عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 12-12-2025, 03:34 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,794
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السابع

صـــ 127 الى صـــ 136
(148)






وإن اشترت زوجها لم يفسد النكاح ولها أن تبيعه كالمكاتب لأنه إنما يثبت لها حق الملك في رقبة الزوج وحق الملك لا يرفع النكاح لأنه أضعف منه والضعيف لا يرفع القوي إذا طرأ عليه وإن كان عبد على هذه الصفة فاشترى امرأته كان له أن يبيعها إن لم تكن ولدت منه وإن كانت ولدت منه فاشترى ولدها معها فهي بمنزلته لأن حق الأم تبع لحق الولد وثبوت التبع بثبوت المتبوع وقد امتنع عليه بيع الولد فيمتنع عليه بيع الأم أيضا ، وإن كفل عن المستسعى رجل بسعايته لمولاه فهو باطل لأن السعاية كبدل الكتابة والكفالة ببدل الكتابة باطلة لأنه عبده فلا يتقرر عليه دينه فهذا مثله .
وإن مات ولم يترك مالا حاضرا وترك دينا على الناس فلم يختصموا في أمره حتى خرج الدين فهو بمنزلة المال الحاضر يؤدى منه سعايته ويكون ما بقي ميراثا والولد الحر والمولود في السعاية والمشتري في ذلك سواء لأن الكل يعتقون بعتقه ثم يجر ولاء ولده الحر لأن الأب في الولاء أصل كما في النسب وإنما كان ولاؤه لموالي الأم لعدم الولاء [ ص: 128 ] في جانب الأب فإذا ظهر الولاء في جانبه انجر إليه ولاء أولاده وسنقرر هذا في موضعه ، وإن لم يخرج الدين حتى جنى ولده الحر كانت الجناية على عاقلة أمه لأنه مولى لموالي الأم ما لم يظهر له ولاء في جانب الأب ، فإن اختصم موالي الأم وموالي الأب في ولايته قبل خروج الدين فقضي به لموالي الأم ثم خرج الدين بعد ذلك كان الدين لموالي الأب كله لا يكون للابن فيه شيء في القياس ، ولكنا ندع العتاقين ونجعل السعاية للمولى وما بقي ميراثا للابن . وجه القياس أن القاضي لما حكم بولائه لموالي الأم فقد حكم برق الأب إلى هذا الوقت وهو ميت والرقيق لا يرثه الحر . توضيحه أنه قطعه عن جانب الأب حين قضى بولائه لموالي الأم وقضى بجنايته عليهم ، ووجه الاستحسان أن حكم الكتابة فيه لكونه معتق البعض وذلك لا يحتمل الفسخ فيبقى بعد قضاء القاضي حكم الكتابة فيه على حاله فإذا خرج ماله يؤدي كتابته ويحكم بحريته مستندا إلى حال حياته لأنه لا يمكن الحكم بحريته مقصورا على الحال فتبين أنه مات حرا والحر يرثه ابنه الحر والقاضي ما قضى بقطع نسبه عن أبيه .
ولو كان العبد في سعاية وله ولد من أمة له ثم مات العبد كان للابن أن يسعى فيما على أبيه بمنزلة المولود في الكتابة
ولو كان عبد وأمة زوجين لرجل وأعتق نصف كل واحد منهما وقضى عليهما بالسعاية في نصف قيمتهما ثم ولدت ولدا فقتل الولد وترك مالا فديته وماله لأمه لأن الولد جزء من أمه يتبعها في الملك والرق ولم يعتق فكان تابعا لأمه داخلا في سعايتها فلهذا كان بدل نفسه وماله لها

ولو جنى الولد جناية سعى في الأقل من قيمته ومن الجناية لأنه بمنزلة المكاتب وهذا هو الحكم في جناية المكاتب

ولو مات أبواه سعى فيما بقي على أمه دون أبيه لأنه يتبعها في حكم الكتابة دون الأب فيقوم مقامها في السعاية فيما عليها

ولو ماتت أمه عن مال أدى منه سعايتها وما بقي فهو ميراث للابن لأنه يعتق بعتقها ولا ميراث للزوج منها لأن الزوج مكاتب ما لم يؤد السعاية

وإن مات الزوج عن مال يؤدى ما عليه من سعايته ، وما بقي ميراث لمعتقه لا يرث ابنه ولا امرأته من ذلك شيئا لأنهما بمنزلة المكاتبين ما لم تؤد الأم سعايتها وهذا وما لو كوتب الزوجان كل واحد منهما بعقد على حدة سواء في جميع ما ذكرنا ، وذكر في الأصل عن إبراهيم أن معتق النصف إذا جنى فنصف جنايته على العاقلة والنصف عليه وإذا جني عليه فأرش نصف الجناية عليه أرش العبيد ، وأرش النصف الآخر أرش الأحرار وكأنه اعتبر البعض بالكل ولسنا نأخذ بهذا بل هو بمنزلة العبد في الجناية [ ص: 129 ] والجناية عليه لأن بين الحرية والرق في محل واحد منافاة وقد قررناه فيما سبق

وإذا شهد الشاهدان على أحد الشريكين أنه أقر بعتق المملوك وهو موسر جاز ذلك وثبوت إقراره بالبينة كثبوته بسماع القاضي منه ويضمن لشريكه إن كان موسرا نصف قيمته ويرجع به على الغلام والولاء له إن كان جاحدا للعتق لأن القاضي حكم عليه بخلاف زعمه وبقضاء القاضي سقط اعتبار زعمه بخلافه .

ألا ترى أن العبد لو كان كله له فشهدا عليه بعتقه كان الولاء له وإن كان منكرا

وإن شهدا أنه أقر أنه حر الأصل عتق ولا ولاء له لأن الثابت من إقراره بالبينة كالثابت بالمعاينة وإنما يقضي القاضي على المقر بما يقر به ويجعله في حقه كأنه حق ، وحرية الأصل لا تعقب الولاء
وإن شهدوا على إقراره أن الذي باعه كان أعتقه عتق كما لو سمع القاضي إقراره بذلك وهذا لأنه أقر بنفوذ العتق فيه ممن كان مالكا له وولاؤه موقوف لأن كل واحد منهما ينفيه عن نفسه فإن البائع يقول : أنا ما أعتقته وإنما عتق بإقرار المشتري فله ولاؤه ، والمشتري : يقول بل أعتقه البائع فالولاء له فلهذا توقف ولاؤه على أن يرجع أحدهما إلى تصديق صاحبه فيكون الولاء له لأن الولاء لا يحتمل النقض بعد ثبوته فلا يبطل بالتكذيب أصلا ولكن يبقى موقوفا فإذا صدقه ثبت منه
وإن شهدا على إقراره أن البائع كان دبره أو كاتب أمه أو أن البائع كان استولدها قبل البيع فإنه يخرج كل واحد منهما من ملكه لإقراره أنه لم يملكهما بالشراء وأنهما باقيان على ملك البائع ولا يرجع على البائع بالثمن لأن إقراره ليس بحجة على البائع في إبطال البيع وقد استحق البائع الثمن به ولا يعتقان حتى يموت البائع فإذا مات عتقا لأن المشتري أقر بتعلق عتقهما بموت البائع والبائع كان مقرا بأن إقرار المشتري فيهما نافذ لأن يملكهما فعند موت البائع يحصل التصادق منهما على الحرية إذا كان المدبر يخرج من ثلث مال البائع فلهذا يحكم بعتقهما والجناية عليهما كالجناية على مملوكين قبل موت البائع لأنهما لا يعتقان إلا بموته وتوقف جنايتهما في قول أبي حنيفة ، وفي قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى عليهم السعاية في الأقل من قيمتهما وأرش جنايتهما ، والقياس ما قاله أبو حنيفة رحمه الله تعالى لأن المشتري إن كان صادقا فموجب جنايتهما على البائع ابتداء لأن موجب جناية المدبر وأم الولد القيمة على المولى ابتداء ، وإن كان كاذبا فجنايتهما تتعلق برقبتهما ويخاطب المشتري بذلك ومع جهالة المستحق عليه لا يتمكن القاضي من القضاء بشيء فلهذا تتوقف جنايتهما ولكنهما استحسنا فقالا هما بمنزلة [ ص: 130 ] المكاتبين في الحال حتى يكتسبان وينفقان على أنفسهما من كسبهما ولا سبيل لأحد على أخذ الكسب منهما وإنما كان موجب جناية المكاتب على نفسه لكونه أحق بكسبه فإذا وجد ذلك المعنى هنا قلنا عليهما السعاية في الأقل من قيمتهما ومن أرش الجناية
وكذلك أمة بين رجلين أقر أحدهما أنها ولدت من الآخر وأنكر الآخر ذلك فهي موقوفة تخدم المنكر يوما ويرفع عنها يوم ولا سبيل للمقر عليها في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى الآخر ، وفي قول أبي يوسف رحمه الله تعالى الأول وهو قول محمد رحمه الله تعالى تسعى في نصف قيمتها للمنكر لأن إقرار أحدهما على شريكه بأمية الولد كشهادته عليه بعتق نصيبه وقد بينا أن هناك يسعى للمنكر في نصيبه فكذلك هنا ولكن أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول هناك تعذر استدامة الملك لأن ما أقر به لو كان حقا كان استدامة الملك فيها ممتنعا فلهذا تخرج إلى الحرية بالسعاية وهنا ما أقر به من أمية الولد لو كان حقا لم يكن استدامة الملك فيها ممتنعا فلا معنى لإيجاب السعاية عليها للمنكر ولكن في زعم المنكر أنها مشتركة بينهما كما كانت وأن شريكه كاذب فكان له أن يستخدمها يوما من كل يومين كما قبل هذا الأوان وليس للمقر أن يستخدمها في اليوم الآخر لأنه يزعم أنها صارت أم ولد لشريكه وأن حقه في الضمان قبل شريكه ولا حق له في الاستخدام فلهذا لم يكن للمقر عليها سبيل وجنايتها والجناية عليها تكون موقوفة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى ، وفي قول أبي يوسف الأول وهو قول محمد رحمه الله تعالى هي بمنزلة المكاتبة تسعى في الجناية عليها بأخذ الأرش فتستعين بها ، هكذا ذكر في الكتاب وهو ظاهر لأن عندهما لما قضى عليها بالسعاية في نصيب الجاحد كانت كالمكاتب وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لما كانت موقوفة الحال لا يقضى فيها بشيء فكذلك حكم جنايتها والجناية عليها ، وقيل الصحيح أن عند أبي حنيفة نصف جنايتها على الجاحد لأن نصفها مملوك له مطلقا حتى يستخدمها بقدره والنصف الآخر يتوقف على قول أبي يوسف الأول وهو قول محمد جنايتها عليها تسعى في الأقل من قيمتها ومن أرش الجناية لأنها أحق بكسبها .

ألا ترى أنها تنفق على نفسها من كسبها ولو جعلناها موقوفة فمن ينفق عليها وإذا لم يكن بد من أن تجعل أحق بكسبها كان موجب جنايتها في كسبها كالمكاتبة والله تعالى أعلم بالصواب .

[ ص: 131 ] باب عتق ما في البطن

( قال ) رجل قال لجاريته كل ولد تلدينه فهو حر فما ولدته في ملكه فهو حر لأن ملك الأم سبب لملك الولد فإن الجنين يتبع الأم في الملك وقيام سبب الملك عند التعليق كقيام الملك في صحة التعليق .

ألا ترى أن في اليمين المضاف جعل التعليق بسبب الملك وهو الشراء كالتعليق بالملك ولو كان الملك موجودا في المحل الذي يلاقيه وقت التعليق كان التعليق صحيحا فكذلك إذا كان سبب الملك موجودا ولا يعتق ما لم تلد لأنه جعل شرط العتق الولادة

وإن مات المولى وهي حبلى ثم ولدته لم تعتق لأنها صارت ملكا للوارث بالموت فإنما وجد الشرط بعد زوال ملك المعتق ، وكذلك لو باعها المولى وهي حبلى جاز بيعه لقيام ملكه وقدرته على تسليمها وإذا ولدت بعد ذلك لم تعتق لأن الشرط وجد في غير ملك الحالف

وإن ضرب ضارب بطنها فألقته ميتا كان فيه ما في جنين الأمة لأنه مادام في البطن فهو رقيق

ولو كان قال كل ولد تحبلين به فهو حر كان فيه ما في جنين الحر لأن شرط العتق هنا وجود الحبل وقد علم أنه كان موجودا قبل الضرب فإنما وجدت جناية الضارب على جنين هو حر وإن ولدته بعد البيع لأقل من ستة أشهر فهو حر والبيع باطل لأنا تيقنا بوجود الولد قبل البيع وحريته فإنما باعها وفي بطنها ولد حر فيكون البيع باطلا
ولو قال لها إن كان أول ولد تلدينه غلاما فهو حر وإن كانت جارية فأنت حرة فولدت غلامين وجاريتين ، فإن علم أن الغلام أول ما ولدت فهو حر والباقون أرقاء ، وإن علم أن الجارية أول ما ولدت فهي مملوكة والباقون مع الأم أحرار لأن بولادة الجارية الأولى عتقت الأمة وإنما عتقت بعد انفصال هذه الجارية عنها فكانت هي مملوكة والباقون أحرار لأنهم انفصلوا منها بعد حريتها والولد لا ينفصل من الحرة إلا حرا وإن لم يعلم أيهم أول يعتق من الأم نصفها لأنها تعتق في حال وترق في حال ويعتق ثلاثة أرباع كل واحد من الغلامين لأن أحدهما حر بيقين فإنها إن ولدت الغلام أولا فهذا الغلام حر وإن ولدت الجارية أولا فالغلامان يعتقان بعتق الأم فأحدهما حر بيقين والآخر يعتق في حال دون حال فيعتق نصفه ، ثم حرية ونصف بينهما نصفان إذ ليس أحدهما بأولى من الآخر فيعتق في كل واحد منهما ثلاثة أرباعه ويسعى في ربع قيمته ويعتق من كل واحدة من الجاريتين ربعها لأن إحداهما أمة بيقين والأخرى تعتق في حال دون حال فإنها إن [ ص: 132 ] ولدت الغلام أولا فالجاريتان مملوكتان وإن ولدت إحدى الجاريتين أولا فهذه مملوكة والأخرى حرة فإذا كانت إحداهما تعتق في حال دون حال يعتق نصفها وليست إحداهما بأولى من الأخرى فكان نصف الحرية بينهما لكل واحدة منهما ربع حرية وتسعى كل واحدة في ثلاثة أرباع القيمة وإن تصادق الأم والمولى على أن هذا الغلام أول عتق ما تصادقا عليه والباقون أرقاء لأن اليد لهما والقول قول ذي اليد فيمن لا يعبر عن نفسه في رقه وحريته ، فإن تصادقا على شيء وجب الأخذ بما تصادقا عليه وإن اختلفا فيه فالقول قول المولى مع يمينه لأن المعتق هو المولى فكان قوله في بيان من عتق مقبولا مع يمينه إن ادعت الأم خلاف ذلك لأنها تدعي عليه ما لو أقر به لزمه وإنما يستحلف على العلم بالله ما يعلم أنها ولدت الجارية أولا لأنه يستحلف على فعلها والاستحلاف على فعل الغير يكون على العلم
وإذا قال لها إن كان حملك غلاما فأنت حرة وإن كانت جارية فهي حرة فكان حملها غلاما وجارية لم يعتق أحد منهم لأن الحمل اسم لجميع ما في البطن قال تعالى { أن يضعن حملهن } والعدة لا تنقضي إلا بوضع جميع ما في البطن فإنما جعل شرط عتقها كون جميع ما في البطن غلاما وشرط عتق الجارية كونها جميع ما في البطن ولم يوجد ذلك ، وكذلك قوله إن كان ما في بطنك لأن ما هو من ألفاظ العموم فهو يقتضي أن يكون جميع ما في بطنها بتلك الصفة ، ولو كان قال في الكلامين إن كان في بطنك عتقت الجارية والغلام لأنه جعل شرط عتقها وجود الغلام في بطنها وقد تبين أنه كان موجودا والتعليق بشرط موجود يكون تنجيزا فعلمنا أنها عتقت قبل انفصال الولدين عنها فيعتق الولدان جميعا
وإذا قال كان أول ولد تلدينه غلاما فأنت حرة وإن كانت جارية فهي حرة فولدتهما جميعا ، فإن علم أن الغلام أول عتقت هي مع ابنتها والغلام ، وإن علم أنها ولدت الجارية أولا عتقت الجارية والأم مع الغلام رقيقان وإن لم يعلم واتفق الأم والمولى على شيء فكذلك لأن اليد لهما وإن قالا لا ندري فالغلام رقيق والابنة حرة ويعتق نصف الأم لأنها إن ولدت الغلام أولا فهي حرة والغلام رقيق وإن ولدت الجارية أولا فالجارية حرة والغلام والأم رقيقان فالأم تعتق في حال دون حال فيعتق نصفها والغلام عبد بيقين والجارية حرة بيقين إما أن تعتق بنفسها أو بعتق الأم

ولو كان قال إن كان أول ولد تلدينه غلاما فأنت حرة فولدت غلاما وجارية ، فإن ولدت الغلام أولا فالغلام رقيق والأم والجارية حرتان وإن ولدت الجارية أولا فهم أرقاء فالأم [ ص: 133 ] تعتق في حال دون حال فيعتق نصفها ، وكذلك الجارية والغلام رقيق بيقين وذكر في الكيسانيات عن محمد رحمه الله تعالى في هذا الفصل أنه لا يحكم بعتق واحد منهم ولكن يحلف المولى بالله ما يعلم أنها ولدت الغلام أولا ، فإن نكل عن اليمين فنكوله كإقراره وإن حلف فهم أرقاء بخلاف الفصل الأول لأنا تيقنا بحرية بعضهم ، واعتبار الأحوال بعد التيقن بالحرية صحيح وهنا لم يتيقن بشيء من الحرية لجواز أنها ولدت الجارية أولا فلا معنى لاعتبار الأحوال ولكنها تدعي عليه شرط العتق وهو منكر فالقول قوله مع يمينه
ولو قال ما في بطنك حر فولدت بعد ذلك لستة أشهر لا يعتق وإن ولدت لأقل من ستة أشهر عتق لأنه أوجب العتق لما هو موجود في بطنها وإذا ولدت لأقل من ستة أشهر فقد تيقنا أنه كان موجودا فأما إذا ولدت لستة أشهر فصاعدا لم نتيقن أنه كان موجودا والعلوق يضاف إلى أدنى مدة الحمل إلا في حالة الضرورة وإن ولدت واحدا لأقل منها بيوم والآخر لأكثر منها بيوم عتقا لأنا تيقنا بوجود الأول في بطنها وقت اليمين حين ولدته لأقل من ستة أشهر وهما توأم واحد خلقا من ماء واحد فالحكم بوجود أحدهما في البطن في وقت حكم بوجودهما
وإذا أعتق أمته ولها زوج حر فولدت ولدا لستة أشهر فصاعدا بعد العتق فنفاه الزوج لاعن ولزم الولد أمه لأن الحل قائم بين الزوجين فإنما يستند العلوق إلى أقرب الأوقات وهو ستة أشهر وتبين أنها علقت به في حال هما أهل اللعان فيقطع النسب عنه باللعان ويكون ولاؤه لموالي الأم لأنه لا نسب له من جهة الأب وإن وضعته لأقل من ستة أشهر لزم أباه ولاعن ، أما اللعان فلأنه قذفها في الحال وهي محصنة وأما لزوم الولد أباه فلأنا تيقنا أن العلوق كان قبل العتق وهي لم تكن من أهل اللعان فلزمه نسب الولد على وجه لا يملك نفيه فلا يتغير ذلك بالعتق بعده وولاء الولد لموالي الأم لأنه كان موجودا في البطن حين أعتق الأم فصار الولد مقصودا بالعتق وله ولاء نفسه
ولو قال لأمته إن كنت حبلى فأنت حرة ، فإن ولدت لأقل من ستة أشهر فهي حرة وولدها لأنه تبين أنه كان منجزا عتقها بالتعليق بشرط موجود وإن ولدت لستة أشهر أو أكثر لم تعتق لأنا لم نتيقن بوجود الشرط لجواز أن يكون هذا الولد من علوق حادث وما لم نتيقن بوجود الشرط لا ينزل الجزاء
ولو قال لها ما في بطنك حر فضرب رجل بطنها بعد هذا القول لأقل من ستة أشهر فألقت جنينا ميتا ففيه ما في جنين الحرة لأنا علمنا أنه كان موجودا في بطنها حين قال ذلك وأنه حكم بعتقه [ ص: 134 ] فإن قيل ) فلعله كان ميتا وإعتاق الميت باطل ( قلنا ) قد ظهر لموته سبب وهو الضرب فيحال بالحكم عليه ولما حكمنا بوجوب الضمان على الضارب فقد حكمنا بحياته إلى هذا الوقت فعلى الجاني ما في جنين الحرة
ولو قال لها إن كان أول ما تلدينه غلاما ثم جارية فأنت حرة وإن كانت جارية ثم غلاما فالغلام حر فولدت غلامين وجاريتين لا يعلم أيهما أول عتق نصف الأم وربع الأولاد لأنها إن ولدت الغلام أولا ثم الجارية فالأم حرة وإن ولدت الجارية أولا ثم الغلام فالأم رقيقة فهي تعتق في حال دون حال فيعتق نصفها وأحد الغلامين رقيق بيقين والآخر يعتق في حال دون حال فيعتق ربع كل واحد منهم ولا يقال من الجائز أنها ولدت الغلامين أولا ثم الجاريتين لأن هذا بمنزلة ولادة الغلام أولا ثم الجارية ، وإذا ولدت الجاريتين أولا ثم الغلامين فهذا بمنزلة ولادة الجارية أولا ثم الغلام لأن الشرط ولادة الغلام بعد ولادة الجارية وقد وجد سواء تخلل بينهما ولادة جارية أخرى أو لم يتخلل
وإن ولدت غلاما وجارية في بطن لا يعلم أيهما أول عتق نصف الأم ونصف الغلام لأن الأم تعتق في حال دون حال ، وكذلك الغلام فيعتق نصف كل واحد منهما والابنة أمة لأنها إن ولدت الغلام أولا ثم الجارية فإنما عتقت الأم بعد انفصال الجارية فهي أمة وإن ولدت الجارية أولا فهي أمة فعرفنا أن رقها متعين
وإن قال أول ولد تلدينه فأنت حرة فولدت ولدا ميتا عتقت لأن الميت ولد كالحي .

ألا ترى أن الجارية تصير به أم ولد والمرأة تصير به نفساء فيتم شرط عتقها بولادته ولو كأن قال هو حر لا ينحل يمينه بولادة الميت حتى إذا ولدت ولدا حيا بعد ذلك عتق الولد الحي في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ولم يعتق في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى ، وجه قولهما إن انحلال شرط اليمين تحقق بولادة الولد الميت وليس من ضرورة انحلال اليمين نزول الجزاء .

ألا ترى أنه لو قال أول عبد أشتريه فهو حر فاشترى عبدا لغيره انحلت اليمين حتى لو اشترى بعد ذلك عبدا لنفسه لم يعتق والدليل عليه أنه لو قال أول ولد تلدينه فهو حر وامرأته طالق فولدت ولدا ميتا وقع الطلاق ثم عندكم ولو ولدت ولدا حيا بعد ذلك يعتق الحي وهذا لا وجه له لأن الشرط إن صار موجودا بولادة الميت انحلت اليمين وإن لم يصر موجودا فينبغي أن لا يقع الطلاق والدليل عليه أن هذا الحي ثاني ولد حتى لو قال ثاني ولد تلدينه فهو حر يعتق هذا ولا يكون الشخص الواحد أولا وثانيا . وجه قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ما حكي [ ص: 135 ] عن أبي سعيد البردعي رحمه الله تعالى أنه كان يقول الولد الميت ولد في حق الغير حتى أن العدة تنقضي به والجارية تصير أم ولد وليس بولد في حق نفسه حتى لا يسمى ولا يصلى عليه فإذا كان الجزاء عتق الأم أو طلاق المرأة كان الميت ولدا فيه وإذا كان الجزاء عتق الولد لم يكن الميت ولدا فيه ولكن هذا تشه ومع أنه تشه لا معنى له فإنه يقال ينبغي أن يجعل ولدا في حق المولى حتى ينحل يمينه به وينبغي أن يجعل ولدا في حق الولد الثاني حتى لا يعتق فالوجه الصحيح أن يقول جازى بكلامه ما لا يجازى به إلا الحي فتصير الحياة مدرجة في كلامه ويكون المضمر كالمصرح به فكأنه قال أول ولد تلدينه حيا فهو حر وإنما قلنا ذلك لأن كلام العاقل محمول على الصحة ما أمكن ولا يصح هذا الكلام إلا بإضمار الحياة في الولد لأن الإعتاق إحداث القوة وذلك يتحقق في الحي دون الميت فتبين بقوله " فهو حر " أن حياة الولد مضمر في كلامه .

ألا ترى أنه لو قال إذا ولدت ولدا ميتا فهو حر كان كلامه لغوا وبه فارق الطلاق وعتق الأم لأنه لا حاجة في تصحيح ذلك الكلام إلى إضمار الحياة في الولد .

ألا ترى أنه لو صرح بموت الولد كان التعليق صحيحا ثم ما ثبت بطريق الاقتضاء يجعل ثابتا للحاجة والضرورة ففيما تتحقق فيه الحاجة يجعل مدرجا في كلامه وفيما لا تتحقق فيه الحاجة لا يجعل مدرجا ولا يبعد أن يكون الشرط واحدا ثم يحكم بوجوده في بعض الجزاء دون البعض كما لو قال لامرأته إذا حضت فأنت طالق وفلانة معك فقالت حضت تصدق في وقوع الطلاق عليها دون ضرتها ولما ثبت أن الحياة مدرجة في كلامه فالذي ولدته بعد الميت أول ولد حي وإن كان في الصورة ثاني ولد وليس هذا كقوله أول عبد أشتريه فهو حر لأن المشتري لغيره محل للعتق ، ألا ترى أن العتق ينفذ فيه من ملكه ومن المشتري موقوفا على إجازة مالكه فلا حاجة إلى إضمار الشراء لنفسه لتصحيح الكلام وههنا الميت ليس بمحل للعتق أصلا فلهذا جعلنا الحياة مدرجة في كلامه

وإن قال أول ولد تلدينه فهو حر فولدت ولدا وشهدت امرأة على الولادة وكذبها المولى وقال هذا عبدي من غيرها لم يعتق بشهادة امرأة في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يعتق وقد تقدم نظيره في الطلاق وقد بينا أن عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى بشهادة القابلة إنما يثبت ما هو من أحكام الولادة على الخصوص والعتق ليس من أحكام الولادة على الخصوص وعندهما لما قبلت شهادة القابلة في حق نسب الولد [ ص: 136 ] فكذلك تقبل فيما جعل بناء على الولادة ألا ترى أنه لو قال إن كان بها حبل فهو مني ثم جاءت امرأة تشهد على الولادة بعد هذا القول بيوم صارت أم ولد له وبالاستيلاد يثبت حق الحرية ولكن أبو حنيفة رحمه الله تعالى يفرق فيقول الاستيلاد من أحكام نسب الولد فأما هذا العتق ليس من حكم الولادة وشهادة القابلة حجة ضرورية فلا تكون حجة إلا فيما هو في حكم الولادة
وإن قال لها أنت حبلى فإذا ولدت فأنت حرة فشهدت امرأة على الولادة عتقت لا بشهادة القابلة عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى بل بمجرد قول الأمة لأنه لما أقر بأنها حبلى فقد جعل شرط وقوع العتق عليها ظهور ما هو موجود في بطنها وقد ظهر بقولها كما إذا قال لها إذا حضت فأنت حرة وقد تقدم نظير هذا في الطلاق
وإذا قال لها إذا حبلت فأنت حرة ثم وطئها فينبغي له في الورع والتنزه أن يعتزلها حتى يعلم أحامل هي أم لا لأن سبب الحبل هو الوطء فبعد ما وطئها يحتمل أنها قد حبلت وقد عتقت فلو وطئها كان حراما عليه والتحرز عن الحرام واجب فلهذا نأمره على طريق التنزه أن يعتزلها فإذا حاضت علمنا أنها ليست بحامل فيطأها مرة أخرى بعد ما تطهر وهكذا دأبه ودأبها ، وإن ولدت بعد هذه المقالة لأكثر من سنتين وقد وطئها قبل الولادة لأقل من ستة أشهر فعليه العقر لأنا تيقنا بوجود شرط العتق بعد اليمين وتيقنا بأنه وطئها بعد ما علقت فإنما وطئها وهي حرة بالشبهة فعليه العقر وإن ولدته لأقل من سنتين لم تعتق لأنا لم نتيقن بوجود الشرط وهو الحبل بعد اليمين لجواز أن يكون هذا الولد من علوق كان قبل اليمين ( فإن قيل ) فأين ذهب قولكم أن يستند العلوق إلى أقرب الأوقات ؟ ( قلنا ) نعم يستند العلوق إلى أقرب الأوقات إذا لم يكن فيه إثبات العتق بالشك لأن العتق بالشك لا ينزل وقد تقدم نظيره في الرجعة في الطلاق
وإذا قال لأمتيه ما في بطن إحداكما حر فله أن يوقع على أيهما شاء لأن ما في البطن في حكم العتق كالمنفصل وقد بينا في المنفصل أنه لو أوجب العتق في غير المعين كان البيان إليه فكذلك فيما في البطن ، فإن ضرب إنسان بطن أحدهما فألقت جنينا ميتا وقع العتق على ما في بطن الأخرى لأن الذي انفصل ميتا خرج من أن يكون محلا للعتق ومزاحما للآخر فيما أوجب فيتعين العتق في الآخر ضرورة ولو ضرب بطن كل واحدة منهما رجل معا فألقتا جنينين ميتين لأقل من ستة أشهر منذ تكلم بالعتق كان على كل واحد منهما ما في جنين الأمة لأن كل واحد من الجنينين كان مملوكا يقينا وبعد إيجاب العتق في المجهول بقيا كذلك وقد بينا في المنفصلين أنه لو قتل [ ص: 137 ] كل واحد منهما رجلا كان على كل واحد من القاتلين قيمة مملوك فهذا مثله

وإن قال ما في بطن هذه حر وما في بطن هذه حر أو سالم عتق ما في البطن الأولى والخيار بين سالم وما في بطن الثانية إليه لأنه أوجب العتق لما في بطن الأولى بعينها وخير نفسه بين عتق ما في بطن الثانية وسالم لأنه أدخل بينهما حرف " أو " وذلك للتخيير فكأنه قال ما في بطن هذه حر وأحد الآخرين فيعتق الأول بعينه والخيار إليه في الآخرين يوقع العتق على أيهما شاء



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.18 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.55 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.56%)]