عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 12-12-2025, 03:25 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,856
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السابع

صـــ 117 الى صـــ 126
(147)




وإن كان العتق بعد التدبير ضمن المعتق نصف قيمته مدبرا إن كان موسرا ; لأنه إنما تعذر عليه استدامة الملك في نصيبه بإعتاق المعتق ، وكان نصيبه عند الإعتاق مدبرا فلهذا ضمنه نصف قيمته مدبرا ، وإن لم يعلم أيهما أول فهو على القياس ، والاستحسان الذي بينا في القياس لا ضمان على المعتق ، وفي الاستحسان يضمن ربع قيمته مدبرا ، ويرجع به المعتق على العبد ، وعلى العبد مثل ذلك للمدبر ، والولاء بينهما .
ولو كان العبد بين صغير وكبير فأعتقه الكبير ، وهو غني وللصغير أب ، أو وصي فهو قائم مقامه في اختيار التضمين ، أو الاستسعاء ، وليس له أن يعتق ; لأنه تبرع ، وذلك لا يثبت للأب ، والوصي في مال الولد فإن لم يكن له أب ، ولا وصي أستؤني به بلوغه ليختار إما الضمان ، أو الإعتاق ، أو الاستسعاء ، وقيل هذا إذا كان في موضع لا قاضي فيه فإن كان في موضع فيه قاض نصب القاضي له قيما يختار التضمين ، أو الاستسعاء فإن ذلك أنفع للصبي ; لأنه يتعذر التصرف في نصيب الصبي من العبد بعد العتق ، وكذلك إن كان مكان الصبي مكاتب ، أو عبد مأذون عليه دين فهو مخير بين الضمان ، والسعاية ، وليس له أن يعتق ; لأنه تبرع لا يحتمله كسب المكاتب ، والمأذون فأما التضمين ، والاستسعاء فله ذلك في المكاتب ; لأن المكاتب يملك أن يكاتب ، والاستسعاء بمنزلة الكتابة فأما في العبد المديون فينبغي أن يكون له حق التضمين فقط ; لأن الاستسعاء بمنزلة الكتابة ، وليس للمأذون أن يكاتب ، ولكن قال سبب الاستسعاء قد تقرر ، وهو عتق الشريك على وجه لا يمكن إبطاله ، وربما يكون الاستسعاء أنفع من التضمين فلهذا ملك المأذون ذلك وإن كان لا يملك الكتابة ابتداء ، وإذا اختار المكاتب ، أو المأذون التضمين ، أو الاستسعاء ، فولاء نصيبهما للمولى ; لأنه ليس من أهل الولاء فثبت الولاء لأقرب الناس إليهما ، وهو المولى وإن لم يكن على العبد دين فالخيار للمولى كما يكون بين حرين ; لأن كسب العبد مملوك للمولى في هذه الحالة .
وإذا قال أحد الشريكين للعبد : إن دخلت المسجد اليوم فأنت حر ، وقال : له الآخر إن لم تدخل المسجد اليوم فأنت حر فمضى [ ص: 118 ] اليوم ، وقال كل واحد منهما : حنث صاحبي فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله تعالى - يسقط نصف السعاية عن العبد ، وعند محمد رحمه الله تعالى لا يسقط عنه شيء من السعاية إذا كانا معسرين ; لأن كل واحد من الشريكين شاهد على صاحبه بالعتق فلا يسقط شيء من السعاية عن العبد إذا كانا معسرين ، وهذا ; لأن المقضي عليه بسقوط حقه في السعاية مجهول ، والقضاء بالمجهول لا يجوز ، ألا ترى أنه لو كان بينهما عبدان سالم ، وبزيغ ، فقال أحدهما : إن دخلت المسجد اليوم فسالم حر ، وقال الآخر إن لم تدخل اليوم فبزيغ حر فمضى اليوم ، ولا يدرى أدخل ، أو لم يدخل لا يسقط شيء من السعاية عن العبد ; لجهالة المقضي عليه منهما فهذا مثله ، وهما يقولان تيقن القاضي بحنث أحدهما وسقوط نصف السعاية عن العبد ، ولا يجوز له أن يقضي بوجوب ما تيقن سقوطه ، كمن طلق إحدى نسائه الأربع قبل الدخول ثم مات قبل أن يبين سقط نصف الصداق للتيقن به وإن كان المقضي عليها منهن مجهولا ، ولكن لما كان المقضي له معلوما جاز القضاء به فهنا أيضا المقضي له بسقوط نصف السعاية عنه معلوم ، وهو العبد فيجوز القضاء به وإن كان المقضي عليه مجهولا بخلاف العبدين ، فإن الجهالة هناك في المقضي له والمقضي عليه جميعا فيمتنع القضاء لتفاحش الجهالة ، وبخلاف ما لو شهد كل واحد منهما على صاحبه بالعتق ; لأن هناك لم يتيقن بسقوط شيء من السعاية عن العبد لجواز أن يكونا كاذبين في شهادتهما ، وهنا تيقنا بسقوط نصف السعاية ; لأن أحد الموليين حانث لا محالة .

ثم تخريج المسألة على قول أبي حنيفة أن العبد يسعى في نصف قيمته بينهما نصفين موسرين كانا ، أو معسرين ، أو كان أحدهما موسرا ، والآخر معسرا ; لأنه ليس أحدهما بإسقاط حقه في السعاية بأولى من الآخر ، ويسار المعتق عنده لا يمنع وجوب السعاية على العبد فيتوزع الساقط عليهما نصفين ، ويكون الباقي ، وهو نصف القيمة بينهما نصفان ، وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى إن كانا معسرين فكذلك الجواب ، وإن كانا موسرين لم يسع لواحد منهما في شيء ; لأن كل واحد منهما يدعي الضمان على شريكه ، ويتبرى من السعاية فإن يسار المعتق عنده يمنع وجوب السعاية ، وإن كان أحدهما موسرا ، والآخر معسر يسعى في ربع قيمته للموسر منهما ; لأن المعسر يتبرأ من السعاية ، والموسر يقول شريكي معتق ، وهو معسر فلي حق استسعاء العبد فلهذا يسعى له في ربع قيمته ، وعند محمد رحمه الله تعالى إن كانا معسرين يسعى في جميع قيمته بينهما نصفان ، وإن كانا موسرين لا يسعى لواحد منهما ; لأن كل [ ص: 119 ] واحد منهما تبرأ من السعاية فإن يسار المعتق عنده يمنع وجوب السعاية ، وإن كان أحدهما موسرا ، والآخر معسرا يسعى في نصف قيمته للموسر منهما ; لأنه يدعي السعاية عليه ، ولا يسعى للمعسر في شيء ; لأنه يتبرأ من السعاية ، ويدعي الضمان على شريكه فعليه إثباته بالحجة .
رجل أعتق عبده عند الموت ، ولا مال له غيره فأمر العبد موقوف في جنايته ، وشهادته ، ونكاحه بغير إذن المولى وهذا بخلاف ما لو ، وهبه من إنسان في مرضه فإن الهبة تكون صحيحة حتى لو كانت جارية حل للموهوب له وطؤها بعد الاستبراء ، والأصل أن كل تصرف يحتمل النقض بعد نفوذه فهو نافذ من المريض لقيام ملكه في الحال ، والهبة من هذا النوع ، وكل تصرف لا يحتمل النقض بعد نفوذه يتوقف من المريض ; لأن متردد بين أن يبرأ فيكون متصرفا في حق نفسه ، أو يموت فيكون متصرفا في حق ورثته ، ولا يمكن دفع الضرر عن الورثة بالإبطال بعد النفوذ ; لأن هذا النوع من التصرف لا يحتمل ذلك فيدفع الضرر عنهم يتوقف حكم التصرف على ما يتبين في الثاني ، والعتق من هذا النوع فيوقف منه حتى إذا برئ من مرضه تبين أنه كان نافذا ، وأن في الجناية ، والشهادة كحال الحر ، وإن مات من مرضه ، وهو يخرج من ثلثه وكذلك إن لم يكن له مال سواه فعليه السعاية في ثلثي قيمته ; لأن العتق في المرض ، وصية لا تنفذ إلا من الثلث ، ومادام يسعى فهو كالمكاتب ; لأن سعايته في بدل رقبته فهو بمنزلة معتق البعض يكون كالمكاتب مادام يسعى بخلاف المرهون يعتقه الراهن ، وهو معسر فهو وإن كان يسعى في الدين إلا أن السعاية هناك ليس في بدل الرقبة بل في الدين الذي هو على الراهن ، ولهذا يرجع عليه إذا أيسر فلا يمنع سلامة الرقبة له ، وهنا السعاية في بدل الرقبة فلا تسلم له رقبته ما لم يؤدها .

وإذا أعتق أحد الشريكين نصيبه من العبد في مرضه ثم مات وهو موسر لم يضمن حصة شريكه في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وقالا هو ضامن لشريكه قيمة نصيبه تستوفى من تركته ; لأن هذا ضمان الإتلاف ، والإفساد فإذا تقرر سببه من المريض كان هو ، والصحيح سواء ، كضمان المغصوب ، والمتلفات ، وهذا ضمان التملك فيستوي فيه الصحيح ، والمريض كالضمان بالاستيلاد ، والحجر بسبب المرض لا يكون أعلى من الحجر بسبب الرق ثم المكاتب لو كاتب نصيبه كان ضامنا لنصيب شريكه فالمريض أولى .

وحجة أبي حنيفة رحمه الله ما قال في الكتاب من قبل : أن الضمان لو وجب لوجب أن يكون من مال الورثة يعني أن تركته تنتقل إلى ورثته بالموت فلو استوفى ضمان العتق إنما يستوفي من مال الوارث [ ص: 120 ] ولا سبب لوجوب هذا الضمان على الوارث .

( فإن قيل ) لا كذلك بل هذا دين لزمه فيمنع انتقال المال إلى وارثه .

( قلنا ) ما لزمه شيء قبل أن يختار الشريك ضمانه ، ولو لزمه فهذا ليس بدين صحيح يتقرر ، ألا ترى أن العسرة تمنع وجوبه ، ومثل هذا الدين لا يمنع ملك الوارث ثم تقريره من وجهين : أحدهما - أن هذا في الصورة دين وفي المعنى صلة ; لأن وجوبها لإكمال الصلة ، وهو العتق والصلة ، وإن تقرر سببها في حياته يجعل كالمضاف إلى ما بعد الموت حتى يتعين من الثلث ولهذا الحرف قال ابن أبي ليلى رضي الله تعالى عنه : إن كان الضمان يخرج من ثلث ماله يجب ، وإلا فلا ، ولكنا نقول : لكونه في حكم الصلات لا يمنع نقل الملك إلى الوارث ، ولا يجوز استيفاؤه من مال الوارث لما قلنا ; ولأن المرض أنفى للضمان من الفقر حتى أن الفقر لا يمنع ضمان الكفالة ، والمرض يمنع منه فيما إذا زاد على الثلث فإذا كان الفقر ينفي وجوب الضمان للعتق أصلا فلأن ينفيه من مرض الموت أصلا أولى ، وهذا بخلاف المكاتب ; لأن الضمان هناك يجب في كسبه وهو أحق بكسبه يدا ، وتصرفا إنما ينعدم بسبب الرق حقيقة الملك ، والغنى ، وقد بينا أنه لا معتبر بالغنى في وجوب ضمان العتق إنما المعتبر هو اليسر ، والأداء على المكاتب متيسر هناك من كسبه ، والمكاتب فيما يتقرر منه من أسباب الصلة كالحر .

ألا ترى أن المحاباة اليسيرة تصح منه بالاتفاق ، ومن المريض تعتبر من ثلثه ، وهذا بخلاف ما لو كان العتق في الصحة فإن الضمان يستوفى من تركته بعد موته ; لأن السبب هناك تقرر في حال كونه مطلق التصرف في الصلات فيتقرر وجوبه عليه ، ألا ترى أنه لو كفل بمال في صحته فهو معتبر من جميع ماله بخلاف ما إذا كفل في مرضه فهذا مثله .
وإذا أعتق أحد الشريكين العبد ثم اختلفا فقال المعتق : أعتقته ، وأنا معسر عام أول ثم أصبت مالا بعد ذلك وقال الآخر : بل أعتقته عام أول ، وأنت موسر فالقول قول المعتق ; لأن يتبدل في مثل هذه المدة ، وإن أقاما البينة فالبينة بينة الساكت ; لأنه يثبت اليسار ، والضمان لنفسه بسببه .

وإذا كان العبد بين رجلين فقال أحدهما : إن لم أضربه اليوم فهو حر ، وقال الآخر : إن ضربته سوطا فهو حر فضربه سوطين ثم مات منهما ففي المسألة حكمان حكم العتق ، وحكم الجناية أما حكم العتق أنه يعتق نصيب الذي لم يضربه لوجود شرط حنثه حين ضربه سوطا ، وإن كان موسرا فللضارب الخيار بين أن يضمنه نصف قيمته مضروبا سوطا وبين أن يستسعى العبد في ذلك ; لأنه إنما صار معتقا له ، وهو منقوص بضرب السوط الأول ، وقد بينا أن إيجاد الشرط [ ص: 121 ] من الضارب لا يسقط حقه في الضمان فلهذا كان له أن يضمنه نصف قيمته مضروبا سوطا ، وأما حكم الجناية فإن الضارب يضمن نصف ما نقصه السوط الأول لشريكه في ماله ; لأن جنايته بضرب السوط الأول لاقى ملكا مشتركا بينهما ثم قد انقطعت سراية هذه الجناية بالعتق بعدها ، والجناية على المماليك فيما دون النفس لا تعقله العاقلة فلهذا يضمن له نصف النقصان بالسوط الأول في ماله ثم يضمن ما نقصه السوط الآخر كله ; لأنه صار بمنزلة المكاتب ; حين أعتق نصيبه ، وجنايته على مكاتبه ، وعلى مكاتب غيره موجبة للضمان عليه ويضمن نصف قيمته بعد السوطين ; لأنه مات من السوطين جميعا وأحدهما صار هدرا ، والآخر معتبر فيضمن نصف قيمته مضروبا سوطين ، ويجمع ذلك مع نقصان السوط الثاني فيكون على العاقلة ; لأن الجناية الثانية صارت نفسا فما يجب باعتبارها يكون على العاقلة وهذا تركة العبد يستوفي منه الشريك ما ضمن ; لأنه كان له حق الرجوع على العبد بما ضمن لشريكه فيرجع في تركته بعد موته ، وما بقي بعده فهو ميراث للمعتق ; لأن الولاء قد صار له في الكل .

وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - : لا يغرم نقصان السوط الثاني ; لأنه بعتق البعض عتق كله ، والنقصان غير معتبر في الجناية على الأحرار ، ولكن يجب نصف ديته على عاقلته فإن كان له وارث فهو لوارثه ، وإلا فهو للمعتق ، ولا يرجع فيه بشيء مما ضمن لشريكه ، وإن كان المعتق معسرا فإن الشريك الذي لم يعتق لم يرجع بما غرمه من نقصان السوط الآخر ، ومن نصف قيمته مضروبا بسوطين بل بنصف قيمة العبد ; لأنه كان له حق استسعاء العبد في ذلك فيستوفيه من تركته ، وما بقي فهو بين الشريك ، والمعتق ، وبين أقرب الناس إلى الضارب من العصبة .

لأن الولاء بينهما ، ولكن الضارب قاتل فيكون محروما عن الميراث ، ويجعل كالميت فيقوم أقرب عصبة مقامه في ذلك وعندهما الواجب نصف الدية يستوفي منه الضارب نصف القيمة ، وهو السعاية ، وما بقي فهو كله للمعتق ; لأن الولاء في الكل له عندهما
وإذا قال : كل مملوك أملكه فيما أستقبل فهو حر فملك مملوكا مع غيره لا يعتق ; لأن شرط عتقه أن يملك مملوكا مطلقا ، ونصف المملوك لا يتناوله هذا الاسم فإن اشترى نصيب شريكه عتق ; لأن الشرط قد تم حين صار الملك في الكل له ولا فرق بين أن يملك المملوك جملة ، أو متفرقا ، وإن باع نصيبه أولا ثم اشترى نصيب شريكه لم يعتق ; لأنه لم يحصل في ملكه مملوك تام في شيء من أحواله والعرف الظاهر بين الناس أنهم يريدون بهذا اللفظ الملك التام .

ولو قال لمملوك بعينه : إذا ملكتك فأنت حر فاشترى [ ص: 122 ] نصفه ثم باع ثم اشترى النصف الباقي عتق ; لأن الشرط قد تم حين اشترى النصف الباقي والموجود في ملكه هذا النصف يعتق ، والقياس في المعين ، وغير المعين سواء غير أنه استحسن وفرق بينهما بحرفين ( أحدهما ) أن الوصف في المعين غير معتبر ، والاجتماع في الملك ، وصف فيعتبر ذلك في غير المعين ، ولا يعتبر في المعين ( والثاني ) العادة فإن الإنسان يقول ما ملكت قط مائة درهم ، ويريد بذلك مجتمعا لا متفرقا ، وفي المعين لا يقول ما ملكت هذه المائة درهم إذا كان ملكها متفرقا .
وإن قال إن اشتريته فهو حر فاشتراه شراء فاسدا لم يعتق ; لأن شرط حنثه تم قبل أن يقبضه ، ولا ملك له في القبض ، ألا ترى أنه لو أعتقه لا ينفذ عتقه فإن كان في يده حين اشتراه عتق ، ومراده إذا كان مضمونا بنفسه في يده حتى ينوب ، قبضه عن قبض الشراء فيصير متملكا بنفس الشراء فيعتق لوجود الشرط ، وإذا جنى المستسعى فهو بمنزلة المكاتب يحكم عليه بالأقل من أرش الجناية ، ومن قيمته ; لأن الرق فيه باق ، وهو أحق بمكاسبه فيكون كالمكاتب في جنايته ألا ترى أنه كالمكاتب في الجناية عليه فإن جنى جناية أخرى بعد الحكم بالأولى حكم في الثانية بمثل ذلك ; لأن الأولى بالقضاء تحولت إلى كسبه فتتعلق الثانية برقبته ، وإن لم يكن حكم بالأولى تحاصا في القيمة ; لأنهما تعلقا برقبته فلا يلزمه باعتبارهما إلا قيمة واحدة ، وبيان هذه الفصول في كتاب الديات .

وإن حفر بئرا في غير ملكه فوقع فيه إنسان فعليه أن يسعى في قيمته ; لأنه متعد فيه فهو في حكم الضمان كجنايته بيده ، وإن وقع فيه آخر اشتركوا في تلك القيمة لاستناد الجنايتين إلى سبب واحد ، وهو الحفر ، ولا يجب بالسبب الواحد إلا قيمة واحدة ، وإن وجد في داره قتيل سعى في قيمته ; لأن التدبير في حفظ داره إليه فكان حكم القتيل الموجود فيها كحكم الذي جنى عليه بيده ، وما أفسد من الأموال فهو عليه بالغا ما بلغ ; لأنه بمنزلة المكاتب في ذلك كله عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعندهما هو حر في جميع أحكامه .
وإذا أعتق أحد الشريكين الجارية ، وهي حامل ثم أعتق الآخر ما في بطنها ثم أراد أن يضمن شريكه نصف قيمة الأم لم يكن له ذلك ، وهذا اختيار منه للسعاية ; لأنه بإعتاق الجنين استحق ولاءه ، وهو في حكم جزء من أجزاء الأم ولو اكتسب سبب الولاء في جزء منها سقط حقه في تضمين الشريك ; ولأنه منع تمليك ما في بطنها من الشريك بالضمان فلهذا صار به مختارا للسعاية ، ولو أعتقا جميعا ما في بطنها ثم أعتق أحدهما الأم ، وهو موسر كان لصاحبه أن يضمنه نصف قيمتها إن شاء ; لأن بعد إعتاق الجنين كانا يتمكنان [ ص: 123 ] من استدامة الملك فيها ، والتصرف بعد الوضع ، وقد امتنع على الساكت ذلك بإعتاق الشريك ، وهو موسر فكان له أن يضمنه نصف قيمتها إن شاء ، والحبل نقصان في بنات آدم لا زيادة فإنما يضمنه نصف قيمتها حاملا ; لأنه أعتقها ، وهي على هذه الصفة ، والله أعلم بالصواب .
باب الشهادة في عتق الشركاء

( قال ) وإذا شهد الشاهدان أن أحد الشريكين أعتق العبد ولا يدرون أيهما هو وجحد الموليان لم تجز شهادتهما لأنهما لم يبينا المعتق منهما والحجة هي البينة فما لا تكون مبينة لا تكون حجة ولأن الشهادة لا توجب شيئا بدون القضاء ولا يتمكن القاضي من الإيجاب على المجهول
فإن شهد أحد الشريكين على صاحبه بالعتق لم تجز شهادته لأنه في الحقيقة يدعي إما الضمان على شريكه أو السعاية على العبد في نصيبه ولكن الرق يفسد بإقراره لأنه متمكن من إفساد الرق بإعتاقه فإذا أقر بفساد الرق بإعتاق الشريك يعتبر إقراره في ذلك ثم يسعى العبد في قيمته بينهما في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى موسرين كانا أو معسرين أو كان أحدهما موسرا والآخر معسرا لأن يسار المعتق عنده لا يمنع وجوب السعاية فالشاهد منهما يقول : شريك معتق ولي حق استسعاء العبد مع يساره ، والمشهود عليه يقول : الشاهد كاذب ولا ضمان لي عليه ولكن لي حق استسعاء العبد لاحتباس نصيبي عنده وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى إن كان المشهود عليه معسرا فكذلك الجواب وإن كان موسرا يسعى للمشهود عليه في نصف قيمته ولا يسعى للشاهد في شيء لأن المشهود عليه يدعي السعاية مع يسار الشاهد فإنه يزعم أنه كاذب وليس بمعتق فلا يضمن شيئا مع يساره فإن الشاهد تبرأ من السعاية عند يسار المشهود عليه لأنه يقول هو معتق ضامن لنصيبي ويدعي السعاية عند عسرة المشهود عليه فيسعى له في هذه الحالة

ولو شهد أحد الشريكين مع آخر على شريكه باستيفاء السعاية لم تجز شهادته عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لأنه شهد لعبده فإنه بمنزلة المكاتب لهما ما دام يسعى والمكاتب عبد لمولاه ولأنه متهم فلعله قصد استخلاص كسبه لنفسه بشهادته على صاحبه بالاستيفاء ،
وكذلك لو شهد عليه بغصب أو جراحة أو شيء يجب به عليه مال فشهادته مردودة لأنه شاهد لعبده . عبد بين ثلاثة شهد اثنان منهم على صاحبهما أنه أعتقه فحكم على العبد أن يسعى لهم في قيمته فأدى إلى واحد منهم شيئا كان [ ص: 124 ] ذلك بينهم أثلاثا لأن السعاية وجبت لهم عليه بسبب واحد فيكون المستوفى مشتركا بينهم ولأنه بمنزلة العبد لهم فلا يكون لأحدهم الاختصاص بشيء من كسبه ، فإن شهد اثنان منهم على الآخر أنه استوفى منه حصته لم تجز شهادتهما من قبل أنهما يجران إلى أنفسهما منفعة حتى يأخذا منه ثلثي ما استوفاه ، وكذلك إن شهدا أنه استوفى المال كله بوكالة منهما لم تجز شهادتهما عليه لما قلنا ويبرأ العبد من حصتهما لإقرارهما فيه بقبض مبرئ ، فإن قبض وكيلهما في براءة المديون كقبضهما ويستوفي المشهود عليه حصته من العبد ولا يشاركه في ذلك الشاهدان لأنهما أسقطا حقهما بالشهادة السابقة ولأنهما يزعمان أنه ظالم في هذا الاستيفاء لا حق له فيه ولا لهما وإن شهدا بدين لهذا العبد على أجنبي لم تقبل لأنه بمنزلة عبدهما ما دام يسعى
وإذا شهد شاهدان على أحد الشريكين أن شريكه الغائب أعتق حصته من هذا العبد فعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى تقبل هذه الشهادة ويقضى بعتقه لأن العتق عندهما لا يتجزأ فينتصب الحاضر خصما عن الغائب وهما في الحقيقة يشهدان على الحاضر بعتق نصيبه وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا تقبل هذه الشهادة لأن العتق عنده يتجزأ فإنما يشهدان بعتق نصيب الغائب خاصة وليس عنه خصم حاضر والقضاء على الغائب بالشهادة لا يجوز ولكن يحال بينه وبين هذا الحاضر أن يسترقه ، ويوقف حتى يقدم الغائب استحسانا ، وفي القياس لا يحال لأن هذه الحيلولة تنبني على ثبوت العتق في نصيب الغائب ولا يثبت ذلك بالشهادة بدون القضاء ولكن في الاستحسان ، قال : هما يشهدان على الغائب بالعتق وعلى الحاضر بقصر يده عنه لأن معتق البعض بمنزلة المكاتب لا يد عليه لمولاه والحاضر خصم في إثبات قصر يده عنده فتقبل هذه الشهادة في هذا الحكم إذ ليس من ضرورة القضاء على الغائب فهو نظير من وكل بعتق عبده فأقام العبد البينة على الوكيل أن مولاه أعتقه لا يحكم بعتقه ولكن يحكم بقصر يد الوكيل عنه حتى يحضر المولى فتعاد عليه البينة فكذلك هنا إذا حضر الغائب فلا بد من إعادة البينة عليه للحكم بعتقه ; لأن الأولى قامت على غير خصم ، فإن كانا غائبين فقامت البينة على أحدهما بعينه أنه أعتق العبد لم تقبل هذه الشهادة إلا بخصومة تقع من قبل قذف أو جناية أو وجه من الوجوه فحينئذ تقبل البينة إذا قامت على أن الموليين أعتقاه أو أن أحدهما أعتقه واستوفى الآخر السعاية منه لأن الخصم الحاضر لا يتمكن من إثبات ما يدعيه على العبد إلا بإثبات حريته والعبد لا يتمكن من دفعه إلا بإنكار حريته [ ص: 125 ] فينتصب خصما على الغائبين في ذلك

وإن شهد شاهد على أحد الشريكين أنه أعتقه وشهد آخر على الشريك الآخر أنه أعتقه لم يحكم بشهادتهما أما على مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يشكل لأن المشهود به مختلف والمشهود عليه كذلك وأما عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى فلأن أحدهما شهد بعتق يبرأ فيه من نصيب زيد إلى نصيب عمرو ، والآخر شهد بعتق يبرأ فيه من نصيب عمرو إلى نصيب زيد ولم يتفق الشاهدان على واحد من الأمرين فلا يحكم بشهادتهما
وإن كان العبد لمسلم ونصراني شهد نصرانيان عليهما بالعتق جازت شهادتهما على النصراني لأن شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض مقبولة وشهادتهم على المسلمين مردودة فإنما يثبت العتق في نصيب النصراني خاصة فهذا وما لو شهد عليه أنه أعتق نصيبه سواء حتى يخير المسلم بين الإعتاق والتضمين والاستسعاء ، فإن شهدا على المسلم منهما بأنه أعتق نصيبه فالشهادة باطلة والعبد مملوك لهما على حاله بخلاف ما إذا شهد النصراني على شريكه بالعتق فإن ذلك إقرار منه في نصيبه بفساد الرق ، والإقرار يلزم بنفسه قبل القضاء وهذه شهادة لا توجب شيئا إلا بالقضاء وليس للقاضي أن يقضي على المسلم بشهادة النصراني
ولو شهد نصرانيان على شهادة مسلمين أن النصراني أعتقه فهذا باطل لأنهما يثبتان شهادة المسلمين عند القاضي وكما لا يثبت قضاء القاضي على المسلمين بشهادة النصراني وإن كان الخصم نصرانيا فكذلك لا تثبت شهادة المسلمين بشهادة النصراني
وإذا كان العبد بين ثلاثة نفر ادعى أحدهم أنه أعتق نصيبه على ألف وشهد له شريكاه على العبد فالشهادة جائزة لأن نصيبه من العبد قد عتق بإقراره وإنما بقي دعواه المال عليه فالآخران يشهدان بالمال على أحدهما ولا تهمة في هذه الشهادة
ولو شهد ابنا أحد الشركاء أن أباهما قد أعتق العبد بغير جعل جازت شهادتهما لأنهما يشهدان على أبيهما ، وشهادة ابن العبد بالعتق تقبل إن كان العبد ينكر ذلك والمولى يدعيه وإن كان العبد يدعي ذلك لا تقبل لأنهما يشهدان لأبيهما ، وكذلك إن شهدا بوجود شرط العتق بعد ظهور التعليق فإنما يشهدان لأبيهما فلا تقبل شهادتهما
ولو ادعى المولى أنه أعتقه بألف درهم وقال العبد أعتقني بغير شيء فشهد ابنا المولى للعبد بما ادعى وأقام الأب شاهدين على أنه أعتقه بألف درهم فإنه يؤخذ له بألف لأنه يثبت المال ببينة والعبد ينفي المال بما يقيم من البينة وعند التعارض يرجح بين البينتين

وإذا كانت بين رجلين فشهد ابنا [ ص: 126 ] أحدهما على الشريك أنه أعتقها فشهادتهما باطلة لأنهما شهدا لأمة أبيهما ولأنهما يشهدان لأبيهما بثبوت حق التضمين له قبل الشريك إن كان موسرا ، ولو شهدا على أبيهما أنه أعتقها جاز ذلك لأنه لا تهمة في شهادتهما على أبيهما ، فإن كان الأب موسرا ثم ماتت الخادمة وتركت مالا وقد ولدت بعد العتق ولدا فأراد الشريك أن يستسعي الولد فليس له ذلك كما في حياة الأم لم يكن له سبيل على استسعاء الولد فكذلك بعد موتها إذا خلفت مالا ، ولكنه يضمن الشريك كما كان يضمنه في حياتها ثم يرجع الشريك بما يضمن في تركتها كما كان يرجع عليها لو كانت حية وما بقي فهو ميراث للابن لأن بأداء ما عليها من السعاية يحكم بعتقها وعتق ولدها مستندا إلى حال حياتها على ما نبينه في المكاتبة ، وإن لم تدع مالا رجع بذلك على الابن لأن الابن مولود في الكتابة والمولود في الكتابة يسعى فيما على أمه بعد موتها لأنه جزء من أجزائها فبقاؤه كبقائها ولأنه محتاج إلى تحصيل العتق لنفسه ولا يتوصل إلى ذلك إلا بأداء ما على أمه ، وإن لم تمت فاختار الشريك أن يستسعيها فهي بمنزلة المكاتبة في تلك السعاية والحاصل أن بعد موتها ليس للشريك أن يستسعيها باعتبار بقاء الولد وفي حال حياتها له أن يستسعيها لأن حق الاستسعاء باعتبار احتباس نصيب الشريك عندها وذلك لا يتحقق بعد موتها ولا حق للشريك في ولدها فلهذا لا يستسعيها باعتبار بقاء الولد ولا باعتبار بقاء المال ولكنه يضمن الشريك ، وأما في حال حياتها فقد تقرر احتباس نصيب الشريك عندها فكان له أن يستسعيها وهي بمنزلة المكاتبة ما دامت تسعى حتى ليس لها أن تتزوج بدون إذن مولاها وإن ولدت فولدها بمنزلتها وإناشترت أباها أو أمها أو ولدها فليس لها أن تبيعهم ولو اشترت أخاها أو ذا رحم محرم منها فلها أن تبيعهم في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى استحسانا وليس لها ذلك في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى وهو القياس . أصل المسألة في المكاتب . وجه قولهما أن الحر لو اشترى أخاه يصير في مثل حاله
فكذلك المكاتب إذا اشترى أخاه يصير في مثل حاله ألا ترى أن في الآباء والأولاد لا يفصل بين المكاتب وبين الحر حتى يصير في مثل حاله في الوجهين فكذلك في كل ذي رحم محرم لأن القرابة المتأيدة بالمحرمية بمنزلة الولاد في استحقاق الحرية كما في استحقاق العتق بها وهذا لأن ما للمكاتب من الحق في كسبه يحتمل الكتابة حتى لو كاتب عبده صح كما أن ما للحر من الملك يحتمل العتق فإذا سوى هناك بين الإخوة والآباء في إثبات ما يحتمله ملك الحر [ ص: 127 ] فكذلك يسوي بينهما هنا في إثبات ما يحتمله كسب المكاتب . وجه الاستحسان لأبي حنيفة أن من تكاتب عليه يكون تبعا له أن الكتابة لا تكون إلا ببدل وليس عليه شيء من البدل فعرفنا أنه تبع ومعنى الأصالة والتبعية يتحقق فيما بين الآباء والأولاد لأجل الجزئية فيستقيم أن يتكاتب عليه بسبب الجزئية فأما معنى الأصالة والتبعية لا يتحقق بين الإخوة وسائر القرابات فلا يتكاتب أحدهما على الآخر ، والثاني أن المكاتب كسائر الآباء والأولاد يثبت باعتبار الكسب على أن يوفي بعد ظهور الملك فإن الابن إذا كان مكتسبا يقضى عليه بنفقة أبيه على أن يملك بالاكتساب فيؤدي ، فكذلك هنا ثبت حق الآباء والأولاد في الكسب على أنه متى ثبت الملك بالعتق عتق عليه فيمتنع بيعهم لهذا ، ولا يثبت حق الإخوة في الكسب على أن يوفي من الملك إذا ظهر فكذلك لا يثبت حق الإخوة في كسب المكاتب ولا يمتنع عليه بيعهم ولا يدخل على هذا الكلام أنه لا يقضى على المكاتب بالنفقة لآبائه وأولاده الأحرار لأن الاستحقاق بالكسب على أن يقضي من الملك وهنا لو قضي عليه بالنفقة لزمه ذلك قبل تمام الملك له بالعتق وذلك لا يجوز لأن ماله من الحق قبل العتق لا يحتمل الصلة التامة . توضيحه أن الأقارب يكثرون فلو تعذر عليه بيعهم إذا دخلوا في ملكه أدى إلى تفويت المقصود بالكتابة وهو تحصيل المال ليؤدي فيعتق ولا يوجد مثل ذلك في الآباء فلهذا استحسن أبو حنيفة رحمه الله تعالى

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.62 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.99 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.55%)]