عرض مشاركة واحدة
  #145  
قديم 12-12-2025, 03:10 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,856
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السابع

صـــ 97 الى صـــ 106
(145)





( فإن قيل ) قضاء القاضي إنما ينفذ عند أبي حنيفة رحمه الله إذا لم يتيقن ببطلانه فأما بعد التيقن ببطلانه لا ينفذ كما لو ظهر أن الشهود عبيد ، أو كفار ، وهنا قد تيقنا ببطلان الحجة حين كان ، وزن القيد خمسة أرطال ، وبعدما علم كذبهم بيقين لا ينفذ القضاء باطنا فإنما عتق بحل القيد .

( قلنا ) لا كذلك بل نفوذ القضاء عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى باعتبار أنه يسقط عن القاضي تعرف ما لا طريق له إلى معرفته ، وهو حقيقة صدق الشهود ولا يسقط عنه الوقوف على ما يتوصل إليه كفرهم ، ورقهم ; لأن التكليف يثبت بحسب الوسع ، وقد تعذر على القاضي هنا الوقوف على حقيقة ، وزن القيد ; لأنه لا يعرف ذلك إلا بعد أن يحله وإذا حله عتق العبد فيسقط عنه حقيقة معرفة وزن القيد ونفذ قضاؤه بالعتق بشهادتهما ظاهرا ، وباطنا .

( فإن قيل ) لا كذلك فقد يمكنه معرفة وزن القيد قبل أن يحله ، بأن يضع رجلي العبد مع القيد في طست ، ويصب فيه الماء حتى يعلوا القيد ، ثم يجعل على مبلغ الماء علامة ، ثم يرفع القيد إلى ساقه ، ويضع حديدا في الطست إلى أن يصل الماء إلى تلك العلامة ثم يزن ذلك الحديد فيعرف به وزن القيد .

( قلنا ) هذا من أعمال المهندسين ، ولا تنبني أحكام الشرع على مثله مع أنه إنما يعرف وزن القيد بهذا الطريق إذا استوى الحديدان في الثقل ، ولا يعرف ذلك .

ولو شهدا أنه أعتق عبده سالما ، وله عبدان اسم كل واحد منهما سالم ، والمولى يجحد ذلك لم يعتق واحد منهما في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ; لأنه لا بد من الدعوى لقبول الشهادة عنده ، والدعوى لا تتحقق من المشهود له ; لأنه غير معين منهما ، ولا يتمكن الشهود من تعيينه فبطلت شهادتهما لهذا وإن قالا قد سماه لنا فنسينا اسمه فشهادتهما باطلة لإقرارهما على أنفسهما بالغفلة ، وبأنهما ضيعا شهادتهما ، وحكي عن زفر رحمه الله تعالى أن الشهادة تقبل ويقال للمولى : بين ; لأنهما يثبتان كلام المولى فثبت بشهادتها أن المولى أعتق عبدا [ ص: 98 ] له ، والجهالة لا تمنع صحة العتق فكان المولى مجبرا على البيان .
ولو شهدا أنه أعتق أحد عبديه بغير عينه ، والمولى يجحد ذلك فشهادتهما باطلة في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ; لأن الدعوى شرط لقبول البينة على العتق عنده ، والدعوى من المجهول لا تتحقق إنما تتحقق الدعوى من كل واحد منهما بعينه ، والمشهود به عتق في منكر لا في معين فلا تقبل وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى في هذه المسألة ، وفي مسألة الشهادة : تقبل ، ويؤمر المولى بالبيان ; لأن الشهادة على العتق عندهما تقبل من غير دعوى فيثبت به أن المولى أعتق أحدهما بغير عينه فيؤمر بالبيان لهذا .
وكذلك لو شهدا بأنه أعتق أحد أمتيه ( فإن قيل ) في هذا الفصل ينبغي أن تقبل الشهادة عندهم جميعا ; لأن أبا حنيفة رحمه الله تعالى لا يشترط الدعوى في الشهادة على عتق الأمة ( قلنا ) نعم إنما لا يشترط الدعوى في الشهادة على عتق أمة بعينها ; لما فيها من تحريم الفرج فأما العتق المبهم لا يوجب تحريم الفرج عنده ، ولهذا قال لا يكون الوطء بيانا ، فلهذا كان الجواب في العبد ، والأمة سواء هنا ، إلا إن شهدا أن هذا كان عند الموت منه فحينئذ تقبل شهادتهما عنده استحسانا ، وفي القياس لا تقبل لانعدام شرط القبول ، وهو الدعوى كما لو كان ذلك في حال حياته ، وصحته ، والاستحسان وجهان : أحدهما - أن العتق المبهم يشيع فيهما بالموت حتى يعتق من كل واحد منهما نصفه فتتحقق الدعوى من كل واحد منهما والثاني - أن العتق في مرض الموت بمنزلة الوصية حتى يعتبر من الثلث ، ووجوب تنفيذ الوصية لحق الموصى فتتحقق الدعوى من وصيه ، أو وارثه هنا فلهذا قبلت البينة .
ولو شهدا أن أحد هذين الرجلين أعتق عبده لم تجز شهادتهما ; لأن المشهود عليه مجهول ، وذلك يمنع قبول الشهادة فإن الإنكار شرط لقبول البينة ، والإنكار من المجهول لا يتحقق ; ولأن القاضي لا يتمكن من القضاء على واحد منهما بهذه الشهادة .
وإن ادعى العبد ، أو الأمة العتق ، ولم يكن له بينة حاضرة لم يحل بين المولى ، وبين العبد ; لأن بمجرد الدعوى لا يثبت استحقاق العبد العتق فإنه خبر متمثل بين الصدق ، وبين الكذب ، والمخبر غير موثوق فيه ; لما له في ذلك من الحظ ، وإلى هذا أشار عليه الصلاة والسلام ، وفي قوله لو أعطي الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم ، وأموالهم ، واليد حق للمولى في مملوكه فكما لا يجوز إبطال الملك بمجرد الدعوى فكذلك لا يجوز إبطال اليد بالحيلولة ، وكذلك إن أقام شاهدا واحدا ; لأن الحجة لا تتم بشهادة الواحد ، وهذا الجواب في العبد ، فأما في الأمة الحيلولة تثبت إذا ادعت أن شاهدها الآخر [ ص: 99 ] حاضر احتياطا لأمر الفرج ، وقد بينا هذا فيما أمليناه من شرح الجامع .

وإن أقام شاهدين حيل بينه وبين مولاه حتى ينظر في أمر الشاهدين ، وهذا إذا كان مولاه فاسقا ، أو مخوفا عليه على ما فسرناه في الجامع ، والمعنى فيه أن الحجة هنا تمت من حيث الظاهر حتى لو قضى القاضي بشهادتهما قبل أن تظهر عدالتهما نفذ قضاؤه فثبت به الحيلولة احتياطا بخلاف ما إذا أقام شاهدا واحدا .

فإذا شهد شاهد أنه أعتق عبدا آخر له ، وشهد آخر أنه ، وهبه لنفسه فهذا باطل ; لأنهما اختلفا في المشهود به لفظا ، فإن الهبة غير العتق ، وضعا ; لأن الهبة تمليك ، والإعتاق إحداث القوة أو إبطال الملك ، واختلافهما في المشهود به لفظا يمنع قبول الشهادة ، وإن شهدا جميعا أنه ، وهب عبده لنفسه فالعبد حر ; لأنه ملكه نفسه ، ومن ملك نفسه يعتق كالمراغم ، وقد يجوز أن تكون الهبة إعتاقا كما لو شهدوا أنه ، وهبه من قريبه وسلمه إليه فإنه يقضى بعتقه ، وقد بينا فيما سبق أنه إذا قال : لم أنو به العتق لا يصدق في القضاء .
وإذا قال أنت حر إن فعلت كذا ، وذلك من الأمور الظاهرة كالصوم ، والصلاة ودخول الدار ونحوه فقال العبد : فعلت لا يصدق إلا أن يقيم البينة ، أو يقر المولى ; لأن العتق المعلق بالشرط إنما يتنجز عند وجود الشرط فالعبد بدعواه وجود الشرط يدعي تنجيز العتق فيه ، وهو غير مصدق في ذلك إلا بحجة بخلاف قوله إن كنت تحبني ، أو تبغضني ; لأن ذلك لا يوقف عليه إلا من جهته فوجب قبول قوله في ذلك ما دام في مجلسه ( فإن قيل ) فالصوم كذلك ; لأنه بينه ، وبين ربه لا يقف عليه غيره ( قلنا ) لا كذلك فإن ركن الصوم هو الكف ، وذلك أمر ظاهر يقف عليه الناس بوقوفهم على ضده ، وهو الأكل .
ولو قال لرجل أعتق أي عبيدي شئت فأعتقهم جميعا لم يعتق منهم إلا واحد والأمر في بيانه إلى المولى بخلاف ما لو قال أيكم شاء العتق فهو حر فشاءوا جميعا عتقوا ; لأن كلمة أي فيها معنى العموم ، والخصوص من حيث إنها تتناول كل واحد من المخاطبين على الانفراد ، فإذا أضاف المشيئة بها إلى عام يترجح جانب الخصوص فلا يتناول إلا واحدا منهم وإذا أضاف المشيئة بها إلى عام يترجح جانب العموم ; ولأن هذه الكلمة إنما توجب التعميم فيمن دخل تحتها دون من لم يدخل والداخل تحت هذه الكلمة - العبيد دون المخاطب بالمشيئة ، وإذا قال شئت فلا يكون شرط العتق إلا مشيئة واحدة ، وبالمشيئة الواحدة منه لا يعتق إلا عبد واحد فأما في قوله شاء إنما أضاف المشيئة إلى العبيد ، وكلمة أي اقتضت التعميم في العبيد فصارت مشيئة كل واحد منهم شرطا لعتقه فلهذا عتقوا [ ص: 100 ] ثم البيان إلى المولى دون المخاطب بالمشيئة ; لأن ما فوض إليه قد انتهى بوجود المشيئة منه بقي العتق ، واقعا على أحدهم بغير عينه بإيقاع المولى فالبيان إليه .
ولو قال : أيكم دخل الدار فهو حر فدخلوا عتقوا ; لأن الشرط دخول من دخل تحت كلمة أي ، وكذلك لو قال : أيكم بشرني بكذا فهو حر فبشروه معا عتقوا : لأن الشرط وجود البشارة ممن دخل تحت كلمة أي فيتعمم بتعميمه ، وإن قال : عينت واحدا منهم لم يدين في القضاء ، وهو مدين فيما بينه ، وبين الله تعالى ; لأنه نوى التخصيص في اللفظ العام ، وإن بشره واحد بعد واحد فالأول هو البشير ، ولا يعتق غيره ، وقد بينا هذا في كتاب الطلاق : أن البشارة اسم لخبر سار صدق غاب عن المخبر علمه .
وإذا قال لآخر : أخبر عبدي بعتقه ، أو أنه حر ، أو بشره بعتقه ، فهو حر ساعة تكلم به المولى أخبر العبد به ، أو لم يخبر ; لأن الباء للإلصاق ، وإنما يتحقق إلصاق الإخبار بعتق موجود منه لا معدوم

; ولأنه لو أخبره بنفسه بأن قال : أنت حر تضمن ذلك تنجيز العتق من جهته حتى يكون خبره حقا فكذلك إن أمر غيره حتى يخبره به ، ويصير كأنه قال : أعتقه فبشره بذلك أو أخبره فيعتق سواء أخبره أو لم يخبره .

وإذا قال لعبد له : يا سالم أنت حر ، وهو يعني إنسانا بين يديه غير سالم فإن سالما حر ; لأنه أتبع الإيقاع النداء فإنما يتناول المنادى .
وإذا قال : أول عبد يدخل علي من عبيدي فهو حر فأدخل عليه عبد ميت ثم أدخل عليه عبد حي فإنه يعتق الحي ، قال : لأنه هو الأول ، ولا يحتسب بالميت ولا يكون الميت أولا ، وآخرا ، ومعنى هذا أن الإدخال عليه للإكرام ، أو الإهانة ، ولا يتحقق ذلك في الميت فتصير الحياة ثابتة بمقتضى كلامه ، وكأنه قال : أول عبد حي من عبيدي ; ولأنه جازاه بالحرية ، وإنما يجازي به الحي دون الميت ; لأن الميت ليس بمحل لإيجاب العتق فيه والثابت بمقتضى الكلام كالثابت بالنص .

وإن أدخل عليه عبدان حيان جميعا معا لم يعتق واحد منهما ; لأن الأول اسم لفرد سابق لا يشاركه فيه غيره ولم يتصف ، واحد منهما بالفردية عند الإدخال عليه فإن أدخل بعدهما عبد آخر لم يعتق ; لأنه ، وإن اتصف بالفردية فلم يتصف بالسبق فقد تقدمه عبدان .

ولو قال : أول عبد أملكه فهو حر فملك عبدين معا لم يعتق ، واحد منهما ; ; لأنه لم يتصف ، واحد منهما بالفردية عند دخوله في ملكه ، وإن ملك بعدهما آخر لم يعتق أيضا ; لأنه لم يتصف بالسبق .
ولو قال : آخر عبد أملكه فهو حر فملك عبدين ثم عبدا ثم مات المولى عتق الثالث ; لأن الآخر اسم لفرد متأخر ، وقد اتصف به الثالث حين لم يملك غيره حين مات ثم عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى يعتق [ ص: 101 ] من جميع المال إذا كان تملكه في الصحة ; لأن صفة الآخرية ثابت له من حين تملكه فيتبين أنه عتق من ذلك الوقت وعندهما يعتق من الثلث ; لأن نزول العتق عندهما ، وقت الموت لتحقق الشرط فيه في هذه الحالة ، وقد بينا هذا في الطلاق ، ولو قال : آخر عبد أملكه فهو حر فاشترى عبدا ثم لم يملك غيره حتى مات لم يعتق ; لأن هذا أول ، وصفة الأولية ، والآخرية لا يجتمع في شخص واحد من المخلوقين ، وإن اشترى عبدين بعده ثم مات لم يعتق واحد منهم ; لأن الأول ما اتصف بالآخرية ليكون آخرا ، والعبدان لم يتصف ، واحد منهما بالفردية فلا يكون واحد منهما آخرا .
ولو قال لأمة لم يملكها : أنت حرة من مالي فهذا باطل ; لأن تنجيز العتق لا يصح إلا بعد وجود الملك في المحل ، ولم يوجد بخلاف قوله : إذا ملكتك ; لأن بذلك اللفظ لا يصير مضيفا للعتق إلى الملك ، ولا إلى سببه وهو فضل من الكلام ; لأن العتق من جهته لا يكون إلا من ماله فلا يخرج به كلامه من أن يكون تنجيزا ، ولو قال : إذا اشتريتك فأنت حرة ، أو إن جامعتك فأنت حرة فاشتراها ، وتسراها ، أو جامعها لم تعتق إلا على قول زفر فإنه يقول : التسري والجماع لا يحل إلا في الملك فكان هذا في معنى إضافة العتق إلى الملك بمنزلة قوله : إن اشتريتك ، ولكنا نقول : الجماع يتحقق في غير الملك فكذلك التسري فإنه عبارة عن التحصين والمنع من الخروج ، وهو ليس بسبب للملك فلا يتحقق به إضافة العتق إلى الملك صورة ، ولا معنى فهو بمنزلة قوله إذا كلمتك فأنت حرة بخلاف الشراء فإنه سبب للملك
وكذلك لو قال كل جارية أتسرى بها فهي حرة فاشترى جارية بعد يمينه وتسراها لم تعتق ، ولو تسرى جارية كانت مملوكة له وقت يمينه عتقت ; لأن الإيجاب في حقها يصح لوجود الملك في المحل وقت الإيجاب بمنزلة قوله كل جارية أملكها فهي حرة ثم تسرى فالشرط عند أبي حنيفة ، ومحمد - رحمهما الله تعالى - أن يبوئها بيتا ، ويحصنها ، ويجامعها ، وطلب الولد ليس بشرط ، وعلى قول أبي يوسف رحمه الله تعالى لا يكون تسريا إلا بطلب الولد مع هذا للعادة الظاهرة أن الناس يطلبون الأولاد من السراري ، وفي الأيمان يعتبر العرف ، وهما يقولان : ليس في لفظه ما يدل على طلب الولد ; لأن التسري إما أن يكون مأخوذا من التسرر كالتقضي وذلك الإخفاء ، أو يكون مأخوذا من السرار ، ومعناه التحصين والمنع من الخروج ، أو يكون مأخوذا من السر الذي هو الجماع كما قال تعالى : ( ولكن لا تواعدوهن سرا ) فإذا لم يكن فيها ما ينبئ عن طلب الولد لا يشترط فيه ذلك من غير لفظ ، وكيف يشترط ذلك وبحصول الولد تخرج [ ص: 102 ] من أن تكون سرية ; لأنها تصير أم ولد له فطلبه يخرجه حقيقة من أن تكون سرية فلا يمكن أن يجعل شرطا لتحقيق التسري ، ولو وطئ جارية فعلقت منه لم تعتق ; لأن التسري بالتحصين ، والمنع من الخروج ، ولم يوجد .
وإن قال لعبديه أيكما أكل هذا الرغيف فهو حر فأكلاه جميعا لم يعتق واحد منهما ; لأن الشرط أكل الواحد لجميع الرغيف ، ولم يوجد إن أقام أحدهما البينة أنه أكله فأعتقه القاضي ثم أقام الآخر البينة أنه هو الذي أكله لم يعتقه القاضي ; لأنه جعل الأول آكلا فلا يتصور بعده كون الثاني آكلا له إذ الرغيف الواحد لا يتكرر فيه فعل الأكل ، وهذه البينة إنما تقوم لإبطال القضاء الأول ، والبينة لإبطال القضاء لا تقبل : توضيحه إنا نتيقن بكذب أحد الفريقين وقد ترجح معنى الصدق في شهادة الفريق الأول بالقضاء فتعين معنى الكذب في شهادة الفريق الثاني وإن جاءت البينتان معا لم يعتق واحد منهما ; لأن القاضي يتيقن بكذب أحد الفريقين ، ولا يعرف الصادق من الكاذب ، وإذا كانت تهمة الكذب تمنع القضاء بالشهادة فالتيقن بالكذب أولى .
وعلى هذا لو شهد شاهدان أنه أعتق عبده سالما يوم النحر بمكة فأعتقه القاضي ثم شهد آخران أنه أعتق سريعا يوم النحر بالكوفة لم تجز شهادتهما ، وإن جاءت البينتان معا لم تقبل ، واحدة منهما ، وهذا ، والأول سواء ، وإن ردهما ثم ماتت إحدى البينتين فأعاد الآخر بينته تلك لم يقبل القاضي شهادتهم ; لأنه قد ردها للتهمة فلا يقبلها أبدا كما لو رد شهادة الفاسق ثم تاب فأعادها وإن لم تمت واحدة من البينتين حتى جاء أحد الغلامين بشاهدين آخرين يشهدان على ما شهدت به البينة الأولى ، وجاء الآخر بشهوده الذين كانوا شهدوا فإن القاضي يجيز شهادة الآخرين اللذين لم يكونا شهدا عنده ; لأن شهادة الفريقين الأولين قد بطلت للتعارض ، وصارت كالمعدومة وإنما بقي شهادة الفريق الثاني لأحدهما ، ولا معارض له فثبت المشهود به بشهادتهما ، ولا يعتبر بما أعاده العبد الثاني ; لأن تلك شهادة حكم ببطلانها ، وكما لا تقوم حجة القضاء بمثل هذه الشهادة فكذلك المعارضة لا تثبت بها ، والله سبحانه ، وتعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب .
باب عتق العبد بين الشركاء

أكثر مسائل هذا الباب تنبني على أصل أبي حنيفة رحمه الله تعالى فإن العتق عنده [ ص: 103 ] يتجزأ حتى إن أعتق نصف عبده فهو بالخيار في النصف الباقي إن شاء أعتقه ، وإن شاء استسعاه في النصف الباقي في نصف قيمته ، وما لم يؤد السعاية فهو كالمكاتب ، وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي - رحمهم الله تعالى - يعتق كله ولا سعاية عليه لقوله عليه الصلاة والسلام { : من أعتق شقصا من عبده فهو حر كله ليس لله فيه شريك } ، وفي الكتاب ذكر هذا اللفظ عن عمر أيضا رضي الله عنه ، والمعنى فيه أن العتق إسقاط للرق ، والرق لا يتجزأ ابتداء ، وبقاء فإسقاطه بالعتق لا يتجزأ أيضا كما أن الحل لما كان لا يتجزأ ابتداء ، وبقاء فإبطاله بالطلاق لا يتجزأ ، وبيانه أن فعله إعتاق فلا يتحقق إلا بانفعال العتق في المحل ، وبعد انفعال العتق في بعض الشخص لو بقي الرق في شيء منه كان في ذلك تجزي الرق في محل واحد ، وذلك لا يجوز فإن الذي ينبني على العتق من الأحكام يضاد أحكام الرق من تكميل الحدود ، والأهلية للشهادات ، والإرث ، والولايات ولا يتصور اجتماع الضدين في محل واحد ; ولأن اتصال أحد النصفين بالآخر أقوى من اتصال الجنين بالأم ; لأن ذلك بغرض الفصل ، ثم إعتاق الأم يوجب عتق الجنين لا محالة فإعتاق أحد النصفين لأن يوجب عتق النصف الآخر أولى ; ولأن الاستيلاد يوجب حق العتق ، وهو لا يحتمل الوصف بالتجزي في محل واحد فحقيقة العتق أولى .

واستدل أبو حنيفة رحمه الله تعالى بحديث سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { من أعتق شقصا له في عبد فإن كان موسرا فعليه خلاصه وإلا فقد عتق ما عتق ، ورق ما رق } ، وقال علي رضي الله عنه : يعتق الرجل من عبده ما شاء وتأويل قوله صلى الله عليه وسلم ، فهو حر كله سيصير حرا كله بإخراج الباقي إلى الحرية بالسعاية ، فيكون فيه بيانا أنه لا يستدام الرق فيما بقي منه ، وهو مذهبنا ; ولأن هذا إزالة ملك اليمين ، فيجزئ في المحل كالبيع ، وتأثيره أن نفوذ تصرف المالك باعتبار ملكه ، وهو مالك للمالية دون الرق فالرق اسم لضعف ثابت في أهل الحرب مجازاة وعقوبة على كفرهم ، وهو لا يحتمل التملك كالحياة إلا أن بقاء ملكه لا يكون إلا ببقاء صفة الرق في المحل كما لا يكون حيا إلا باعتبار صفة الحياة في المحل فذلك لا يدل على أن الحياة مملوكة له فإذا ثبت أنه يملك المالية ، وملك المالية يحتمل التجزؤ فإنما يزول بقدر ما يزيله ، ولهذا لا يعتق شيء منه بإعتاق البعض عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى حتى كان معتق البعض كالمكاتب إلا في حكم واحد ، وهو أن المكاتب إذا عجز يرد في الرق ; لأن السبب هناك عقد محتمل للفسخ .

وهذا إذا عجز عن السعاية لا يرد في الرق ; لأن [ ص: 104 ] سببه إزالة ملك لا إلى أحد وهو لا يحتمل الفسخ ، وإنما يسمى فعله إعتاقا مجازا على معنى أنه إذا تم إزالة الملك بطريق الإسقاط يعقبه العتق الذي هو عبارة عن القوة لا أن يكون الفعل المزيل ملاقيا للرق ، كالقاتل فعله لا يحل الروح ، وإنما يحل البنية ، ثم بنقض البنية تزهق الروح فيكون فعله قتلا من هذا الوجه ، ولئن كان فعله إعتاقا فالعتق الذي ينبني على الإعتاق لا يتجزأ ، والإعتاق في نفسه منجز حتى يتصور من جماعة في محل واحد فالعتق للبعض إنما يوجد شطر العلة فيتوقف عتق المحل إلى تكميله ، وهو نظير إباحة أداء الصلاة تنبني على غسل أعضاء هي متجزئة في نفسها حتى يكون غسل بعض الأعضاء مطهرا ثم يتوقف إباحة أداء الصلاة على إكمال العدد ، وحرمة المحل لا تتجزى ، وإن كان ينبني على طلقات هي متجزئة حتى كان الموقع للتطليقة ، والتطليقتين مطلقا ، ويتوقف ثبوت الحرمة على كمال العدد ، فهنا أيضا نزول العتق في المحل يتوقف على تمام العلة بإعتاق ما بقي ، وإن كان معتق البعض معتقا ; لأن الإعتاق يقتضي انفعال العتق كما قال ، ولكن لا يقتضي الاتصال بالإعتاق بل يثبت استحقاق الإعتاق ، ويتأخر ثبوته في المحل إلى إكمال العلة فأما الاسترقاق فقد قيل يحتمل الوصف بالتجزي حتى لو فتح الإمام بلدة ، ورأى الصواب في أن يسترق أنصافهم صح ذلك منه ، والأصح أنه لا يتجزأ ; لأن سببه ، وهو القهر لا يتجزأ إذ لا يتصور قهر نصف الشخص دون النصف ، والحكم ينبني على السبب ، وكذلك الاستيلاد سببه لا يتجزأ ، وهو نسب الولد فأما عتق الجنين عند إعتاق الأم ليس لأجل الاتصال ، ألا ترى أن إعتاق الجنين لا يوجب إعتاق الأم والاتصال موجود ، ولكن الجنين في حكم جزء من أجزائها كيدها ، ورجلها ، وثبوت الحكم في التبع ثبوته في المتبوع وأحد النصفين ليس بتبع للنصف الباقي فلهذا لم يكن إعتاق أحد النصفين موجبا للعتق في النصف الباقي .

فإن كان العبد بين رجلين فأعتق أحدهما نصيبه جاز ثم إن كان المعتق موسرا فللساكت ثلاث خيارات في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى : إن شاء أعتق نصيبه ، وإن شاء استسعى العبد في قيمة نصيبه فإذا أدى السعاية إليه عتق ، والولاء بينهما ، وإن شاء ضمن المعتق نصف قيمته ثم رجع المعتق على العبد والولاء كله له ، وإن كان المعتق معسرا فللساكت خياران : إن شاء أعتق ، وإن شاء استسعى ، وليس له حق تضمين الشريك إلا على قول بشر المريسي ، والقياس في أحد الشيئين أما وجوب الضمان على المعتق موسرا كان ، أو معسرا ; لأنه بإعتاق نصيبه يفسد على الشريك [ ص: 105 ] نصيبه فإنه يتعذر عليه استدامة ملكه ، والتصرف في نصيبه ، وضمان الإفساد لا يختلف باليسار ، والعسرة ، أو القياس أن لا يجب على المعتق ضمان بحال ; لأنه متصرف في نصيب نفسه والمتصرف في ملكه لا يكون متعديا ، ولا يلزمه الضمان ، وإن تعدى ضرر تصرفه إلى ملك غيره ، كمن سقى أرضه فنزت أرض جاره أو أحرق الحصائد في أرضه فاحترق شيء من ملك جاره .

ولكنا تركنا القياسين للآثار فمنه ما روي عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { في الرجل يعتق نصيبه في المملوك : إن كان غنيا ضمن ، وإن كان فقيرا يسعى في حصة الآخر } وهكذا روى عروة عن عائشة وعمر بن شهيب عن أبيه عن ابن مسعود رضوان الله عليهم { : أن رجلين من جهينة كان بينهما عبد فأعتقه أحدهما فرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فضمنه نصيب صاحبه ، وحبسه حتى باع غنيمة له في ذلك } ، وذكر الحسن عن عمر رضي الله عنه في العبد بين اثنين يعتقه أحدهما : أنه يضمن نصيب صاحبه إن كان غنيا ، وإن كان فقيرا يسعى العبد في النصف لصاحبه وعن إبراهيم عن الأسود بن يزيد أنه أعتق عبدا له ولإخوة له صغار فذكر ذلك لعمر رضي الله عنه فقال يستأنى بالصغار حتى يدركوا فإن شاءوا أعتقوا ، وإن شاءوا أخذوا القيمة فلهذه الآثار قلنا بوجوب الضمان في حالة اليسار دون العسرة ، ولكن المعتبر يسار اليسر ، لا يسار الغنى حتى إذا كان له من المال قدر قيمة المملوك - فهو ضامن ، وإن كانت تحل له الصدقة هكذا ذكره في حديث نافع عن ابن عمر رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم { قال : قوم عليه نصيب شريكه إن كان له من المال ما يبلغ ذلك } ، ولأنه قصد التقرب ، والصلة بإعتاق نصيبه وتمام ذلك بعتق ما بقي فإن كان متمكنا من إتمامه بملكه مقدار ما يؤديه إلى شريكه كان عليه ذلك ، ولأن اختلاف هذا الضمان باليسار ، والإعسار لتحقيق معنى النظر للشريك فإنه إذا استسعى العبد يتأخر وصول حقه إليه ، وإذا ضمن شريكه يتوصل إلى مالية نصيبه في الحال ، وإنما يكون هذا إذا كان موسرا له من المال ما يبلغ قيمة نصيب شريكه ثم على قول أبي يوسف ومحمد لا خيار للساكت ، وإنما له تضمين الشريك إن كان موسرا ، واستسعاء العبد إن كان معسرا أخذا بظاهر الحديث وبناء على أصلهما أن العتق لا يتجزأ .

ولهذا كان الولاء عندهما كله للمعتق في الوجهين جميعا ، وهو قول ابن أبي ليلى إلا في حرف ، واحد يقول إذا سعى العبد رجع به على المعتق إذا أيسر ; لأنه هو الذي ألزمه ذلك [ ص: 106 ] بفعله ، وقاس بالعبد المرهون إذا أعتقه الراهن ، وهو معسر فسعى العبد في الدين رجع به على الراهن إذا أيسر ، ولكنا نقول إذا كانت عسرة المعتق تمنع وجوب الضمان عليه للساكت فكذلك يمنع وجوب الضمان عليه للعبد ، وإنما يسعى العبد في بدل رقبته ، وماليته ، وقد سلم له ذلك فلا يرجع به على أحد بخلاف المرهون فإنه ليس في بدل رقبته بل في الدين الذي هو ثابت في ذمة الراهن ، ومن كان مجبرا على قضاء دين في ذمة الغير من غير التزام من جهته يثبت له حق الرجوع به عليه فأما عند الشافعي رحمه الله تعالى : إن كان المعتق موسرا يعتق كله ، وهو ضامن لنصيب شريكه ، وإن كان معسرا فللشريك أن يستديم الرق في نصيبه ، ويتصرف فيه بما شاء ، وقال لا أعرف السعاية على العبد ، ووجه قوله أن عسرة العبد أظهر من عسرة المعتق ; لأنه ليس من أهل ملك المال فإذا لم يجب الضمان على المعتق لعسرته ، فكذلك لا يجب على العبد بل أولى ; لأن المعتق معسر جان والعبد معسر غير جان ، وهذا لو لزمه السعاية إنما تلزمه في بدل رقبته .

، وليس للمولى ولاية إلزامه المال بدلا عن رقبته في ذمته كما لو كاتبه بغير رضاه فلأن لا يكون ذلك لغير المالك ، أولى .

( وحجتنا ) في ذلك حديث بشر بن نهيك عن أبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من أعتق شقصا من عبد بينه ، وبين غيره قوم عليه نصيب شريكه إن كان موسرا قيمة عدل ، ولا يستسعى العبد في نصيبه غير مستغرق عليه } والمعنى فيه أن نصيب الشريك مال متقوم ، وقد احتبس عند العبد لما قلنا أن بعد إعتاق البعض يمتنع استدامة الملك فيما بقي لوجوب تكميل العتق ، والدليل عليه حالة اليسار فإن حكم المحل لا يختلف بيسار المعتق ، وعسرته ، ومن احتبس ملك الغير عنده يكون ضامنا له موسرا كان ، أو معسرا وجد منه الصنع ، أو لم يوجد كما لو هبت الريح بثوب إنسان ، وألقته في صبغ إنسان فانصبغ كان لصاحب الصبغ أن يرجع عليه بقيمة صبغه إذا اختار صاحب الثوب إمساك الثوب ، وكذلك إذا استولد أحد الشريكين الجارية المشتركة يضمن نصيب شريكه موسرا كان ، أو معسرا لاحتباس نصيب الشريك عنده فكذلك هنا يجب على العبد السعاية في نصيب الشريك ، وإن كان معسرا لاحتباس نصيب الشريك عنده ، وهذا بخلاف بدل الكتابة ; لأن وجوبه بعقد التراضي ، ووجوب السعاية من طريق الحكم للاحتباس ، وذلك متقرر ، وإن لم يرض به العبد فأما بيان مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى فنقول : عنده العتق يتجزأ فإنما عتق نصيب المعتق فقط وبقي نصيب الآخر على ملكه فله أن يعتقه كما كان له أن [ ص: 107 ] يعتقه قبل ذلك فإذا أعتقه كان الولاء بينهما كما لو أعتقاه معا ، وله أن يستسعي العبد في نصيبه ; لأن نصيبه احتبس عند العبد حين تعذر استدامة الملك فيه ، وإذا استسعاه فأدى السعاية عتق ، والولاء بينهما ; لأن نصيبه عتق من جهته ، وله أن يضمن شريكه إن كان موسرا ; لأنه مفسد عليه نصيبه لما تعذر عليه استدامة الملك بإعتاق نصيبه ثم بالتضمين يصير مملكا نصيبه من شريكه فيلتحق بما لو كان العبد كله له فأعتق نصفه حتى يتخير في النصف الباقي بين أن يعتقه ، وأن يستسعيه ; ولأنه بالتضمين يقيم المعتق في نصيبه مقام نفسه ، وقد كان له الخيار بين أن يعتقه ، أو يستسعيه فيثبت ذلك للمعتق بعد أداء الضمان فلهذا قال يرجع على العبد بما ضمن ، والولاء كله له ; لأنه عتق من جهته ، وإن أعتق أحدهما نصيب شريكه منه لم يعتق ; لأن ملك الغير ليس بمحل للعتق في حقه ، والسراية عندهما إنما تكون بعد مصادفة العتق محله ، وإذا لم يصادف محله كان لغوا .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.60 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.97 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.51%)]