
12-12-2025, 03:45 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,826
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي
الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السابع
صـــ 147 الى صـــ 156
(150)
ألا ترى أنه لو قال أد إلي ألفا كل شهر كذا كان ذلك منه إذنا له في التجارة ، فإن اكتسب ألفي درهم فأدى إليه ألفا عتق لوجود الشرط وللمولى أن يأخذ منه الألف الباقية لأنه كسب عبده بخلاف المكاتب فقد ثبت له المالكية يدا في مكاسبه بعقد الكتابة فلهذا سلم الفضل له وهنا ما ثبت للعبد حكم المالكية في مكاسبه وإنما اعتبرنا معنى الكتابة عند الأداء ليندفع الضرر والغرور عن العبد وذلك في قدر ما شرط عليه أداؤه فأثبتنا حقه بذلك القدر وما زاد عليه فهو للمولى لأن الثابت بالضرورة لا يعدو موضع الضرورة
وإن قال إذا أديت إلي ألفا فأنت حر فقال العبد للمولى حط عني منها شيئا أو اقبل مني مكانها مائة دينار فحط عنه المولى مائة درهم وأدى تسعمائة لم يعتق .
ألا ترى أنه لو أبرأه عن جميع المال لم يعتق وهذا لأن الشرط وجود أداء الألف فلا يتم بأداء تسعمائة بخلاف الكتابة فإن المال هناك واجب على المكاتب فيتحقق إبراؤه عنه سواء أبرأه عن الكل أو حط بعضه وهنا لا مال على العبد فالحط والإبراء باطل ولا يعتق ما لم يتم الشرط ، وليس للعبد أن يسترد من المولى ما أخذ منه لأن كسبه مملوك لمولاه وهو نظير ما لو قال له إذا خدمتني سنة فأنت حر فخدمه أقل من سنة وتجاوز المولى عما بقي لم يعتق لأن الشرط لم يتم ، وكذلك لو صالحه من الخدمة على مال كان باطلا ولا يعتق بها لأن العتق المتعلق بالشرط لا ينزل ما لم يوجد الشرط بعينه ولا تتحقق الخدمة بهذا الصلح فلا يعتق به إلا أن يقول المولى له عند الصلح أنت حر إن أديت هذا .
ولو قال لعبده إن أديت إلي كذا من العروض فأنت حر فأداها إليه عتق [ ص: 148 ] لوجود الشرط إلا أنه إن كان ذلك شيئا يصلح أن يكون عوضا في الكتابة يجبر المولى على قبوله بمنزلة الألف وإن كان لا يصلح عوضا في الكتابة لا يجبر على قبوله ولكن إن قبله يعتق لأن الإجبار على القبول باعتبار معنى الكتابة
ولو قال اخدمني وولدي سنة ثم أنت حر أو إذا خدمتني وإياه سنة فأنت حر فمات المولى قبل مضي السنة لم يعتق به لأن الشرط لم يتم وقد بينا أن التعليق يبطل بموت المولى ، وكذلك إن مات الولد فقد فات شرط العتق بموته فلا يعتق بعد ذلك
ولو قال أنت حر على أن تخدمني سنة فقبل فهو حر والخدمة عليه يؤخذ بها لأنه أوجب له العتق هنا بقبول الخدمة وفي الأول أوجب له العتق بوجود الخدمة ثم الخدمة في مدة معلومة تصلح أن تكون عوضا فيصح التزامه دينا بمقابلة العتق ، فإن مات المولى فللورثة أن يأخذوه بما بقي من خدمة السنة من قيمته في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى الآخر وهو قول أبي يوسف رحمه الله تعالى ، وفي قوله الأول وهو قول محمد رحمه الله تعالى إنما يأخذونه بما بقي به من الخدمة قال عيسى وهذا غلط بل على قولهم جميعا هنا يأخذونه بما بقي من خدمة السنة لأن الخدمة دين عليه فيخلفه وارثه بعد موته كما لو كان أعتقه على ألف درهم واستوفى بعضها ثم مات كان للورثة أن يأخذنه بما بقي من الألف ولكن في ظاهر الرواية يقول الناس يتفاوتون في الخدمة ، وإنما كان الشرط أن يخدم المولى فيفوت ذلك بموت المولى كما يفوت بموت العبد ، ولو مات العبد قبل تمام السنة فللمولى أن يأخذ من تركته بقدر ما بقي عليه من خدمة السنة من قيمته في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى الآخر وهو قول أبي يوسف رحمه الله تعالى وفي قوله الأول وهو قول محمد رحمه الله تعالى من قيمة الخدمة وأصل المسألة في كتاب البيوع إذا باع نفس العبد منه بجارية فاستحقت أو هلكت قبل القبض في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى الآخر وهو قول أبي يوسف رحمه الله تعالى يرجع على العبد بقيمة نفسه ، وفي قوله الأول وهو قول محمد رحمه الله تعالى يرجع بقيمة الجارية إلا أن هذا القدر ليس بقوي فإن الخدمة عبارة عن خدمة البيت وهو معروف بين الناس لا يتفاوتون فيه فلا يفوت بموت المولى ولكن الأصح أن يقول الخدمة عبارة عن المنفعة والمنفعة لا تورث فلا يمكن إبقاء عين الخدمة بعد موت المولى فلهذا كان المعتبر قيمته أو قيمة الخدمة على حسب ما اختلفوا فيه والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب
[ ص: 149 ] باب بيع أمهات الأولاد
( قال ) رضي الله عنه بيع أم الولد باطل في قول جمهور الفقهاء وكان بشر المريسي وداود ومن تبعه من أصحاب الظواهر رضوان الله عليهم أجمعين يجوزون بيعها ; لأن المالية والمحلية للبيع قبل الولادة معلوم فيها بيقين فلا يرتفع إلا بيقين مثله وخبر الواحد لا يوجب علم اليقين ولكنا نقول في معارضة هذا الكلام لما حبلت من المولى امتنع بيعها بيقين فلا يرتفع ذلك إلا بيقين مثله ولا يقين بعد انفصال الولد ( فإن قال ) إنما امتنع بيعها لأن في بطنها ولدا حرا وقد علمنا انفصاله عنها ( قلنا ) لا كذلك بل إنما امتنع بيعها لثبوت الحرية في جزء منها فإن الولد يعلق من الماءين حر الأصل وماؤها جزء منها وثبوت الحرية لجزء منها مانع من بيعها وهذا المعنى لا يرتفع بالانفصال وإليه أشار عمر رضي الله عنه فقال : أبعد ما اختلطت لحومكم بلحومهن ودماؤكم بدمائهن . أو إنما امتنع بيعها لأنها صارت منسوبة إليه بواسطة الولد : يقال أم ولده ، وهذه النسبة توجب العتق فيمتنع البيع ضرورة وبالانفصال يتقرر هذا المعنى ولا يرتفع ثم الآثار المشهورة تدل على ذلك فمنه حديث عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { أيما أمة ولدت من سيدها فهي معتقة عن دبر منه } { ولما ولدت مارية إبراهيم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنها وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تعتقها قال قد أعتقها ولدها } ففي هذين الحديثين دليل استحقاق العتق لها وذلك يمنع البيع وفي حديث سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال { أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعتق أمهات الأولاد من غير الثلث وأن لا يبعن في دين } ففيه دليل استحقاق العتق وانعدام المالية والتقوم فيها حين لم يجعل عتقها من الثلث ولم يثبت حق الغرماء فيها وفيه دليل أنه لا يجوز بيعها لحاجة المولى في حياته ولا بعد موته وحديث { سلامة بنت معقل قالت اشتراني الحباب بن عمرو فولدت منه ثم مات فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته أني ولدت من الحباب فقال من وارث الحباب فقال أبو بشر بن عمرو فقال أعتقوا هذه فإذا أتانا سبي فأتونا حتى نعوضكم } وتأويله أن وارث الحباب كان ينكر ولادتها منه ومع ذلك أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتقها احتياطا ووعده العوض من عنده فهو دليل على أن الاستيلاد إذا كان ظاهرا ثبت به استحقاق العتق [ ص: 150 ] ولا يجوز بيعها
. وحديث عبيدة السلماني عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال استشارني عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في عتق أمهات الأولاد فاجتمعت أنا وهو على عتقهن ثم رأيت بعد ذلك أن أرقهن فقال أبو عبيدة رأي ذوي عدل أحب إلي من رأي ذي عدل وحده فدل أنهم كانوا مجمعين على استحقاق العتق لها في الابتداء ( فإن قيل ) فكيف جوز علي رضي الله تعالى عنه مخالفة الإجماع بعد ذلك ؟ ( قلنا ) يحتمل أنه كان من مذهبه أن الإجماع لا يتم إلا بانقراض ذلك العصر ويحتمل أن معنى قوله ثم رأيت أن أرقهن إلى أداء السعاية فلا يكون هذا منه خلافا في أصل استحقاق العتق بل في صفته أنه من الثلث أو من جميع المال وعن إبراهيم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان ينادي على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا إن بيع أمهات الأولاد حرام ولا رق عليها بعد موت مولاها وعن إبراهيم في أم الولد إذا أسقطت سقطا استبان خلقه كانت به أم ولد هكذا روى عنه حماد وروى عنه الحكم إذا أسقطت مضغة أو علقة كانت به أم ولد وكأنه على هذه الرواية اعتبر نفس اختلاط الماءين كما في حديث عمر رضي الله عنه ولسنا نأخذ بهذا وإنما نأخذ بحديث حماد عنه ; لأن السقط الذي لم يستبن شيء من خلقه ليس بولد فلا تصير به أم ولد بخلاف السقط الذي استبان بعض خلقه فإنه ولد في الأحكام فيتحقق نسبتها إليه بواسطة .
وإذا أقر الرجل أن حمل أمته منه صارت أم ولد له ، وله خدمتها ووطؤها ولا يجوز له أن ينقل ملكها إلى غيره أما إذا ظهر ولادتها بعد هذا الإقرار فلا إشكال فيه ; لأن نسب الولد ثبت منه بإقراره فإن ثبوت النسب من وقت العلوق بإقراره وإقراره مصادف محله ، وأما إذا لم تظهر ولادتها وزعم المولى أنه كان ريحا في بطنها وصدقته في ذلك فهي بمنزلة أم الولد أيضا ; لأن الحمل اسم للولد وقد ثبت لها حق العتق بإقراره المتقدم فلا يصدقان على إبطاله كما لا يصدقان على إبطال حقيقة العتق ، وكذلك لو كان قال ما في بطنك من ولد فهو مني ولو كان قال ما في بطنك مني ثم تصادقا أنه كان ريحا في بطنها فله أن يبيعها ; لأنه ليس في لفظه تصريح بوجود الولد في بطنها فلا يكون مقرا لها بحق العتق بهذا اللفظ بخلاف ما سبق وإن قال إن كانت حبلى فهو مني فولدت ولدا أو أسقطت سقطا قد استبان خلقه فإن أقر المولى به فهي أم ولده إذا جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر ; لأن ولادتها هذا الولد ثبت بإقراره ووجوده في البطن عند دعواه معلوم وإن أنكر المولى الولادة فشهدت عليه امرأة جاز ذلك وثبت النسب [ ص: 151 ] لأن الولادة تثبت بشهادة المرأة الواحدة كما تثبت بإقراره ثم النسب وأمية الولد إنما تثبت بإقرار المولى لا بشهادة القابلة .
وإذا ولدت المدبرة من السيد صارت أم ولد له وبطل التدبير . معناه أنه لا يظهر حكم التدبير بعد ثبوت أمية الولد ; لأن كل واحد منهما يوجب استحقاق العتق لها في الحال وتعلق التنجز بموت المولى ، والاستحقاق بالاستيلاد أقوى حتى يكون من جميع المال ، والتدبير من الثلث ، والضعيف لا يظهر في مقابلة القوي فلهذا قال : وقد بطل التدبير .
وإذا أقر في صحته أن أمته هذه قد ولدت منه صارت أم ولده ; لأنه أقر باستحقاق العتق لها في حال يملك إنشاء عتقها مطلقا والمقر يعامل في حق نفسه كأنما أقر به حق إذا لم يكن في المحل حق لأحد سواه كان الثابت بإقراره كالثابت بالمعاينة ، وإن أقر بذلك في مرضه فإن كان معها ولد فكذلك الجواب ; لأن نسب الولد ثبت منه فإن المريض غير محجور على الإقرار بالنسب وثبوت نسب الولد شاهد لها بمنزلة ما لو أقامت البينة على أنها أم ولده وإن لم يكن معها ولد عتقت من الثلث ; لأن إقراره لها باستحقاق العتق بمنزلة تنجيز العتق ولو نجز عتقها كان من الثلث ; لأن حق الورثة قد تعلق بمرضه . توضيحه أنه إذا كان معها ولد فهو محتاج إلى إثبات نسب ولده منه كي لا يضيع نسله ، وحاجته مقدم على حق الورثة فإنما صرفها مع ولدها إلى حاجته فكانت من جميع ماله وإذا لم يكن معها ولد فهو بكلامه ما صرفها إلى حاجته بل أقر بعتقها بعد موته فيكون معتبرا من ثلثه .
وإذا زوج أم ولده من رجل جاز النكاح ; لأن الفراش الثابت له عليها سببه ملك اليمين وذلك غير ملزم للمولى فلا يمنع صحة ترويجه إياها فإذا ولدت من الزوج فولدها بمنزلتها أما ثبوت النسب من الزوج فلأنها ولدته على فراشه ، وأما ثبوت حق أمية الولد لهذا الولد فلأنه جزء منها فإنما ينفصل عنها بصفتها وكما أنها تعتق بالموت ولا تسعى لأحد فكذلك ولدها من غير المولى . ألا ترى أن الولد لا ينفصل من الحر إلا حرا وعلى المولى في جناية أم الولد قيمتها لا يلزمه أكثر من ذلك وإن كثرت الجناية منها ; لأنه بالاستيلاد السابق منع دفعها بالجناية على وجه لم يصر مختارا ; لأنه ما كان يعلم أنها تجني ، ولو كانت محل الدفع لم يكن عليه إلا دفعها بالجناية وإن كثرت الجناية منها فكذلك لا يلزمه إلا قيمة واحدة ; لأنه ما منع إلا رقبة واحدة ، وأما الدين الذي يلحقها بغصب أو استهلاك فإنها تسعى فيه بالغا ما بلغ ; لأن الدين ثابت في ذمتها ولو كانت محل البيع لكانت تباع فيه ويصرف كسبها ورقبتها [ ص: 152 ] إلى ديونها فإذا تعذر بيعها بالاستيلاد وجب قضاء ديونها من كسبها بخلاف الجناية فإنها تتباعد من الجاني وتتعلق بأقرب الناس إليه . ألا ترى أن دين المملوك يبقى في ذمته بعد بيعه ولا تبقى الجناية في رقبته بعد بيعه أو عتقه ، وولد أم الولد ثابت النسب من المولى ما لم ينفه ; لأنها فراش له وقال عليه الصلاة والسلام { الولد للفراش } ولكن ينتفي عنه بمجرد النفي عندنا وعلى قول الشافعي رحمه الله تعالى إن لم يكن استبرأها بحيضة يلزمه نسب ولدها وليس له أن ينفيه .
وإن كان قد استبرأها بحيضة بعد ما وطئها لا يلزمه نسب ولدها إلا بالدعوة وحكمها حكم الأمة التي ليست بأم ولد سواء عنده بناء على أصلين له أحدهما : أنه لا عدة على أم الولد بعد العتق كالأمة القنة وإنما يلزمها الاستبراء بحيضة وقد بينا هذا في كتاب النكاح ، والثاني : أن عنده الأمة تصير فراشا بنفس الوطء وقد بينا هذا أيضا فيما أمليناه من شرح الدعوى فإذا صارت عنده فراشا بالوطء لا يرتفع حكم هذا الفراش إلا بالاستبراء فإن جاءت بالولد قبل أن يستبرئها عنده فراشا بالوطء لا يرتفع حكم هذا الفراش إلا بالاستبراء فإن جاءت بالولد قبل أن يستبرئها يلزمه النسب لوجود دليله شرعا فلا يملك نفيه كما لو قامت البينة به وإن استبرأها بحيضة فقد انعدم حكم ذلك الفراش ; لأن بسببها كان اشتغال رحمها بمائه بالوطء وقد انعدم ذلك بالاستبراء فلا يلزمه النسب إلا بالدعوة وعندنا له على أم الولد فراش معتبر ولهذا لزمها أن تعتد بثلاث حيض بعد العتق فثبت النسب باعتبار الفراش ولكن هذا الفراش غير ملزم في حقه ولهذا يملك تزويجها من غيره فكما ينفرد بنقل الفراش إلى غيره ينفرد بنفي نسب الولد وإنما يملك نفيه ما لم يقض به القاضي أو يتطاول ذلك .
فأما بعد قضاء القاضي فقد لزمه بالقضاء على وجه لا يملك إبطاله ، وكذلك بعد التطاول ; لأنه يوجد منه دليل الإقرار في هذه المدة من قبول التهنئة ونحوه فيكون كالتصريح بالإقرار واختلافهم في مدة التطاول قد سبق بيانه في باب اللعان من كتاب الطلاق ، فأما الأمة والمدبرة فلا يلزمه ولدهما وإن حصنهما وطلب ولدهما ما لم يقر به ; لأن الفراش على المملوكة لا يثبت بالوطء عندنا والنسب لا يثبت بدون الفراش إلا أنه روي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه إذا وطئها ولم يعزل عنها وحصنها فله أن يدعي نسب ولدها وليس له أن ينفيه فيما بينه وبين ربه ; لأن الظاهر أنه منه والبناء على الظاهر واجب فيما لا تعلم حقيقته فأما إذا عزل عنها أو لم يحصنها فله أن ينفيه ; لأن هذا الظاهر يقابله ظاهر آخر وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه إذا وطئها ولم يستبرئها بعد ذلك حتى جاءت بالولد فعليه أن يدعيه سواء عزل عنها أو لم يعزل [ ص: 153 ] حصنها أو لم يحصن تحسينا للظن بها وحملا لأمرها على الصلاح ما لم يتبين خلافه ولأن ما يظهر عقيب سببه يكون محالا به عليه حتى يتبين خلافه ، وعند محمد رحمه الله تعالى لا ينبغي له أن يدعي النسب إذا لم يعلم أنه منه ولكن ينبغي له أن يعتق الولد ويستمتع بها ويعتقها بعد موته ; لأن استلحاق نسب ليس منه لا يحل شرعا فيحتاط من الجانبين وذلك في أن يدعي النسب ولكن يعتق الولد ويعتق الأم بعد موته لاحتمال أن يكون منه .
ولا ينبغي له أن يزوج أم ولده حتى يستبرئها بحيضة لجواز أن تكون حاملا من المولى فلا يكون تزويجها صحيحا ولكن هذا التوهم يوجب الاحتياط ولا يبطل النكاح ، فإذا اشتراها فقد علم أنها ليست بحامل فتزويجها بعد ذلك وإن زوجها قبل الاستبراء فولدت لأقل من ستة أشهر فهو من المولى والنكاح فاسد ; لأنا تيقنا أن العلوق سبق النكاح على فراش المولى وإن زوجها وهي حامل ومن كان في بطنها ولد ثابت النسب من أحد لا يجوز تزويجها وإن ولدته لأكثر من ستة أشهر فالنسب ثابت من الزوج ; لأنها علقت على فراشه فإن ادعاه المولى عتق بإقراره ونسبه ثابت من الزوج وقد تقدم بيان هذا الفصل .
وإذا حرمت أم الولد على مولاها بوطء ابنه إياها فإن جاءت بولد بعد ذلك لأكثر من ستة أشهر لم يلزمه إلا أن يدعيه ، وعند زفر رحمه الله تعالى ثبت النسب منه وله أن ينفيه ; لأنه ما اعترض على فراش آخر فيكون النسب ثابتا منه بالفراش وثبوت الحرمة بهذا السبب كثبوتها بالحيض وذلك لا يقطع الفراش ولكنا نقول تحسين الظن بالمسلم واجب فلو أثبتنا النسب منه من غير دعوة لكان فيه حمل أمره على الفساد والحكم عليه بمباشرة الوطء الحرام وذلك لا يجوز إلا أن توجد الدعوى منه فحينئذ يحكم بذلك بإقراره وإن جاءت به لأكثر من سنتين وإن جاءت به لأقل من سنتين وزعم أنه كان من علوق قبل الحرمة وجب قبول قوله في ذلك للاحتمال .
وإذا مات عن أم ولده أو أعتقها فعليها أن تعتد بثلاث حيض هكذا نقل عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما وقد بينا هذا في كتاب النكاح ، وكذلك إن كانت حرمت عليه قبل ذلك ; لأنها بالحرمة ما صارت فراشا لغيره إلا أن يثبت نسب الولد منه لتحسين الظن به لا لانعدام الفراش حتى إذا ادعى يثبت النسب منه ، فإذا أعتقها فقد زال الفراش إليها بالعتق في هذه الحالة فتلزمها العدة لهذا .
وإذا أعتق أم ولده فجاءت بولد ما بينها وبين سنتين من يوم أعتقها فنفاه فنفيه باطل ; لأن فراشها قد [ ص: 154 ] تأكد بحريتها . ألا ترى أنه لا يملك تزويجها من غيره ما لم تنقض عدتها فكانت كالمنكوحة في هذه الحالة والمعتدة من نكاح متى جاءت بولد لأقل من سنتين من وقت الفرقة ثبت النسب من الزوج على وجه لا يملك النفي فكذلك هنا وإن أقرت بانقضاء عدتها بثلاث حيض ثم جاءت بولد لأقل من ستة أشهر ثبت النسب منه وإن جاءت به لأكثر من ستة أشهر لا يثبت نسبه منه كما في المعتدة من نكاح .
وإذا تزوج أمة رجل فولدت ثم اشتراها أو ملكها بسبب آخر صارت أم ولد له عندنا وعلى قول الشافعي رحمه الله تعالى لا تصير أم ولد له وفي المغرور إذا ملك الجارية له وجهان احتج بقوله صلى الله عليه وسلم { أيما أمة ولدت من سيدها فشرط لثبوت حق العتق لها أن تلد من سيدها وهذه ولدت من زوجها لا من سيدها } والمعنى فيه أنها علقت برقيق فلا تكون أم ولد بذلك كما لو استولدها بالزنا ثم ملكها ، وتأثيره أن ثبوت حق أمية الولد إذا علقت من سيدها باعتبار أن الولد يعلق حر الأصل من الماءين وماؤها جزء منها فثبوت الحرية لذلك الجزء يوجب ثبوت الحرية لجميعها . إلا أن اتصال الولد بها بعرض الانفصال وجعل الولد كشخص على حدة في بعض الأحكام ، فلوجود حقيقة الاتصال أثبتنا حق العتق لما بقي منها ولكونه بعرض الانفصال وبمنزلة شخص على حدة في بعض الأحكام لا تثبت حقيقة الحرية لما بقي منها في الحال ، وهذا المعنى لا يوجد إذا علقت برقيق ، وحقها في أمية الولد ليس في معنى حق الولد في الحرية ; لأن الولد إنما يعتق عليه باعتبار الجزئية ولهذا لو كان الاستيلاد بالزنا فملكه يعتق عليه ولا يوجد ذلك المعنى في حق الأم ، وعلى هذا الطريق يقولون في المغرور أن الجارية تصير أم ولد له إذا ملكها ; لأنها علقت بحر والطريق الآخر أن موجب الاستيلاد ثبوت حق العتق لها فإذا حصل قبل الملك لا يكون موجبا في الملك الذي لا يحدث بعده كالتدبير وحقيقة العتق وعلى هذا الطريق في المغرور يقولون لا تصير أم ولد له .
( وحجتنا ) في ذلك أنه ملكها وله منها ولد ثابت النسب فتكون أم ولده كما استولدها في ملكه وتأثيره أن حق العتق ثبت لها بالاستيلاد كما قال صلى الله عليه وسلم { أعتقها ولدها } والملك في المحل شرط فإذا تقرر السبب قبل الملك توقف على وجود شرطه وهو الملك . ألا ترى أن في حرية الولد لما تقرر السبب قبل الملك وهو النسب توقف على وجود شرطه وهو الملك حتى إذا ملكه يعتق فكذلك في الأم ; لأن حقها تابع الولد بخلاف التدبير والعتق قبل الملك فإن ذلك [ ص: 155 ] لغو شرعا فلا يظهر حكمه بعد الملك وهذا السبب متقرر شرعا . توضيحه أن حق العتق لأم الولد باعتبار أنها منسوبة إليه بواسطة الولد فإن للجزئية تأثيرا في النسبة والولد جزء منها فتصير هي منسوبة له باعتبار هذه الواسطة حتى يقال : أم ولده ، وهذا متقرر حتى يثبت نسب الولد بنكاح كان أو بملك ولا ، معتبر بما قاله الخصم من حرية الماء الذي هو في حكم الجزء ولأنه لو أعتق ما في بطن جاريته لم يثبت لها حق العتق ولا حقيقة العتق فلو كان ثبوت حق العتق لها باعتبار الاتصال والجزئية لثبت هنا ; لأن الثابت لها باعتبار الجزئية من جنس ما هو ثابت للجزء والثابت للولد حرية الأصل على وجه لا يعقب الولاء والثابت لها حق العتق على وجه يثبت به الولاء ولا مشابهة بينهما فعرفنا أن الطريق فيه ما قلنا وهو ثبوت نسب الولد ويستوي إن كان النكاح بينهما ظاهرا أو أقر بذلك وأنكر مولاها ثم ملك ; لأن المقر يعامل في حق نفسه كأن ما أقر به حق .
فأما إذا استولدها بالزنا وأقر بذلك ثم ملكها في القياس تصير أم ولد له وهو قول زفر رحمه الله تعالى ; لأنه أقر لها بحق العتق وللولد بحقيقة العتق ثم في حقيقة العتق للولد لا فرق بين ما إذا أقر بالنكاح أو الزنا فكذلك في حق العتق لها ولكن استحسن علماؤنا رحمهم الله تعالى فقالوا إنها لا تصير أم ولد له ; لأن الموجب لحق العتق لها صيرورتها منسوبة إليه بواسطة الولد وهذا المعنى لا يوجد هنا ; لأن نسب الولد بالزنا وهي لا تصير منسوبة إليه بدون هذه الواسطة فلهذا لا تكون أم ولد له فأما الولد يعتق عليه إذا ملكه ; لأنه وإن انعدم هذا المعنى في حق الولد فقد وجد معنى آخر وهو الجزئية ; لأن الجزئية لا تنعدم حقيقة بسبب أن الولد بالزنا ، والإنسان كما لا يستديم الملك على نفسه لا يستديم الملك على جزئه فلهذا يعتق الولد إذا ملكه . يقرره أن حال الأم في حق أمية الولد كحال الأخ فإنه ينسبه إلى أخيه بواسطة الأب ثم من ملك أخاه من الزنا لا يعتق الأخ ; لأن الواسطة قد انعدمت حين لم يثبت النسب بالزنا فكذلك الواسطة هنا قد انعدمت حين لم يثبت نسب ولدها بالزنا فلهذا لا تصير أم ولد له .
ولو زوج أمته عبده فولدت فادعاه المولى يعتق الولد وتكون أمه بمنزلة أم الولد له وهنا نسب الولد غير ثابت من المولى ومع ذلك الجارية تكون أم ولد له وإنما كان ذلك لاحتمال أن يكون الولد ثابت النسب من المولى بعلوق سبق النكاح ، والشبهة بعد النكاح ، إلا أن هذا الاحتمال غير معتبر في حق النسب لثبوت نسبه من الزوج واستغنائه به عن النسب فبقي معتبرا في حق الأم ; لأنها محتاجة إلى [ ص: 156 ] حق أمية الولد بخلاف ما إذا أقر بالاستيلاد بالزنا ; لأنه لا احتمال للنسب هناك مع تصريحه بالزنا وإذا اشترى أمة لها ثلاثة أولاد فادعى أحدهم فإن كانوا ولدوا في بطن واحد ثبت نسبهم جميعا منه ; لأنهم في حكم النسب كشخص واحد فإنهم خلقوا من ماء واحد وإن كانوا في بطون مختلفة لم يثبت إلا نسب الذي ادعاه والباقيان رقيقان ويبيعهما إن شاء ; لأنهم ولدوا في غير ملكه فتكون دعوته فيهم دعوة تحرير ودعوة التحرير بمنزلة الإعتاق ولو أعتق أحدهم لم يعتق إلا ذاك فكذلك إذا ادعى نسب أحدهم .
ولو ولدوا في ملكه بأن ولدت أمة رجل ثلاثة أولاد في بطون مختلفة فإن ادعى الأصغر فإنه يثبت نسب الأصغر منه وله أن يبيع الآخرين بالاتفاق وإن ادعى الأكبر ثبت نسب الأكبر منه والأوسط والأصغر بمنزلة الأم ليس له أن يبيعهما ولا يثبت نسبهما منه إلا على قول زفر رحمه الله تعالى فإنه يقول ثبت نسبهما منه ; لأنه ثبت لها حق أمية الولد من حين علقت بالأكبر ونسب ولد أم الولد ثابت من المولى ما لم ينفه ، ولا يجوز أن يقال تخصيص الأكبر بالدعوة دليل النفي في حق الآخرين ; لأن هذا مفهوم والمفهوم ليس بحجة عندنا ولكنا نقول يحق عليه شرعا الإقرار بنسب ولد وهو منه ولما خص الأكبر بالدعوة بعد ما لزمه هذا شرعا كان هذا نفيا للآخرين ، وهذا نظير ما قيل السكوت لا يكون حجة ولكن السكوت بعد لزوم البيان يجعل دليل النفي فهذا مثله وكما أن دليل الدعوة كالتصريح فدليل النفي كالتصريح به ، ولو نفى الآخرين لم يثبت نسبهما وكانا عنده بمنزلة أمهما
وكذلك لو اشترى ابن أم ولد له من غيره بأن استولد جارية بالنكاح ثم فارقها فزوجها المولى من غيره فولدت ثم اشترى الجارية مع الولدين فالجارية تكون أم ولد له وولده حر ، فأما ولدها من غيره فله أن يبيعه في قول علمائنا رحمهم الله تعالى ولا تصير بمنزلة الأم وعلى قول زفر رحمه الله تعالى تصير بمنزلة الأم ليس له أن يبيعه ويعتق بموته ; لأنها ولدته بعد تمام سبب أمية الولد وهو نسب الولد فيكون حاله كحال أمه . ألا ترى أنها لو ولدته بعد ما ملكها من غيره كان الولد بمنزلة أمه فكذلك هنا ( وحجتنا ) أن السبب لا يوجب الحكم إلا في محله والمحل في ملكه فما لم يثبت الملك فيها لا يثبت لها حق أمية الولد بذلك النسب ، وكل ولد انفصل قبل ثبوت حق أمية الولد فيها لا يسري حق أمية الولد ; لأن السراية باعتبار الاتصال . ألا ترى أنه لو أعتق أمته وقد ولدت قبل ذلك لم يعتق الولد فكذلك لا يسري حق أمية الولد إلى [ ص: 157 ] الولد المنفصل قبل ثبوت الحق فيها بخلاف ما تلد بعد ثبوت الحق فيها وإذا ولدت أمة بين رجلين فدعاه أحدهما في صحته أو في مرضه فهو ابنه ; لأنه يملك جزءا منها وقيام ملكه في جزء منها كقيام الملك في جميعها في صحة الدعوة فإن اعتبار جانب ملكه يثبت النسب منه بالدعوة ، واعتبار جانب ملك شريكه يمنع من ذلك فيغلب المثبت للنسب احتياطا .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|