عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 12-12-2025, 06:34 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,022
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثامن

صـــ 2 الى صـــ 11
(160)


[ ص: 2 ] كتاب المكاتب

( قال ) الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي : رحمه الله الكتابة لغة هو الضم ، والجمع يقول كتب البغلة إذا جمع بين شفريها بحلقة ، ومنه فعل الكتابة لما فيها من الضم والجمع بين الحروف فسمي العقد الذي يجري بين المولى وعبده بطريق المعاوضة كتابة إما لأنه لا يخلو عن كتبة الوثيقة عادة ، ولهذا سمي مكاتبة على ميزان المفاعلة لأن العبد يكتب لمولاه كما يكتب المولى لعبده ليكون في يد كل واحد منهما ما يتوثق به أو سمي كتابة لأن المولى به يضم العبد إلى نفسه في إثبات صفة المالكية له يدا فإن موجب هذا العقد ثبوت المالكية للعبد يدا في نفسه ، وكسبه ; لأن المالكية عبارة عن ضرب قوة وقد ثبتت له هذه القوة بنفس العقد حتى يختص بالتصرف في منافعه ومكاسبه ويذهب للتجارة حيث شاء ولهذا لا يمنعه المولى من الخروج للسفر ولو شرط عليه أن لا يخرج كان الشرط باطلا لأن ذلك ثابت له بضرورة هذه المالكية .

مقصود المولى من إثبات هذه المالكية له أن يتمكن من أداء المال بالتكسب وربما لا يتمكن منه إلا بالخروج من بلدة إلى بلدة وموجب العقد ما يثبت بالعقد المطلق ثم عتقه عند أداء المال لا تمام هذه المالكية لأن العقد معاوضة فيقتضي المساواة بين المتعاقدين ، وأصل البدل يجب للمولى في ذمته بنفس العقد ولكن لا يتم ملكه إلا بالقبض لأن الذمة تضعف بسبب الرق فإن صلاحية الذمة لوجوب المال فيها من كرامات البشر ، وذلك ينتقض بالرق كالحل الذي ينبني عليه ملك النكاح ولهذا لا يثبت الدين في ذمة العبد إلا متعلقا بمالكية رقبته وهذا لا يتحقق فيما كان واجبا للمولى لأن المالكية حقه فلهذا كان ما يجب له ضعيفا في ذمته فثبت للعبد بمقابلته مالكية ضعيفة أيضا .

ثم إذا تم الملك للمولى بالقبض تتم المالكية للعبد أيضا وتمام المالكية لا يكون إلا بالعتق فيعتق لضرورة إتمام المالكية [ ص: 3 ]

ثم جواز هذا العقد ثبت بالنص قال الله تعالى : { والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا } .

وبظاهر الآية يقول داود ومن تابعه إذا طلب العبد من مولاه أن يكاتبه وقد علم المولى فيه خيرا يجب عليه أن يكاتبه لأن الأمر يفيد الوجوب .

وقال بعض مشايخنا : الأمر قد يكون لبيان الجواز والإباحة كقوله تعالى : { وإذا حللتم فاصطادوا } ، وقوله { إن علمتم فيهم خيرا } مذكور على وفاق العادة ، والعادة أن المولى إنما يكاتب عبده إذا علم فيه خيرا ولكن هذا ضعيف فإنه إذا حمل على هذا لم يكن مفيدا شيئا ، وكلام الله تعالى منزه عن هذا ولكن نقول الأمر قد يكون للندب ، والإباحة ثابتة بدون هذا الشرط ، والندب متعلق بهذا الشرط فإنما ندب المولى إلى أن يكاتبه إذا علم فيه خيرا .


ثم الكتابة قد تكون ببدل منجم مؤجل وقد تكون ببدل حال عندنا بظاهر الآية فالتنجيم ، والتأجيل زيادة على ما يتلى في القرآن ، ومثل هذه الزيادة لا يمكن إثباتها بالرأي فعرفنا أنه ليس بشرط بل هو ترفيه ، والشافعي رحمه الله تعالى لا يجوز الكتابة إلا مؤجلا منجما أقله نجمان قال لأن العبد يلتزم الأداء بالعقد ، والقدرة على التسليم شرط لصحة التزام التسليم بالعقد وهو يخرج من يد مولاه مفلسا فلا يقدر على التسليم إلا بالتأجيل ، والاكتساب في المدة فإذا كان مؤجلا منجما كان ملتزما تسليم ما يقدر على تسليمه فيصح وإذا كان حالا فإنما يلتزم تسليم ما لا يقدر على تسليمه فلا يصح العقد .

توضيحه أن صفة الحلول تفوت ما هو المقصود بالكتابة لأنه يثبت للمولى حق المطالبة عقيب العقد ، والعبد عاجز عن الأداء ويتحقق عجزه بفسخ العقد فيفوت ما هو المقصود وكل وصف يفوت ما هو المقصود بالعقد يجب نفيه عن العقد وذلك لا يكون إلا بالتنجيم ، والتأجيل .

قال وهذا بخلاف السلم على أصله فإن المسلم إليه قبل العقد كان من أهل الملك ، والعاقل لا يلتزم إلا تسليم ما يقدر على تسليمه فعرفنا قدرته على التسليم بهذا الطريق ، وهنا العبد قبل العقد لم يكن أهلا للملك فيتيقن بعجزه عن التسليم في الحال ولأن بعقد السلم يدخل ملك المسلم إليه بدل بقدرته على تسليم المسلم فيه في الحال وهو رأس المال وهنا بالعقد لا يدخل في ملك العبد شيء بقدرته على تسليم البدل في الحال ( وحجتنا ) في ذلك أن البدل في باب الكتابة معقود به كالثمن في باب البيع ، والقدرة على تسليم الثمن ليس بشرط لصحة الشراء فالقدرة على تسليم البدل في باب الكتابة مثله وهذا لأن العقد إنما يرد على المعقود عليه فتشرط القدرة على تسليم المعقود عليه ولهذا لا يجوز البيع إلا بعد أن يكون المبيع [ ص: 4 ] مملوكا للبائع مقدور التسليم له .

ولهذا شرطنا الأجل في السلم لأن المسلم فيه معقود عليه ، وهو غير مقدور التسليم في الحال ; لأنه غير مملوك للمسلم إليه ، وقدرته على التسليم لا تتحقق إلا بملكه فلا يجوز إلا مؤجلا ليثبت قدرته على التسليم بالتحصيل في المدة .

ولأن الكتابة عقد إرفاق فالظاهر أن المولى لا يضيق على المكاتب ولا يطالبه بالأداء ما لم يعلم قدرته عليه إلا أنه لا يذكر الأجل ليكون متفضلا في تأخير المطالبة منعما عليه كما كان في الأصل العقد وليمتحنه بما تفرس فيه من الخير حتى إذا تبين له خلافه تمكن من فسخ العقد وبه فارق السلم ; لأنه مبني على الضيق ، والمماكسة فالظاهر أنه لا يؤخر عنه بعد توجه المطالبة له اختيارا فلهذا لا يجوز إلا بذكر الأجل ليثبت به قدرته على التسليم .


ثم يعتق المكاتب بأداء المال سواء قال له إذا أديت إلي فأنت حر أو لم يقل له وللشافعي قول : أنه لا بد من أن يضمر هذا بقلبه ، ويظهر بلسانه .

وهذا بعيد لما بينا أن العتق عند الأداء حكم العقد وثبوت الحكم بثبوت السبب ، والقصد إلى الحكم ، والتكلم به بعد مباشرة العقد ليس بشرط كما في البيع فإن إضمار التمليك بالقلب وإظهاره باللسان ليس بشرط لثبوته عند مباشرة البيع فهذا مثله ، وإن عجز عن أول نجم منها أو كانت حالة فلم يؤدها حين طالبه بها رد في الرق لتغير شرط العقد وتمكن الخلل في مقصود المولى ، وقد بينا خلاف أبي يوسف في كتاب العتاق ويستوي إن شرط ذلك في الكتابة أو لم يشرط .

وحكى ابن أبي ليلى قال : هذا إذا شرط عند العقد أن يرده في الرق إذا كسر نجما فإن لم يشترط ذلك فما لم يكسر نجمين لا يرد في الرق وهذا فاسد ; لأن تمكن الخلل فيما هو مقصود العاقد يمكنه من الفسخ سواء شرط ذلك في العقد أو لم يشترط كوجود العيب بالمبيع وهذا ; لأن موجب العقد الوفاء بمقتضاه وبدونه ينعدم تمام الرضا وانعدام تمام الرضا في العقد المحتمل للفسخ يمنع ثبوت صفة اللزوم ، والعاقد في العقد الذي لا يكون لازما متمكن من الفسخ شرط ذلك أو لم يشترط كما في الوكالة ، والشركة ، فإن كاتبه على ألف منجمة فإن عجز عن نجم فمكاتبته ألفا درهم لم تجز هذه المكاتبة ; لأن هذا العقد لا يصح إلا بتسمية البدل كالبيع .

وفي باب البيع لا تصح التسمية بهذه الصفة لكونها مترددة بين الألف ، والألفين فكذلك في المكاتبة وهذا في معنى صفقتين في صفقة واحدة وقد ورد النهي في ذلك ، ثم فيه تعليق وجوب بعض البدل بالخطر ، وهو عجزه عن أداء نجم وهذا شرط فاسد تمكن فيما هو من صلب العقد ، وهو البدل فيفسد به العقد ، وقد قررنا هذا الأصل في العتاق . وإن كاتبه على ألف [ ص: 5 ] درهم على نفسه وماله وللعبد ألف درهم أو أكثر فهو جائز ولا يدخل بينه وبين عبده ربا ، قال عليه الصلاة والسلام : { لا ربا بين العبد وسيده } ، ثم مقصود المولى الإرفاق بعبده واشتراط مال العبد للعبد في الكتابة يحقق هذا المقصود ; لأنه كما لا يتمكن من الكسب إلا بمنافعه لا يتمكن من تحصيل الربح إلا برأس مال له فلتحقق معنى الإرفاق صح اشتراط ماله له ، والربا هو الفضل الخالي عن العوض والمقابلة إذا كان مستحقا بمعاوضة محضة فما يكون بطريق الإرفاق كما قررنا لا يكون ربا فإن كان في يده مال سيده لم يدخل ذلك في الكتابة ; لأنه شرط له في العقد مالا مضافا إليه وإضافة المال إلى المرء إما أن يكون بكونه ملكا له أو لكونه كسبا له ، والعبد ليس من أهل الملك فالإضافة إليه لكونه كسبا له بل يده فيه يد مولاه فهو كسائر الأموال التي في يد المولى .

وإنما يدخل في هذه التسمية كسبه من مال ورقيق وغير ذلك ; لأنه مضاف إليه شرعا قال عليه الصلاة والسلام { من باع عبدا وله مال } وكذلك ما كان سيده وهبه له أو وهبه له غيره بعلمه أو بغير علمه ; لأن ذلك كله كسبه فإنه حصل له بقبوله وعدم علم المولى لا يخرجه من أن يكون كسبا له فيدخل ذلك كله في هذه التسمية .

ثم موجب عقد الكتابة أن يكون هو أحق بكسبه واشتراط ما اكتسبه قبل العقد ليس من جنس ما هو موجب العقد فيكون داخلا في هذا الإيجاب ، فأما مال المولى الذي ليس من كسب العبد ليس بجنس ما هو موجب العقد فلا يستحقه بهذه التسمية ، وإن كاتبه على أن يخدمه شهرا فهو جائز استحسانا .

وفي القياس لا يجوز ; لأن الخدمة غير معلومة وفيما لا يصح إلا بتسمية البدل لا بد من أن يكون المسمى معلوما ، ثم خدمته مستحقة لمولاه بملكه رقبته ، وإنما يجوز عقد الكتابة إذا كان يستحق به المولى ما لم يكن مستحقا له ولكنه استحسن ، فقال : أصل الخدمة معلوم بالعرف ومقداره ببيان المدة ، وإنما تكون الجهالة في الصفة وذلك لا يمنع صحة تسميته في الكتابة كما لو كاتبه على عبد أو ثوب هروي ، ثم المولى وإن كان يستخدمه قبل الكتابة فلم يكن ذلك دينا له في ذمة العبد وبتسميته في العقد يصير واجبا له في ذمته فهو بمنزلة الكسب كان مستحقا لمولاه قبل العقد ، وإنما يؤدي بدل الكتابة من ذلك الكسب ولكن لما كان وجوبه في الذمة بالتسمية في العقد صح العقد بتسميته وكذلك إن كاتبه على أن يحفر له بئرا قد سمى طولها وعرضها وأراه مكانها أو على أن يبني له دارا قد أراه آجرها وجصها وما يبني بها فهو على القياس ، والاستحسان الذي قلنا ، وإن كاتبه على أن يخدم رجلا [ ص: 6 ] شهرا فهو جائز في القياس ; لأن المولى إنما يشترط الخدمة لنفسه ، ثم يجعل غيره نائبا في الاستيفاء فهو واشتراطه الاستيفاء بنفسه سواء إلا أنه قال هنا يجوز في القياس بخلاف الأول ; لأن خدمته لم تكن مستحقة لذلك الرجل قبل العقد ، وإنما تصير مستحقة بقبوله بالعقد ، فأما خدمته لمولاه وحفر البئر وبناء الدار كان مستحقا له قبل العقد بملك رقبته وذلك الملك يبقى بعد الكتابة فبهذا الحرف يفرق بينهما في وجه القياس .

وإن كاتبه على ألف درهم يؤديها إلى غريم له فهو جائز ; لأنه شرط المال لنفسه بالعقد ، ثم أمره بأن يقضي دينا عليه وجعل الغريم نائبا في قبضه منه وقبض نائبه كقبضه بنفسه ، وكذلك إن كاتبه على ألف درهم يضمنها لرجل عن سيده فالكتابة ، والضمان جائزان وهذا ليس بضمان هو تبرع من المكاتب بل هو التزام أداء مال الكتابة إلى من أمره المولى بالأداء إليه ولا فرق في حقه بين أن يلتزم الأداء إلى المولى وبين أن يلتزم الأداء إلى من أمره المولى بالأداء إليه ، وإن ضمن لرجل مالا بغير إذن سيده سوى الكتابة لم يجز ; لأنه إنما يضمن المال ليؤديه من كسبه وكسبه لا يحتمل التبرع فكذلك التزامه بطريق التبرع ليؤديه من كسبه لا يجوز ، وهذا ; لأنه بقي عبدا بعد الكتابة ولا يجب المال في ذمة العبد إلا شاغلا لمالية رقبته أو كسبه فإذا كان بطريق التبرع لم يكن شغل كسبه فلا يثبت دينا في ذمته للحال وكذلك إن أذن له المولى في ذلك ; لأن المولى ممنوع من التبرع بكسبه فلا يعتبر إذنه في ذلك وبه فارق القن فإنه لو كفل بإذن مولاه صح ; لأن المولى مالك للتبرع بمالية رقبته وكسبه فإذا أذن له في هذا الالتزام يثبت المال في ذمته متعلقا بمالية رقبته فكان صحيحا ، وإن ضمن عن السيد لغريم له بمال على أن يؤديه من المكاتبة أو قبل الحوالة به فهو جائز ; لأنه لا يتحقق معنى التبرع في هذا الالتزام فإنه مطلوب ببدل الكتابة سواء كان طالبه به المولى أو المضمون له ; ولأن دين الكتابة وجب في ذمته شاغلا لكسبه حتى يؤديه من كسبه فما يلتزم أداؤه من الكتابة فهو متمكن من أداء ذلك من كسبه فلهذا صح هذا الضمان .

وإن كاتبه على مال منجم ، ثم صالحه على أن يعجل بعضها ويحط عنه ما بقي فهو جائز ; لأنه عبده ، ومعنى الإرفاق فيما يجري بينهما أظهر من معنى المعاوضة فلا يكون هذا مقابلة الأجل ببعض المال ولكنه إرفاق من المولى بحط بعض البدل ، وهو مندوب إليه في الشرع ومساهلة من المكاتب في تعجيل ما بقي قبل حل الأجل ليتوصل به إلى شرف الحرية ، وهو مندوب إليه في الشرع أيضا بخلاف ما لو جرت [ ص: 7 ] هذه المعاملة بين حرين ; لأن معنى المعاوضة فيما بينهما يغلب على معنى الإرفاق فيكون هذا مبادلة الأجل بالدراهم ، ومبادلة الأجل بالدراهم ربا وكذلك إن صالحه من الكتابة على شيء بعينه فهو جائز ; لأن دين الكتابة يحتمل الإسقاط بالإبراء وقبضه غير مستحق فالاستبدال به صحيح كالثمن في البيع وهذا ; لأن في الاستبدال إسقاط القبض بعوض وإذا جاز إسقاط القبض بما هو إبراء حقيقة وحكما بغير عوض فكذلك بالعوض ، وإن فارقه قبل القبض لم يفسد الصلح ; لأنه افتراق عن عين بدين ألا ترى أنه لو اشترى ذلك الشيء بعينه بما عليه من الكتابة جاز وإن لم يقبضه في المجلس وإن صالحه على عرض أو غيره مؤجل لم يجز ; لأنه دين بدين { ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكالئ بالكالئ } فإن كاتبه على ألف درهم منجمة على أن يؤدي إليه مع كل نجم ثوبا قد سمى جنسه أو على أن يؤدي مع كل نجم عشرة دراهم فذلك جائز ; لأن ما ضمه إلى المسمى في كل نجم يكون بدلا مشروطا عليه بمنزلة الألف الذي ذكره أولا ، والثوب الذي هو مسمى الجنس يصلح أن يكون بدلا في الكتابة ; لأنه مبني على التوسع فكان هذا بمنزلة قوله كاتبتك على كذا وكذا ، وهو صحيح يتضح فيما ذكر بعده أنه لو قال له على أن تؤدي مع مكاتبتك ألف درهم ; لأنه لا فرق بين أن يقول كاتبتك على ألف درهم أو يقول على ألف درهم وألف درهم وإذا ثبت أن جميع ذلك بدل فإذا عجز عن أداء شيء منه بعد حله رد في الرق .

وإن كاتبه على ألف درهم فأداها ، ثم استحقت من يد المولى فالمكاتب حر لوجود شرط عتقه ، وهو الأداء ، والعتق بعد وقوعه لا يحتمل الفسخ فالأداء وإن بطل بالاستحقاق بعد الوجود لا يبطل العتق ; ولأن المكاتبة لم تقع على هذه الألف بعينها يريد به أن بدل الكتابة كان في ذمته وما يؤديه عوض عن ذلك فإن الديون تقتضى بأمثاله لا بأعيانها وبدل المستحق مملوك للمولى بالقبض ، والمكاتب قابض لما في ذمته فيكون مملوكا له وإن كان بدله مستحقا ، ومن ملك ما في ذمته سقط عنه ذلك فلهذا كان حرا ويرجع عليه السيد بألف مكانها ; لأن قبضه قد انتقض بالاستحقاق فكأنه لم يقبض أو وجد المقبوض زيوفا فرده فلهذا رجع بألف مكانها ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع ، والمآب .

[ ص: 8 ] باب ما لا يجوز من المكاتبة

( قال ) رضي الله عنه : وإذا كاتب الرجل عبده على قيمته لم يجز ; لأن عقد الكتابة لا يصح إلا بتسمية البدل كعقد البيع ، والقيمة مجهول الجنس ، والقدر عند العقد فلم تصح تسميته ، وهو تفسير العقد الفاسد فإن موجب الكتابة الفاسدة القيمة بعد تمامها فإذا أدى إليه القيمة عتق ; لأن العقد انعقد مع الفساد فينعقد موجبا لحكمه ، والأصل أن العقد الفاسد معتبر بالجائز في الحكم ; لأن صفة الفساد لا تمنع انعقاد أصل العقد بل تدل على انعقاده فإن قيام الوصف بالموصوف فإن الصفة تبع وبانعدام التبع لا ينعدم الأصل ، ثم العقود الشرعية لا تنعقد إلا مفيدة للحكم في الحال أو في الثاني ولا يمكن تعرف حكم العقد الفاسد من نفسه ; لأن الشرع لم يرد بالإذن فيه فلا بد من أن يتعرف حكمه من الجائز ، ولأن الحكم يضاف إلى أصل العقد لا إلى صفة الجواز والذي يتعلق بصفة الجواز لزوم العقد بنفسه وذلك لا يثبت مع الفساد . فأما حكم العتق عند أداء البدل مضاف إلى أصل العقد .

وأصل العقد منعقد وقد وجد أداء البدل ; لأنا إن نظرنا إلى المسمى فهو القيمة وإن نظرنا إلى الواجب شرعا عند فساد العقد فهو القيمة فلهذا يعتق بأداء القيمة .

وإن كاتبه على ثوب لم يسم جنسه لم يجز ; لأن الثياب أجناس مختلفة وما هو مجهول الجنس لا يثبت دينا في الذمة في شيء من المعاوضات كما في النكاح ، وإن أدى إليه ثوبا لم يعتق ; لأنا لم نعلم بأداء المشروط حقيقة فاسم الثوب كما يتناول ما أدى يتناول غيره ولم يوجد أداء بدل الكتابة أيضا حكما ; لأن بدل الكتابة هو القيمة في العقد الفاسد وبأداء الثوب لا يصير مؤديا القيمة فلهذا لا يعتق ( فإن قيل ) المسمى ثوب وهذا الاسم حقيقة لما أدى فينبغي أن يعتق وإن لم يكن هذا هو البدل حكما كما لو كاتبه على خمر فأدى ( قلنا ) نعم المسمى ثوب ولكنا نقول الثياب متفاوتة تفاوتا فاحشا فلا وجه لتعيين هذا الثوب مسمى ; لأنه لو تعين لم يكن للمولى أن يرجع عليه بشيء آخر فإنه مال متقوم وقد سلم له وفي هذا ضرر عليه فلدفع الضرر عنه لا يتعين هذا مسمى ولأن هذا بمنزلة الاسم المشترك وفي المشترك لا يتعين بمطلق الاسم ولا عموم للاسم المشترك فلهذا لا يعتق بأداء الثوب وكذلك لو كاتبه على خمر أو خنزير أو دار بغير عينها ; لأن الدار لا تثبت في الذمة في شيء من العقود ولأن اختلاف البلدان ، والمحال في الدار كاختلاف الأجناس في [ ص: 9 ] الثياب ولهذا لو وكله بشراء دار له لم يصح التوكيل .
وإن كاتب أمته على ألف درهم على أن يطأها ما دامت مكاتبة لم تجز الكتابة وقد بينا هذه المسألة بما فيها من الاختلاف ، والطعن في كتاب العتاق فإن وطئها السيد ، ثم أدت الكتابة فعليه عقرها لما بينا أن العقد الفاسد معتبر بالجائز في الحكم وفي الكتابة الجائزة يلزمه العقر بالوطء ويتقرر عليه إذا أدت الكتابة ، فكذلك في الفاسد وهذا بخلاف البيع الفاسد فإن البائع إذا وطئ الجارية المبيعة قبل التسليم ، ثم سلمها إلى المشتري فأعتقها لم يكن على البائع عقر في الوطء ، والفرق بينهما أن الملك للمشتري في البيع الفاسد يحصل عند القبض مقصورا عليه ; لأن السبب ضعيف فلا يفيد الحكم حتى يتقوى بالقبض فلا يتبين بقبض المشتري أن وطء البائع كان في غير ملكه بل كان وطؤه في ملكه فلا يلزمه العقر ولهذا لو وطئها غير البائع قبل التسليم بشبهة كان العقر للبائع .

ولو اكتسب كسبا كان ذلك للبائع بخلاف الكتابة فإنها إذا تمت بأداء البدل يثبت الاستحقاق لها من وقت العقد حتى لو وطئت بشبهة كان العقر لها ولو اكتسبت كانت الاكتسابات كلها لها فلهذا يجب العقر على المولى بوطئها وحقيقة المعنى في الفرق أن موجب الكتابة إثبات المالكية لها في اليد ، والمكاسب وذلك في حكم المسلم إليها بنفس العقد لما لها من اليد في نفسها إلا أن المولى كان متمكنا من الفسخ والاسترداد لفساد السبب فإذا زال ذلك بالعتق تقرر الاستحقاق بها بأصل العقد ووزانه المبيع بعد قبض المشتري فإنه يكون مملوكا له ويتمكن البائع من فسخ العقد لفساد السبب فإذا زال ذلك بالإعتاق تقرر الملك له من وقت القبض .

وإذا كاتب عبده مكاتبة فاسدة ، ثم مات المولى فأدى المكاتبة إلى الورثة عتق استحسانا وفي القياس لا يعتق ; لأن العقد الفاسد لكونه ضعيفا في نفسه لا يمنع ملك الوارث ومن ضرورة انتقاله إلى الوارث بطلان ذلك العقد ، ولو عتق بالأداء فإنما يعتق من جهة الوارث ، والوارث لم يكاتبه ولكنه استحسن فقال ما هو المعقود عليه مسلم إلى العبد بنفس العقد فبموت المولى لا يبطل حقه وإن تمكن الوارث من إبطاله لفساد السبب كالمبيع في البيع الفاسد بعد التسليم فإن البائع إذا مات لا يملكه وارثه ولا يبطل ملك المشتري فيه وإن كان الوارث يتمكن من استرداده وتملكه لفساد السبب حتى لو أعتقه المشتري نفذ عتقه فكذلك هنا بعد الموت يبقى العقد ما لم يفسخه الوارث وإذا بقي العقد كان أداء البدل إلى الوارث القائم مقام المورث كأدائه إلى [ ص: 10 ] المورث في حياته فلهذا يعتق به .
وإن كاتب أمته مكاتبة فاسدة فولدت ولدا ، ثم أدت المكاتبة عتق ولدها معها اعتبارا للعقد الفاسد بالجائز في الحكم لما بينا أن الاستحقاق إذا تم لها بالأداء فإنه يحكم بثبوته من وقت العقد كما في استحقاق الكسب ، وإن ماتت قبل أن تؤدي فليس على ولدها أن يسعى في شيء ; لأنه إنما يلزمه السعاية فيما كان واجبا على أمه ومع فساد العقد لم يكن عليها شيء من المال فكذلك لا يكون على ولدها ، فإن استسعاه في مكاتبة الأم فأداه لم يعتق في القياس ; لأن العقد فاسد ، والاستحقاق به ضعيف ، والحق الضعيف في الأم لا يسري إلى الولد .

وفي الاستحسان يعتق هو وأمه مستندا إلى حال حياتها اعتبارا للعقد الفاسد بالجائز في الحكم ولأن الولد جزء منها وكان أداؤه في حياة الأم كأدائها فكذلك بعد موت الأم أداؤه كأدائها ، وإن كاتبها على ألف درهم على أن كل ولد تلده فهو للسيد أو على أن تخدمه بعد العتق فالكتابة فاسدة ; لأن هذا الشرط مخالف لموجب العقد ، وهو متمكن في صلب العقد فيفسد به العقد ولأنها بالكتابة تصير أحق بأولادها وأكسابها ، ولو شرط عليها مع الألف شيئا مجهولا من كسبها لم تصح الكتابة فكذلك إذا شرط مع الألف ما تلده لنفسه ; لأن ذلك مجهول ، ثم إن أدت مكاتبتها تعتق وفيه طعن بشر وقد بيناه في كتاب العتاق .

وإن كاتبها على ألف درهم إلى العطاء أو الدياس أو إلى الحصاد أو إلى نحو ذلك مما لا يعرف من الأجل جاز ذلك استحسانا ، وفي القياس لا يجوز ; لأن عقد الكتابة لا يصح إلا بتسمية البدل كالبيع وهذه الآجال المجهولة إذا شرطت في أصل البيع فسد بها العقد فكذلك الكتابة ولكنه استحسن ، فقال الكتابة فيما يرجع إلى البدل بمنزلة العقود المبنية على التوسع في البدل كالنكاح ، والخلع ومثل هذه الجهالة في الأجل لا يمنع صحة التسمية في الصداق فكذلك في الكتابة وهذا ; لأن الجهالة المستدركة في الأجل نظير الجهالة المستدركة في البدل ، وهو جهالة الصفة بعد تسمية الجنس فكما لا يمنع ذلك صحة التسمية في الكتابة فكذلك هذا ، فإن تأخر العطاء فإنه يحل المال إذا جاء أجل العطاء في مثل ذلك الوقت الذي يخرج فيه ; لأن المقصود وقت العطاء لا عينه فإن الآجال تقدر بالأوقات . ولها أن تعجل المال وتعتق ; لأن الأجل حقها فيسقط بإسقاطها ولها في هذا التعجيل منفعة أيضا ، وهو وصولها إلى شرف الحرية في الحال ولو كاتبها على ميتة فولدت ولدا ، ثم أعتق السيد الأم لم يعتق ولدها معها ; لأن أصل العقد لم يكن منعقدا فإن الكتابة لا تنعقد إلا بتسمية [ ص: 11 ] مال متقوم ، والميتة ليست بمال متقوم ، ألا ترى أن البيع به لا ينعقد حتى لا يملك المشتري المبيع بالقبض فكذلك الكتابة ، وإذا لغي العقد يبقى إعتاق الأم بعد انفصال الولد عنها فلا يوجب ذلك عتق ولدها بخلاف ما إذا كاتبها على ألف درهم مكاتبة فاسدة فولدت ولدا ، ثم أعتق السيد الأم عتق ولدها معها ; لأن العقد هناك منعقد مع الفساد فثبت حكمه في الولد اعتبارا للفاسد بالجائز ، ثم عتق الأم بإعتاق السيد إياها بمنزلة عتقها بأداء البدل فيعتق ولدها معها .
وإن كاتبها على ألف درهم ، وهي قيمتها على أنها إذا أدت فعتقت فعليها ألف أخرى جاز على ما قال ; لأنه جعل بدل الكتابة عليها ألفي درهم إلا أنه علق عتقها بأداء الألف من الألفين ، وذلك صحيح فإذا أدت الألف عتقت وعليها الألف الأخرى كما كان الشرط بينهما إذ لا يبعد أن تكون مطالبة ببدل الكتابة بعد عتقها كما لو استحق البدل بعد ما أدت إلى المولى تبقى مطالبة ببدل الكتابة وعتقت بالأداء ، وإن كاتبها على حكمه أو حكمها لم تجز المكاتبة ; لأنه ما سمى في العقد مالا متقوما فحكمه قد يكون بغير المال كما يكون بالمال فإذا أدت قيمتها لم تعتق ; لأن أصل العقد لم يكن منعقدا باعتبار أنه لم يسم فيه مالا متقوما فهذا ، والكتابة على الميتة سواء .

وإن كاتبها على عبد بعينه لرجل لم يجز وكذلك ما عينه من مال غيره من مكيل أو موزون ، وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه يجوز حتى إنه إن ملك ذلك العين فأداه إلى المولى عتق أو عجز عن أدائه رد في الرق ; لأن المسمى مال متقوم ، وقدرته على التسليم بما يحدث له من ملك فيه موهوم فتصح التسمية كما في الصداق إذا سمى عبد غيره فتصح التسمية بهذا الطريق ، فأما في ظاهر الرواية يقول بأن العتق في عقد المعاوضة يكون معقودا عليه ، وقدرة العاقد على تسليم المعقود عليه شرط لصحة العقد في العقود التي تحتمل الفسخ ، وملك الغير ليس بمقدور التسليم للعبد فلا تصح تسميته بخلاف النكاح فشرط صحة التسمية هناك أن يكون المسمى مالا متقوما لا أن يكون مقدور التسليم ; لأن القدرة على التسليم فيما هو المقصود بالنكاح ليس بشرط لصحة العقد ففيما ليس بمقصود أولى .

ثم روى أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أنه إن ملك ذلك العين فأدى لم يعتق إلا أن يكون المولى قال له إذا أديت إلي فأنت حر فحينئذ يعتق بحكم التعليق ، وذكر اختلاف زفر ويعقوب رحمهما الله تعالى أن قول زفر رحمه الله تعالى كذلك ، وهو رواية الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف رحمه الله تعالى ، وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف [ ص: 12 ] رحمه الله تعالى أنه قال : يعتق بالأداء قال له المولى ذلك أو لم يقل ; لأن العقد منعقد مع الفساد لكون المسمى مالا متقوما ، وقد وجد الأداء فيعتق كما لو كاتبه على خمر فأدى .

ووجه قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن ملك الغير لم يصر بدلا من هذا العقد بتسميته ; لأنه غير مقدور التسليم له إذا لم يسم شيئا آخر معه فلم ينعقد العقد أصلا فإنما يكون العتق باعتبار التعليق بالشرط فإذا لم يصرح بالتعليق قلنا بأنه لا يعتق كما لو كاتبه على ثوب أو على ميتة .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 39.24 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 38.61 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.60%)]