عرض مشاركة واحدة
  #166  
قديم 13-12-2025, 12:01 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,282
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثامن

صـــ 62 الى صـــ 71
(166)



وإذا عجز المكاتب ، وفي رقبته دين فجاء رجل بعبد اشتراه منه يريد رده عليه بالعيب له في ذلك ; لأنه حق استوجبه عليه قبل العجز فلا يبطل بالعجز فإن رده وسلمه إليه كان الثمن دينا له في ذمته كسائر الديون والعبد المردود كسبه فيباع ويقسم ثمنه بين الراد وسائر الغرماء بالحصص لاستواء حقهم في كسبه ، وإن قال الراد : لا أرده حتى آخذ ثمنه كان له ذلك ; لأن حال المشتري مع البائع عند الرد كحال البائع مع المشتري في ابتداء العقد وقد كان له أن يحبس المبيع لاستيفاء الثمن فكذلك المشتري بعد الرد له أن يحبسه لاسترداد الثمن وباعتبار بقاء يده هو أحق بماليته من سائر الغرماء فيباع له خاصة .


وإذا سبي المكاتب فاستدان دينا فهو بمنزلة ما استدانه في أرض الإسلام ; لأن المكاتب لا يملك بالأسر فهو باق على ملك مولاه مكاتبا سواء كان في دار الحرب أو في دار الإسلام .
وإن ارتد المكاتب وعليه دين واستدان في ردته أيضا علم ذلك بإقراره ثم قتل على ردته فهو بمنزلة دين المرض حتى يبدأ بما استدانه في حال [ ص: 63 ] الإسلام من إكسابه ثم ما بقي للذي أدانه في قول أبي حنيفة ومحمد .

وعند أبي يوسف رضوان الله عليهم أجمعين الكل في ذلك سواء ; لأن من أصل أبي يوسف أن الحر بعد الردة في التصرفات بمنزلة الصحيح لتمكنه من دفع ما نزل به عن نفسه بالتوبة فكذلك المكاتب ومن أصل محمد رحمه الله تعالى أنه في التصرفات بمنزلة المريض لكونه مشرفا على الهلاك فكذلك المكاتب ومن أصل أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن الحر بالردة تتوقف تصرفاته ويصير في حكم المحجور عليه والمكاتب إنما ينفذ تصرفه بعد الردة لمراعاة حق مولاه ; لأن كسبه قد تعلق به حق مولاه فأما في حق نفسه السبب الموجب للحجر متقرر فلهذا كان بمنزلة المريض فيما يلزمه بإقراره ويقدم دين الإسلام عليه ويستوي في هذا كسب الإسلام وما اكتسبه بعد الردة ; لأن حق المولى ثابت في ذلك كله لبقاء عقد الكتابة ; فلهذا يستوي الكسبان فيه وما بقي بعد قضاء ديونه وأداء مكاتبته يكون لورثته المسلمين ; لأن قيام حق المولى يمنع من أن يجعل كسب ردته فيئا فيكون موروثا عنه بعد عتقه ككسب إسلامه .

ولو ارتد العبد المأذون ثم استدان في ردته ثم أسلم فجميع ذلك في رقبته ; لأنه باق على إذنه بعد الردة فإذا أسلم صار كأن الردة لم تكن فيكون هذا وما استدانه في حال إسلامه سواء .

ولو قتل مرتدا عن مال كان غرماؤه أحق به من المولى ; لأنهم في حال حياته كانوا أحق بكسبه من المولى فكذلك بعد موته .

وإذا سعى ولد المكاتب المولود في مكاتبته وقضى مكاتبته وعتق ثم حضر غرماء أبيه لم يكن لهم أن يأخذوا من المولى ما أخذ ولكنهم يتبعون الولد بدينهم ; لأنه بعد موت أبيه قائم مقامه ، والمكاتب في حياته لو أدى المكاتبة أولا عتق ولا سبيل للغرماء على ما أخذه المولى فكذلك ولده بعد موته استحسانا ، نقول فإن كان المكاتب ترك مالا فأداه الابن إلى السيد فإن الغرماء يرجعون بذلك المال على السيد ; لأن حقهم ثابت في ذلك المال بموت المكاتب وهو مقدم على حق المولى فلا يملك الولد إبطال ذلك الحق عليهم ثم قال ويعود الابن مكاتبا كما كان ; لأن أداءه لما بطل صار كأن لم يؤد بدل الكتابة إلى المولى وقد قال قبل هذا في الفصل بعينه إنه يكون حرا وهكذا يذكر في آخر الكتاب ويضيفه إلى أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى أن ابن المكاتب إذا أدى من تركة المكاتب مالا في المكاتبة ولحقه دين كان على الميت فالعتق ماض فيؤخذ من المولى ما أخذ ويرجع على الابن ببدل الكتابة ، وهذا هو الأصح ; لأن شرط عتقه قد وجد وهو الأداء فيعتق .

وإن كان المال مستحقا [ ص: 64 ] للغرماء ولكن على الرواية الأخرى يقول هو لا يخلف أباه في كسبه ما بقي الرق فيه فلا معتبر بأدائه في ذلك ولكن يخلفه فيما يكتسبه بنفسه فيعتبر أداؤه في ذلك ولهذا يسلم للمولى ما يقبضه من تركة المكاتب وقد بينا فيما سبق وجوه وصية المكاتب فإن أوصى لعبد له ، فقال بيعوه بعد موتي نسمة فهذا باطل ; لأن هذا وصية للعبد بقدر ثلثه فإن البيع نسمة يكون للعتق والمشتري لا يرغب فيه بمثل الثمن ألا ترى أن الحر لو أوصى بهذا يحط عنه من الثمن بقدر ثلث ماله إذا لم يكن يرغب في الشراء بأكثر منه ووصية المكاتب بالثلث باطلة ، وإن مات عن وفاء لما بينا أن كسبه لا يحتمل التبرع فإن أجازوا بعد الموت ثم أرادوا أن يدفعوه إلى صاحبهم فلهم ذلك ; لأن العقد كان لغوا باعتبار أنه لم يصادف محله فلا تعمل الإجازة في لزومه بخلاف ورثة الحر إذا أجازوا وصيته بما زاد على الثلث ; لأن ذلك صادف محله لكونه مملوكا له ولكنه امتنع نفوذه لحق الورثة فإجازتهم تكون إسقاطا لحقهم فلهذا يتم بنفسه وهنا لم يصادف محله فلا تعمل الإجازة فيه ولكنهم لو دفعوه إلى صاحبه بعد الإجازة ففي القياس لهم الاسترداد أيضا ; لأن الإجارة لا ينعقد بها العقد ابتداء ، ألا ترى أن الصبي لو طلق امرأته ثم أجازه بعد البلوغ كان لغوا ولكنه استحسن فقال دفعهم المال إلى صاحبه تمليك منه لذلك المال وتمليكهم صحيح بعد ما خلص المال لهم من الوجه الذي قصد تمليكه فلهذا يصح ذلك ليحصل مقصودهم .

وإذا تصدق على المكاتب بصدقة فقضى منها الكتابة أو لم يكن فيها وفاء فعجز عن المكاتبة والصدقة في يده فهي طيبة للمولى ; لأن الصدقة تمت وصار المقبوض كسبا للمكاتب فإنما يسلم للمولى إما بجهة الكتابة أو بجهة الخلافة عنه في كسبه بعد العجز فيكون طيبا له كسائر أكسابه .

والأصل فيه حديث بريرة وقول النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها { هي لها صدقة ولنا هدية } .

وكذلك ما يتصدق به على عبد المكاتب فهو جائز ; لأن المكاتب في حكم الصدقة كالفقير المحتاج ويجوز التصدق على عبد الفقير بزكاة المال ويحل ذلك لمولاه فكذلك على العبد المكاتب ، والله أعلم بالصواب

باب الاختلاف في المكاتب . ( قال ) رضي الله عنه قد بينا في كتاب العتاق الاختلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه رحمهم الله فيما إذا اختلف المولى مع المكاتب في مقدار البدل أو جنسه في حكم التحالف ، ثم فرع على [ ص: 65 ] قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى .

( قال ) إذا قال المكاتب كاتبتني على ألف درهم ، وقال المولى : على ألفين فجعل القاضي القول قول المكاتب مع يمينه وألزمه ألف درهم كما هو قول المكاتب ، ثم أقام السيد البينة على أنه كاتبه على ألفين فبينته مقبولة لما فيها من إثبات زيادة المال ، وهو حقه ، ثم إن كان المكاتب لم يؤد شيئا بعد لم يعتق إلا بأداء الألفين لأن الثابت بالبينة كالثابت باتفاق الخصمين ، وإن كان أدى ألفا وأمضى القاضي عتقه ، ثم أقام المولى البينة ، ففي القياس هذا ، والأول سواء ; لأنه تبين بالحجة أن بدل الكتابة ألفان ، وأن القاضي مخطئ في إمضاء عتقه بعد أداء الألف ولكنه استحسن فقال : هو حر وعليه ألف درهم ; لأن القاضي قضى بعتقه بدليل شرعي ، والعتق بعد وقوعه لا يحتمل النقض ، ثم بينة المولى بعد ذلك مقبولة على إثبات الزيادة له في ذمته غير مقبولة على نفي العتق المقضي به إذ ليس من ضرورة وجوب المال على المكاتب بطلان العتق كما لو استحق البدل من المولى ; لأنا قد بينا اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في وقت عتق المكاتب .

فمنهم من يقول : يعتق بنفس العقد ، ومنهم من يقول : يعتق بأداء قدر قيمته وقضاء القاضي بعتقه صادف موضع الاجتهاد فكان نافذا فإن أدى المكاتب ألف درهم ولم يخاصمه إلى القاضي حتى أقام المولى البينة على الألفين لم يعتق حتى يؤدي الألف الباقية ; لأنه تبين أن بدل الكتابة ألفان فلا يعتق بأداء بعض المال ، ولما لم يخاصمه إلى القاضي لا يمكن إثبات العتق له محالا به على قضاء القاضي في المجتهدات ; لأن القاضي لم يقض بشيء فلهذا لا يعتق حتى يؤدي جميع المال .

وإذا اختلفا فقال المولى كاتبتك على ألفين ، وقال العبد : كاتبتني على ألف إذا أديت فأنا حر فأقاما البينة فإنه يقضي عليه بألفين فيؤخذ ببينة المولى على المال وببينة العبد على العتق فإذا أدى ألفا عتق وعليه ألف أخرى ; لأن العبد قد أقام البينة على عتقه بعد أداء الألف حين شهد شهوده أنه قال إذا أدى ألفا فهو حر بمنزلة رجل أعتق عبده على ألف ، وقد بينا معنى هذه المسألة في كتاب العتاق إلا أن هناك أبهم الجواب وهنا فسر وفرق بينما إذا شهد شهود العبد أنه قال إذا أديت إلي فأنت حر وبين ما إذا لم يشهدوا بذلك ولكن شهدوا أنه كاتبه على ألف ونجمها عليه نجوما فإنه لا يعتق هنا حتى يؤدي ألفا أخرى ، وهذا الفرق صحيح ; لأن في الفصل الأول عتقه عند أداء الألف بحكم الشرط مصرح به في شهادته ولا يوجد ذلك في الفصل الثاني فإنه يعتق بحكم العقد ، وقد ثبت ببينة المولى أن البدل بحكم العقد ألفان فلا يعتق إلا بأداء الألفين ، ألا ترى أنه لو كاتبه على ألف ، ثم جدد [ ص: 66 ] الكتابة على ألفين أو زاده في المكاتبة ألفا أخرى فإنه لا يعتق إلا بأداء الألفين فكذلك عند إقامة البينة ; لأنا نجعل كأن الأمرين كانا .
وإن اختلفا فقال العبد : كاتبتني على نفسي ومالي على ألف درهم ، وقال المولى : بل كاتبتك على نفسك دون مالك فالقول قول المولى ، والبينة بينة العبد ; لأن العبد في هذا الفصل يدعي زيادة في حقه ، والمولى ينكر تلك الزيادة فالقول قوله مع يمينه لإنكاره ، والبينة بينة العبد لما فيها من إثبات الزيادة .

وكذلك لو قال المولى : كاتبتك على نفسك خاصة ، وقال العبد : بل على نفسي وولدي .

فإن قال المولى : كان هذا المال في يدك حين كاتبتك فهو مالي ، وقال العبد : أصبته بعد ذلك ، فالقول قول العبد ، والبينة بينة المولى ; لأن المال في يد العبد فهو مستحق بحكم يده ، والمولى يحتاج إلى إثبات الاستحقاق عليه بالبينة ولأن الكسب حادث فيحال بحدوثه على أقرب الأوقات وهو ما بعد الكتابة ويحتاج المولى إلى إثبات التاريخ السابق بالبينة .
وإن ادعى أحدهما فسادا في المكاتبة وأنكر الآخر فالقول قول المنكر ; لأن اتفاقهما على العقد يكون اتفاقا منهما على ما يصلح به العقد فإن مطلق فعل المسلم محمول على الصحة فلا يقبل قول من يدعي الفساد إلا بحجة ولأن المفسد شرط زائد على ما به تتم المكاتبة فلا يثبت بمجرد الدعوى قبل إقامة الحجة ولهذا لو أقاما البينة كانت البينة بينة من يدعي الفساد ; لأنه يثبت زيادة شرط ببينته .
وإن قال المولى : كاتبتك على ألف إلى سنة ، وقال العبد إلى سنتين فالقول قول المولى ، والبينة بينة العبد ; لأن الأجل حق العبد فهو يدعي زيادة في حقه وهو منكر ، ألا ترى أن المولى لو أنكر أصل الأجل كان القول قوله ، والبينة بينة العبد فكذلك إذا أنكر زيادة في الأجل .
وإن ادعى أنه كاتبه نجوما على ألف كل شهر مائة ، وقال المولى : نجومك مائتان كل شهر فالقول قول المولى ، والبينة بينة العبد ; لأن الاختلاف بينهما في الحقيقة في فصل الأجل العبد يدعي أن الأجل عشرة أشهر ، والمولى يدعي أن الأجل خمسة أشهر .
ولو قال العبد : كاتبتني على مائة دينار وأقام البينة ، وقال المولى : على ألف درهم وأقام البينة فالبينة بينة المولى ; لأن حق المكاتب ثابت باتفاقهما ، وإنما قامت البينتان فيما هو حق المولى ، وبينته على إثبات حق نفسه أولى بالقبول من بينة غيره على حقه .

ولو قال المولى لمكاتبته : ولدت هذا الولد قبل أن أكاتبك فهو عبدي ، وقالت : بل ولدته في مكاتبتي فالقول قول من في يده الولد منهما ; لأنه مستحق له باعتبار يده ، والآخر يريد استحقاقه عليه فلا يستحقه إلا بإقامة البينة .

( فإن قيل ) : إذا كان في يد السيد فلماذا يجعل القول قوله وولادتها الولد حادث ويحال بالحادث على أقرب الأوقات ؟

[ ص: 67 ] قلنا ) : نعم ولكن هذا نوع ظاهر ، والظاهر يصلح حجة لدفع الاستحقاق ولكن لا يثبت به الاستحقاق ، والمكاتب يحتاج إلى استحقاق اليد على المولى في الولد ، والظاهر لهذا لا يكفي فإن أقاما البينة ، فالبينة بينة المكاتبة أما إذا كان الولد في يد المولى فلأنه يثبت الاستحقاق ببينتها ، والمولى ينفي ذلك الاستحقاق وأما إذا كان في يد المكاتبة فإنها ببينتها تثبت حكم الكتابة في الولد وحريته عند أدائها ، والمولى ينفي ذلك ببينته فكان المثبت من البينتين أولى كما لو أعتق جاريته ، ثم اختلفا في ولدها هذا الاختلاف وأقاما البينة فالبينة بينة الجارية لما فيها من إثبات العتق للولد .

وإذا ماتت المكاتبة ، ثم اختلف ولدها ، والمولى في المكاتبة فهو كاختلاف المولى ، والأم في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى الآخر ; لأن الولد قام مقام الأم فاختلافه مع المولى في مقدار البدل بمنزلة اختلاف الأم ولهذا لو ادعى الولد أنه أدى البدل أو أن الأم أدت البدل لم يصدق إلا بحجة كما لو ادعت الأم ذلك في حياتها وكذلك إذا كان الاختلاف بين المكاتبة وابن المولى بعد موت المولى .
ولو كاتب الذمي عبدا له مسلما ، ثم اختلفا في مقدار البدل وأقام المولى بينة من النصارى لم تقبل ; لأن الخصم مسلم وشهادة الكافر ليست بحجة على المسلم .
حربي دخل دار الإسلام بأمان فاشترى عبدا ذميا وكاتبه ، ثم اختلفا في المكاتبة فأقام المولى البينة من أهل الحرب ممن دخل معه بأمان لم تقبل شهادتهم على العبد الذمي ; لأنه من أهل دارنا وشهادة أهل الحرب على من هو من أهل دارنا لا تكون حجة كشهادة الكفار على المسلمين ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصدق ، والصواب وإليه المرجع ، والمآب .
باب مكاتبة المريض . ( قال ) رضي الله عنه : مريض كاتب عبده على ألف درهم نجمها عليه نجوما وقيمته ألف درهم وهو لا يخرج من ثلثه فإنه يخير العبد إن شاء عجل ما زاد من القيمة على ثلث مال الميت وإلا رد في الرق ; لأنه بتأجيل المال عليه أخر حق الورثة إلى مضي الأجل وفيه ضرر عليهم فلا يصح فيما هو من حقهم وهذا ; لأن ضرر التأجيل كضرر الإبطال من حيث إن الحيلولة تقع بين الورثة وبين حقهم عقيب موته ، ألا ترى أن المريض إذا أجل في دين له على الأجنبي يعتبر له من الثلث كما لو أبرأ ، وأن شهود التأجيل في الدين إذا رجعوا ضمنوا كشهود الإبراء فإن عجل ما زاد على الثلث حسب ذلك من كل نجم بحصته ; لأن التنجيم كان ثابتا في جميع المال ، وإن [ ص: 68 ] عجل شيئا عند اعتراض الورثة يشيع المعجل في جميع النجوم فيكون من كل نجم بحصته إذ ليس بعض النجوم بأن يجعل المؤجل عنه أولى من البعض .
وإن كاتبه على ألفين وقيمته ألف درهم لا مال له على غيره قيل له عجل ثلثي الألفين في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله .

وقال محمد رحمه الله : يقال له عجل ثلثي قيمتك ; لأن من أصلهما أن مال المولى بدل الكتابة فلا يصح تأجيله إلا في قدر الثلث ومن أصل محمد رحمه الله تعالى أن ما زاد على ثلثي قيمته كان المريض متمكنا من أن لا يتملكه أصلا فإذا تملكه مؤجلا لا يثبت للأولياء حق الاعتراض على الأجل فيه ، وقد بيناه في كتاب العتاق .

وإن كاتبه على ألف وقيمته ألفان ولا مال له غيره قيل له عجل ثلثي قيمتك وأنت حر وإلا رددناك في الرق ; لأنه حاباه بنصف المال ، والمحاباة في المرض وصية فلا يجوز إلا بقدر ثلثه وإذا استغرقت المحاباة للثلث لا يمكن تصحيح التأجيل في شيء منه فيؤمر بأن يعجل ثلثي قيمته أو يرد في الرق رجل كاتب عبده في صحته على ألف درهم ، ثم أقر في مرضه أنه استوفى بدل الكتابة فهو مصدق ويعتق المكاتب ; لأنه استحق براءة ذمته عند إقرار المولى باستيفاء البدل منه لما كان العقد في صحته ومرضه لا يبطل الاستحقاق الثابت للمكاتب كما لو باعه من إنسان في صحته ، ثم أقر في مرضه باستيفاء الثمن بخلاف ما لو كاتبه في مرضه ، ثم أقر باستيفاء البدل فإنه لا يصح إلا بقدر ثلثه ; لأنه ما استحق هنا براءة ذمته عند إقراره ، وإنما استحق براءة ذمته عند إيصال المال إليه ظاهرا ليتعلق به حق ورثته كما كان حقهم متعلقا برقبته ، ثم تتمكن تهمة المواضعة هنا أنه قصد بتصرفه تحصيل العتق له فيجعل في حق الورثة كأن المولى أعتقه مكان الكتابة ; فلهذا كان معتبرا من ثلثه .
ولو كاتبه في صحته على ألف درهم وقيمته خمسمائة ، ثم أعتقه في مرضه ، ثم مات ولم يقبض شيئا فإنه يسعى في ثلثي قيمته ; لأن مال المولى في مرضه الأقل من قيمته ومن بدل الكتابة فإن ما زاد على الأقل غير متيقن بأنه له ، ألا ترى أنه يتمكن من أن يعجز نفسه فلا يكون حقه إلا في القيمة فلهذا يعتبر الثلث ، والثلثان في الأقل وهو قيمته فعليه أن يسعى في ثلثي قيمته ولأن إعتاقه إياه إبطال للكتابة ; لأن الإعتاق المبتدأ في حق المولى غير المعتق بجهة الكتابة وإذا كان هذا إبطالا للكتابة جعل كأنه لم يكاتبه وكذلك إن وهب جميع ما عليه من الكتابة في مرضه وهو حر ويسعى في ثلثي قيمته ; لأن مال المولى هو الأقل فإنما يعتبر تبرعه بالهبة من الثلث فيما يعلم أنه حقه وهو الأقل ، وفي الكتاب قال إنه متى [ ص: 69 ] أدى ثلثي قيمته عتق ، وإن كان على المكاتبة في قول يعقوب ومراده قول يعقوب في أنه إذا كان لعتقه وجهان سعى في الأقل ما يلزمه من جهة السعاية ، ومن جهة المكاتبة ولا يخير بينهما ; لأن التخيير بين القليل ، والكثير في الجنس الواحد غير مفيد .

وعلى قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى إذا كاتبه في صحته ، ثم أعتقه في مرضه فهو بالخيار إن شاء سعى في ثلثي قيمته ، وإن شاء سعى في ثلثي ما عليه ، وقد بينا هذا في كتاب العتاق ، وإنكان المولى قد قبض منه قبل ذلك خمسمائة ، ثم أعتقه في مرضه سعى في ثلثي قيمته ولم يحتسب له شيء مما أدى قبل ذلك ; لأنه لما عتق بالإعتاق المبتدأ بطل حكم الكتابة في حق المولى فما أدى قبل ذلك ; لأنه كسب عبده فيكون سالما له غير محسوب مما عليه من السعاية وهذا عندهما وكذلك عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وإن اختار فسخ الكتابة ، والسعاية في ثلثي قيمته .
( قال ) : وإن أدى المكاتبة إلا مائة درهم ، ثم أعتقه في مرضه أو وهب له الباقي سعى في ثلثي المائة ; لأن ما بقي من بدل الكتابة هنا أقل ، وقد بينا أن مال المولى القدر المتيقن به وهو الأقل ; فلهذا يعتبر الثلث ، والثلثان هنا من بدل الكتابة ; لأنه أقل .

وإذا ولدت المكاتبة ولدا واشترت ولدا آخر لها ، ثم ماتت سعيا في الكتابة على النجوم ; لأن المولود في الكتابة قائم مقام الأم في بقاء النجوم ببقائه وهو المطالب ببدل الكتابة وهو الذي يلي الأداء إلى المولى عند حلول كل نجم دون المشتري ; لأن المشتري لو كان وحده لا يطالب بالمال على النجوم ولكن إذا لم يؤد المال حالا فهو بمنزلة عبدها يباع فعرفنا أنه غير قائم مقامها ، وإنما القائم مقامها هو المولود في الكتابة ، ألا ترى أنه لو كان وحده كان المال في ذمته ، وإنما يطالب به عند حلول الأجل فصار المولود في الكتابة في حق الولد الآخر كالأم وفي حال حياتها كانت هي التي تطالب بالمال وتلي الأداء دون الولد فكذا هنا فإن سعى الولد في الكتابة وأدى لم يرجع على أخيه بشيء ; لأنه أدى عن أمه ولأن كسبه في أداء بدل الكتابة منه بمنزلة تركتها وعند الأداء من التركة لا يرجع على أخيه بشيء فكذلك إذا أدى من كسبه .

ولو اكتسب هذا الابن المشترى كسبا فلأخيه أن يأخذه فيستعين به في كتابته ; لأنه قائم مقام أمه وكان لها في حياتها أن تأخذ كسبه فكذلك لمن قام مقامها وهذا ; لأنه لما بقي الأجل باعتبار بقاء المولود في الكتابة ولا يبقى الأجل إلا باعتبار من هو أصل عرفنا أنه أصل في هذا العقد ، والمشترى تبع له وعلى هذا لو أراد أن يسلمه في عمل ليأخذ كسبه فيستعين به في مكاتبته [ ص: 70 ] كان له ذلك ويأمره القاضي أن يؤاجر نفسه أو يأمر أخاه أن يؤاجره كما لو كانت الأم حية كان لها أن تؤاجره بأمر القاضي إذا أبى أن يؤاجر نفسه ليؤدي المكاتبة من إجارته وما اكتسب المولود في المكاتبة بعد موت الأم قبل الأداء فهو له خاصة وما اكتسب أخوه حسب من تركتها فقضى منه الكتابة ، والباقي ميراث بينهما ; لأن المشترى بمنزلة عبدها فيكون كسبه لها بمنزلة مال خلفته يقضي منه بدل الكتابة ، والباقي ميراث عنها بين الاثنين فأما المولود في الكتابة قد انتصب أصلا فإذا حكم بعتقه مستندا إلى وقت عتق أمه كان ما اكتسب بعد ذلك له خاصة وهذا كله مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى فأما عندهما الولد المشترى ، والولد المولود في الكتابة وكل من تكاتب عليها في حكم السعاية على النجوم سواء فلا يكون لأخيه أن يأخذ منه شيئا من كسبه إذ كل واحد منهما قائم مقام الأم وليس أحدهما يتبع لصاحبه .

وإذا كان العبد بين رجلين فمرض أحدهما ، ثم كاتب الصحيح بإذنه جاز ذلك وليس للوارث إبطاله ; لأنه قائم مقام مورثه ولم يكن للمورث إبطاله فكذلك لا يكون ذلك لوارثه وهذا ; لأنه ليس في هذا الإذن إبطال شيء من حق الورثة عما تعلق حقهم به ، وإنما هو مجرد إسقاط خيار ثبت له .

وكذلك إن أذن له في القبض فقبض بعض المكاتبة ، ثم مات المريض لم يكن للوارث أن يأخذ منه شيئا ، من أصحابنا رضي الله عنهم من قال هذا غلط وينبغي أن يكون للوارث أن يأخذ منه ما زاد على الثلث ; لأن إذنه في القبض رضا منه بأن يقضي المكاتب دينه بنصف الكسب الذي هو حق المريض ، وهذا تبرع منه فإنما يعتبر من ثلثه ولكنا نقول المريض يتمكن من إسقاط حق ورثته عن كسبه بأن يساعده على الكتابة فيعمل رضاه أيضا بقضاء بدل الكتابة من كسبه ولا يكون للورثة سبيل على إبطال ذلك وهذا ; لأن الكسب بدل المنفعة وتبرعه بمنفعة نصيبه لا يكون معتبرا من ثلثه فكذلك تبرعه من بدل المنفعة .
ولا يجوز للمكاتب أن يزوج أمته من عبده ; لأن فيه تعييبا لهما فإن النكاح عيب في العبيد والإماء جميعا ، ولا يسقط بهذا العقد نفقتها عنه ولا يجب المهر أيضا فكان هذا ضررا في حق المكاتب فلهذا لا يصح منه .

وللمكاتب أن يأذن لعبده في التجارة ; لأنه من صنيع التجار ويقصد به اكتساب المال ، والمكاتب منفك الحجر عنه في مثله ولأن الفك الثابت بالكتابة فوق الثابت بالإذن وإذا جاز للمأذون أن يأذن لعبده في التجارة فلأن يجوز للمكاتب أولى فإن لحقه دين بيع إلا أن يؤدي عنه المكاتب ويجوز أن يؤدي عنه [ ص: 71 ] الدين ، وإن كان أكثر من قيمته ; لأن هذا تصرف تناوله الفك الثابت بالكتابة ، والمكاتب في مثله كالحر ألا ترى أن فيما يبيع ويشتري بنفسه جعل كالحر لهذا فإن عجز المكاتب ، وقد لحق كل واحد منهما دين بيع كل واحد منهما في دين نفسه لا أن يفديهما المولى ; لأن بعجز المكاتب صار كل واحد منهما مملوكا للمولى فيكون الرأي إليه في أن يؤدي عنهما الدين أو يباع كل واحد منهما في دينه فإن فضل من ثمن المكاتب شيء لم يصرف في دين عبده ; لأن حق غرماء العبد إنما تعلق بمالية العبد وكسبه ، والمكاتب ليس من ذلك في شيء بل المكاتب في حق العبد بمنزلة الحر فكما لا يقضي دين العبد من مال مولاه الحر فكذلك لا يقضي من ثمن المكاتب .

وإن فضل من ثمن العبد شيء صرف في دين المكاتب ; لأن العبد كسبه وحق غرمائه ثبت في كسبه إلا أن دين العبد كان مقدما في مالية رقبته فما يفضل من دينه صرف في دين المكاتبة ، فإن قضى المولى بعض غرماء العبد دينه ، ثم جاء الآخرون لم يكن لهم على من اقتضى دينه سبيل إذا لم يكن الدين مشتركا بينهم ; لأن المولى إنما قضى من خالص ملكه ولا حق للغرماء في خالص ملكه فهو بمنزلة متبرع آخر يتبرع بقضاء بعض دينه فلا يكون للباقين على المقتضي سبيل ولكنهم يأخذون العبد بدينهم لتعلق حقهم بمالية رقبته ولا يخاصمهم المولى بما قضى من دينه في رقبته ; لأنه لا يستوجب دينا في ذمة عبده ولا في مالية رقبته فكان هو في الأداء بمنزلة متبرع آخر وعجز المكاتب حجر على عبده ; لأن ثبوت الإذن باعتبار الفك الثابت للمكاتب ، وقد زال ذلك بعجزه فيكون عجزه كموت الحر وبموت الحر يصير العبد محجورا عليه فكذلك بعجز المكاتب وكذلك بموته ; لأنه إن مات عاجزا فقد انفسخت الكتابة ، وإن مات عن وفاء فهو كموت الحر فيكون حجرا على العبد في الوجهين جميعا فإن كان له ولد فأذن له في التجارة وعليه دين لم يصح إذنه ; لأن غرماء العبد أحق بمالية رقبته ، والولد المولود في الكتابة إنما يخلف أباه فيما هو حقه ، فأما فيما هو حق غرمائه فلا فلهذا لا يصح إذنه له في التجارة .

وإذا أذن المكاتب لعبده في التجارة فاستدان دينا فدفعه المولى إلى الغرماء بدينهم جاز ذلك ، والمراد بالمولى هو المكاتب دون مولى المكاتب ; لأنه لا حق لمولى المكاتب في التصرف في كسبه ما بقيت الكتابة ، والمكاتب في التصرف في كسبه كالحر فيما تناوله الفك ودفع العبد إلى الغرماء بدينهم يجوز من الحر فكذلك من المكاتب .
ولو أذن لعبده في التزويج لم يجز ; لأنه لا يملك مباشرته بنفسه لما فيه من [ ص: 72 ] الضرر عليه فكذلك لا يأذن العبد فيه ، وإن أذن لأمته في التزويج جاز ذلك استحسانا كما لو زوجها بنفسه ; لأنه يأخذ مهرها ويسقط نفقتها عن نفسه .

وفي القياس لا يجوز أيضا ; لأن هذا التصرف ليس من صنع التجار عادة ، والله أعلم بالصواب .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.14 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.52 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.56%)]