عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 12-12-2025, 06:55 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,766
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السابع

صـــ 47 الى صـــ 56
(140)




( قال ) : ولو نفى ولد زوجة محدودة ، أو كتابية ، أو مملوكة والزوج حر أو عبد كان نفيه باطلا ويلزم الولد إياه ; لأن النسب قد ثبت منه بالفراش فلا ينقطع إلا باللعان وقد تعذر إثبات بينهما لانعدام أهلية الشهادة فيهما أو في أحدهما فيبقى النسب ثابتا منه ، ولا حد على الزوج ولا لعان وقد أجمل هذا الجواب ; لأنه في السؤال ذكر الزوج العبد والمرأة المحدودة ، وقد بينا فيما سبق أن العبد إذا قذف امرأته المحدودة فعليه الحد فيحمل هذا الجواب على ما إذا كان الزوج حرا مسلما حتى يمتنع جريان اللعان من قبلها فحينئذ لا يجب الحد ، ولا اللعان .


( قال ) : وإذا التعن الرجل ثلاث مرات والتعنت المرأة ثلاث مرات ثم فرق القاضي بينهما فقد أخطأ السنة ، والفرقة جائزة عندنا وعلى قول زفر والشافعي - رحمهما الله تعالى - حكمه بخلاف السنة باطل ، فلا تقع الفرقة بينهما ; لأنه حكم بخلاف النص ، فإن اللعان بالكتاب ، والسنة خمس مرات والحكم بخلاف النص باطل كما لو حكم بشهادة ثلاثة نفر في حد الزنا أو بشهادة رجل وامرأة بالمال .

( وحجتنا ) في ذلك : أن هذا حكم في موضع الاجتهاد فيجوز وينفذ كالحكم بشهادة المحدود في القذف ونحوها وبيانه من وجهين : أحدهما - أن ما شرع مكررا من واحد فقد يقام الأكثر منه مقام [ ص: 48 ] الكل . والثاني - أن تكرار اللعان للتغليظ ومعنى التغليظ يحصل بأكثر كلمات اللعان ; لأنه جمع متفق عليه وأدنى الجمع كأعلاه في بعض المواضع ، فإذا اجتهد القاضي وأدى اجتهاده إلى هذا الحكم نفذ حكمه ، ألا ترى أنه لو فرق بينهما بعد لعان الزوج قبل لعان المرأة ينفذ حكمه لكونه مجتهدا فيه فبعد ما أتى كل واحد منهما بأكثر كلمات اللعان أولى .

ولا نسلم أن قضاءه مخالف للنص ; لأن أصل الفرقة ، ومحلها غير مذكور في النص وهذا الاجتهاد في محل الفرقة ، فإن من أبطل هذا القضاء يقول : لا تقع الفرقة وإن أتمت المرأة اللعان بعد ذلك ، ولا ينفذ حكمه وإن أتم الزوج اللعان وإنما تقع الفرقة عنده بلعان الزوج ، ولو فرق بينهما بعدما التعن كل واحد منهما مرتين لم ينفذ حكمه ; لأن بقاء أكثر اللعان كبقاء جميعه فهذا حكم في غير موضع الاجتهاد ، فإن أقل الشيء لا يقوم مقام كماله .

( قال ) : ولو فرغا من اللعان فلم يفرق بينهما حتى مات أحدهما توارثا ; لأن الفرقة عندنا لا تقع إلا بقضاء القاضي ، فإنما انتهى النكاح بينهما بالموت
( قال ) : ولو أخطأ القاضي فأمر المرأة فبدأت باللعان ثم التعن الرجل كان عليه أن يأمر المرأة بإعادة اللعان ; لأنها التعنت قبل أوانه ، فإن اللعان مشروع في جانبها لمعارضة لعان الزوج ; لأنها لا يثبت بلعانها شيء على الزوج ، وما حصل قبل أوانه لا يعتد به فيأمرها باستقبال اللعان فإن لم يأمرها بذلك وفرق بينهما وقعت الفرقة كما لو التعن الزوج ولم تلتعن المرأة حتى فرق بينهما ; لأنه حكم في موضع الاجتهاد ; لأن فيما طريقه على طريق المعارضة ، لا فرق بين أن يسبق هذا أو ذاك ، وفي باب التحالف له أن يبدأ بيمين أيهما شاء ; ولأنهما متلاعنان سواء بدأت هي أو هو وحكمه في موضع الاجتهاد نافد .
( قال ) : وإذا قذف أجنبية ثم تزوجها فقذفها فرافعته فيهما جلد الحد ، ودرئ اللعان ; لأن موجب قذفه قبل التزوج الحد ، وموجب قذفه بعد التزوج اللعان ، ولكن متى اجتمع الحدان عند الإمام - وفي البداية بأحدهما إسقاط الآخر - بدئ بما فيه إسقاط الآخر احتيالا للدرء ، ولو بدأ باللعان هنا لم يسقط الحد ولو بدأ بالحد يسقط اللعان ; لأن المحدود في القذف لا يلاعن امرأته فلهذا يبدأ بالحد ، ولو أخذته بالآخر وتركت الأول لاعنها ; لأن حد القذف لا يقام إلا بطلب المقذوف فإذا لم يطلب صار القذف الأول كالمعدوم في حق الثاني وقد وجد منها الخصومة في الثاني فيلاعنها فإن أخذته بعد ذلك بالأول ضرب الحد ; لأن بترك الطلب زمانا لا يسقط حقها في المطالبة بحد القذف بعد تقرر الموجب لحد القذف .

وإن بدأت بالأول حد لها فإن أخذته بعد ذلك بالآخر لم يلزمه حد [ ص: 49 ] ولا لعان ; لأن القذف الثاني كان موجبا للعان ، وقد تعذر إقامته حين صار محدودا في قذف ، ولو كان موجبا للحد لا يقام إلا حد واحد وقد أقيم ذلك بعد القذفين .

( قال ) : وإذا قذف امرأته مرات فعليه لعان واحد ; لأن اللعان في كونه موجب قذف الزوجات كالحد في حق الأجنبيات والحد لا يتكرر بتكرر القذف لشخص واحد .
( قال ) : وإذا قذف أربع نسوة في كلمة واحدة ، أو في كلمات متفرقة فعليه أن يلاعن كل واحدة منهن على حدة بخلاف ما لو قذف أجنبيات ، فإنه يقام عليه حد واحد لهن ; لأن المقصود يحصل بإقامة حد واحد وهو دفع عار الزنا عنهن وهنا لا يحصل المقصود بلعان واحد ; لأنه يتعذر الجمع بينهن في كلمات اللعان فقد يكون صادقا في بعضهن دون البعض ، والمقصود التفريق بينه وبينهن ولا يحصل ذلك باللعان مع بعضهن فلهذا يلاعن كل واحد منهن على حدة حتى لو كان محدودا في القذف كان عليه حد واحد لهن ; لأن موجب قذفه لهن الحد هنا والمقصود يحصل بحد واحد كما في الأجنبيات .
( قال ) : ولو قذف رجلا فضرب بعض الحد ثم قذف امرأة نفسه لم يكن عليه لعان ، وعليه تمام الحد لذلك الرجل ; لأن قذفه إياها موجب للعان ، فإن بإقامة بعض الحد عليه لا تبطل شهادته ، ولكن لا بد من إكمال الحد لذلك الرجل أولا ; لأن في البداية به إسقاط اللعان فإنه يصير محدودا في قذف فيبدأ بإكمال الحد الأول لهذا . ولو كان قذفه إياها في هذه الحالة موجبا للحد لم يجب إلا كمال الحد الأول ، كما لو قذف أجنبيا آخر .
( قال ) : وإذا قذف امرأته ثم بانت منه بطلاق أو غيره فلا حد عليه ، ولا لعان ; لأن المقصود باللعان التفريق بينهما ، ولا يتأتى ذلك بعد البينونة فلا معنى للعان بعد فوات المقصود به ولا حد عليه ; لأن قذفه كان موجبا للعان ، والقذف الواحد لا يوجب الحدين ، ولو أكذب نفسه لم يضرب الحد أيضا لهذا المعنى بخلاف ما لو أكذب نفسه بعدما لاعنها ; لأن وجوب اللعان هناك بأصل القذف ، والحد بكلمات اللعان فقد نسبها فيها إلى الزنا وانتزع معنى الشهادة بإكذابه نفسه فيكون هذا نظير الشهود بالزنا ، فأما هنا لم توجد كلمات اللعان فلهذا لا يحد ، وإن أكذب نفسه .
( قال ) : ولو قال أنت طالق ثلاثا يا زانية كان عليه الحد ; لأنها بانت بالتطليقات الثلاث فإنما قذفها بالزنا بعد البينونة فعليه الحد ولو قال يا زانية - أنت طالق ثلاثا لم يلزمه حد ولا لعان ; لأنه قذفها ، وهي منكوحة ، ثم أبانها بالتطليقات وقد بينا أنه بعدما قذفها إذا أبانها لم يلزمه حد ولا لعان ، وهذا ; لأنه وإن ذكر كلامه على سبيل النداء فقد نسبها به إلى الزنا ; لأن النداء للتعريف ، وتعريفها بهذا الوصف نسبتها إليه بأبلغ الجهات .
[ ص: 50 ] قال ) : وإذا علق القذف بشرط لم يجب حد ، ولا لعان ; لأن القذف مما لا يحلف به فلا يتعلق بالشرط ; ولأن التعلق بالشرط يمنع تحقق نسبتها إلى الزنا في الحال ; ولأن من لا تكون زانية قبل دخول الدار لا تكون زانية بدخول الدار وكذلك لو قال : إذا تزوجتك ، فأنت زانية أو أنت زانية إن شاء فلان فهو باطل لما قلنا .
( قال ) : ولو قال لامرأته قد زنيت قبل أن أتزوجك أو رأيتك تزنين قبل أن أتزوجك ، فهو قاذف اليوم وعليه اللعان ، لأن القذف نسبتها إلى الزنا ، وقد تحقق ذلك في الحال بخلاف ما لو قال قذفتك بالزنا قبل أن أتزوجك فإنه يجب عليه الحد ; لأنه ظهر بإقراره قذف قبل التزوج فهو كما لو ثبت ذلك بالبينة بخلاف ما لو قال لها زنيت ، وأنت صغيرة ، فإنه لا حد عليه ، ولا لعان فإن فعل الصغيرة لا يكون زنا شرعا فقد نسبها إلى ما لا يتحقق شرعا فيكون هذا بمنزلة ما لو نسبها إلى ما لا يتحقق أصلا بأن قال : زنيت قبل أن تخلقي فأما ما قبل التزوج يتحقق منها فعل الزنا شرعا ; ولأن الصغيرة لا يلحقها العار ولا الإثم شرعا ، والقذف بالزنا يتعير به المقذوف ، وقد يكون فيه آثما شرعا ، وإن قال لها فرجك زان أو جسدك زان أو بدنك زان فهو قذف ; لأنه ذكر ما يعبر به عن جميع البدن بخلاف الرجل ، واليد ، وبأي لغة رماها بالزنا ، فهو قاذف ; لأن ما يلحقها من العار والشنار بالنسبة إلى الزنا لا يختلف بين العربية والفارسية وإذا قال وجدت رجلا معها يجامعها لم يكن قاذفا ; لأن الجماع قد يكون حلالا وشبهة وبدون التصريح بالزنا لا يكون القذف موجبا كما في حق الأجانب ما لم يصرح بالزنا لا يكون موجبا للحد .
( قال ) : رجل قال لامرأته يا زانية فقالت : بل أنت فإنها تحد له ويدرأ اللعان ; لأن معنى كلامها لا بل أنت الزاني ، وقذفها إياه موجب للحد وفي البداية به إسقاط اللعان ; لأنها تصير محدودة في قذف ، وقد بينا أنه متى كان في البداية بأحد الحدين إسقاط الآخر يبدأ به ، وذكر في الأصل أنه لو قال : لامرأته يا زاني فعليه اللعان ; لأنه قاذف لها وإن أسقط الهاء من كلامه ; لأن الإسقاط للترخيم عادة العرب بخلاف ما لو قال لرجل يا زانية لم يكن عليه حد في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وهي مسألة الحدود ، وقذف الأصم امرأته يوجب اللعان ; لأن التصريح بالنسبة إلى الزنا يتحقق من الأصم بخلاف الأخرس ولو قذف الرجل امرأة رجل فقال الزوج : صدقت لم يكن عليه حد ، ولا لعان ; لأنه ليس بتصريح بالنسبة لها إلى الزنا فمن الجائز أن مراده صدقت ، هي امرأته ، وهذا اللفظ لا يكون قذفا في حق الأجانب ، فكذلك في حق الزوجة .
( قال ) : وإن قال يا زانية فقالت زنيت [ ص: 51 ] بك ، في القياس يلاعنها ; لأن كلامها ليس بإقرار بالزنا منها فإن فعل المرأة بزوجها لا يكون زنا ولكن في الاستحسان ليس بينهما حد ، ولا لعان ; لأنها بأول كلامها صارت مصدقة له حين قالت زنيت ; ولأن كلامها محتمل : لعلها أرادت زنيت بك قبل النكاح ، ولعلها أرادت بعد النكاح فلاحتمال الوجه الأول يسقط اللعان ، ولاحتمال الوجه الثاني لا تكون هي قاذفة له فلا يلزمها الحد وإن قال يا زانية فقالت أنت أزنى مني فعليه اللعان ; لأن كلامها ليس بقذف له ، فإن معناه أنت أقدر على الزنا مني ، ولهذا لو قذف الأجنبي بهذا اللفظ لا يلزمه الحد ، وكذلك لو قال الزوج أنت أزنى من فلانة أو أنت أزنى الناس فلا حد ولا لعان ; لأن معنى كلامه أنت أقدر على الزنا أو أكثر شبقا فلا يتحقق نسبتها إلى الزنا بهذا اللفظ ، وإذا قذفها أو نفى نسب ولدها فصدقته لم يكن بينهما حد ولا لعان ; لأنها بتصديق الزوج فيما نسبها إليه من الزنا تخرج من أن تكون محصنة ، والولد ولده ; لأن النسب يثبت منه بالفراش فلا ينتفي إلا باللعان ، وقد تعذر اللعان بينهما فإن قذف امرأة رجل فقال الرجل : صدقت هي كما قلت كان قاذفا لها ; لأنه صرح بآخر كلامه أن مراده من التصديق أول الكلام ، ومعناه هي زانية كما قلت بخلاف ما لو قال مطلقا صدقت ، ولو قال لامرأته : يا زانية بنت الزانية فقد صار قاذفا لها ولأمها ، وقذفه أمها موجب للحد ، وقذفه إياها موجب للعان فإذا رفعته هي وأمها بدئ بالحد لما في البداية به من إسقاط اللعان ، وكذلك إن كانت الأم ميتة فللبنت أن تخاصم في إقامة الحد ; لأن العار يلحقها بزنا أمها فإذا خاصمت في ذلك حد لها ، ودرئ اللعان ، وإن قال زنيت مستكرهة أو زنى بك صبي لم يكن قاذفا لها ; لأن المستكرهة لا تكون زانية شرعا فإن الفعل ينعدم منها ، وهو التمكين في الإكراه ولهذا لا يلزمها الحد ، وكذلك فعل الصبي لا يكون زنا شرعا وهي بالتمكين من غير الزنا لا تكون زانية ، فلا يكون قاذفا لها ولو قذفها ثم وطئت وطئا حراما سقط اللعان ; لأنها خرجت من أن تكون محصنة ، والعارض في الحدود قبل الإقامة كالمقترن بأصل السبب .
( قال ) : وإذا ولدت المرأة ولدا ثم نفى الولد بعد سنة لاعنها ولم ينتف الولد إنما استحسن إذا نفاه حين يولد أو بعد ذلك بيوم أو يومين أو نحو ذلك أن ينتفي باللعان فهذا قول أبي حنيفة رضي الله عنه ، ولم يكن وقت فيه وقتا وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - : الوقت فيه أيام النفاس أربعون يوما : وجه قولهما أن مدة النفاس كحالة الولادة . بدليل أنها لا تصوم فيه ، ولا تصلي وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول إذا لم يكن الولد منه لا يحل له أن يسكت عن نفيه بعد [ ص: 52 ] الولادة فيكون سكوته عن النفي دليل القبول ، وكذلك يهنى بالولد عند الولادة فقبوله بالتهنئة إقرار منه أن الولد منه ، وكذلك يشتري ما يحتاج إليه لإصلاح الولد عادة وبعد وجود دليل القبول ليس له أن ينفيه ، وكان القياس أن لا يصح نفيه إلا على فور الولادة وبه أخذ الشافعي ، ولكنه استحسن أبو حنيفة رحمه الله فقال : له أن ينفيه بعد ذلك بيوم أو يومين ; لأنه يحتاج إلى أن يروي النظر لئلا يكون مجازفا في النفي قال : صلى الله عليه وسلم { من نفى نسب ولده وهو ينظر إليه فهو ملعون } ، ولا يمكنه أن يروي النظر إلا بمدة فجعلنا له من المدة يوما أو يومين وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة سبعة أيام في هذه المدة يستعد للعقيقة ، وإنما تكون العقيقة بعد سبعة أيام ولكن هذا ضعيف فإن نصب المقدار بالرأي لا يكون .
( قال ) : ولو كان الزوج غائبا حين ولدته فحضر بعد مدة يجعل من حقه في حكم النفي كأنها ولدته الآن إلا أنه روي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى قال : إن حضر قبل الفصال فله أن ينفيه إلى أربعين ليلة ولو حضر بعد الفصال فليس له أن ينفيه ; لأنه يقضى بنفقته عليه في ماله الذي خلفه ، ولو كان له أن ينفيه بعد الفصال لكان له أن ينفيه بعد ما صار شيخا ، وهذا قبيح .

هذا كله إن لم يقبل التهنئة فأما إذا هنئ فسكت فليس له أن ينفيه بعد ذلك ; لأن سكوته عند التهنئة بمنزلة قبوله التهنئة ، وذلك بمنزلة الإقرار بنسبه إلا أنه روي عن محمد رحمه الله تعالى أنه إذا هنئ بولد الأمة فسكت لم يكن قبولا بخلاف ولد المنكوحة ; لأن ولد الأمة غير ثابت النسب منه فالحاجة إلى الدعوة ، والسكوت ليس بدعوة فأما نسب ولد المنكوحة ثابت منه فسكوته يكون مسقطا حقه في النفي .

( قال ) : وإذا لاعن بولد ولزم أمه ثم مات الولد عن مال فادعاه الأب لم يصدق على النسب ، والميراث ; لأن الولد بالموت قد استغنى عن النسب فكان هذا منه دعوى الميراث ، وهو مناقض في دعواه لكن يضرب الحد ; لأنه أكذب نفسه وأقر أنه كان قاذفا لها في كلمات اللعان ، فإن كان الولد ابنا له فمات وترك ولدا ذكرا أو أنثى ثبت نسبه من المدعي ، وورث الأب منه ; لأن الولد الباقي محتاج إلى النسب فبقاؤه كبقاء الولد الأول .

فأما إذا كان ولد الملاعنة بنتا فماتت عن ولد ثم أكذب الملاعن نفسه ، فكذا الجواب عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعندهما لا يثبت النسب هنا ; لأن نسب الولد القائم من جانب أبيه لا من جانب أمه قال القائل : [ ص: 53 ] وإنما أمهات الناس أوعية مستودعات وللأنساب آباء ، ألا ترى أن أولاد الخلفاء من الإماء يصلحون للخلافة ، وهذا ، وما لو ماتت لا عن ولد سواء ، ولكن أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : الولد يتعير بانتفاء نسب أمه كما يتعير بانتفاء نسب أبيه فكان هذا الولد محتاجا إلى إثبات نسب أمه ليصير كريم الطرفين ، فيكون بقاؤه كبقائها كما لو كان ولد الملاعنة ذكرا ، وإذا ثبت النسب فالميراث ينبني عليه حكما .

( قال ) : ولو ولدت امرأة الرجل فقال الزوج لم تلده فلا حد عليه ، ولا لعان ; لأنه أنكر ولادتها وذلك لا يتضمن نسبتها إلى الزنا ، ولو شهدت امرأة على الولادة ثبت نسبة منها لقيام الفراش بينهما ، فإذا نفاه بعد ذلك لاعنها ، وإن قال ليس هذا مني ، ولا منك لم يكن بهذا قاذفا لها ; لأنه ينكر ولادتها هذا الولد بهذا اللفظ .
( قال ) : وإذا قذف امرأته ثم ارتدت ثم أسلمت ثم تزوجها لم يكن لها أن تأخذه بذلك القذف ; لأنها بالردة خرجت من أن تكون محصنة ، ولأنها بانت منه بالردة ، ولو بانت بسبب آخر لم يكن عليه حد ، ولا لعان فإذا بانت بالردة أولى
( قال ) : وإذا لاعن الرجل امرأته بغير ولد ثم قذفها هو أو غيره فعليه الحد ; لأنها بقيت محصنة بعد اللعان والتفريق فإن اللعان بينهما باعتبار كونها محصنة فلا تخرج به من أن تكون محصنة .
( قال ) : وإن لاعنها بولد ثم قذفها هو ، أو غيره فلا حد عليه ، ولا لعان ; لأنها في صورة الزانيات فإن في حجرها ولدا لا يعرف له والد ، فلا تكون محصنة فإن ادعى الزوج الولد فجلد الحد ، وألزم الولد ثم قذفها قاذف فعليه الحد ; لأنها خرجت من أن تكون في صورة الزانيات حين ثبت نسب ولدها من الزوج ، ولا حد على من كان قذفها قبل ذلك ; لأن حال وجود السبب في الحدود معتبر لا محالة ، وقد كانت عند القذف في صورة الزانيات .
( قال ) : ولو ادعى الولد ثم مات قبل أن يحد ثبت نسب الولد منه بالدعوى ، وضرب من قذف المرأة بعده الحد . وكذلك لو أقامت البينة على الزوج أنه ادعاه ، وهو ينكر ثبت نسبه منه ، وضرب الحد ; لأن الثابت بالبينة على الزوج أنه ادعاه كالثابت بالإقرار ، ومن قذفها بعد ذلك ضرب الحد ; لأنها خرجت من أن تكون في صورة الزانيات .
( قال ) : وإذا قذف الرجل امرأته فرافعته فأقامت [ ص: 54 ] شاهدين أنه أكذب نفسه حد ; لأن الثابت بالبينة كالثابت بإقرار الخصم أو بالمعاينة .
( قال ) : وإذا رجع الملاعنان إلى حال لا يتلاعنان فيه أبدا فإن كان بعد التفريق حل له أن يتزوجها في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - وإن كان قبل التفريق لم يفرق بينهما ، وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى لا يجتمعان أبدا ، وقد بينا هذه المسألة ، وحاصل مذهب أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - أن التفريق بينهما والحرمة للتحرز عن تكرار اللعان ، وقد زال ذلك المعنى حين صار إلى حال لا يتلاعنان فيه أبدا
( قال ) : وإذا أسلمت امرأة الذمي فقذفها ثم أسلم فعليه الحد ; لأنها كانت محصنة حين قذفها فكان اللعان ممتنعا باعتبار حال الزوج فإنه كافر فلزمه الحد ، ثم لا يسقط ذلك بعد إسلامه ، وكذلك العبد يعتق بعدما قذف امرأته .
( قال ) : ولو قذف الحر امرأته الذمية ، أو الأمة ثم أسلمت ، أو أعتقت لم يكن عليه حد ، ولا لعان ; لأن امتناع جريان اللعان بمعنى من جهتها عند القذف فلا يجري اللعان ، وإن ارتفع المعنى بعد ذلك ، وإذا أعتقت المرأة الأمة ثم قذفها الزوج ، فعليه اللعان لبقاء النكاح بينهما عندنا بعد ما عتقت فإن اختارت نفسها بطل اللعان لوقوع الفرقة بينهما باختيارها نفسها ، ولا مهر عليه إن لم يكن دخل بها ; لأن الفرقة جاءت من قبلها قبل الدخول ، وإن لم تكن اختارت حتى يلاعنها ويفرق بينهما فعليه نصف المهر ; لأن الفرقة محال بها على جانب الزوج هنا ، ولهذا قال أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - : اللعان تطليقة بائنة وكذلك لو كان دخل بها ثم فرق بينهما فلها النفقة والسكنى في العدة ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب .
باب الشهادة في اللعان

( قال ) : رضي الله عنه وإذا شهد الزوج ، وثلاثة نفر على المرأة بالزنا جازت شهادتهم ، وأمضي عليها الحد عندنا ، وقال الشافعي : رحمه الله تعالى لا تقبل شهادة الزوج على زوجته بالزنا لأنه خصم في ذلك فإنه يصير قاذفا لها مستوجبا للعان ، ولا شهادة للخصم ، ولأنه شاهد طعن لأن الزوج يغيظه زناها فيحمله ذلك على أن يشهد عليها لا بطريق الحسبة ولأنه يدعي عليها الجناية في أمانته فالفراش أمانة الزوج عندها ، ولا شهادة للمدعي ، ولكنا نقول : لو شهد عليها بحق آخر قبلت الشهادة لظهور العدالة ، وانتفاء التهمة فكذلك بالزنا بل أولى ; لأن انتفاء التهمة هنا أظهر ، والظاهر أن الزوج يستر الزنا على امرأته ; لأن ذلك يشينه ومعنى الغيظ الذي قال يبطل [ ص: 55 ] بالأب إذا شهد على ابنته بالزنا تقبل ، وإن كان يغيظه زناها ، ولا معنى لقوله إنه خصم ; لأن إخراجه الكلام مخرج الشهادة في الابتداء يمنع كونه خصما مستوجبا للعان كالأجنبي ، فإن قذف الأجنبي موجب للحد ، ثم إذا أخرج الكلام مخرج الشهادة في الابتداء لم يكن مستوجبا للحد ، وكان محتسبا في الشهادة بخلاف ما لو قذفها أولا ; لأنه صار مستوجبا للعان فإنما يقصد بالشهادة بعد ذلك إسقاط اللعان عن نفسه ، والحد الواجب بزناها يخلص حقا لله تعالى ، وإنما يكون الزوج مدعيا إذا قصد بشهادته إثبات حق لنفسه ، وليس في هذه الشهادة إثبات حق له ولو ردت شهادتهم بأن لم يعدلوا لم يجب اللعان على الزوج ، كما لا يجب الحد على الأجانب لتكامل عدد الشهود ، وذكر ابن سماعة عن أبي يوسف - رحمهما الله تعالى - قال : لو قذفها الزوج ثم جاء بأربعة يشهدون عليها بالزنا فلم يعدلوا لاعنها الزوج ; لأنه قد استوجب اللعان بقذفه فلا يسقط عنه إلا بثبوت الزنا عليها ، والأصح أنه لا يلاعنها ; لأن القاذف لو كان أجنبيا فأقام أربعة من الشهداء بهذه الصفة لم يحد ، وكذلك لا يلاعنها الزوج .

ولو شهد مع الزوج ثلاثة من العميان بالزنا عليها يحد العميان ، ويلاعنها الزوج ; لأنه يتيقن بكذب العميان في الشهادة بالزنا ، فإن تحمل هذه الشهادة لا يكون إلا عن معاينة وليس للعميان تلك الآلة فلا تعتبر شهادتهم ، ويلزمهم الحد بالقذف ، ويلاعنها الزوج بقذفه أيضا بخلاف الفساق فإن لهم في الزنا شهادة ; لأنا لا نتيقن بكذبهم فيه .


( قال ) : وإذا شهد للمرأة ابناها على زوجها أنه قذفها لم تجز شهادتهما ; لأنهما يشهدان لأمهما ، وكذلك لو شهد أب المرأة ، وابن لها ، وكذلك لو شهد لها رجل ، وامرأتان بالقذف لم يجز ; لأن هذا حد فلا تجوز شهادة النساء في الحدود هكذا نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهم ، وكذلك لا تجوز الشهادة على الشهادة في هذا ; لأن في كلا النوعين ضرب شبهة ، والحد لا يثبت مع الشبهة ولكن في هذا التعليل كلام ، فإن عند أبي حنيفة ، وأبي يوسف - رحمهما الله تعالى - : اللعان شهادة فيه معنى اليمين ، وعند محمد رحمه الله تعالى : يمين فيه معنى الحد وفائدة هذا الاختلاف فيما إذا عزل القاضي أو مات بعد اللعان قبل التفريق عندهما القاضي الثاني يستقبل اللعان ; لأنها شهادة لم يتصل بها الحكم ، وعند محمد رحمه الله تعالى لا يستقبله ; لأنها يمين في معنى الحد ، واليمين ، والحد إذا أمضاهما القاضي لا يستقبلهما قاض آخر .

واستدل محمد رحمه الله تعالى بقوله : صلى الله عليه وسلم { لولا الأيمان التي سبقت لكان لي ، ولها شأن } ; ولأن في كلمات اللعان قوله بالله ، وهذا يمين ويستوي في اللعان الرجال والنساء ، ولا مساواة [ ص: 56 ] بينهما في الشهادة وأبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما الله تعالى - استدلا بقوله تعالى : { فشهادة أحدهم } ولأنه يختص بمجلس القضاء ، ولفظ الشهادة فيكون شهادة فيها معنى اليمين لقوله بالله ولهذا سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينا ، وفي بعض الروايات ( لولا الشهادات التي سبقت ) وفي الشهادة على الولادة يستوي فيه الرجال والنساء حتى تقبل شهادة امرأة ، واحدة لأجل الحاجة فهنا كذلك ثم على قول محمد رحمه الله تعالى هذا التعليل واضح ; لأن في اللعان معنى الحد ، فأما على قولهما معنى هذا التعليل أن قذف زوجته قد يكون موجبا للحد إذا تعذر اللعان بسبب من جهته فلهذا لا يثبت بالحجة التي فيها شبهة .

( قال ) : وإن شهد أحدهما أنه قذفها بالزنا ، وشهد الآخر أنه قال لولدها : هذا من الزنا لم يجز ; لأنهما اختلفا في المشهود به لفظا ، ومعنى فإن نسبة الولد إلى أنه مخلوق بالزنا غير قذفها بالزنا ، والموافقة بين الشاهدين لفظا ، وفي هذا الموضع معتبرة ولهذا لو شهد أحدهما أنه قذفها بالعربية والآخر أنه قذفها بالفارسية لا تقبل ، ولو شهد أحدهما أنه قال لها : زنى بك فلان ، وشهد الآخر أنه قال لها زنى بك فلان لرجل آخر فعليه اللعان ; لأن فعلها بالزنا هو التمكين من فعل الزنا وذلك لا يختلف باختلاف الفاعل إذا كان فعل كل واحد من الفاعلين زنا فقد اتفق الشاهدان على أنه قذفها بالزنا لفظا ومعنى ، وإنما اختلفا فيما لا حاجة بهما إلى ذكره ولو كان قذفها برجل واحد ، وجاء ذلك الرجل يطلب حده جلد الحد ، ودرئ اللعان ; لأنه اجتمع عند الإمام حدان فإن قذفه في حق الرجل موجب للحد ، وفي حقها موجب للعان ، ومتى اجتمع حدان ، وفي البداية بأحدهما إسقاط الآخر يبدأ بذلك .
( قال ) : وإذا شهد الشاهدان على الزوج بالقذف حبسه حتى يسأل عن الشاهدين ، ولم يكفله ; لأنه لا كفالة في الحدود ، وهذا في معنى الحد ، فإن قالا : نشهد أنه قذف امرأته ، وأمنا في كلمة ، واحدة لم تجز الشهادة ; لأنها بطلت في حق أمهما فإنهما يشهدان لها ، ومتى بطلت الشهادة في بعض الكلمة الواحدة بطل في كلها ، وإن شهد ابناه من غيرها على قذفه إياها ، وأمهما عنده لم تجز شهادتهم لما فيها من نفع أمهما ، فإنها لو قبلت فرق بينهما باللعان فيخلص الفراش لأمهما ، وهو كما لو شهدا عليه بطلاق ضرة أمهما قال إلا أن الأب إذا كان عبدا أو محدودا في قذف فتجوز شهادتهما عليه ، ولا يضرب الحد ; لأنهما يشهدان على أبيهما بالحد ، وليس فيه منفعة لأمهما .
( قال ) ، ولو شهد عليه شاهدان بقذف امرأته فعدلا ، ثم غابا أو ماتا قبل أن يقضي القاضي بشهادتهما فإنه يحكم باللعان فإن الموت ، والغيبة لا تقدح في عدالتهما بخلاف ما لو [ ص: 57 ] عميا أو ارتدا أو فسقا ، وهكذا الجواب في كل حد ما خلا الرجم ، فإنه لا يقام بعد موت الشهود أو فسقهم ; لأن الشرط فيه أن يبدأ الشهود ، وذلك يفوت .
( قال ) : ويقبل توكيل المرأة في إثبات القذف عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، كما يقبل توكيل المقذوف إذا كان أجنبيا في إثبات القذف فإذا جاء موضع الإقامة فلا بد من أن يحضر ; لأن اللعان لا تجري فيه النيابة فإن المقصود لا يحصل بالنائب .
( قال ) : وإذا أقام الزوج القاذف شاهدين على إقرار المرأة بالزنا يسقط اللعان على الزوج ; لأن الثابت بإقرارها ، وبالبينة كالثابت بالمعاينة ، ولا يلزمها حد الزنا كما لو أقرت مرة ، واحدة فإن الأقارير الأربعة في مجالس متفرقة لا بد منها لإقامة حد الزنا ، وتمتنع الإقامة بإنكارها بعد الأقارير الأربعة ، ولو شهد عليها رجل ، وامرأتان بذلك درأت اللعان أيضا استحسانا ، وفي القياس يلاعنها ; لأنه لا شهادة للنساء في باب الزنا ، فلا يكون لهن شهادة أيضا في إثبات الإقرار بالزنا ولكنه استحسن فقال : المقصود هنا درء الحد لا إثباته ، ودرء الحد يثبت مع الشبهات ، فتقبل فيه شهادة الرجال مع النساء ، ولو عفت المرأة عن القذف كان لها أن تخاصم بعد ذلك ، وتطالب باللعان كما في الحدود في قذف الأجانب عندنا .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.40 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.78 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.48%)]