تجب لرفع هذا الوعيد المنصوص ، وذلك لا يقول به أحد . قال : عليه الصلاة والسلام { خمس من الكبائر لا كفارة فيهن ، وذكر منها اليمين الفاجرة يقتطع بها مال امرئ مسلم ، وقال : اليمين الغموس تدع الديار بلاقع } أي خالية من أهلها ، وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : كنا نعد اليمين الغموس من الأيمان التي لا كفارة فيها ، والمعنى فيه أنها غير معقودة ; لأن عقد اليمين للحظر أو الإيجاب ، وذلك يتحقق في الماضي ، والخبر الذي ليس فيه توهم الصدق والعقد لا ينعقد بدون محله كالبيع لا ينعقد على ما ليس بمال ; لخلوه عن موجب البيع ، وهو تمليك المال ; ولأنه قارنها ما يحلها ولو طرأ عليها يرفعها فإذا قارنها منع انعقادها كالردة والرضاع في النكاح بخلاف مس السماء ونحوه ، فإنه لم يقارنها ما يحلها ; لأنها عقدت على فعل في المستقبل فما يحلها انعدام الفعل في المستقبل ، ولهذا تتوقت تلك اليمين بالتوقيت ; ولأن الغموس محظور محض فلا يصلح سببا لوجوب الكفارة كالزنا والردة ; وهذا لأن المشروعات تنقسم ثلاثة أقسام : عبادة محضة وسببها مباح محض ، وعقوبة محضة كالمحدود وسببها محظور محض ، وكفارات وهي تتردد بين العبادة والعقوبة فمن حيث إنها لا تجب الأجزاء تشبه العقوبة ، ومن حيث إنه يفتى بها فلا تتأدى إلا بنية العبادة ، وتتأدى بما هو محض العبادة كالصوم تشبه العبادات فينبغي أن يكون سببها مترددا بين الحظر والإباحة ، وذلك المعقودة على أمر في المستقبل ; لأنه باعتبار تعظيم حرمة اسم الله تعالى باليمين مباح وباعتبار هتك هذه الحرمة [ ص: 129 ] بالحنث محظور فيصلح سببا للكفارة فأما الغموس محظور محض ; لأن الكذب بدون الاستشهاد بالله تعالى محظور محض فمع الاستشهاد بالله تعالى أولى فلا يصلح سببا للكفارة ، ثم الكفارة تجب خلفا عن البر الواجب باليمين ، ولهذا يجب في المعقودة على أمر في المستقبل بعد الحنث ; لأن قبل الحنث ما هو الأصل قائم فإذا حنث فقد فات الأصل ، فتجب الكفارة ليكون خلفا ، ويصير باعتبارها كأنه على برة .
وهذا إنما يتصور في خبر فيه توهم الصدق أنه ينعقد موجبا للأصل ، ثم الكفارة خلف عنه ، وفي مس السماء هكذا ; لأن السماء عين ممسوسة فلتصور البر انعقدت اليمين ، ثم لفواته بالعجز من حيث العادة تلزمه الكفارة في الحال خلفا عن البر ، فأما فيما نحن فيه لا تصور للبر فلا ينعقد موجبا لما هو الأصل ، فلا يمكن أن يجعل موجبا للخلف ; ولأنه حينئذ لا يكون خلفا بل يكون واجبا ابتداء ، ولا يمكن جعل الكفارة واجبة باليمين ابتداء ; لأنها حينئذ لا تكون كبيرة بل تكون سبب التزام القربة ، ومعنى قوله تعالى { ذلك كفارة أيمانكم } إذا حلفتم وحنثتم ، ومن أسباب الوجوب ما هو مضمر في الكتاب كقوله تعالى { فمن كان منكم مريضا أو على سفر } فأفطر { فعدة من أيام أخر } ، ثم إن الله تعالى أوجب الكفارة بعد عقد اليمين بقوله { بما عقدتم الأيمان } والقراءة بالتشديد لا تتناول إلا المعقودة ، وكذلك بالتخفيف ; لأنه يقال عقدته فانعقدت ، كما يقال كسرته فانكسر ، وإنما يتصور الانعقاد فيما يتصور فيه الحل ; لأنه ضده قال القائل : ولقلب المحب حل وعقد ، ولا يتصور ذلك في الماضي أو المراد بقوله { : بما كسبت قلوبكم } المؤاخذة بالوعيد في الآخرة ; لأن دار الجزاء في الحقيقة الآخرة ، فأما في الدنيا قد يؤاخذ المطيع ابتداء ، وينعم على العاصي استدراجا ، والمؤاخذة المطلقة محمولة على المؤاخذة في الآخرة ، وبفصل الشرط والجزاء يستدل على ما قلنا ، فإنه إذا أضيف إلى الماضي يكون تحقيقا للكذب ، ولا يكون يمينا ، وإليه يشير في الكتاب ، ويقول : أمر الغموس أمر عظيم والبأس فيه شديد . معناه أن ما يلحقه من المأثم فيه أعظم من أن يرتفع بالكفارة .
والنوع الثالث يمين اللغو فنفي المؤاخذة بها منصوص في القرآن قال الله تعالى { : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } ، واختلف العلماء في صورتها فعندنا صورتها أن يحلف على أمر في الماضي أو في الحال ، وهو يرى أنه حق ، ثم ظهر خلافه وهو مروي عن زرارة بن أبي أوفى ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في إحدى الروايتين ، وعن محمد رحمه الله قال : هو قول الرجل في كلامه لا والله بلى والله ، وهو قريب من قول الشافعي رضي الله تعالى عنه فإن عنده اللغو [ ص: 130 ] ما يجري على اللسان من غير قصد في الماضي كان أو في المستقبل ، وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس قال : اليمين اللغو يمين الغضب .
وروي عن عائشة رضي الله عنها { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في تفسير اللغو : قول الرجل لا والله بلى والله } وهو قول عائشة رضي الله عنها ، وتأويله عندنا فيما يكون خبرا عن الماضي فإن اللغو ما يكون خاليا عن الفائدة ، والخبر الماضي خال من فائدة اليمين على ما قررنا فكان لغوا ، فأما الخبر في المستقبل عدم القصد لا يعدم فائدة اليمين ، وقد ورد الشرع بأن الهزل والجد في اليمين سواء { ، ولما أخذ المشركون حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ، واستحلفوه أن لا ينصر محمدا صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم : أوف لهم بعهودهم ، ونحن نستعين بالله عليهم } . والمكره غير قاصد ، ومع ذلك أمره بالوفاء به ، فدل أن عدم القصد لا يمنع انعقاد اليمين ممن هو من أهله ، وتأويل قوله صلى الله عليه وسلم { : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان } رفع الأثم . ومن السلف من قال : اللغو هو اليمين المكفرة وهذا باطل فإن الله تعالى عطف اليمين التي فيها الكفارة على اللغو ، والشيء لا يعطف على نفسه ، ومنهم من يقول : يمين اللغو اليمين على المعصية . وقال بعضهم : لا كفارة فيها وقال بعضهم هي محبطة بالكفارة أي لا مؤاخذة فيها بعد الكفارة ، وهذا أيضا فاسد فإن كون الفعل معصية لا يمنع عقد اليمين عليه ، ولا يخرجه عن كونه سببا للكفارة كالظهار ، فإنه منكر من القول وزور ، ثم كان موجبا للكفارة عند العود ، وهذا النوع لا يتحقق إلا في اليمين بالله تعالى فأما في الشرط والجزاء لا يتحقق اللغو ، هكذا ذكره ابن رستم عن محمد رحمهما الله تعالى لأن عدم القصد لا يمنع وقوع الطلاق والعتاق ( فإن قيل ) فما معنى تعليق محمد رحمه الله تعالى نفي المؤاخذة في هذا النوع من الرجاء بقوله : نرجو أن لا يؤاخذ الله تعالى بها صاحبها ، وعدم المؤاخذة في اليمين اللغو منصوص عليه ، وما عرف بالنص فهو مقطوع به .
( قلنا ) : نعم ولكن صورة تلك اليمين مختلف فيها ، فإنما علق بالرجاء نفي المؤاخذة في اللغو بالصورة التي ذكرها ، وذلك غير معلوم بالنص ، مع أنه لم يرد بهذا اللفظ التعليق بالرجاء ، إنما أراد به التعظيم والتبرك بذكر اسم الله تعالى كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا مر بالمقابر قال صلى الله عليه وسلم { : السلام عليكم ديار قوم مؤمنين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون . } وما ذكر الاستثناء بمعنى الشك فإنه كان متيقنا بالموت ، وقد قال تعالى { : إنك ميت وإنهم ميتون } ولكن معنى ذكر الاستثناء [ ص: 131 ] ما ذكرنا .
وإذا حلف ليفعلن كذا ، ولم يوقت لذلك وقتا فهو على يمينه حتى يهلك ذلك الشيء الذي حلف عليه ، فيلزمه الكفارة حينئذ . واعلم أن اليمين ثلاثة أنواع : مؤبدة لفظا ومعنى بأن يقول : والله لا أفعل كذا أبدا ، أو يقول : لا أفعل مطلقا والمطلق فيما يتأبد يقتضي التأييد كالبيع ، ومؤقتة لفظا ومعنى بأن يقول : لا أفعل كذا اليوم ، فيتوقت اليمين بذلك الوقت ; لأن موجبه الحظر أو الإيجاب ، وذلك يحتمل التوقيت فيتوقت بتوقيته ، ومؤبد لفظا مؤقت معنى كيمين الفور إذا قال : تعال تغد معي . فقال : والله لا أتغدى يتوقت يمينه بذلك الغداء المدعو إليه ، وهذا النوع من اليمين سبق به أبو حنيفة رحمه الله تعالى ، ولم يسبق به ، وأخذه من حديث جابر بن عبد الله وابنه حين دعيا إلى نصرة إنسان ، فحلفا أن لا ينصراه ، ثم نصراه بعد ذلك ، ولم يحنثا وبناه على ما عرف من مقصود الحالف وهو الأصل في الشرع أن يبتني الكلام على ما هو معلوم من مقصود المتكلم ، قال الله تعالى {واستفزز من استطعت منهم بصوتك } ، والمراد الإمكان والإقدار لاستحالة الأمر بالشرك والمعصية من الله تعالى ثم الكفارة لا تجب إلا بعد فوات البر في اليمين المطلقة ، وإنما يفوت البر بهلاك ذلك الشيء الذي حلف عليه ، أو بموت الحالف ، وأما في اليمين المؤقتة ففوت البر بمضي الوقت مع بقاء ذلك الشيء الذي حلف عليه ، ومع بقاء الحالف ، وأما إذا كان الحالف قد مات قبل مضي ذلك الوقت لا تجب الكفارة ، وإذا هلك ذلك الشيء ففيه اختلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهم الله تعالى نبينه في موضعه إن شاء الله تعالى .
وإذا قال : ورحمة الله تعالى لا أفعل كذا ، أو وغضب الله ، وسخط الله ، وعذاب الله وثوابه ورضاه وعلمه ، فإنه لا يكون يمينا . والحاصل أن نقول اليمين : إما أن يكون باسم من أسماء الله تعالى أو بصفة من صفاته ، وذلك يبتني على حروف القسم فلا بد من معرفتها أولا فنقول : حروف القسم الباء والواو والتاء ، أما الباء فهي للإلصاق في الأصل ، وهي بدل عن فعل محذوف فمعنى قوله بالله أي أحلف بالله . قال الله تعالى : { ويحلفون بالله } ، أو أقسم بالله . قال الله تعالى { : وأقسموا بالله } ; ولهذا يصح اقترانها بالكتابة فيقول القائل : به وبك ثم الواو تستعار للقسم بمعنى الباء لما بينهما من المشابهة صورة ومعنى ، أما صورة ; فلأن مخرج كل واحد منهما بضم الشفتين ، وأما المعنى فلأن الواو للعطف ، وفي العطف معنى الإلصاق إلا أنه لا يستقيم إظهار الفعل مع حرف الواو بأن يقول : أحلف والله ; لأن الاستعارة لتوسعة صلات الاسم لا لمعنى الإلصاق ، فإذا استعمل مع إظهار الفعل يكون بمعنى الإلصاق ، ولهذا لا يستقيم حرف الواو مع الكناية ، وإنما يستقيم مع التصريح [ ص: 132 ] بالاسم سواء ذكر اسم الله تعالى أو اسم غير الله ، فيقول : وأبيك وأبي ، ثم التاء تستعار لمعنى الواو لما بينهما من المشابهة ، فإنهما من حروف الزوائد تستعمل العرب إحداهما بمعنى الأخرى كقولهم تراث ووارث ، ولكن هذه الاستعارة لتوسعة صلة القسم بالله خاصة ، ولهذا لا يستقيم ذكر التاء إلا مع التصريح بالله حتى لا يقال : بالرحمن ، وإنما يقال بالله خاصة . قال الله تعالى { : تالله لقد آثرك الله علينا } { تالله لأكيدن أصنامكم } ، ثم الحلف بأسماء الله تعالى يمين في الصحيح من الجواب ، ومن أصحابنا من يقول كل اسم لا يسمى به غير الله تعالى كقوله والله والرحمن فهو يمين ، وما يسمى به غير الله تعالى كالحكيم والعالم فإن أراد به اليمين فهو يمين ، وإن لم يرد به اليمين لا يكون يمينا ، وكان بشر المريسي يقول في قوله والرحمن : إن أراد به اسم الله تعالى فهو يمين ، وإن أراد به سورة الرحمن لا يكون يمينا ; لأنه حلف بالقرآن .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|