
12-12-2025, 02:52 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,826
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي
الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السابع
صـــ 67 الى صـــ 76
(142)
، ألا ترى أن الوارث إذا أعتق المكاتب يجعل إبراء منه عن بدل الكتابة بهذا النوع من المجاز إلا أنهما يقولان المجاز خلف عن الحقيقة ففي كل موضع يكون الأصل متصورا يمكن أن يجعل المجاز خلفا عنه كما في مسألة المكاتب ، وفي كل موضع لا يكون الأصل متصورا لا يمكن جعل المجاز خلفا عنه ، وهنا لا تصور للأصل بخلاف معروف النسب ، فإن هناك الأصل متصور فيجوز إثبات المجاز خلفا عنه ولكن أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : المجاز خلف عن الحقيقة في التكلم لا في الحكم ; لأنه تصرف من المتكلم في إقامة كلام مقام كلام والمقصود تصحيح الكلام فلا يعتبر في تصحيح [ ص: 68 ] المجاز تصور الحكم لإثبات الخلافة ، ألا ترى أنه لو قال لحرة : اشتريتك بكذا كان نكاحا صحيحا ، والحرة ليست بمحل لأصل حكم البيع ، وهو ملك الرقبة ، ولهذا المعنى قلنا إن أم الغلام لو كانت في ملكه لا تعتق ; لأن اللفظ إذا صار مجازا لغيره سقط اعتبار حقيقته ، وهذا مجاز عن الإقرار بحريته فكأنه قال عتق علي من حين ملكه ، وليس لهذا اللفظ موجب في الأم فأما إذا قال لعبده هذه ابنتي فقد ذكره محمد على سبيل الاستشهاد في كتاب الدعوى ، ومن عادته الاستشهاد بالمختلف على المختلف فلا نسلمه على قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وبعد التسليم نقول : الأصل أن المشار إليه إذا لم يكن من جنس المسمى فالعبرة للمسمى كما لو باع فصا على أنه ياقوت فإذا هو زجاج فالبيع باطل والذكور ، والإناث من بني آدم جنسان فإذا لم يكن المشار إليه من جنس المسمى تعلق الحكم بالمسمى ، وهو معدوم ولا يتصور تصحيح الكلام إيجابا ، ولا إقرارا في المعدوم ، وكذا قوله لصبي صغير هذا جدي فإنه ذكره على سبيل الاستشهاد هنا وقد منعوه على قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وبعد التسليم نقول : لا موجب لذلك الكلام في ملكه إلا بواسطة الأب ، وتلك الواسطة غير ثابتة وبدونها لا موجب لكلامه حتى يجعل كناية عن موجبه مجازا ، فأما للبنوة ، والأبوة موجب في ملكه بغير واسطة فيجعل كلامه كناية عن موجبه ، وبخلاف قوله أعتقتك قبل أن أخلق ; لأنه لا موجب فيما صرح به ، وكذلك قوله قطعت يدك ; لأنه لا موجب للجرح بعد البرء إذا لم يبق له أثر فلا يمكن تصحيح كلامه على أن يجعل كناية عن موجبه فلهذا كان لغوا .
وإن قال لعبده هذا أخي لم يعتق ، وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه يعتق ; لأن للإخوة في ملكه موجبا ، وهو العتق فيجعل هذا اللفظ كناية عن موجبه ، وجه ظاهر الرواية أن الأخوة اسم مشترك قد يراد به : الأخوة في الدين ، قال الله تعالى : { إنما المؤمنون إخوة } ، وقد يراد به الاتحاد في القبيلة ، قال الله تعالى : { وإلى عاد أخاهم هودا } ، وقد يراد به الأخوة في النسب .
والمشترك لا يكون حجة بدون البيان حتى لو قال هذا أخي لأبي أو لأمي نقول : يعتق على هذا الطريق فإن قيل : فالبنوة والأبوة قد تكون بالرضاعة ثم أثبتم العتق بهذين اللفظين عند الإطلاق قلنا ; لأن البنوة من الرضاع مجاز والمجاز لا يعارض الحقيقة . فأما الأخوة مشتركة في الاستعمال كما بينا ; ولأن الأخوة لا تكون إلا بواسطة الأب أو الأم ; لأنه عبارة عن مجاورة في صلب أو رحم ، وهذه الواسطة غير مذكورة ، ولا موجب لهذه [ ص: 69 ] الكلمة بدون هذه الواسطة .
فإن قال لأمته فرجك حر أو قال لعبده رأسك حر يعتق ، وقد بينا هذا في الطلاق إن ذكر ما يعبر به عن جميع البدن ، كذكر البدن بخلاف اليد أو الرجل فهو في العتاق كذلك ، وإن قال : نويت الكذب لم يصدق في القضاء كما في قوله ، أنت حر ، وإن قال لعبده أو لأمته ما أنت إلا حر أو ما أنت إلا حرة ، فإنهما يعتقان ; لأن كلامه اشتمل على النفي ، والإثبات وهذا آكد ما يكون من الإثبات ، دليله كلمة الشهادة فكان هذا كقوله أنت حر ، وهذا بخلاف ما لو قال أنت مثل الحر ; لأن هذا اللفظ للمشابهة ، والمشابهة بين الشيئين قد يكون خاصا وقد يكون عاما فلا يثبت العتق به بدون النية وكذلك لو قال : بدنك حر ; لأن معناه بدنك بدن حر .
وفي النوادر قال لو نوى فقال بدنك بدن حر يعتق ; لأن هذا اللفظ للإيجاب لا للتشبيه ، ولو قال لعبده : أنت حر اليوم من هذا العمل فإنه يعتق في القضاء ; لأنه وصفه بالحرية ، وتخصيصه وقتا أو عملا لا يغير حكم ما وصفه به وأما فيما بينه ، وبين الله تعالى فإن كان لا يريد العتق ، فهو عبده ; لأنه يحتمل أن يكون مراده لا أكلفك اليوم هذا العمل ، والله تعالى مطلع على ضميره ، ولكنه خلاف الظاهر فإنه جعل الحرية صفة له في الظاهر فلهذا لا يدين في القضاء ، والله أعلم بالصدق والصواب .
باب عتق ذوي الأرحام ذكر عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم { قال : من ملك ذا رحم محرم منه فهو حر } .
وكذلك روي عن عمر وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما ، وفي هذا دليل على أن من ملك قريبه يعتق عليه ; لأن قوله فهو حر جزاء لقوله من ملك مع القرابة ، فإنما يتناول حرية المملوك دون المالك ، وفي بعض الروايات قال : عتق عليه ، وفيه دليل أن سبب العتق الملك مع القرابة ، فإن مثل هذا في لسان صاحب الشرع بمعنى بيان السبب كما قال : { من بدل دينه فاقتلوه } وقال تعالى : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } ولهذا قال عامة العلماء إذا ملك أباه ، أو أمه ، أو ابنه يعتق عليه ، وقال أصحاب الظواهر يلزمه أن يعتقه ، ولكن لا يعتق قبل إعتاقه لظاهر قوله : عليه الصلاة والسلام { لن يجزي ولد عن والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه } ففيه تنصيص على أنه مستحق عليه إعتاقه ، ولو عتق بنفس الشراء لم يكن لقوله فيعتقه معنى ; ولأن القرابة لا تمنع ثبوت الملك ابتداء فلا تمنع البقاء بطريق الأولى ، ألا ترى [ ص: 70 ] أنها لما منعت بقاء ملك النكاح منعت ثبوته ابتداء .
( وحجتنا ) في ذلك قوله تعالى { وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات ، والأرض إلا آتي الرحمن عبدا } فقد نفى البنوة بينه ، وبين الخلق بإثبات العبودية فذلك تنصيص على المنافاة بينهما ، والمتنافيان لا يجتمعان فإذا كانت البنوة متقررة انتفت العبودية ، ومراده عليه الصلاة والسلام من قوله فيعتقه بذلك الشراء لا بسبب آخر كما يقال : أطعمه فأشبعه وسقاه فأرواه ، وضرب فأوجع ، وكتبه فقرمط وإنما أثبتنا له الملك ابتداء ; لأن انتفاء العبودية لا يتحقق إلا به فإذا لم يملكه لا يعتق بخلاف ملك النكاح ; لأنه لا فائدة في إثبات ملك النكاح له على ابنته ثم إزالته ; لأنها تعود إلى ما كانت عليه ، ولأن هذا العتق صلة ، ومجازاة فلا يتحقق إلا بعد الملك . فأما انتفاء النكاح بحرمة المحل ، وهو موجود قبل العقد ; ولأن ملك النكاح ليس بملك الحل فيختص بمحل الحل ، والأم والابنة محرمة عليه بالنص ، ولا تصور للملك بدون المحل فأما هذا ملك مال ، وذلك ثابت في المحل ، فيثبت له نسبه أيضا إذ ليس من ضرورة إثباته - الاستدامة ، وبهذا الحديث أيضا قال علماؤنا - رحمهم الله تعالى - : إذا ملك أخاه ، أو أخته ، أو أحدا من ذوي الرحم المحرم منه أنه يعتق عليه ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى : لا يعتق إلا الوالدين والمولودين ; لأنه ليس بينهما بعضية فلا يعتق أحدهما على صاحبه كبني الأعمام بخلاف الآباء والأولاد فالعتق هناك للبعضية ، والجزئية ; ولأن القرابة التي بينهما في الأحكام كقرابة بني الأعمام حتى تقبل شهادة كل واحد منهما لصاحبه ، ويجوز لكل واحد منهما وضع زكاة ماله في صاحبه ، ويجري القصاص بينهما في الطرفين ، ويحل لكل واحد منهما حليلة صاحبه ، ولا يستوجب كل واحد منهما النفقة على صاحبه مع اختلاف الدين ، ولا يتكاتب أحدهما على صاحبه بخلاف الوالدين ، والمولودين وهذا بخلاف المناكحة ; لأن ثبوتها باسم الأختية ، والبنتية لا بمعنى القرابة ، ألا ترى أنها تثبت بالرضاع ، ولا تثبت بالقرابة بها ، ولهذا لا يعتبر في الحرمة معنى قرب القرابة وبعدها .
( وحجتنا ) في ذلك ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما { أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال إني وجدت أخي يباع في السوق فاشتريته ، وأنا أريد أن أعتقه فقال عليه الصلاة والسلام قد أعتقه الله } ، والمعنى فيه أن القرابة المتأيدة بالمحرمية علة العتق مع الملك ، كما في الآباء والأولاد ، وهذا ; لأن لهذا العتق بطريق الصلة والقرابة المتأيدة بالمحرمية تأثيرا في استحقاق الصلة ; لأنه يفترض وصلها ، ويحرم قطعها ، ألا ترى أن الله تعالى [ ص: 71 ] جعل قطيعة الرحم من الملاعن لقوله تعالى { وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله } وقال : عليه الصلاة والسلام ثلاث معلقات بالعرش ، منها الرحم يقول : قطعت ، ولم توصل والدليل عليه أن حرمة المناكحة تثبت بهذه القرابة بمعنى الصيانة عن ذل الاستفراش ، والاستخدام قهرا ، فملك اليمين أبلغ في الاستذلال من الاستفراش ، وكذلك يحرم الجمع بين الأختين نكاحا صيانة للقرابة من القطيعة بسبب المنافرة التي تكون بين الضرائر ومعنى قطيعة الرحم في استدامة ملك اليمين أكثر ، ولا شك أن للملك تأثيرا في استحقاق الصلة فيثبت بهذا التقرير : أن علة العتق هذان الوصفان ، وبعد هذا لا يضر انتفاء الجزئية بينهما ، لما ثبت أن علة العتق هذا دون الجزئية ; لأن التعدية بمعنى واحد ، قد ظهر أثره مستقيم ; ولأن هذه القرابة في معنى القرابة بين الجد ، والنافلة أيضا ; لأن اتصال أحد الأخوين بالآخر بواسطة الأب كما أن اتصال النافلة بالجد بواسطة الأب ولهذا ظهر الاختلاف بين الصحابة رضي الله عنهم في الجد مع الإخوة في الميراث .
وشبه بعضهم الجد مع النافلة بشجرة انشعب منها غصن ومن ذلك الغصن غصن والأخوين بغصنين من شجرة واحدة ، وشبه بعضهم الجد مع النافلة بواد تشعب منه نهر ، ومن النهر جدول ، والأخوين بنهرين تشعبا من واد فيكون معنى القرب بينهما أظهر ; لأن تفرقهما بشعب ، واحد ، والأول بشعبين فعرفنا أن القرابة التي بينهما بمنزلة قرابة الجد مع النافلة ، وذلك موجب للعتق مع الملك ، إلا أن في حكم الولاية لم يجعل الأخ كالجد ; لأن المعتبر فيه الشفقة مع القرابة ، وشفقة الأخ ليست كشفقة الجد ، وفي حكم الإرث كذلك عند أبي حنيفة رضي الله عنه ; لأن ذلك نوع ولاية فإنه خلافة في الملك والتصرف ، وبه فارق بني الأعمام فالواسطات هناك قد كثرت من كل جانب فكانت القرابة بعيدة بينهما ، ولهذا لا يثبت بها حرمة النكاح ولا حرمة الجمع بينهما في النكاح .
فأما المكاتب فلا ملك له على الحقيقة ، وهذه القرابة مع الملك علة ، والحكم الثابت بعلة ذات وصفين ينعدم بانعدام أحد الوصفين ، إلا أن المكاتب إذا ملك أباه يمتنع عليه بيعه ، وإذا ملك أخاه لا يمتنع عليه بيعه عند أبي حنيفة رضي الله عنه ; لأن المكاتب له كسب وليس له ملك حقيقة ، وحق الآباء ، والأولاد يثبت في الكسب حتى يجب عليه نفقة أبيه إذا كان مكتسبا ، وإن لم يكن موسرا . فأما حق الأخ لا يثبت في الكسب حتى لا يجب عليه نفقة أخيه الزمن إذا كان هو معسرا ، وإن كان مكتسبا وكذلك إن كان المالك صغيرا فإنه [ ص: 72 ] يعتق عليه لتمام علة العتق وهو الملك مع القرابة فإن الصغير يملك حقيقة ، ألا ترى أنه يثبت له صفة الغنى بملكه حتى يحرم عليه أخذ الصدقة بخلاف المكاتب ، وكذلك إن كان المالك كافرا والمملوك مسلما ، أو على عكس ذلك ; لأن الملك مع القرابة يتحقق مع اختلاف الدين ، وبهما تمام علة العتق بخلاف استحقاق النفقة ، فإن الشرع أوجب ذلك بصفة الوراثة فقال تعالى : { وعلى الوارث مثل ذلك } معناه : وعلى الوارث مثل ذلك معناه : وعلى الوارث ذي الرحم المحرم ، وبسبب اختلاف الدين ينعدم صفة الوراثة فلهذا لا يستحق النفقة بخلاف الآباء والأولاد فالاستحقاق هناك بالولاد قال تعالى : { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } وبسبب اختلاف الدين لا ينعدم الولاد ، فهذا بيان معنى الفرق بين هذه الفصول فإن ملكه الرجل مع آخر عتق نصيبه منه وسعى العبد للشريك في نصيبه ، ولا ضمان على الذي عتق من قبله في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - يضمن لشريكه قيمة نصيبه إن كان موسرا ، ويسعى العبد لشريكه إن كان معسرا .
وكذلك لو ملكاه بهبة أو صدقة ، أو وصية فهو على هذا الخلاف ، وجه قولهما إن القريب بالشراء صار معتقا لنصيبه ; لأن شراء القريب إعتاق ، ولهذا تتأدى به الكفارة ، والمعتق ضامن لنصيب شريكه إذا كان موسرا كما لو كان العبد بين شريكين فاشترى قريب العبد نصيب أحد الشريكين منه يضمن لشريكه الذي لم يبع إن كان موسرا ، وجه قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ما قال في الكتاب ; لأن شراء الشريك معه رضا منه بالذي يكون به العتق ومعنى هذا الكلام أن ضمان العتق يجب بالإتلاف والإفساد ، والرضا بالسبب يمنع وجوب مثل هذا الضمان كما لو أتلف مال الغير بإذنه ، وفي إثبات الرضا هنا نوعان من الكلام أحدهما أنه لما ساعد شريكه على القبول مع علمه أن قبول شريكه موجب للعتق فقد صار راضيا بعتقه على شريكه فهو كما لو استأذن أحد الشريكين من صاحبه في أن يعتق نصيبه فأذن له في ذلك ، والثاني أن المشتريين صارا كشخص واحد لاتحاد الإيجاب من البائع ، ولهذا لو قبل أحدهما دون الآخر لم يصح قبوله ، ولم يملك نصيبه به ، ولا شك أن كل واحد منهما راض بالتمليك في نصيبه فيكون راضيا بالتمليك في نصيب صاحبه أيضا لما ساعده على القبول بل يصير مشاركا له في السبب بهذا الطريق والمشاركة في السبب فوق الرضا به إلا أن بهذا السبب تتم علة العتق في الحق القريب ، وهو الملك لا تتم علة العتق في حق الأجنبي فكان القريب معتقا دون الأجنبي [ ص: 73 ] ولكن بمعاونة الأجنبي يسقط حقه في تضمينه لما عاونه على السبب ، وفي هذا يتضح الكلام لأبي حنيفة في الشراء فيما إذا كان العبد كله لرجل فباع نصفه من قريبه ، فإن الخلاف ثابت فيه ، ولا شك أن إيجاب البائع رضا منه بقبول المشتري ، وما ينبني على قبول المشتري يحال به على إيجاب البائع ، كما لو باع الأمة المنكوحة من زوجها قبل الدخول سقط جميع المهر ; لأن الفرقة جاءت من قبل من له المهر ، وهو البائع فأما في الهبة ، والصدقة والوصية كلاهما أوضح ; لأن قبول أحدهما في نصيبه صحيح بدون قبول الآخر ، ولكن أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : هما كشخص واحد أيضا إلا أن في الهبة ، والصدقة والوصية : قبول الشخص الواحد في النصف دون النصف صحيح .
وهذا بخلاف ما إذا باع أحد الشريكين نصيبه من قريبه ; لأن هناك لم يوجد من الشريك الآخر ما يكون رضا منه ، أو معاونة على السبب وبخلاف ما لو قال أحد الشريكين لشريكه إن ضربته اليوم سوطا فهو حر فضربه سوطا فإن الحالف يضمن للضارب إن كان موسرا ، ومن أصحابنا من قال : موضوع تلك المسألة أن الشريك قال أيضا إن لم أضربه اليوم سوطا فهو حر فإقدامه على الضرب بعد هذا يكون لدفع العتق عن نصيبه ، فلا يصير به راضيا بعتق نصيب الشريك على أن هناك إنما يعتق نصيب الشريك بقوله هو حر ، وذلك تم بالحالف من غير رضا كان من الضارب فأما الضرب شرط للعتق ، والرضا بالشرط لا يكون رضا بأصل السبب بخلاف ما نحن فيه فإنه إنما رضي بالسبب حين شاركه فيه ، وهذا بخلاف حكم الفرار ، فإن الرضا بالشرط من المرأة كالرضا بالسبب في إسقاط حقها عن الميراث ; لأنه لا ملك لها قبل موت الزوج في ماله .
وإنما يثبت حكم الفرار دفعا لقصد الزوج الإضرار بها ، وذلك ينعدم بالرضا بالشرط كما ينعدم بالرضا من السبب بخلاف ما نحن فيه ، ولم يفصل في ظاهر الرواية بين أن يكون الشريك عالما بأن المشتري معه قريب العبد ، أو لا يكون عالما ، وهكذا روى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله ; لأن سبب الرضا يتحقق وإن لم يكن عالما به فهو كمن قال لغيره : كل هذا الطعام ، وهو يعلم أنه طعامه فأكله المخاطب فليس للآذن أن يضمنه شيئا ، وكذلك لو قال لشريكه : أعتق هذا العبد وهو لا يعلم أنه مشترك بينهما ، وقد روى أبو يوسف عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - أن رضاه إنما يتحقق إذا كان عالما ، فأما إذا كان لا يعلم بذلك فله أن يرد نصيبه بالعيب ; لأنه لا يتم رضاه ، وقبوله حين لم يكن عالما بأن شريكه معتق ، وبدون تمام القبول لا يعتق نصيب الشريك فكان هذا بمنزلة العيب في نصيبه فإن لم يكن عالما به [ ص: 74 ] كان له أن يرده .
واستشهد في الكتاب بقول أبي حنيفة رحمه الله بما لو أعتق أحد الشريكين بإذن شريكه ، وقد روي عن أبي يوسف رحمه الله أنه في هذا الفصل لا يسقط حق الشريك في التضمين بالإذن ، وهذا صحيح على أصله لأن ضمان العتق عنده ضمان التملك فإن العتق لا يتجزأ على قوله ، وضمان التملك لا يسقط بالإذن ، كما لو استولد أحد الشريكين الجارية بإذن شريكه ، وجه ظاهر الرواية أن هذا الضمان سببه الإفساد ، والإتلاف فسقط بالإذن كضمان الإتلاف الحقيقي بل أولى ; لأن هذا الضمان يسقط بالإعسار ، وبخلاف ضمان الإتلاف الحقيقي فأما إذا ، ورث مع قريبه غيره عتق نصيبه ، ولا ضمان عليه لشريكه ; لأن الميراث يدخل في ملكه بغير قبوله ، والضمان لا يجب إلا باعتبار الصنع من جهته ، ولهذا لو ورث قريبه لم يجز عن كفارته وهذا بخلاف ما إذا استولد جارية بالنكاح ، ثم ورثها مع غيره ; لأن هناك المستولد يصير متملكا نصيب شريكه ، وضمان التملك لا يعتمد الصنع ، ولهذا لا يختلف باليسار ، والإعسار هناك ولو ملك محرما له برضاع ، أو مصاهرة لم يعتق عليه ; لأنه لا قرابة بينهما ، والعتق صلة تستحق بالقرابة ، والرضاع إنما جعل كالنسب في الحرمة خاصة ، ولهذا لا يتعلق به استحقاق الميراث ، والنفقة ، وليس من ضرورة ثبوت الحرمة العتق عليه إذا ملكه كالوثنية ، والمجوسية ، وكذلك إن ملك ذا رحم ليس بمحرم ; لأن مثل هذه القرابة لا يفترض وصلها ، ولهذا لا يتعلق بها حرمة المناكحة ، وحرمة الجمع في النكاح ، ولو ملك أحد الزوجين صاحبه لم يعتق عليه ; لأنه ليس بينهما قرابة ; ولأن ما بينهما من الزوجية يرتفع بالملك ، وإذا اشترى أمة ، وهي حبلى من أبيه عتق ما في بطنها ; لأنه ملك أخاه ، وليس له أن يبيع الأمة حتى تضع ; لأن في بطنها ولدا حرا كما لو أعتق ما في بطن أمته ، وهذا الولد يصير مستثنى بالعتق ، ولو استثناه شرطا في البيع بطل البيع فكذلك إذا صار مستثنى بالعتق ، وله أن يبيعها بعد الوضع ; لأن الأمة ما صارت أم ولد للابن فإن المستولد أبوه ، ولا يصير الأب متملكا لها على الابن ; لأنها ما كانت مملوكة للابن حين علقت من الأب فلهذا كان له أن يبيعها والله سبحانه ، وتعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب .
باب لوجوه من العتق
( قال ) : رضي الله تعالى عنه ذكر عن أبي قلابة { أن رجلا أعتق عبدا له عند موته ، ولا مال [ ص: 75 ] له غيره فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلثه ، واستسعاه في ثلثي قيمته } ، وفي هذا دليل : أن العتق في المرض يكون وصية وأنه ينفذ من ثلثه وأن معتق البعض يستسعى فيما بقي من قيمته ، فيكون دليلا لنا على الشافعي رضي الله عنه ; لأنه لا يرى السعاية على العبد بحال ، ولكنه يقول يستدام الرق فيما بقي على ما نبينه في مسألة تجزيء العتق ، وذكر عن الحسن البصري { : أن رجلا أعتق ستة أعبد له عند موته فأقرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم فأعتق اثنين ، ورد أربعة في الرق } وبظاهر هذا الحديث يحتج الشافعي رحمه الله تعالى علينا فإن المذهب عندنا أن من أعتق ستة أعبد له في مرضه ، ولا مال له غيرهم ، وقيمتهم سواء يعتق من كل واحد منهم ثلثه ، ويسعى في ثلثي قيمته ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى يجزئهم القاضي ثلاثة أجزاء ، ثم يقرع بينهم فيعتق اثنين بالقرعة ، ويرد أربعة في الرق ، واستدل بهذا الحديث ، ورجح مذهبه بأن فيه اعتبار النظر من الجانبين ; لأنه لو أعتق من كل ، واحد منهم ثلثه تعجل تنفيذ الوصية ، وتأخر اتصال حق الورثة إليهم ، بل في هذا إبطال حق الورثة معنى ; لأن السعاية في معنى التاوي فإن المال في ذمة المفلس يكون تاويا فإذا تعذر تنفيذ الوصية بهذا الطريق وجب جميع العتق في شخصين وتعيين المستحق بالقرعة ; لأن ذلك أصل في الشرع ، وكان في شريعة من قبلنا ، قال الله تعالى : { إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم } ، وقال : { فساهم فكان من المدحضين } { ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه } ، والقاضي إذا قسم المال بين الشركاء أقرع بينهم ، وبهذا تبين أن هذا ليس في معنى القمار ; لأن في القمار تعليق أصل الاستحقاق بخروج القدح وفي هذا تعيين المستحق فأما أصل الاستحقاق ثابت بإيجاب المعتق .
( وحجتنا ) في ذلك أن العبيد استووا في سبب الاستحقاق ، وذلك موجب للمساواة في الاستحقاق فلا يجوز إعطاء البعض ، وحرمان البعض كما لو أوصى برقابهم لغيرهم لكل رجل برقبة بل أولى ; لأن ملك الوصية يحتمل الرجوع من الموصي والرد من الموصى له ، وهذه الوصية لا تحتمل ذلك ، فإذا لم يجز حرمان البعض هناك فهنا أولى ، ثم فيما قاله الخصم ضرر الإبطال في حق بعض الموصى لهم وفيما قلنا ضرر التأخير في حق الورثة ، وضرر التأخير متى قوبل بضرر الإبطال كان ضرر التأخير أهون ، وإذا لم نجد بدا من نوع ضرر رجحنا أهون الضررين على أعظمهما مع أنه ليس في هذا تعجيل حق الموصى له ; لأن عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى المستسعى مكاتب فلا يعتق شيء منهم ما لم يصل إلى الورثة السعاية .
وعلى قولهما ،وإن [ ص: 76 ] تعجل العتق للعبيد ، وذلك ليس بصنع منا بل بإعتاق الموصي ، ولزوم تصرفه شرعا ، ولو أبطلنا حق بعض العبيد كان ذلك بإيجاب منا ، ثم كلامه يشكل بما لو كان ماله دينا على مفلس فأوصى به له ، فإنه يسقط نصيبه ، والباقي دين عليه إلى أن يقدر على أدائه ، ولا وجه لتعيين المستحق بالقرعة ; لأن تعيين المستحق بمنزلة ابتداء الاستحقاق ، فإن الاستحقاق في المجهول في حكم العين كأنه غير ثابت فكما أن تعليق ابتداء الاستحقاق بخروج القرعة يكون قمارا فكذلك تعيين المستحق ، وإنما يجوز استعمال القرعة عندنا فيما يجوز الفعل فيه بغير القرعة كما في القسمة . فإن للقاضي أن يعين نصيب كل واحد منهم بغير قرعة فإنما يقرع تطييبا لقلوبهم ، ونفيا لتهمة الميل عن نفسه وبهذا الطريق كان يقرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين نسائه إذا أراد سفرا ; لأن له أن يسافر بمن شاء منهن بغير قرعة إذ لا حق للمرأة في القسم في حال سفر الزوج ، وكذلك يونس صلوات الله عليه عرف أنه هو المقصود ، وكان له أن يلقي نفسه في الماء من غير إقراع ، ولكنه أقرع كي لا ينسب إلى ما لا يليق بالأنبياء ، وكذلك زكريا عليه السلام كان أحق بضم مريم إلى نفسه ; لأن خالتها كانت تحته ولكنه أقرع تطييبا لقلوب الأحبار ، مع أن تلك كانت معجزة له فقد روي أن أقلامهم كانت من الحديد ، وكان الشرط أن من طفا قلمه على وجه الماء فهو أحق بها ، وروي أنه كان من القصب ، وكان الشرط أن من استقبل قلمه جري الماء ، ولم يجر مع الماء فهو أحق بها بقي اعتمادهم على الحديث ، ومن أصحابنا من قال : هذا الحديث غير صحيح ; لأن فيه أن الرجل كان له ستة أعبد قيمتهم سواء ، ولم يكن له معهم شيء آخر ، وهذا من أندر ما يكون .
ولو ثبت فيحتمل أن الرجل أوصى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتقهم ، وفي الحديث دليل عليه ; لأنه قال : فأعتق اثنين منهم ، وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتق أي الاثنين شاء منهم فأقرع تطييبا لقلوبهم ، وذكر الجصاص : أن معنى قوله : فأعتق اثنين أي قدر اثنين منهم ، وبه نقول ، فإنا إذا أعتقنا من كل واحد منهم ثلثه فقد أعتقنا قدر اثنين منهم ، ومعنى قوله فأقرع أي دقق النظر يقال : فلان قريع دهره أي دقيق النظر في الأمور ودقق الحساب بأن جعل قدر الرقبتين بينهم أسداسا ، هذا تأويل الحديث إن صح ، وعن إسماعيل بن خالد عن الشعبي رضي الله تعالى عنهم في رجل أعتق عبدا له عند الموت ولا مال له غيره قال عامر : قال مسروق هو حر كله جعله لله لا أرده ، وقال شريح يعتق ثلثه ، ويسعى في الثلثين فقلت لعامر أي القولين أحب إليك قال : فتيا مسروق ، وقضاء شريح [ ص: 77 ] رضي الله تعالى عنهما - وفي هذا إشارة أن العتق يتجزأ في الحكم كما هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وأنه يجب إتمامه ، ولا يجوز استدامة الرق فيما بقي منه كما هو فتوى مسروق رحمه الله تعالى .
وعن علي رضي الله عنه : أن رجلا أعتق عبدا له عند الموت وعليه دين قال يسعى العبد في قيمته ، وعن أبي يحيى الأعرج رضي الله عنه { عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى العبد في الدين } ، والمراد إذا كان الدين بقدر قيمته ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه نحوه ، فإنه قال : تسعى الأمة في ثمنها يعني في قيمتها ، وهذا ; لأن الدين مقدم على الوصية والميراث ، والعتق في المرض وصية فوجب رده لقيام الدين ، ولكن العتق لا يحتمل الفسخ ، والرق بعد سقوطه لا يحتمل العود فكان الرد بإيجاب السعاية عليه .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|