
12-12-2025, 06:41 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,651
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي
الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السابع
صـــ 177 الى صـــ 186
(153)
( قال ) وإن ادعى ولد جارية امرأته أو أحد أبويه لم يثبت النسب منه بحال ; لأن ثبوت النسب باعتبار الشبهة في المحل وقد انعدم ، إلا أنه إذا قال ظننت أنها تحل لي يدرأ عنه الحد وإن قال علمت بالحرمة يلزمه الحد ; لأن الشبهة من حيث الاشتباه وهو أنه ظن بعض ما يظن مثله فإنه قال لما كانت المرأة حلالا لي فكذلك جاريتها ولما كانت جارية الأب حلالا له فكذلك لي لأني جزء منه وشبهة الاشتباه معتبرة في إسقاط العقوبة في حق من تشتبه عليه ولكن لا يعتبر في إثبات النسب فإذا ملكه يوما عتق ولم يثبت نسبه منه وإن ملك أمه لم تصر أم ولد له بمنزلة ما لو استولد جارية الغير بالزنا إلا أن يدعي شبهة نكاح فحينئذ إذا ملكها مع الولد يثبت النسب منه وتصير أم ولد له .
( قال ) وإذا وطئ الرجل جارية رجل فقال أحلها لي والولد ولدي وصدقه المولى في الإحلال وكذبه في الولد لا يثبت النسب منه ; لأن الإحلال ليس بنكاح ولا ملك يمين فلا يثبت به شبهة في حق المحل في حق مولاها ويكون تكذيبه إياه في الدعوة معارضا مانعا من صحة دعوته فلا يثبت نسبه منه وإن ملكه يوما ثبت نسبه منه بسقوط المعارضة بالدعوة وهو بناء على [ ص: 178 ] الاستحسان الذي بيناه في كتاب الدعوى أن المولى إذا صدقه في الإحلال والدعوة جميعا يثبت النسب منه استحسانا ; لأن التزويج ليس بموجب للزوج إلا ملك الحل والتمكن من الوطء شرعا ، والإحلال تمكين من ذلك حسا ، وفي غير هذا المحل من الطعام وغيره الإحلال يكون مثبتا حل التناول فيصير ذلك شبهة في إثبات النسب ولكنها شبهة ضعيفة جدا فلا بد من أن ينضم إليه التصديق من المولى بأن الولد ولده أو خلوص الملك في الولد للمدعي فإن ذلك أقوى من تصديق المولى فلهذا ثبت نسبه منه وإن ملك أمه كانت أم ولد له ، وكذلك عند تصديق المولى يثبت النسب منه وهو عبد لمولاه ، وكذلك الجواب في جارية الزوجة والأبوين إذا ادعى أن مولاها أحلها لي ، إلا أن هناك متى ثبت النسب بالتصديق عتق لقرابته من المولى أبا كان أو أما .
( قال ) وإذا كانت الأمة وولدها في يد رجل فادعاها رجلان كل واحد منهما يقيم البينة أنه اشتراها منه ونقد الثمن وقبضها فولدت له هذا الولد فإن علم الأول منهما فالجارية وولدها له ; لأنه أثبت الحق لنفسه في وقت لا ينازعه أحد فيه وإن لم يعلم فالجارية أم ولد لهما والولد ولدهما لتحقق المساواة بينهما في سبب الملك وفي نسب الولد وفي حق أمية الولد للأم وإن كانت في يدي أحدهما فهو أحق بها ; لأن شراءه متأيد بالقبض وشراء الآخر متجرد عن القبض وعند تعارض البينتين يترجح القابض منهما إلا أن يقيم الآخر البينة أنه الأول فحينئذ يكون أسبق التاريخين أولى والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب .
باب المدبر
( قال ) رضي الله عنه اعلم بأن التدبير عبارة عن العتق الموقع في المملوك بعد موت المالك عن دبر منه مأخوذ من { قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في أم الولد فهي معتقة عن دبر منه } وصورة المدبر أن يتعلق عتقه بمطلق موت المولى كما يتعلق عتق أم الولد به ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه إن المدبر يعتق من جميع المال كأم الولد وهو قول حماد رضي الله تعالى عنه وإحدى الروايتين عن إبراهيم رحمه الله تعالى ولكنا لا نأخذ بهذا وإنما نأخذ بقول علي وسعيد بن المسيب والحسن وشريح وابن سيرين رضوان الله عليهم أجمعين أنه يعتق من الثلث لحديث ابن عمر رضي الله عنهما { أن النبي جعل المدبر [ ص: 179 ] من الثلث } ولأن التدبير خلافة بعد الموت فيتقدر حقه بعد الموت وحق المولى بعد الموت في ثلث ماله فيعتبر خلافته في هذا المقدار فيكون من ثلثه كسائر الوصايا ، وفي أم الولد إنما يعتق من جميع المال لسقوط قيمة ماليتها على ما قررنا أن الإحراز بعد الاستيلاد لقصد ملك المتعة لا لقصد المالية وبدون الإحراز لا تثبت المالية والتقوم وهذا المعنى لا يتقرر بالتدبير فإن التدبير ليس بقصد إلى الإحراز لملك المتعة فيبقى الإحراز بعده للتمول ، وإذا بقي مالا متقوما كان معتبرا من ثلثه وعلى هذا قال علماؤنا رحمهم الله تعالى أنه لا يجوز بيع المدبر وقال الشافعي رحمه الله تعالى يجوز بيعه عطاء { لحديث أن رجلا دبر عبدا له ثم احتاج إلى ثمنه فباعه لرسول الله صلى الله عليه وسلم من رجل يقال لهنعيم بن النحام بثلثمائة درهم } وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها دبرت أمة لها فسحرتها وعلمت بذلك فقالت ما حملك على ما صنعت فقالت حبي العتاق فباعتها من أسوإ الناس ملكة والمعنى فيه أن التدبير تعليق العتق بالشرط وذلك لا يمنع جواز البيع كما لو علقه بشرط آخر من دخول الدار أو مجيء رأس الشهر ، والتدبير وصية حتى يعتبر من ثلث المال بعد الموت والوصية لا تمنع الموصي من التصرف بالبيع وغيره كما لو أوصى برقبته لإنسان ، وهذا لأن الوصية إيجاب بعد الموت فتمنع الإضافة بثبوت حكم الوجوب في الحال .
( وحجتنا ) حديث نافع عن ابن عمر رحمه الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { لا يباع المدبر ولا يوهب وهو حر من الثلث } وتأويل حديث عطاء ما نقل عن أبي جعفر محمد بن علي رحمه الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إنما باع خدمة المدبر لا رقبته } يعني به أنه أجره والإجارة تسمى بيعا بلغة أهل المدينة أو يحتمل أنه كان مدبرا مقيدا أو كان في وقت كان بيع الحر جائزا على ما روي { عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه باع رجلا يقال له سرق في دينه } ثم انتسخ ذلك الحكم ، وعن زيد بن ثابت وابن عمر رضي الله تعالى عنهما قالا لا يباع المدبر وما نقل عن عائشة رضي الله تعالى عنها تعالى عنها محمول على المدبر المقيد ليكون جمعا بينهما والمعنى فيه أنه مملوك تعلق عتقه بمطلق موت سيده فلا يجوز بيعه كأم الولد ، ودليل الوصف أن التعلق حكم التعليق وإنما يتعلق بما به علق السيد وهو إنما علقه بمطلق الموت وتأثيره أن الموت كائن لا محالة وهو سبب للخلافة ألا ترى أن الوارث يخلف المورث في تركته بعد موته فهو بهذا التعليق يكون مثبتا للمملوك في الحال الخلافة في رقبته بعد موته فيكون إيجابا في ثاني الحال باعتبار وجود سببه على وجه يصير محجورا [ ص: 180 ] عن إبطاله كما أن الموت لما كان موجبا الخلافة للوارث في تركته وسببه المرض ثبت نوع حق لهم بهذا السبب على وجه يصير المريض محجورا عن التبرع ، وهذه الخلافة في العتق الذي لا يحتمل الإبطال بعد ثبوته ، فيتقوى هذا السبب من وجهين أحدهما : أن المتعلق به مما لا يحتمل الإبطال ، والثاني : أن التعليق بما هو كائن لا محالة وهو موجب للخلافة ، ولهذه القوة قلنا لا يحتمل الإبطال والفسخ بالرجوع عنه بخلاف ما يقوله الشافعي رحمه الله تعالى في بعض أقاويله وهو ضعيف جدا بأن تعليق العتق بسائر الشروط يحتمل الفسخ فهذا الشرط أولى ولهذه القوة يجب حق الحرية له في الحال على وجه يمنع بيعه ويثبت استحقاق الولاء للمولى على وجه لا يجوز إبطاله بخلاف التعليق بسائر الشروط فإن دخول الدار ونحو ذلك ليس بكائن لا محالة والتدبير المقيد وهو قوله إن مت من مرضي هذا ليس بكائن لا محالة أيضا والتعليق بمجيء رأس الشهر فإن ذلك ليس بسبب موجب للخلافة .
وكذلك الوصية برقبته لغيره فإن ذلك تمليك يحتمل الإبطال بعد ثبوته فلا يجب به الحق بنفسه ، وتقرر بهذا التحقيق أن المدبر في معنى أم الولد إلا أن هناك معنيين تعلق بأحدهما وجوب حق الحرية في الحال وبالآخر سقوط المالية والتقوم ثم وجد أحد المعنيين ههنا دون الآخر فيتعدى بذلك المعنى حكم ثبوت حق الحرية إلى المدبر ولا يتعدى حكم سقوط المالية والتقوم لانعدام معناه هنا فلهذا كان معتبرا من الثلث ، على هذا نقول ولد المدبرة يكون مدبرا ; لأنه وجب حق الحرية لها في الحال فيسري إلى الولد كالاستيلاد وهو دليلنا على الشافعي ، وبعض أصحابه يمنعون سرايته إلى الولد وهو ضعيف جدا ; لأنه مخالف لقول الصحابة والتابعين وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه ولد المدبرة مثل أمه وخوصم إلى عثمان رضي الله عنه في أولاد مدبرة فقضى بأن ما ولدته قبل التدبير عبد يباع وما ولدته بعد التدبير فهو مثلها لا يباع وعن شريح وسعيد بن المسيب وقتادة وجماعة منهم رضوان الله عليهم أجمعين أنهم قالوا : ولد المدبرة مدبر .
إذا عرفنا هذا فنقول .
رجل قال لمملوكه أنت حر بعد موتي أو إذا مت أو إن مت أو متى مت أو إذا حدث بي حدث فهذا كله واحد وهو مدبر ; لأنه علق عتقه بمطلق موته فإنه وإن أطلق الحدث فالمراد به الموت عادة ، وكذلك لو قال أنت حر يوم أموت ; لأنه قرن باليوم ما لا يمتد ولا يختص بأحد الوقتين فيكون عبارة عن الوقت فكأنه قال أنت حر وقت موتي فإن نوى باليوم النهار دون الليل صحت [ ص: 181 ] نيته ; لأنه نوى حقيقة كلامه ثم لا يكون مدبرا ; لأنه علق عتقه بما ليس بكائن لا محالة وهو موته بالنهار وربما يموت بالليل فلهذا لا يكون مدبرا .
ولو قال إن حدث بي حدث في مرضي هذا أو سفري هذا فأنت حر لم يكن مدبرا وله أن يبيعه ; لأنه علق عتقه بما ليس بكائن لا محالة فربما يرجع من ذلك السفر ويبرأ من ذلك المرض ، وفقه هذا الكلام أنا إنما نوجب حق الحرية بالتدبير في الحال بناء على قصده القربة بطريق الخلافة وهذا القصد منه ينعدم إذا علقه بموت بصفة ; لأن القصد إلى القربة لا يختلف بالموت من ذلك المرض أو من غيره فلانعدام هذا القصد لم يكن مدبرا بخلاف ما إذا علقه بمطلق الموت فإن القصد إلى إيجاب القربة هناك متحقق حين علقه بما هو كائن لا محالة ولكن إن مات كما قال عتق من ثلثه ; لأن التعليق بالشرط صحيح مع انعدام القصد إلى إيجاب القربة وإذا وجد الشرط عتق من ثلثه وإن برئ من مرضه أو رجع من سفره ثم مات لم يعتق ; لأن الشرط الذي علق عتقه به قد انعدم .
وإن قال أنت حر بعد موت فلان لم يكن مدبرا ; لأن موت فلان ليس بسبب للخلافة في حق هذا المولى ، ووجوب حق العتق باعتبار معنى الخلافة فإذا لم يوجد ذلك لم يكن مدبرا وإلى هذا أشار فقال ألا ترى أن فلانا لو مات والمولى حي عتق العبد ولا خلافة قبل موته ولو مات المولى وذلك حي صار العبد ميراثا للورثة فكيف يكون مدبرا وتجري فيه سهام الورثة .
وكذلك إن قال أنت حر بعد موتي وموت فلان أو بعد موت فلان وموتي فهذا لا يكون مدبرا ; لأنه ما تعلق عتقه بمطلق موت المولى فحسب وإنما تعلق بموتين فإن مات المولى قبل فلان لم يعتق ; لأن الشرط لم يتم وصار ميراثا للورثة فكان لهم أن يبيعوه وإن مات فلان قبل المولى فحينئذ يصير مدبرا عندنا وليس له أن يبيعه وعلى قول زفر رحمه الله تعالى لا يكون مدبرا ; لأنه ما تعلق عتقه بموت المولى فحسب إنما تعلق بموتين كما علقه المولى فكان موت المولى بعد موت فلان متمما للشرط لا أنه كمال الشرط ، وهذا على أصل زفر رحمه الله تعالى مستقيم فإنه يجعل كل جزء من الشرط معتبرا حتى اعتبر وجود الملك عند وجود بعض الشرط على ما بينا في الطلاق ، ولكنا نقول بعد موت فلان تعلق عتقه بمطلق موت المولى حتى أنه متى مات عتق وصورة المدبر هذا فكان مدبرا كما لو قال له إذا كلمت فلانا فأنت حر بعد موتي فكلمه أو قال أنت حر بعد كلامك فلانا وبعد موتي فإذا كلم فلانا كان مدبرا فكذلك هنا .
قال وإن قال أنت حر بعد موتي إن شئت لم يصر مدبرا [ ص: 182 ] لأنه ما تعلق عتقه بموت المولى بل به ومشيئته ثم قول المولى إن شئت محتمل ، يجوز أن يكون مراده المشيئة في الحال ويجوز أن يكون مراده المشيئة بعد الموت فينوي في ذلك ، فإن نوى بالمشيئة الساعة فشاء العبد فهو حر بعد موته من الثلث ; لأن شرط المشيئة لما وجد من العبد في المجلس يصير عتقه متعلقا بمطلق موت المولى بعده فيكون مدبرا وإن كان نوى بالمشيئة بعد الموت فإذا مات المولى فشاء العبد عند موته فهو حر من ثلثه لوجود الشرط لا باعتبار التدبير وكان أبو بكر الرازي رحمه الله يقول الصحيح أن لا يعتق هنا ما لم يعتقه الوارث أو الوصي ; لأنه لما لم يعتق بنفس الموت صار ميراثا فلا يعتق بعد ذلك إلا بإعتاق منهم ويكون هذا وصية يحتاج إلى تنفيذها كما لو قال أعتقوه بعد موتي إن شاء وجعل هذا نظير ما لو قال له أنت حر بعد موتي بشهر فإنه لا يعتق إلا بإعتاق من الوارث أو الوصي بعد شهر ، هكذا ذكره ابن سماعة في نوادره ، ثم في ظاهر الجواب يعتبر وجود المشيئة من العبد في المجلس بعد موت المولى كما يتقيد بهذا اللفظ مشيئته بالمجلس في حال حياته وعن أبي يوسف رحمه الله أنه لا يتوقف بالمجلس ; لأن هذا في معنى الوصية ولا يشترط في لزوم الوصية القبول في المجلس بعد الموت .
ولو قال أنت حر بعد موتي بيوم لم يكن مدبرا وله أن يبيعه ; لأن عتقه ما تعلق بمطلق الموت بل بمضي يوم بعده فإن مات لم يعتق في الوقت الذي سمى حتى يعتقه الورثة وهذا يؤيد ما ذكره أبو بكر الرازي وقد بينا المعنى فيه ومن أصحابنا من فرق بين هذا وبين الأول ، فقال : لما أخر العتق عن موته بزمان ممتد في يوم أو شهر وملك الوارث يتقرر في ذلك الزمان عرفنا أن مراده الأمر بإعتاقه فلا يعتق ما لم يعتقه ، وأما في مسألة المشيئة تتصل مشيئة العبد بموت المولى قبل تقرر الملك للوارث فيعتق بإعتاق المولى ولا تقع الحاجة إلى إعتاق الوارث إياه ، وكذلك لو قال كل مملوك لي فهو حر بعد موتي بيوم فهذا وما أوجب للمملوك بعينه سواء لما بينا .
ولو قال كل مملوك لي فهو حر بعد موتي فما كان في ملكه حين قال هذه المقالة فهو مدبر ; لأنه تعلق عتقه بموت المولى وما دخل في ملكه بعد ذلك لم يصر مدبرا ولكن إن مات وهو في ملكه عتق من ثلثه مع المدبرين وهذا قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وعند أبي يوسف رحمه الله لا يتناول هذا اللفظ ما يستحدث الملك فيه .
وكذلك لو قال كل مملوك أملكه فهو حر بعد موتي أو كل مملوك أملكه إذا مت فهو حر ، فأبو يوسف رحمه الله تعالى يقول : التعليق معتبر بالتنجيز ، ولو نجز العتق بهذا اللفظ لم يتناول العتق إلا ما هو مملوك له في الحال فكذلك إذا علق بالموت [ ص: 183 ] وهذا في قوله : كل مملوك لي ظاهر ; لأنه سمى ما هو مضاف إليه في الحال ، وكذلك في قوله : كل مملوك أملكه .
فإن أهل اللغة يقولون : المراد بهذا اللفظ الحال ، وإذا أريد به الاستقبال يقيد بالسين أو سوف فيقال سأملكه أو سوف أملكه والدليل عليه أن ما يستحدث الملك فيه لا يصير مدبرا بالاتفاق ولو تناوله هذا اللفظ لصار مدبرا كالموجود في ملكه وهما يقولان علق عتق ما يملكه فيتناول ما هو مملوك له عند الموت والذي استحدث الملك فيه مملوك له عند الموت كالموجود في ملكه وهذا لأن الإضافة إلى ما بعد الموت وصية وفي الوصية إذا لم يوجد التعيين من الموصي عند الإيصاء يعتبر وجوده عند الموت كما لو أوصى بثلث ماله لإنسان يتناول هذا ما يكون ماله عند الموت فهذا مثله إلا أن التدبير إيجاب العتق كما قررنا فلا يصح إلا بالملك أو مضافا إلى الملك ففي حق الموجودين في ملكه وجد الملك فيصح إيجاب حق العتق لهم وفي حق الذين يستحدث الملك فيهم لم يوجد الإيجاب في الملك ولا الإضافة إلى الملك إنما وجدت الإضافة إلى الموت فلم يوجد لهم حق العتق بنفس الملك ; لأنه لا يدرى بقاؤهم في ملكه إلى وقت الموت وباعتبار ذلك يتناولهم كلامه فلهذا كان له أن يبيعهم وإذا لم يبعهم حتى مات فقد تناولتهم وصيته فيعتقون من الثلث لهذا .
( قال ) وللمولى أن يؤاجر المدبرة ويستغلها ويطأها ويزوجها ومهرها له كأم الولد ; لأنهما باقيتان على ملكه بعد ما ثبت لهما حق العتق وإنما يمنع من التصرف المبطل لحقهما دون التصرف الذي لا يبطل حقهما كمن زوج أمته من رجل له أن يبيعها ; لأنه غير مبطل لحق الزوج وليس له أن يطأها ولا يزوجها من غيره فهنا الهبة والبيع مبطل لحقهما فيمنع المولى من ذلك ، وسائر التصرفات ليس بمبطل لحقهما فلا يمنع منه وليس له أن يرهنهما ; لأن موجب الرهن ثبوت يد الاستيفاء من المالية ولا مالية في أم الولد واستيفاء الدين من مالية المدبر غير ممكن ; لأن استيفاء الدين من المالية يكون بطريق البيع وهي ليست بمحل للبيع .
( قال ) وجناية المدبر على مولاه فيما بينه وبين قيمته ; لأن بالتدبير السابق منع الدفع على وجه لم يصر مختارا للفداء وليس عليه في جنايته إلا قيمة واحدة وإن كان بعضها بمباشرة وبعضها يتسبب ; لأنه ما منع إلا رقبة واحدة ، وأما غرم المستهلكات فدين في رقبته ويسعى فيه وقد بينا نظيره في أم الولد وفي الجناية على المدبر ما في الجناية على المماليك ; لأنه مملوك بعد التدبير .
( قال ) وإذا قال لعبده أنت مدبر أو قال قد دبرتك فهو كما قال ; لأن هذا اللفظ صريح فلا فرق [ ص: 184 ] بين أن يذكره بصيغة الإنشاء أو بصيغة الوصف .
( قال ) أرأيت لو كان أعجميا لا يفصح بالتدبير فقال هذه المقالة إما يكون مدبرا فهذه إشارة إلى أن هذا اللفظ لكثرة الاستعمال في حكم المعلوم لكل واحد وروى هشام عن محمد رحمهما الله أنه إذا قال أنت مدبر بعد موتي فهو مدبر في الحال ، وجعل هذا وقوله أنت حر بعد موتي سواء لكثرة استعمال هذا اللفظ لهذا المقصود .
( قال ) وتدبير الصبي والمجنون باطل أطلقا أو أضافا إلى ما بعد البلوغ والإفاقة ; لأن حقيقة الإعتاق منهما باطلة فإيجاب حق الحرية بالقول كذلك وللشافعي رضي الله عنه قول أن تدبير الصبي صحيح ; لأن التدبير عنده وصية وهو يجوز وصية الصبي بما هو قربة ; لأن نفوذه يكون بعد وقوع الاستغناء له فيه وفي حديث شريح رضي الله عنه أنه جوز وصية غلام يفع وهذا ضعيف ; لأن الوصية تبرع وقول الصبي في التبرعات هدر وقد تناقض مذهب الشافعي رضي الله عنه في هذا فإنه لا يصحح إسلامه وقبوله الهبة والصدقة مع أن ذلك محض منفعة له فأما السكران والمكره فتدبيرهما جائز عندنا كإعتاقهما وأما المكاتب فإعتاقه وتدبيره باطل ; لأن نفوذهما يستدعي حقيقة الملك في المحل وليس للمكاتب حقيقة الملك في كسبه .
( قال ) وإذا قال العبد أو المكاتب إذا عتقت فكل مملوك أملكه بعد ما أعتق فهو حر ثم عتق فملك مملوكا فهو حر ; لأنه مخاطب له قول ملزم في حق نفسه وقد صرح بإضافة العتق إلى ما بعد حقيقة الملك له فتصح إضافته ويكون عند وجود الملك كالمنجز له .
( قال ) ولو قال كل مملوك أملكه فيما استقبل أو إلى خمسين سنة فهو حر فعتق ثم ملك مملوكا لم يعتق في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يعتق ; لأن له في المستقبل نوعي ملك : ملك لا يقبل العتق وهو حال قيام الكتابة ، وملك يقبل العتق وهو ما بعد عتقه فينصرف مطلق لفظه إليهما ويصير كالمنجز عند وجود حقيقة الملك كما في المسألة الأولى وقاسا هذا بالحر إذا قال كل مملوك أشتريه فهو حر فإنه يتناول ما يشتريه لنفسه لا ما يشتريه لغيره حتى يعتق ما يشتريه لنفسه وأبو حنيفة رحمه الله يقول ملكه في حال قيام الكتابة ملك مجاز وبعد العتق حقيقة ولا يراد باللفظ الواحد الحقيقة والمجاز جميعا ; لأن المجاز مستعار والحقيقة غير مستعارة ، وكما لا يتصور أن يكون الثوب الواحد على إنسان ملكا وعارية في حالة واحدة فكذلك لا يتصور الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد والمجاز هنا مراد بالاتفاق ، حتى لو قال إذا ملكت مملوكا فيما استقبل فملك في حال قيام الكتابة ينحل يمينه به [ ص: 185 ] فإذا صار المجاز في مراد تنحى الحقيقة .
وهذا المجاز مستعمل ورد الشرع به في قوله من باع عبدا وله مال ، وهذا بخلاف الشراء فإن الشراء للغير ليس بمجاز بل هو حقيقة كالشراء لنفسه فيما يرجع إلى أحكام العقد ولأن الإعتاق يستدعي أهلية المعتق والمحلية في المعتق ، ثم لو انعدمت المحلية لم يصح الإيجاب إلا مضافا إلى الملك أو سببه فكذلك إذا انعدمت الأهلية في الحال لا يصح الإيجاب إلا مضافا إلى حالة الأهلية صريحا وهو ما بعد العتق فإذا لم يوجد ذلك في الفصل الثاني لم يكن كلامه إيجابا للعتق .
( قال ) وإذا قال لأمة الغير إذا ملكتك فأنت مدبرة فولدت له ولدا ثم اشتراها فالأم مدبرة دون الولد ، وكذلك العتق المنجز ; لأن العتق والتدبير إنما يصل إليهما بعد الملك وقد انفصل الولد قبل ذلك ولا سراية إلى المنفصل .
( قال ) ولو قال لرجل دبر عبدي فأعتقه فهو باطل ; لأنه خالف ما أمره به فكان مبتدئا لا ممتثلا
( قال ) ولو قال لصبي أو مجنون دبر عبدي إن شئت فدبره جاز وهذا على المجلس لتصريحه بالمشيئة وقد تقدم نظيره في العتق والطلاق .
( قال ) وإن جعل أمر عبده في التدبير إلى رجلين فدبره أحدهما لا يجوز ; لأنه ملكهما هذا التصرف فلا ينفرد به أحدهما بخلاف ما لو قال دبرا عبدي هذا فدبره أحدهما جاز ; لأنه جعلهما معبرين عنه وعبارة الواحد وعبارة المثنى سواء ألا ترى أن له أن ينهاهما قبل أن يدبراه في هذا الفصل وليس له ذلك في الفصل الأول
( قال ) وإذا اختلف المولى والمدبرة في ولدها فقال المولى : ولدتيه قبل التدبير ، وقالت هي : ولدته بعد التدبير فالقول قول المولى ; لأنها تدعي حق العتق لولدها ولو ادعت ذلك لنفسها كان القول قول المولى إذا أنكر فكذلك إذا ادعت لولدها فالقول قول المولى مع يمينه والبينة بينة المدبرة لما فيها من زيادة إثبات حق العتق لها
( قال ) وعتق المدبر محسوب من ثلث المال بعد الدين حتى إذا كان عليه دين يحيط بماله فعلى المدبر السعاية في قيمته ; لأنه وجب عليه رد رقبته والعتق لا يمكن رده فكان الرد بإيجاب السعاية وإن لم يكن عليه دين فهو حر من ثلث ماله يوم يموت المولى ويستوي إن كان دبره في صحته أو في مرضه ; لأن زوال المالية بالعتق بعد الموت بالتدبير السابق فلهذا اعتبر من ثلث ماله يوم يموت .
( قال ) ولو دبر عبده ثم جن ثم مات فهو حر من ثلثه ; لأن التدبير قد صح في حال قيام عقله فلا يبطل بجنونه ، وكذلك لو قال يوم أدخل الدار فعبدي هذا مدبر ثم جن فدخل الدار فهو مدبر بالكلام السابق ; لأن ذلك قد صح منه في حال إفاقته وذكر في اختلاف زفر [ ص: 186 ] ويعقوب رحمهما الله تعالى إذا قال لعبده : إذا مت أو قتلت فأنت حر .
على قول زفر رحمه الله تعالى يكون مدبرا ; لأن عتقه تعلق بمطلق موت المولى حتى يعتق إذا مات على أي وجه مات ، وعلى قول أبي يوسف رحمه الله تعالى لا يكون مدبرا ; لأنه علق بأحد الشيئين الموت أو القتل فإن كان موتا فالموت ليس بقتل وتعليقه بأحد شيئين يمنع أن يكون عزيمة في أحدهما خاصة فلا يصير مدبرا حتى يجوز بيعه وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه إذا قال لعبده إذا مت وغسلت فأنت حر لا يكون مدبرا ; لأنه علقه بالموت وبشيء آخر بعده ، ثم إذا مات ففي القياس لا يعتق وإن غسل ; لأنه لما لم يعتق بنفس الموت انتقل إلى الوارث فهو كقوله إن مت ودخلت الدار فأنت حر وفي الاستحسان يعتق ; لأنه يغسل عقيب موته قبل أن يتقرر ملك الوارث فيه فهو نظير تعليقه بموت بصفة فإذا وجد ذلك يعتق من ثلثه بخلاف دخول الدار فذلك لا يتصل بالموت فيتقرر ملك الوارث فيه والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب .
باب تدبير العبد بين اثنين .
( قال ) رضي الله عنه عبد بين اثنين دبره أحدهما فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى يتدبر نصيبه خاصة ; لأن التدبير يحتمل التجزؤ عنده ثم إن كان المدبر موسرا فللآخر خمس خيارات : إن شاء دبر نصيبه لقيام ملكه في نصيبه وإذا فعل ذلك صار مدبرا بينهما ، وإن شاء أعتق نصيبه لقيام ملكه في نصيبه أيضا ، وإن شاء استسعى ; لأن نصيبه صار كالمحتبس عند المدبر حيث تعذر عليه التصرف في نصيبه بالبيع وغيره ، وإن شاء ضمن صاحبه ; لأنه أفسد عليه نصيبه وهو موسر كما لو أعتقه ، وإن شاء تركه على حاله ; لأن الملك للمدبر باق في نصيبه فيتمكن الشريك من استدامة الملك في نصيبه أيضا بخلاف ما بعد عتق أحد الشريكين وإن كان المدبر معسرا فليس للساكت حق التضمين وله الخيار بين الأشياء الأربعة كما قلنا ، فإن أعتق الساكت نصيبه وهو موسر فللمدبر الخيار إن شاء ضمنه نصف قيمته مدبرا وإن شاء استسعى الغلام في ذلك وإن شاء أعتق ; لأنه بعد التدبير كان متمكنا من استدامة الملك في نصيبه وقد أفسد عليه صاحبه ذلك بإعتاق نصيبه فله أن يضمنه إن كان موسرا ويرجع هو بما ضمن على الغلام ، وأي ذلك اختار فالولاء بينهما ; لأنه بالتدبير [ ص: 187 ] السابق استحق ولاء نصيبه على وجه لا يحتمل الإبطال فهو وإن ضمن شريكه بعد ذلك لم يتحول الملك في نصيبه إلى الشريك ; لأن المدبر لا يحتمل النقل من ملك إلى ملك ، ورجوع الضامن على الغلام باعتبار أنه يقوم مقام من ضمنه لا باعتبار أنه يصير مالكا ولهذا كان الولاء بينهما ، وإن لم يعتقه الثاني ولكن ضمن المدبر قيمة نصيبه صار الغلام كله للمدبر ; لأن نصيب الشريك غير مدبر فيملكه بالضمان ويكون حاله كحال من دبر نصف عبده فهو مملوك له نصفه مدبر ونصفه غير مدبر وإن لم يضمنه ولكن استسعاه فأدى إليه السعاية عتق نصيبه حكما بأداء السعاية فيكون المدبر بالخيار إن شاء أعتق نصيبه وإن شاء استسعى في قيمة نصيبه .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|