
12-12-2025, 03:03 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,856
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي
الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السابع
صـــ 87 الى صـــ 96
(144)
والطلاق موجبه الأصلي حرمة المحل ، ولا يجتمع الوصفان في محل واحد فمن ضرورة كون ملك المتعة باقيا له في الموطوءة انتفاء التطليقات عنها فيتعين في الأخرى ، وأما العتق يزيل ملك الرقبة ، وحل الوطء باعتبار ملك المتعة لا باعتبار ملك الرقبة ، وليس من ضرورة ملك المتعة في محل انتفاء العتق عن ذلك المحل ، ولا يقال : هنا لا سبب لملك المتعة إلا ملك الرقبة ، ومن ضرورة انتفاء ملك الرقبة انتفاء ملك المتعة الثابت بسببه ; لأن ما كان طريقه طريق الضرورة تعتبر فيه الجملة ، لا الأحوال ، ألا ترى أن الجارية المبيعة إذا جاءت بولد لأقل من ستة أشهر فقطعت يد الولد وأخذ المشتري الأرش ثم ادعى البائع نسب الولد بطل البيع ، وحكم بحرمة الأصل للولد ، وبقي الأرش سالما للمشتري ، ولا سبب في هذا الموضع لملكه الأرش سوى ملك الرقبة ثم نظر إلى الجملة دون الأحوال .
وكذلك لو اشترى لحما فأخبره عدل أنه ذبيحة مجوسي يحرم عليه تناوله ، وسبب الملك هنا ملك العين ، ولما كان حل التناول يثبت في الطعام في الجملة من غير ملك نظر إلى الجملة دون الأحوال بخلاف حل الوطء إذا تقرر هذا فنقول : لا منافاة بين ملك المتعة ، والحرية في محل ، واحد ابتداء ، وبقاء في الجملة ، وأكثر ما في الباب أن يكون إقدامه على الوطء دليل بقاء ملك المتعة له في هذا المحل ، وذلك لا يوجب منافاة الحرية عنه ضرورة : توضيحه أن وطء إحداهما دليل الحرمة في الأخرى ، والتصريح [ ص: 88 ] بالحرمة يجوز أن يقع به الطلاق بأن يقول لامرأته : أنت علي حرام بنية الطلاق فكذلك ما يدل على الحرمة في الأخرى يحصل به البيان فأما التصريح بالحرمة لا ينزل به العتق فكذلك البيان لا يحصل بما يكون دليل الحرمة في إحداهما ; لأن البيان في حق المحل كالإيجاب ابتداء ، ولهذا لا يصح بعد الموت فأما في البيع بشرط الخيار ، ولو لم يجعله فاسخا للبيع بالوطء لكان إذا جاز البيع يملكه المشتري من وقت العقد حتى لو وطئت بالشبهة كان الأرش للمشتري فتبين به أن البائع ، وطئها في غير ملكه فلهذا جعلناه بيانا وهنا لو عين العتق في الموطوءة لا يتبين انعدام ملكه فيها سابقا على الوطء بدليل أنها لو وطئت بشبهة يكون الأرش سالما للمولى ، وإن عين العتق فيها مع أن فسخ البيع هناك يحصل بالجناية ، وهنا لا يحصل بجنايته على إحداهما بالبيان فكذلك بالوطء ، وكذلك في بيع إحدى الأمتين ، أما إذا كان الخيار للمشتري ; فلأنه لا يملك إحداهما إلا بعد تعيين البيع فيها ، وإذا كان الخيار للبائع ; فلأنه لو عين البيع فيها بعد الوطء يثبت الملك للمشتري من وقت البيع ، ويتبين أنه وطئها في غير ملكه فللتحرز عن هذا تعين البيع في الأخرى ضرورة ، وذكر ابن سماعة عن أبي يوسف - رحمهما الله تعالى - أنه لو قبل إحداهما ، أو لمسها بشهوة ، أو نظر إلى فرجها فكذلك أيضا ; لأن هذه الأفعال لا تحل إلا في الملك كالوطء ، ولو أعتق إحداهما بعينها ثم قال : إياها كنت عنيت بذلك العتق الأول كان مصدقا أما عند أبي حنيفة ، وأبي يوسف - رحمهما الله تعالى - ; فلأن العتق الأول في حق العين لم يكن نازلا حتى يقال له : أوقع ، فكان هذا إيقاعا لذلك العتق في العين ، وعند محمد رحمه الله تعالى : هو نازل في إحداهما حتى يقال له : بين ، على ما ذكره في الزيادات ، ولكن لفظه في الإيقاع ، والبيان يتقارب ، والبيان مستحق عليه فيحمل فعله على الوجه المستحق .
وإن قال أردت به الإيقاع ابتداء صح إيقاعه ; لأنها بقيت على ملكه بعد العتق المبهم محلا قابلا لتصرفه ، وبتقرر إيقاعه تخرج عن أن تكون محلا لذلك العتق المبهم فيتعين في الأخرى كما لو دبر إحداهما ، ولو فقأ رجل عين إحداهما فالمولى على خياره ; لأن المفقوء عينها محل للعتق كالأخرى وسواء أوقع العتق عليها ، أو على الأخرى فالواجب على الفاقئ أرش عين الأمة للمولى ، أما إذا أوقع على الأخرى فلا إشكال فيه ، وكذلك إذا أوقع على المفقوء عينها ; لأنها كانت مملوكة حين فقئت عينها فصار أرش عين المملوكة مستحقا للمولى ، ثم إيقاع العتق عليها يعمل فيما بقي منها دون ما فات ، ونظيره أرش اليد في ، ولد [ ص: 89 ] الجارية المبيعة إذا ادعى البائع نسبه أنه يبقى سالما للمشتري .
وإن قال : كنت عنيتها حين أوقعت العتق ، أو قال : كنت أوقعت العتق عليها قبل فقء العين لم يصدق في حق الجاني ; لأن الواجب عليه أرش مملوكة فهو بهذا الكلام يريد أن يلزمه أرش عين حرة ، ولكنه يصدق على نفسه حتى يكون ذلك الأرش لها ; لأنه هو المستحق للأرش ظاهرا ، وقد أقر به لها ، فإقراره صحيح في حق نفسه ولو قتلهما رجل واحد فإن قتل إحداهما قبل الأخرى فعليه قيمة الأولى للمولى ، ودية الأخرى لورثتها ; لأن بقتل إحداهما يتعين العتق في الأخرى ضرورة فتبين أنه قتلها ، وهي حرة ، وإن قتلهما معا كان عليه قيمة أمة ، ودية حرة إن استوت القيمتان ، وإن اختلفت فعليه نصف قيمة كل واحدة منهما ، ونصف دية حرة ; لأنا نتيقن أنه قتل حرة ، وأمة .
وقتل الحر يوجب الدية وليست إحداهما بأولى من الأخرى فيلزمه نصف قيمة كل واحدة منهما ، ونصف ديتها ; لأن البيان فات حين قتلتا ، وعند فوت البيان يشيع العتق فيهما : ( فإن قيل ) : إذا لم يكن العتق نازلا في إحداهما كيف يجب عليه دية حرة ؟ ( قلنا ) : هذا إنما يلزم من يقول : إن العتق نازل في الذمة ، ونحن قلنا : إن العتق نازل في المنكر وذلك المنكر فيهما لا يعدوهما فعند اتحاد القاتل يعلم أنه قاتل للمنكر الذي نزل فيه العتق .
وهو بمنزلة ما قال في الجامع
: لو أوصى لرجل بأحد عبديه ثم مات فأعتقهما الموصى له ثم عين الوارث ، وصيته في إحداهما تعين ذلك المعين من قبله ثم نصف ما وجب في بدل نفس كل ، واحدة منهما يكون لمولاها ، والنصف لورثتها ; لأن كل واحدة منهما إن كانت حرة فبدل نفسها لوارثها ، وإن كانت أمة فبدل نفسها لمولاها فيتوزع نصفين للمساواة ولو قتلهما رجلان كل واحد منهما قتل إحداهما فإن كان على التعاقب فعلى القاتل الأول قيمة الأولى لمولاها ، وعلى القاتل الثاني ديتها لورثتها ; لأن العتق تعين فيها وإن كان معا فعلى كل واحد منهما قيمة أمة ; لأن كل واحد من القاتلين إنما قتل إحداهما بعينها ، والعتق في حق العين كأنه غير نازل فكانت كل واحدة منهما مملوكة عينا ، وإنما نزول العتق في المنكر ، ولا يتيقن أن كل واحد منهما قاتل لذلك المنكر فإنما وجب على كل واحد منهما القدر المتيقن به ، وهو القيمة ولم يبين في الكتاب أن ذلك للمولى أو لورثتها ، وقيل : هذا والأول سواء النصف للمولى من كل واحدة منهما ، والنصف للورثة ; لأن في حق المولى الحرية ثابتة في إحداهما فلا يستحق بدل نفسها فيتوزع ذلك نصفين لهذا ، ولو قطع أيديهما رجل واحد جميعا معا ، أو إحداهما قبل الأخرى ، أو فعل [ ص: 90 ] ذلك رجلان كان الواجب أرش يدي مملوكتين ، ويسلم ذلك كله للمولى ; لأن بعد قطع اليد يبقى خيار المولى لبقاء كل واحدة منهما محلا للعتق ، وما بقي خيار المولى لا يكون العتق نازلا في عين إحداهما فإنما أبينت يد كل واحدة منهما على حكم الرق بخلاف الرق فإنه لا يبقى خيار المولى في البيان بعدما قتلت أو إحداهما ، وإذا لم يبق خياره لم يكن بد من الحكم بشيوع العتق فيهما .
وإذا كان قاتلهما واحدا نتيقن ، بأنه قتل حرة ، وأمة ، وإن لم يجن عليهما أحد ، ولكن المولى مات قبل أن يبين ، عتق من كل واحدة منهما نصفها وسعت في نصف قيمتها ; لأن البيان فات بموت المولى فإن وارثه لا يخلفه في ذلك فإنه لا يقف على مراده ; ولأن مجرد الخيار لا يورث ، ولما فات البيان شاع العتق فيهما إذ ليست إحداهما بأولى من الأخرى ، وبعدما عتق نصف كل واحدة منهما يجب إخراج النصف الباقي إلى الحرية بالسعاية ، وإن اختار المولى عند الموت إحداهما عتقت كلها ، ولا يعتبر ثلث ماله ; لأن الإيقاع كان منه في الصحة وقد تم الاستحقاق به في حقه معتبرا من جميع ماله ; لأنه لا تنكير في جانبه فلا يتغير ذلك ببيانه عند الموت ، وهو نظير ما لو طلق إحدى نسائه الأربع قبل الدخول من غير عينها كان له أن يتزوج أخرى ; لأن إحداهن قد بانت في حقه فإنه لا تنكير في جانبه ، ولو جنت إحداهما جناية قبل أن يختار المولى ثم اختار إيقاع العتق عليها بعد علمه بالجناية كان مختارا للجناية ; لأنه كان متمكنا من أن يوقع العتق على الأخرى فإيقاعه على هذه في حق أولياء الجناية بمنزلة إعتاق مبتدأ ; لأنه يمتنع به دفعها فيصير مختارا للدية ، ولا يصدق في حقهم أنه كان أرادها بذلك العتق السابق ، وإن مات المولى قبل البيان عتق من كل واحدة منهما نصفها ، وسعت كل واحدة منهما في نصف قيمتها لورثة المولى ، وكان على المولى قيمة التي جنت في ماله ; لأنه تعذر دفعها حين عتق نصفها على وجه لم يصر المولى مختارا بل صار مستهلكا بترك البيان في الأخرى حتى مات فيلزمه قيمتها كما لو أعتق الجانية قبل أن يعلم بالجناية .
ولو باع إحداهما على أنه بالخيار وقع العتق على الأخرى ; لأن تصرفه بالبيع في إحداهما نافذ ، ومن ضرورة نفوذه خروجها من أن تكون محلا لذلك العتق فيتعين في الأخرى ، وكذلك لو باع إحداهما بيعا فاسدا ، وقبضها المشتري وهذا أظهر ; لأن المشتري بالقبض قد ملكها فمن ضرورته تعين العتق في الأخرى ، ولكن قيل : لا معتبر بهذه الزيادة فسواء قبضها المشتري أو لم يقبضها تعين العتق في الأخرى ، لأن البيع اسم خاص لتمليك مال بمال ففي قوله بعت هذا بكذا [ ص: 91 ] إقرار بأنه لا حظ لها في ذلك العتق فيتعين في الأخرى ، ألا ترى أنه لو عرض إحداهما على البيع تعين الأخرى للعتق محفوظ عن أبي يوسف رحمه الله تعالى فإذا باع إحداهما بيعا فاسدا أولى ، وهذا ; لأن دليل البيان ممن له خيار كصريح البيان كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم { لما خير بريرة قال لها : إن وطئك زوجك فلا خيار لك } وكذلك لو باع إحداهما بعينها على أن المشتري بالخيار عتقت الباقية وهذا أظهر ; لأن المشتري لو أعتقها عتقت من قبله فمن ضرورة هذا التصرف خروجها من أن تكون مزاحمة في ذلك العتق .
وكذلك لو كاتب إحداهما ; لأنه بالكتابة يوجب لها ملك اليد في نفسها ، ومكاسبها بعوض ، وهذا لا يتحقق في العتق فكان انتفاء العتق عنها من ضرورة تصرفه وكذلك لو رهن إحداهما ; لأنه أثبت للمرتهن يد الاستيفاء في ماليتها بتصرفه ، ومن ضرورته انتفاء العتق عنها ، وكذلك لو أجر إحداهما ; لأنه التزم بتسليمها إلى المستأجر بولاية الملك ومن ضرورته انتفاء العتق عنها ، وإن استخدمها لم تعتق الباقية ; لأنه ليس من ضرورة استخدامه إياها انتفاء العتق عنها فالإنسان قد يستخدم الحرة خصوصا إذا كانت مولاة له ، ولا يحل له ذلك شرعا برضاها فلا يكون ذلك دليل البيان ، وقد بينا أن الإعتاق من الصبي لا يجوز ، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما وكذلك لو قال : كل مملوك أملكه إذا احتلمت فهو حر ; لأن اليمين لا تنعقد إلا بقول ملزم وليس للصبي قول ملزم شرعا خصوصا فيما لا منفعة له فيه ، والمجنون كالصبي ، وإذا قال الصحيح : عبدي حر يوم أفعل كذا ففعل ذلك وهو معتوه عتق عبده إلا على قول ابن أبي ليلى رضي الله تعالى عنه فإنه يقول المعلق بالشرط عند وجود الشرط كالمنجز ، والمعتوه ليس من أهل تنجيز العتق ولكنا نقول : العته لا يعدم ملكه ، ولا يمنع تحقق الفعل منه إنما يهدر قوله ، ولا حاجة إلى قوله عند وجود الشرط ، والمعلق بالشرط عند وجود الشرط كالمنجز بذلك التعليق السابق ، وقد صح منه وإذا أعتق الرجل عبده ، وهو من أهل الحرب في دار الحرب ثم صار ذميا ، أو أسلم ، وعبده معه في يده فهو عبده وعتقه ، وتدبيره في دار الحرب باطل عند أبي حنيفة ، ومحمد - رحمهما الله - .
وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى : عتقه نافذ ; لأنه إزالة الملك بطريق الإبطال فيصح في دار الحرب كالطلاق ثم ملك الحربي أضعف من ملك المسلم فإذا كان ملك المسلم يزول بالعتق مع تأكده بالإحراز ، فملك الحربي أولى ، وهما يقولان لا فائدة في هذا العتق ; لأنه معتق بلسانه مسترق بيده ، وهو محل للاسترقاق .
والدار دار [ ص: 92 ] القهر فعرفنا أنه غير مفيد شيئا .
ولأن الإعتاق إحداث قوة ، وإذا كان العبد حربيا لا تتحقق فيه معنى إحداث القوة ; لأنه عرضة للتملك ، ولهذا قال بعض مشايخنا - رحمهم الله تعالى - : أهل الحرب بمنزلة الأرقاء حتى لو كان العبد مسلما كان العتق نافذا ، وبعض أصحابنا يقولون لا خلاف في نفوذ العتق على ما فسره محمد رحمه الله تعالى في السير الكبير أنه إذا كان من حكم ملكهم أنه يمتنع المعتق من استرقاق المعتق فإنه ينفذ العتق .
وإنما الكلام في إثبات الولاء على ما ذكره الطحطاوي : أن عند أبي حنيفة ، ومحمد - رحمهما الله تعالى - : لا ولاء عليه للمعتق ، وله أن يوالي من شاء ، وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى أستحسن أن يكون ولاؤه للذي أعتقه ; لأن الولاء كالنسب ، ولا خلاف أن النسب يثبت في دار الحرب حتى لو قال المستأمن لغلمان في يده : هؤلاء أولادي أو لجوار في يده هن أمهات أولادي قبل ذلك منه فكذلك الولاء يثبت في دار الحرب ثم يتأكد بالخروج إلى دار الإسلام ، ولا يبطل .
وهما يقولان : ثبوت الولاء للمعتق على المعتق حكم شرعي ، ودار الحرب ليس بدار الأحكام ، وهو أثر ملك محترم ، ولا حرمة لملك الكافر ثم لو أحرز المملوك نفسه بدارنا لم يكن لأحد عليه ولاء فكذلك المعتق والأصل فيه لما روي أن ستة من أهل الطائف خرجوا حين كان رسول الله محاصرا لهم ثم خرج مواليهم يطلبون ولاءهم فقال صلى الله عليه وسلم { : أولئك عتقاء الله } إلا أن أبا يوسف رحمه الله تعالى يقول : هناك لم يوجد من الموالي اكتساب سبب الولاء وإنما زال ملكهم بتباين الدارين ، وهنا من المولى قد وجد اكتساب سبب الولاء بالعتق والله سبحانه ، وتعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب .
باب الشهادة في العتق
( قال ) رضي الله عنه وشهادة الشهود على عتق الأمة جائزة ، وإن كانت هي منكرة ; لأن هذا فرج معناه أن عتق الأمة يتضمن تحريم فرجها على المولى ، وذلك من حق الشرع ، وفيما هو حق الله تعالى الشهادة تقبل حسبة من غير الدعوى ( فإن قيل ) فعلى هذا ينبغي أن يكتفي بشهادة الواحد ; لأنه أمر ديني ، وخبر الواحد فيه حجة تامة ( قلنا ) خبر الواحد إنما يكون حجة في الأمر الديني إذا لم تقع الحاجة إلى التزام المنكر ، وهنا الحاجة ماسة إلى ذلك ، ولأن في هذا إزالة الملك ، والمالية عن المولى ، وخبر الواحد لا يكفي لذلك فلهذا لا بد من أن يشهد به رجلان [ ص: 93 ] فإن قيل ) فإذا كانت هي أخته في الرضاعة قبلت الشهادة على عتقها مع جحودها ، وليس فيه تحريم الفرج هنا ( قلنا ) بل فيه معنى الزنا ; لأن فعل المولى بها قبل العتق لا يلزمه الحد ، وبعد العتق يلزمه الحد ، وبعضها مملوك للمولى ، وإن كان هو ممنوعا عن ، وطئها للمحرمية ، ألا ترى أنه يزوجها ، وإن بدل بعضها يكون له فيزول ذلك الملك بإعتاقها ، ولأن الأمة في إنكار العتق متهمة لما لها من الحظ في الصحبة مع مولاها ، ولا معتبر لإنكار من هو متهم في إنكاره فجعلناها كالمدعية لهذا .
فأما الشهادة على عتق العبد لا تقبل مع جحود العبد في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وتقبل في قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - وجه قولهما أن المشهود به في حق الشرع ، وعدم الدعوى لا يمنع قبول الشهادة عليه كعتق الأمة وطلاق الزوجة ، وبيان ذلك أن المشهود به العتق ، وهو حق الشرع ، ألا ترى أنه لا يحتاج فيه إلى قبول العبد ، ولا يرتد برده وإنه مما يجوز أن يحلف به وإنما يحلف بما هو حق الشرع وإن إيجابه في المجهول صحيح ، ولا يصح إيجاب الحق للمجهول ، ويتعلق به حرمة استرقاقه ، وذلك حق الشرع قال النبي : عليه الصلاة والسلام { ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة } ، وذكر في جملتهم من استرق الحر ، ويتعلق به حكم تكميل الحدود ، ووجوب الجمعة ، والأهلية للولايات ثم الاسترقاق على أهل الحرب عقوبة بطريق المجازاة لهم حين أنكروا وحدانية الله فجازاهم على ذلك ، بأن جعلهم عبيد عبيده فإزالته بعد الإسلام يكون حقا للشرع ، ولهذا كانت قربة تتأدى بعض الواجبات بها ، والدليل عليه أن التناقض في الدعوى لا يمنع قبول البينة حتى لو أقر بالرق ثم ادعى حرية الأصل وأقام البينة قبلت بينته والتناقض يعدم الدعوى ، وحجة أبي حنيفة رحمه الله قوله عليه الصلاة والسلام ثم يفشوا الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد فقد جعل أداء الشهادة قبل الاستشهاد من أمارات الكذب ، فظاهره يقتضي أن لا يكون مقبولا منه إلا حيث خص بدليل الإجماع .
والمعنى فيه أن إزالة ملك اليمين بالقول ، ولا يتضمن معنى تحريم الفرج ، فلا تقبل الشهادة فيه إلا بالدعوى كالبيع ، وتأثيره أن المشهود به حق العبد ; لأن الإعتاق إحداث قوة الملكية والاستبداد فيتضمن انتفاء ذل الملكية ، والرق ، وذلك كله حق العبد فأما ما ، وراء ذلك من ثمرات العتق فلا يعتبر ذلك وإنما يعتبر المشهود به ، فإذا كان الحق للعبد يتوقف قبول البينة على دعواه ، ونحن نسلم أن في السبب معنى حق الشرع ، ولهذا لا يتوقف على قبوله ، ولا يرتد برده ، ولكن هذا لا يدل على قبول البينة [ ص: 94 ] فيه من غير الدعوى كالعفو عن القصاص ثم العبد غير متهم في هذا الإنكار ; لأن العاقل لا يجحد الحرية ليستكسبه غيره فينفق عليه بعض كسبه ، ويجعل الباقي لنفسه فصح إنكاره ، وصار به مكذبا لشهوده بخلاف الأمة ; لأنها متهمة في الإنكار على ما قلنا ، حتى لو كان العبد متهما بأن كان لزمه حد قذف أو قصاص في طرف فأنكر العتق تقبل الشهادة ، ومن أصحابنا من قال : التناقض إنما يعدم الدعوى فيما يحتمل الفسخ بعد ثبوته ; لأن أول كلامه ينقض آخره ، وآخره ينقض أوله فأما فيما لا يحتمل النقض بعد ثبوته فلا معتبر بالتناقض كما في دعوى النسب فإن الملاعن إذا أكذب نفسه ثبت النسب منه .
ولا ينظر إلى تناقضه في الدعوى ، ولا ناقض لحرية الأصل في دارنا فالتناقض فيه لا يكون معدما للدعوى ، وهذا ضعيف ، فإن من أصل أبي حنيفة رحمه الله تعالى : أنه بعدما أقر بنسب ، والد أمته لغيره ولو ادعاه لنفسه لا يصح للتناقض ، والنسب لا يحتمل النقض ، والوجه أن يسلك فيه طريقة الشبهين فنقول : من حيث السبب المشهود به من حق الشرع بمنزلة طلاق الزوجة ، وعتاق الأمة ، ومن حيث الحكم المطلوب بالسبب هو حق العبد كما بينا ، وما تردد بين الشبهين يوفر حظه عليهما فلشبهه بحقوق العباد قلنا : الشهادة لا تقبل بدون الدعوى ولشبهه بحق الشرع قلنا : التناقض في الدعوى لا يمنع قبول البينة عليه ، وإذا شهدوا أنه أعتق عبده سالما ، ولا يعرفون سالما ، وله عبد واحد واسمه سالم فإنه يعتق لما بينا أن إيجاب العتق في المجهول صحيح ، ولأن ملكه متعين لما أوجبه فبان لا يعرف الشهود العبد لا يمنع قبول شهادتهم كما أن القاضي يقضي بالعتق إذا سمع هذه المقالة من المولى ، وإن كان هو لا يعرف العبد ، ولو شهدوا به في البيع أبطلته لما بينا أن الجهالة التي تفضي إلى المنازعة تمنع صحة البيع ، وإذا لم يعرف الشهود العبد فهذه جهالة تفضي إلى المنازعة ، ويتعذر على القاضي القضاء لأجله بالشهادة .
وإذا شهدوا عليه بعتق عبد بعينه ، واختلفا في الوقت أو المكان ، أو اللفظ ، أو اللغة أو شهد أحدهما أنه أعتقه وشهد الآخر أنه أقر أنه أعتقه فالشهادة جائزة ; لأن العتق قول يعاد ، ويكرر فلا يختلف المشهود به باختلافهما في الزمان ، والمكان ولا باختلافهما في اللغة ، وصيغة الإقرار ، والإنشاء في العتق ، واحد وإن اختلفا في الشرط الذي علق به العتق لم يجز .
لأن أحدهما يشهد بعتق يتنجز عند دخول الدار ، والآخر بعتق يتنجز عند كلام فلان ، والكلام غير الدخول فلا يتمكن القاضي من القضاء بواحد من الشرطين ، وإن اتفقا على أنه قال له : إن دخلت الدار فأنت حر ، وقال المولى إنما قلت له إن كلمت فلانا فأنت حر فأيهما [ ص: 95 ] فعل فهو حر ; لأن التعليق بشرط الدخول ثبت بشهادة شاهدين ، وبكلام فلان بإقرار المولى ، ولا منافاة بينهما ولو شهد أحدهما أنه أعتقه بجعل ، والآخر أنه كان بغير جعل لم تقبل الشهادة ; لأن أحدهما يشهد بعتق متعلق بقبول البدل ، والآخر بعتق بات ، ولأن العتق بجعل يخالف العتق بغير جعل في الأحكام ، وكذلك لو اختلفا في مقدار الجعل ، والمولى ينكر ذلك فالشهادة لا تقبل سواء ادعى العبد أقل المالين ، أو أكثرهما ; لأن أحدهما يشهد بعتق متعلق بقبول ألف ، والآخر بقبول ألف وخمسمائة ، وإن كان المولى هو المدعي ، والعبد منكر فإن كان يدعي أقل المالين عتق العبد لإقرار المولى بحريته ولا شيء عليه ; لأنه أكذب أحد شاهديه ، وهو الذي شهد له بألف وخمسمائة ، وإن ادعى العتق بألف ، وخمسمائة قضي عليه بألف ; لأن الشهادة هنا لا تقوم على العتق فالعبد قد عتق بإقرار المولى ، وإنما تقوم على المال ، ومن ادعى ألفا وخمسمائة ، وشهد له شاهد بألف وآخر بألف وخمسمائة يقضى بألف لاتفاق الشاهدين لفظا ومعنى .
وإذا شهد شاهدان أنه أعتقه إن دخل الدار ، وآخران إن كلم فلانا فأيهما وجد عتق العبد ; لأن كل ، واحد من التعليقين ثبت بحجة كاملة ، ولا تنافي بينهما .
وإن ادعى الغلام أنه أعتقه بألف وأقام شاهدين ، وادعاه المولى بألفين ، وأقام شاهدين فالبينة بينة المولى ; لأنه يثبت الزيادة في حقه ببينته وإن أقام العبد بينة أنه قال : إذا أديت إلي ألفا فأنت حر ، وإنه قد أداها ، وأقام المولى بينته أنه إنما قال له : إذا أديت إلي ألفين فأنت حر فالعبد حر ، ولا شيء عليه غير الألف الذي أداه ; لأن العبد يثبت ببينته تنجز الحرية فيه ، وهو حقه ; ولأنه يجعل كأن الأمرين كانا إذ لا منافاة بينهما ، ولو عاينا وجود الكلامين من المولى تخير العبد ، وعتق بأداء أي المالين اختاره ، ولو أقام العبد البينة أنه باعه نفسه بألف فأقام المولى البينة أنه باعه نفسه بألفين كانت البينة بينة المولى ; لأن العتق يتنجز بالقبول هنا فكان إثبات الزيادة في بينة المولى بخلاف الأول .
( قال ) في الأصل ، ولو باعه نفسه بألف درهم فأداها من مال المولى كان حرا ، وللمولى أن يرجع عليه بمثلها ، والعتق هنا حصل بالقبول لا بأداء المال وإنما يتحقق هذا الفصل فيما إذا علقه بالأداء ، والوجه فيه أن نزول العتق بوجود الشرط وقد وجد ، وإن كان المؤدى مسروقا أو مغصوبا من المولى ثم رد هذا المال على المولى كان مستحقا عليه فيقع من الوجه المستحق في الحكم ، ويكون له أن يرجع عليه بمثله .
وإن شهد للعبد ابناه أو أبوه ، وأمه أن مولاه أعتقه فشهادتهما باطلة ; لأنها تقوم لمنفعة العبد ، وهؤلاء متهاونون في حقه ، ولا شهادة لمتهم ، والعتق يثبت مع الشبهات [ ص: 96 ] فيثبت بالشهادة على الشهادة ، وشهادة النساء مع الرجال .
وإذا رجع شهود العتق بعد القضاء لم يبطل العتق ; لأنهما لا يصدقان في إبطال الحكم ، ولا في إبطال حق العبد ، ولكنهما يضمنان قيمته ; لأنهما أتلفا ماليته على المولى ، وقد أقر بالرجوع أنهما أتلفاه عليه بغير حق ، والمعتبر في الضمان عند الرجوع بقاء من بقي على الشهادة لا رجوع من رجع ، وقد بينا هذا في الطلاق .
وإن شهد شاهدان بعتقه فلم يحكم بشهادتهما للتهمة ثم ملكه أحدهما عتق عليه ; لأنه قد أقر بحريته ، وذلك الإقرار صحيح لازم في حقه إلا أنه لم يكن عاملا لانعدام الملك له في المحل فإذا ، وجد الملك عمل ، وكان كالمجدد للإقرار بعدما ملكه فيكون حرا من ماله .
وإذا شهدا بعتقه فحكم بشهادتهما ثم رجعا عنه فضمنا قيمته ثم قامت بينة غيرهم ، بأن المولى قد كان أعتقه فإن شهدوا أنه أعتقه بعد شهادة هؤلاء لم يسقط عنهم الضمان بالاتفاق ; لأنهم شهدوا بما هو لغو فإنه عتق بقضاء القاضي والمعتق لا يعتق ، وإن شهدوا أنه أعتقه قبل شهادة هؤلاء لم يرجعوا بما ضمنوا في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وفي قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - يرجعون على المولى بما ضمنوا ، وهذا بناء على ما بينا أن عندهما الشهادة على عتق العبد تقبل من غير دعوى فثبت بشهادة الفريق الثاني حرية العبد من الوقت الذي شهدوا به ، وإن لم يكن هناك مدعيا لذلك ثم تبين به أن الفريق الأول لم يتلفوا على المولى شيئا بشهادتهم ، وإنه أخذ ما أخذ منهم بغير حق .
وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا تقبل الشهادة على عتق العبد من غير الدعوى ، ولا مدعى لما يشهد به الفريق الثاني فإن العبد قد حكم بحريته فلا يمكنه أن يدعي العتق ، والفريق الأول لما شهدوا بأنه أعتقه في ، وقت لا يمكنهم أن يدعوا عتقا في وقت سابق عليه للتناقض فلانعدام الدعوى لا تقبل شهادة الفريق الثاني ، ولا يجب على المولى رد شيء مما أخذه من الفريق الأول .
ولو قيد رجل عبده ثم قال إن لم يكن في قيده عشرة أرطال حديد فهو حر ، وإن حل قيده فهو حر فشهد شاهدان أن في قيده خمسة أرطال حديد فقضى القاضي بعتقه ثم حل القيد فإذا فيه عشرة أرطال فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى الشهود يضمنون قيمته للمولى ، وهو قول أبي يوسف رحمه الله تعالى الأول ، وفي قوله الآخر ، وهو قول محمد رحمه الله تعالى لا يضمنون له شيئا ، وهذا بناء على أن القاضي بالعتق بشهادة الزور عند أبي حنيفة رحمه الله ينفذ ظاهرا ، وباطنا وفي قول أبي يوسف رحمه الله الآخر وهو قول محمد رحمه الله تعالى ينفذ ظاهرا لا باطنا ، فتبين أن قضاء القاضي بشهادتهما لم يكن نافذا في الباطن ، وأن [ ص: 97 ] العبد إنما عتق بحل القيد لا بشهادتهما فلا يضمنان عندهما شيئا .
وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى إنما عتق العبد بقضاء القاضي لنفوذ قضائه ظاهرا وباطنا ، وقضاء القاضي كان بشهادتهما فلهذا ضمنا قيمته ; لأنا علمنا أنهما شهد بالباطل ( فإن قيل ) هما إنما شهدا بشرط العتق ; لأنهما شهدا بوزن القيد أنه دون عشرة أرطال ، وذلك شرط العتق ، ولا ضمان على شهود الشرط ( قلنا ) لا كذلك بل شهدا بتنجيز العتق ; لأنهما زعما أن المولى علق عتقه بشرط موجود ، والتعليق بشرط موجود يكون تنجيزا حتى يملكه الوكيل بالتنجيز ، وشهود العتق يضمنون عند الرجوع .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|