
13-12-2025, 12:14 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,856
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثامن
صـــ 82 الى صـــ 91
(168)
وقوله : { والولاء كالنسب } دليلنا عند التحقيق ; لأن العتق يضاف إلى المعتق بالولاء من حيث إنه سبب لإحيائه ، فإن الحرية حياة والرق تلف حكما ، فكان كالأب الذي هو سبب لإيجاد الولد فتستحق العصوبة بهذه الإضافة ، كما تستحق العصوبة بالأبوة ، فأما قرابة ذوي الأرحام لا يستحق بها الإضافة على كل حال ، والإنسان لا يضاف إلى عمته وخالته حقيقة ، فكان مؤخرا عن الولاء ، وكان الولاء خلفا عن الأبوة في حكم الإضافة فتستحق به العصوبة بهذه الإضافة كما تستحق العصوبة بالأبوة ، ثم تقدم الورثة على ذوي الأرحام ، فأما ولاء الموالاة سبب لاستحقاق الإرث عندنا ، ولكنه مؤخر على ذوي الأرحام . وعند الشافعي رضي الله عنه ليس بسبب الإرث أصلا ، وهو بناء على أن من أوصى بجميع ماله فيمن لا وارث له عندنا يكون للموصى له جميع المال وعنده يكون له الثلث ; لأن من أصله أن ما زاد على الثلث حق بيت المال عند عدم الورثة العصبة ، فلا يملك إبطال ذلك الحق بعقده بطريق الوصية أو الموالاة وعندنا المال ملكه وحقه ، وإنما يمتنع تصرفه فيما زاد على الثلث لتعلق حق الورثة والصرف إلى بيت المال عند عدم الوارث ; لأنه لا مستحق له لا لأنه مستحق لبيت المال . فإذا انعدم الوارث كان له أن يوجبه بعقده لمن شاء بطريق الوصية أو الموالاة .
قال ابن مسعود رضي الله عنه : السائبة يضع ماله حيث أحب وتمام هذه المسألة في الوصايا والفرائض إذا عرفنا هذا فنقول : بدأ الكتاب بما رواه عن الصحابة عمر وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وأبي مسعود الأنصاري وأسامة بن زيد رضوان الله عليهم أجمعين أنهم قالوا : الولاء للكبر وهو قول إبراهيم وبه أخذ علماؤنا رحمهم الله تعالى . وكان شريح رحمه الله تعالى يقول الولاء بمنزلة المال ولسنا نأخذ بهذا وفائدة هذا [ ص: 83 ] الاختلاف أن ميراث المعتق بالولاء بعد المعتق يكون لابن المعتق دون بنته عندنا ، وعند شريح رحمه الله تعالى بين الابن والبنت للذكر مثل حظ الأنثيين .
هو يقول : الولاء أثر من آثار الملك ، وكما أن أصل ملك الأب في هذا العبد بعد موته بين الابن والبنت للذكر مثل حظ الأنثيين ، فكذلك الولاء الذي هو أثر من آثار الملك فكأنه بالعتق يزول بعض الملك ويبقى بعضه ، فهذا معنى قوله الولاء بمنزلة المال . ولكنه ضعيف فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { الولاء لحمة كلحمة النسب } والنسب لا يورث وإنما يورث به . فكذلك الولاء وهذا لأن ثبوت الولاء للمعتق بإحداث قوة المالكية في المعتق ونفي المملوكية فكيف يكون الولاء جزءا من الملك ؟ ومعنى قول الصحابة رضي الله عنهم الولاء للكبر للقرب والكبر بمعنى العظم وبمعنى القرب ، فدخل كل واحد من المعنيين في قوله تعالى { ومكروا مكرا كبارا } . وتفسيره ، رجل أعتق عبدا ثم مات وترك ابنين ثم مات أحد الابنين وترك ابنا ، ثم مات المعتق فميراثه لابن المعتق لصلبه دون ابن ابنه ; لأن ابن المعتق لصلبه أقرب إلى المعتق من ابن ابنه ، ولهذا كان أحق بميراثه فكذلك بالإرث بولائه ، وهذا لأن الولاء عينه لم يصر ميراثا بين الابنين حتى يخلف الابن أباه في نصيبه ، ولكنه للأب على حاله ، ألا ترى أن المعتق ينسب بالولاء إلى المعتق دون أولاده فكان استحقاق الإرث بالولاء لمن هو منسوب إليه حقيقة ، ثم يخلفه فيه أقرب عصبته كما يخلفه في ماله لو مات الأب ، فيكون لابنه دون ابن ابنه ، ودون ابنته ; لأن هذا الاستحقاق بطريق العصوبة . والبنت لا تكون عصبة بنفسها إنما تكون عصبة بالابن ، فعند وجوده لا تزاحمه وعند عدمه هي لا تكون عصبة ، وهذا لأن السبب هو النصرة كما بينا .
والنصرة لا تحصل بالنساء ، ألا ترى أن النساء لا يدخلن في العاقلة عند حمل أرش الجناية فكذلك في الإرث بولاء الغير ، وإن كان للمعتق بنت فلها النصف والباقي لابن المعتق لأن الإرث بالولاء طريقه العصوبة ، وحق أصحاب الفرائض مقدم ، فلهذا يعطي نصيب بنت المعتق أولا وكذلك نصيب زوجته إن كانت ، ثم حكم الباقي هنا كحكم جميع المال في المسألة الأولى ، فيكون لابن المعتق دون ابن ابنه فإذا مات هذا الابن بعد ذلك عن ابن ، ثم ماتت بنت المعتق فميراثها لابني المعتق جميعا ; لأنها تابعة لأبيها في الولاء فإن الولاء كالنسب ، والولد منسوب إلى أبيه حقيقة له فكذلك يكون مولى لموالي أبيه فكان ميراثها بهذا الطريق لمعتق الأب يخلفه في ذلك ابنا ابنه كما في ماله لو مات الأب .
وكذلك [ ص: 84 ] هذا القول في كل عصبة للمعتق وقد طول محمد رحمه الله ذلك في الأصل ، وحاصله يرجع إلى ما ذكرنا أن أقرب عصبة المعتق عند موت المعتق يخلفه في ميراث المعتق في ذلك الوقت ، وهو معنى قول الصحابة رضي الله عنهم الولاء للكبر ( قال ) : فإن كان لأحد الابنين ابنان وللآخر ابن واحد فالميراث بينهم على عدد رءوسهم ; لأن الجد لو مات الآن كان ميراثه بينهم بالسوية فكذلك ميراث المعتق وكذلك الحكم في ولاء المدبر وميراثه وولاء أم الولد والمكاتب وميراثهما ; لأن المدبر والمكاتب والمستولد استحق ولاءهم لما باشر من السبب ، ولا فرق بين أن يكون نزول العتق بهذا السبب بعد موته أو قبله ، وكذلك في العبد الموصى بعتقه أو بشرائه وبعتقه بعد موته لأنه يستحق الولاء بما أوصى به وفعل وصيته بعد موته كفعله في حياته ، فإن كانت بنت المعتق ماتت عن بنت ثم ماتت ابنتها فليس لابني ابن المعتق من ميراث هذه الأخيرة شيء ; لأن المعتق لو كان حيا لم يرثها لأنه ليس بمولى لها إنما هو مولى لأمها ، وقد بينا أن الولاء كالنسب ، والولد في النسب لا يتبع أمه إذا كان له نسب من جانب الأب فكذلك في الولاء ثم روي عن عمر وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وأبي مسعود الأنصاري وأسامة بن زيد رضوان الله عليهم أجمعين أنهم قالوا : ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن .
وعن إبراهيم أنه قال : ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن أو كاتبن أو أعتق من أعتقن ، وعن شريح ليس للنساء من الولاء شيء إلا ما أعتقن أو كاتبن وهذا الحديث مخالف لما ذكره الأعمش عن إبراهيم عن شريح رحمهم الله تعالى أن الولاء بمنزلة المال ، وبهذه الآثار نأخذ فقد روي مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن أو كاتبن أو كاتب من كاتبن أو جره ولاء معتق معتقهن } . والحديث وإن كان شاذا فقد تأكد بما اشتهر من أقاويل الكبار من الصحابة رضي الله عنهم وبالحديث المشهور الذي روينا { أن بنت حمزة رضي الله عنهما أعتقت مملوكا فمات ، وترك بنتا فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنته النصف وبنت حمزة رضي الله عنهما } النصف ، فبهذا تبين أن المرأة تكون عصبة لمعتقها وهذا ; لأن سبب النسبة للولاء إحداث قوة المالكية بالعتق وقد تحقق ذلك منها كما يتحقق من الرجل ، بخلاف النسب فإن سببه الفراش ، والفراش للرجل على المرأة فلا تكون المرأة صاحبة فراش ; ولأنها أصل في هذا الولاء لمباشرتها سببه وكما أن المرأة في ملك المال تساوي الرجل فكذلك فيما يترتب عليه [ ص: 85 ] بخلاف النسب فإن سببه وهو الفراش يثبت بالنكاح في الأصل ، والمرأة لا تساوي الرجل في ملك النكاح لأنها بصفة الأنوثة مملوكة نكاحا فلا تكون مالكة نكاحا ، وإذا ثبت أنها أصل في هذا الولاء كان ميراث معتقها لها فكذلك ميراث معتق معتقها لأن معتق المعتق ينسب إلى معتقه بالولاء ، وهي مثل الرجل في الولاء الذي هو الأصل المعتق الأول ; ولأن ميراث معتق المعتق يكون لمعتقه بالعصوبة ومعتقه معتقها في هذا الفصل فتخلفه في استحقاق ذلك المال كما تخلفه في استحقاق المال بالعصوبة لو مات الأب ، وعلى هذا مكاتبها ومكاتب مكاتبها ; لأن الكتابة سبب في استحقاق الولاية كالعتق وعلى هذا جر ولاء معتق معتقها لأن سببه العتق على ما نبينه فتستوي هي بالرجل في استحقاق ذلك
قال ) : وإذا أعتقت المرأة عبدا ثم ماتت عن زوجها وابن وبنت ثم مات المعتق ، فميراثه لابن المرأة خاصة ; لأنه أقرب عصبتها إذ ليس لزوجها في العصوبة حظ ، والبنت لا تكون عصبة بنفسها ، فكان أقرب عصبتها الابن فيخلفها من ميراث معتقها ويستوي إن كانت أعتقته بجعل أو بغير جعل ; لأن ثبوت الولاء لها بإحداث قوة المالكية في المعتق وفي هذا يستوي العتق بجعل أو بغير جعل .
( قال ) : وإذا اشترت امرأتان أباهما فعتق عليهما ثم اشترت إحداهما مع الأب أخا لها من الأب فعتق ثم مات الأب فميراثه بينهم جميعا للذكر مثل حظ الأنثيين ; لأنه مات عن ابن وابنتين فإن مات الأخ بعد ذلك فلهما من ميراثه الثلثان بالنسب ; لأنهما أختاه لأب وللأختين الثلثان ثم للتي اشترت الأخ مع الأب بالولاء نصف الثلث الباقي ; لأنها معتقة نصفه بالشراء فإن الشراء القريب إعتاق وهي المشترية لنصف الأخ ولهما جميعا نصف الثلث الباقي بولاء الأب ; لأن الأب كان هو المعتق لهذا النصف من الأخ بشرائه ، وهما كانتا معتقتين الأب بشرائهما إياه . وقد بينا أن المرأة في ميراث معتق معتقها كالرجل ، ولهذا كان نصف الثلث الباقي بطريق الخلافة عن أبيهما .
( قال ) : امرأة أعتقت عبدا ثم ماتت وتركت ابنها وأباها ثم مات العبد فميراثه للابن خاصة عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - وهو قول أبي يوسف رحمه الله تعالى الأول ، ثم رجع فقال : لأبيها السدس والباقي للابن وجه قول أبي يوسف رحمه الله أن الأبوة تستحق بها العصوبة كالبنوة ، ألا ترى أن الأب عصبة عند عدم الابن واستحقاق الميراث بالولاء ينبني على العصوبة ، ووجود الابن لا يكون موجبا حرمان الأب أصلا عن الميراث ، ألا ترى أنه لم يصر محروما عن ميراثها بهذا ، فكذلك عن ميراث معتقها فالأحسن أن يجعل ميراث المعتق بينهما كميراثهما [ ص: 86 ] لو ماتت الآن فيكون للأب السدس والباقي للابن وهذا ; لأن كل واحد منهما ذكر في نفسه ويتصل بها بغير واسطة ، فلا يجوز أن يكون أحدهما محجوبا بالآخر ، فهذا شبه الاستحسان من أبي يوسف رحمه الله تعالى فأما القياس ما قاله أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - لأن أقرب عصبة المعتق يقوم مقام المعتق بعد موته في ميراث المعتق ، والابن هو العصبة دون الأب ، واستحقاق الأب السدس منها بالفريضة دون العصوبة ، فهو كاستحقاق البنت نصف ما لها بالفريضة مع الأب . وذلك لا يكون سببا لمزاحمتها مع الأب في ميراث معتقها فكذلك هنا .
( قال ) : رجل أعتق أمة ثم غرقا جميعا لا يدرى أيهما مات أولا لم يرث المولى منها شيئا ; لأن الوراثة خلافة فشرط استحقاق ميراث الغير بقاؤه حيا بعد موته ، وذلك غير معلوم هنا ; ولأن كل أمرين ظهرا ولا يعرف التاريخ بينهما يجعل كأنهما وقعا معا إذ ليس أحدهما بالتقديم بأولى من الآخر ، ولو علمنا موتهما معا لم يرث المولى منها فهذا مثله ولكن ميراثها لأقرب عصبة المولى إن لم يكن لها وارث ; لأن المولى لما لم يرثها جعل كالمعدوم فكأنه كان كافرا أو ميتا قبلها فيكون ميراثها لأقرب عصبته
( قال ) : وإذا أعتق الرجل الأمة ثم مات وترك ابنا ، ثم مات الابن وترك أخا من أمه ثم ماتت الأمة ، فميراثها لعصبة المعتق وليس للأخ لأم من ذلك شيء ، سواء كان أخ المعتق لأمه أو أخا لابنه ; لأن الولاء للمعتق وأخ ابن المعتق لأمه أجنبي من المعتق ، وأخ المعتق لأمه ليس بعصبة له إنما هو صاحب فريضة ولا يخلف المعتق في ميراث معتقه إلا من كان عصبة له .
( قال ) : امرأة أعتقت عبدا ثم ماتت وتركت ابنها وأخاها ثم مات العبد ولا وارث له غيرهما ، فالميراث للابن لأنه أقرب عصبتها ، يقدم على الأخ بالإرث عنها فكذلك في الخلافة في ميراث معتقها وإن جنى جناية فعقله على عاقلة الأخ ; لأن جناية معتقها كجنايتها وجنايتها على قوم أبيها ، فكذلك جناية معتقها . وابنها ليس من قوم أبيها . واستدل عليه بحديث إبراهيم عن علي بن أبي طالب والزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهم أنهما اختصما إلى عمر رضي الله تعالى عنه في مولى لصفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها مات فقال علي رضي الله عنه : عمتي وأنا أرث مولاها ، وأعقل عنه . وقال الزبير رحمه الله تعالى : أمي وأنا أرث مولاها فقضى عمر بالميراث للزبير وبالعقل على علي رضي الله تعالى عنه ، وقال الشعبي : شهدت على الزبير أنه ذهب بموالي صفية ، وشهدت على جعدة بن هبيرة أنه ذهب بموالي أم هانئ رضي الله عنها وكان ابنا لها ، فخاصمه على [ ص: 87 ] ميراث مولاها ، فبهذين الحديثين يثبت أن ميراث المعتق يكون لابن المعتقة ، وإن كان عقل جنايته على قوم أبيها . والله سبحانه وتعالى أعلم بالصدق والصواب ، وإليه المرجع والمآب
باب جر الولاء
( قال ) : رضي الله عنه روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال : إذا كانت الحرة تحت مملوك فولدت عتق الولد بعتقها ، فإذا أعتق أبوهم جر الولاء وبه نأخذ ; لأن الولد جزء من أجزائها وهي حرة بجميع أجزائها فينفصل الولد منها حرا ثم الولاء كالنسب ، والولد ينسب إلى أبيه بالنسب فكذلك في الولاء يكون منسوبا إلى من ينسب إليه أبوه ، والأب بعد العتق ينسب بالولاء إلى معتقه فكذلك ولده . واستدل على إثبات جر الولاء بحديث الزبير أيضا فإنه أبصر بخيبر فتية لعسا أعجبه ظرفهم وأمهم مولاة لرافع بن خديج وأبوهم عبد لبعض الحرقة من جهينة أو لبعض أشجع فاشترى الزبير أباهم فأعتقه قال انتسبوا إلي وقال رافع : بل هم موالي فاختصما إلى عثمان رضي الله عنه فقضى بالولاء للزبير وفي هذا دليل أن الولد منسوب إلى موالي أمه ما لم يظهر له ولاء من جانب أبيه ، فإذا ظهر بالعتق جر الأب ولاء الولد إلى مواليه وهذا ; لأن في النسب الولد منسوب إلى أمه إذا لم يكن له نسب من أبيه للضرورة ، كالولد من الزنا وولد الملاعنة بعدما انقطع نسبه من أبيه ثم إذا ظهر له النسب من جانب الأب بأن أكذب الملاعن نفسه صار الولد منسوبا إليه ، وكذلك في الولاء ، وقوله : فتية لعسا بيان لملاحتهم فهو حمرة تضرب إلى السواد قال الشاعر
لمياء في شفتيها حوة لعس وفي اللثات وفي أنيابها شنب وقوله : أعجبني ظرفهم أي ملاحتهم وقيل كياستهم فمن كان بهذا اللون فهو كيس عادة ، ثم ذكر الشعبي قال : إذا أعتق الجد جر الولاء وهكذا يروي الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى وفي ظاهر الرواية الجد لا يجر الولاء ، بخلاف الأب وقد بينا في صدقة الفطر ، فإن هذه أربع مسائل : جر الولاء وصدقة الفطر ، وصيرورته مسلما بإسلام جده ، ودخول الجد في الوصية للقرابة بخلاف الأب في الفصول الأربعة روايتان بينا وجه الروايتين هناك ، واستبعد محمد رحمه الله تعالى قول من يقول النافلة بإسلام الجد يصير مسلما .
فقال : لو كان كذلك لكان بنو آدم مسلمين بإسلام آدم صلوات الله عليه ولا يسبى صغير أبدا ، وهذا باطل [ ص: 88 ] وكذلك في جر الولاء بعتق الجد لو أعتق الأب فلا بد من القول بأن الأب جر ولاء الولد إلى مواليه ، والجد أب وبعدما ثبت جر الولاء بالأبوة لا يتحقق نقله إلى غيره .
( قال ) : وإذا أسلم رجل على يد رجل ووالاه ، ثم أسر أبوه فأعتق ، فإن الابن يكون مولى لموالي الأب ; لأن ولاء الموالاة ضعيف والضعيف لا يظهر في مقابلة القوي ، فكأنه لا ولاء على الولد لأحد وهذا بخلاف ما لو كان الابن معتق إنسان فأعتق أباه إنسان آخر فإنه لا ينجر ولاء الابن إليه ; لأن الولاء الثابت على الابن مثل الولاء الذي ظهر للأب وهو في هذا مقصود فبعدما صار مقصودا في حكم لا يمكن جعله تبعا في عين ذلك .
( قال ) : وإذا تزوج العبد الحرة فولدت له أولادا فأولادها موال لموالي الأم معتقة كانت أو موالية ، فمتى أعتق أبوهم جر ولاءهم إلى مولاه ، أما إذا كانت موالية ; فلأن الولد لو كان مقصودا بولاء الموالاة كان يسقط اعتباره بظهور ولاء العتق للأب فكيف إذا كان تبعا ، وأما إذا كانت معتقة فلأن الولد هنا تبع في الولاء وإنما كان تبعا للأم لضرورة عدم الولاء للأب والثابت بالضرورة لا يبقى بعد ارتفاع الضرورة وإذا كانت الأم معتقة إنسان والأب حر مسلم نبطي لم يعتقه أحد فالولد مولى لموالي الأم في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - وكذلك إن كان الأب والي رجلان وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى في الفصلين لا يكون الولد مولى لموالي الأم ، ولكنه منسوب إلى قوم أبيه . قال : وكيف ينسب إلى قوم أمه ، وأبوه حر له عشيرة وموال ، بخلاف ما إذا كان الأب عبدا وتقرير هذا من وجهين أحدهما أن العبد رقيق بجميع أجزائه ، وماؤه جزء منه فإنما تثبت الحرية لمائه لاتصاله برحمها فلهذا كان الولد مولى لمواليها حتى يعتق الأب ، وهذا المعنى معدوم إذا كان الأب حرا ، ألا ترى أنه لو كان حرا عربيا كان الولد منسوبا إلى قوم أبيه ، ولا يكون مولى لموالي أمه ، فكذلك إذا كان أعجميا ; لأن العرب والعجم في حرية الأصل سواء ، والثاني أن الرق تلف حكما فإذا كان الأب عبدا ، كان حال هذا الولد في الحكم كحال من لا أب له ، فيكون منسوبا إلى مولى الأم . وهذا المعنى معدوم إذا كان الأب حرا ; لأن الحرية حياة باعتبار صفة المالكية والعرب والعجم فيه سواء .
وجه قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - أن ولاء العتاقة ولاء نعمة وهو قوي معتبر في الأحكام والحرية والنسب في حق العجم ضعيف ، ألا ترى أن حريتهم تحتمل الإبطال بالاسترقاق بخلاف حرية العرب ; ولأن العجم ضيعوا أنسابهم [ ص: 89 ] ألا ترى أن تفاخرهم ليس بالنسب ولكن تفاخرهم كان قبل الإسلام بعمارة الدنيا ، وبعد الإسلام بالدين ، وإليه أشار سلمان رضي الله تعالى عنه حين قال سلمان ابن من قال سلمان ابن الإسلام ، فإذا ثبت هذا الضعف في جانب الأب كان هذا وما لو كان الأب عبدا سواء ، وكذلك إن كان الأب مولى الموالاة ; لأن ولاء الموالاة ضعيف لا يظهر في مقابلة ولاء العتاقة ، فوجوده كعدمه فأما إذا كان الأب عربيا فله نسب معتبر ، ألا ترى أن الكفاءة بالنسب تعتبر في حق العرب ولا تعتبر في حق العجم . والأصل في النسبة النسب . فإذا كان في جانب الأب نسب معتبر أو ولاء قوي كان الولد منسوبا إليه ، وإذا عدم ذلك كان الولد مولى لموالي الأم .
واستدل أبو يوسف رحمه الله تعالى بعربية تزوجها رجل من الموالي ، فولدت له ابنا فإن الولد ينسب إلى قوم أبيه دون قوم أمه ، فكذلك إذا كانت معتقة ; لأن كونها عربية وكونها معتقة سواء ، كما سوينا بينهما في جانب الأب ولكن أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - فرقا بينهما وقالا في الفرق : إن العربية لم تجز عليها نعمة عتاق ومعنى هذا أن الأم إذا كانت معتقة فالولد ينسب إلى قومها بالولاء والنسبة بالولاء أقوى لأنه معتبر شرعا ، وإذا كانت عربية فلو انتسب الولد إلى قومها إنما ينسب بالنسب ، والانتساب بالنسبة إلى الأم ضعيف جدا وكذلك بواسطة الأم إلى أبيها حتى لا تستحق العصوبة بمثل هذا النسب فلهذا رجحنا جانب الأب ; لأن النسبة إليه بالنسب وإذا كان نسبه ضعيفا لا يستحق به العصوبة .
( قال ) : وإذا أعتق الرجل أمة وولدها ، أو كانت حبلى حين أعتقها ، أو أعتقت وولدت بعد العتق لأقل من ستة أشهر ، وقد أعتق الأب رجل آخر ، كان الولد مولى الذي أعتقه مع أمه دون من أعتق أباه . أما إذا كان الولد منفصلا عنها فهو مملوك لمالك الأم فتناوله العتق مقصودا والولد إذا صار مقصودا بولاء العتق لا يكون تبعا للأب وكذلك إن كانت حبلى به ; لأن الجنين بإعتاقها يعتق مقصودا فإن الجنين في حكم العتق كشخص على حدة حتى يفرد بالعتق ، فهو والمنفصل سواء ، وكذلك لو ولدت لأقل من ستة أشهر بيوم من حين أعتقت لأنا تيقنا أنه كان موجودا في البطن حين أعتقت وكذلك لو ولدت ولدين أحدهما لأقل من ستة أشهر بيوم ; لأن التوأم خلقا من ماء واحد ، فمن ضرورة التيقن بوجود أحدهما حين أعتقت التيقن بوجود الآخر ، فأما إذا ولدت لأكثر من ستة أشهر فلم يتيقن بوجود هذا الولد حين أعتقت فكان مولى لموالي الأم تبعا .
وهذا ; لأن الحل إذا كان قائما بين الزوجين فإنما [ ص: 90 ] يسند العلوق إلى أقرب الأوقات ، إذ لا ضرورة في الإسناد إلى ما وراءه إلا إذا كانت معتدة من موت أو طلاق ، فحينئذ إذا جاءت به لتمام سنتين منذ يوم مات أو طلق فالولد مولى لموالي الأم ; لأن الحل ليس بقائم في المعتدة من طلاق بائن أو موت ، فيسند العلوق إلى أبعد الأوقات لضرورة الحاجة إلى إثبات النسب ، وإذا حكمنا بذلك ظهر أن الولد كان موجودا في البطن حين أعتقت وكذلك إذا كانت معتدة من طلاق رجعي لأنا لا نثبت الرجعة بالشك ، ومن ضرورة إثبات النسب إلى سنتين من غير أن يجعل مراجعا الحكم بأن العلوق قبل الطلاق وإن جاءت به لأكثر من سنتين ، كان الولد مولى لموالي الأب فصار مراجعا لتيقننا أن العلوق حصل بعد الطلاق ، وإن كانت أقرت بانقضاء العدة فإن جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر بعد ذلك ، ولتمام سنتين منذ طلق ، فالولد مولى لموالي الأم لأنا علمنا مجازفتها في الإقرار بانقضاء العدة حين أقرت وهي حامل فيسند العلوق إلى أبعد الأوقات ، ولا يصير مراجعا إلا أن تكون جاءت به لأكثر من سنتين منذ طلق ، فحينئذ يصير مراجعا ; لأن إقرارها بانقضاء العدة صار لغوا حين تيقنا أنها كانت حاملا يومئذ ، فكان ولاء الولد لموالي الأب ; لأنا لم نتيقن بكونه موجودا في البطن حين أعتقت ولا يصير مقصودا بالولاء إلا بذلك .
( قال ) : أمة معتقة ولدت من عبد فالولد مولى لموالي أمه ، فإن أعتق الولد وأمه فموالاته موالاة لموالي الأم بمنزلة موالاة الأم لو كانت هي التي أعتقها ، وكذلك إن أسلم على يد الولد رجل ووالاه فهو مولى لموالي الأم أيضا يعقلون عنه ويرثونه ; لأن ولدها كنفسها ولو أسلم على يدها ووالاها كان مولى لمواليها فهذا مثله ، فإن أعتق الأب بعد ذلك جر ولاؤها ولاء كلهم حتى يكون مولى لموالي الأب ; لأن ولاء الأم انجر إلى قوم الأب فكذلك ما ينبني عليه من ولاء معتقه ومولاه وهذا لأن نسبة معتقه ومولاه إلى قوم الأم كان بواسطة ، وقد انقطعت هذه الواسطة حين صار هو منسوبا إلى قوم الأب ، ويستوي إن كان ولد المعتقة حيا أو ميتا له ولد أو ليس له ولد لأنه تبع في حكم الولاء لمعتق أمه وبقاء الأصل يغني عن اعتبار بقاء التبع ; لأن ثبوت الحكم في التبع بثبوته في الأصل ولا يرجع عاقلة الأم على عاقلة الأب بما غرموا من أرش جنايته لأنهم غرموا ذلك حين كان مولى لهم حقيقة فإن حكم جر الولاء في الولد ثبت مقصورا على الحال لأن سببه وهو عتق الأب مقصور غير مستند إلى وقت سابق وكذلك حكمه بخلاف الملاعن إذا أكذب نفسه وقد عقل جناية الولد قوم أمه [ ص: 91 ] فإنهم يرجعون على عاقلة الأب بذلك ; لأن النسب يثبت من وقت العلوق فتبين بإكذابه نفسه أنه كان ثابت النسب منه حين علق وقوم الأم كانوا مجبرين على أداء الأرش فلا يكونون متبرعين في ذلك .
ولو لم يعتق الأب فأراد المولى الذي أسلم على يدي أبيه أن يتحول بولائه إلى ملك أبيه وقد عقل عنه موالي الأم لم يكن له ذلك ; لأن عقده مع الابن تأكد بحصول المقصود به فلا يحتمل الفسخ وفي التحول إلى غيره فسخ الأول بخلاف ما إذا أعتق الأب فإنه ليس في تحول ولائه إلى موالي الأب فسخ ذلك العقد الذي جرى بينه وبين الابن بل فيه تأكيد ذلك ولأن هذا التحول يثبت حكما لضرورة اتباع التبع الأصل والأول يكون عن قصد منه وقد يثبت الشيء حكما في موضع لا يجوز إثباته قصدا والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب .
باب ولاء الموالاة ( قال ) إبراهيم رضي الله عنه إذا أسلم الرجل على يد الرجل ووالاه فإنه يرثه ويعقل عنه وله أن يتحول بولائه إلى غيره ما لم يعقل عنه فإذا عقل عنه لم يكن له أن يتحول عنه إلى غيره وبهذا نأخذ والإسلام على يديه ليس بشرط لعقد الموالاة وإنما ذكره على سبيل العادة وسواء أسلم على يده أو أتاه مسلما وعاقده عقد الولاء كان مولى له وكان الشعبي يقول لا ولاء إلا لذي نعمة يعني العتاق وبه يأخذ الشافعي رحمه الله تعالى وإنما أخذنا فيه بقول إبراهيم رضي الله تعالى عنه لحديث أبي الأشعث حيث سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رجل أسلم على يديه ووالاه فمات وترك مالا فقال عمر رضي الله عنه ميراثه لك فإن أبيت فلبيت المال ولحديث زيادة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما أن رجلا من أهل الأرض أتاه بواليه فأبى علي رضي الله عنه ذلك فأتى ابن عباس رضي الله عنه فوالاه ولحديث مسروق رضي الله عنه أن رجلا من أهل الأرض والى ابن عم له وأسلم على يديه فمات ، وترك مالا فسأل ابن مسعود رضي الله عنه عن ميراثه فقال هو لمولاه وأيد أقاويل الصحابة حديث تميم الداري رضي الله عنه قال { سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يسلم على يدي الرجل ، ما السنة فيه ؟ قال : هو أولى الناس بمحياه ومماته } ، وأيد هذا قوله تعالى { والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم } .
وقد بينا في أول الكتاب فإن أسلم على يديه ولم يواله ، لم يعقل عنه ، ولم [ ص: 92 ] يرثه إلا على قول الروافض فإنهم يقولون بالإسلام على يديه يكون مولى له ; لأنه أحياه بإخراجه إياه من ظلمة الكفر ; لأن الكفار كالموتى في حق المسلمين . فهو كما لو أحياه بالعتق ، وعلى هذا يزعمون أن الناس موالي علي وأولاده رضي الله عنهم فإن السيف كان بيده ، وأكثر الناس أسلموا من هيبته ، وهذا باطل عندنا ، فإن الله تعالى هو الذي أحياه بالإسلام بأن هداه لذلك ، وبيان ذلك في قوله تعالى { أومن كان ميتا فأحييناه } أي كافرا فرزقناه الهدى . وقال تعالى { : وإذ تقول للذي أنعم الله عليه } يعني بالإسلام فدل أن المنعم بالإسلام هو الله تعالى ، فلا يجوز أن يضاف ذلك إلى الذي عرض عليه الإسلام ; لأنه بما صنع نائب عن الشرع مباشر ما يحق عليه لله تعالى ، فهو في حقه كغيره من المسلمين لا يكون مولى له ما لم يعاقده عقد الولاء ، ثم من أين لهم هذا التحكم أن أكثر الناس أسلموا من هيبة علي وهو كان صغيرا حين أسلم الكبار من الصحابة ؟ وأبو بكر وعمر كانا مقدمين عليه رضي الله عنهم في أمور القتال وغير القتال ، لا يخفى ذلك على من يتأمل في أحوالهم ولكن الروافض قوم بهت لا يحترزون عن الكذب ، بل بناء مذهبهم على الكذب ، فإن أسلم رجل على يدي رجل ووالى رجلان آخر ، فهو مولى هذا الذي والاه يرثه ويعقل عنه ; لأنه بالإسلام على يدي الأول لم يصر مولى له ولو كان مولى بأن عاقده كان له أن يتحول عنه ، وقد فعل ذلك حين عاقد مع الثاني فكيف إذا لم يكن مولى للأول ؟ فإن مات عن عمة أو خالة أو غيرهما من القرابة كان ميراثه لقرابته دون المولى ; لما بينا أنه لا يملك إبطال حق المستحق عن ماله بعقده ، كما لو أوصى بجميع ماله وله وارث وذوو الأرحام من جملة الورثة .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|