
12-12-2025, 06:43 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,783
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي
الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السابع
صـــ 37 الى صـــ 46
(139)
( قال ) : وإذا حلف لا يقرب امرأته حتى يموت هو أو تموت هي فهو مول ; لأنه لا يملك قربانها في المدة إلا بحنث يلزمه وبعد موت أحدهما لا يبقى النكاح فهذا بمنزلة قوله : لا أقربك ما دمت في نكاحي ويتم بهذا منع حقها في القربان بخلاف ما لو قال لا أقربك حتى يموت فلان ; لأن موت فلان لا يمنع بقاء النكاح بينهما ، وهو موهوم في المدة فيتوهم أن يقربها في المدة من غير أن يلزمه شيء بعد موت فلان فلهذا لا يكون موليا ، وقد بينا القياس والاستحسان في قوله : حتى يخرج الدجال أو حتى تطلع الشمس من مغربها ، وإن قال حتى القيامة ، فهو مول قياسا واستحسانا ، وهذا وقوله أبدا سواء ; لأنه لا تصور لبقاء النكاح بينهما بعد وجود ما جعله غاية ، بخلاف خروج الدجال على طريقة القياس .
( قال ) : ولو حلف لا يقربها حتى تفطم صبيا لها وبينه وبين الفطام أقل من أربعة أشهر لم يكن موليا ; لأنه يتحقق منه أن يقربها بعد الفطام في المدة من غير أن يلزمه شيء ، ولما كان ما جعله غاية ليمينه يوجد قبل تمام أربعة أشهر كانت هذه اليمين بمنزلة اليمين على القربان في أقل من الأربعة الأشهر ; لأن بعد وجود الغاية لا يبقى اليمين وإن كان بينه وبين الفطام أربعة أشهر أو أكثر وهو ينوي ذلك الفطام لا ينوي دونه فهو مول ; لأن يمينه انعقدت موجبة للمنع من القربان في المدة ولو مات الصبي قبل أن يمضي أربعة أشهر سقط الإيلاء لفوات ما جعله غاية ليمينه ; لأن اليمين لا يبقى بعد فوات الغاية إلا في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى ، وهي مسألة كتاب الأيمان ، وكذلك لو حلف لا يقربها حتى يأذن له فلان فمات فلان في الأربعة الأشهر بطلت اليمين لفوات الغاية ، ولو بقي فلان أربعة أشهر ولم يكن قربها لم يكن موليا أيضا ; لأنه كان يتمكن من قربانها إذا أذن له فلان من غير أن يلزمه شيء وفي الكتاب قال : ينبغي في القياس أن لا يكون موليا ولم يذكر شيئا سوى هذا فليس مراده : أن هذا استحسان بخلاف القياس ، وإنما مراده قياس ما تقدم من الفصول .
( قال ) : ولو قال إن قربتك فكل مملوك أملكه فيما أستقبل فهو حر فهو [ ص: 38 ] مول في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى : لا يكون موليا ; لأنه لا يلزمه بالقربان شيء ، وهو يتمكن من أن لا يتملك مملوكا بعده وأبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - قالا : لا يتمكن من قربانها إلا بيمين بالعتق يلزمه فيكون موليا كما لو قال إن قربتك فهذا المدبر حر ، إن دخل الدار يكون موليا منها ، وهذا ; لأن الإنسان يكون ممتنعا من اليمين بالعتق كما يكون ممتنعا من موجب اليمين فيصير بهذا اللفظ مانعا حقها : يوضحه أن الملك في المستقبل قد يحصل له من غير صنعة ، كالميراث ولا يتمكن من رده ، ولو قال إن قربتك فعلي حجة بعدما أقربك بسنة أو قبل أن أقربك بيوم فهو مول ; لأنه لا يتمكن من قربانها إلا بحجة تلزمه في الوجهين جميعا
( قال ) : وإذا قال : إن قربتك فعلي صوم هذا الشهر لم يكن موليا ; لأن يمينه لا يتناول جميع المدة ، فإن بمضي المدة يسقط اليمين ويصير بحيث يملك قربانها من غير أن يلزمه شيء ; لأن التزام الصوم مضافا إلى الزمان الماضي لا يصح فيصير عند القربان كأنه قال علي صوم أمس ، وذلك لغو ولو قال إن قربتك فعلي طعام مسكين ، أو صوم يوم ، أو صدقة ، أو حج ، أو هدي ، فهو مول بالاتفاق وإن قال : فعلي صلاة ركعتين فهو مول في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى الأول ، وهو قول محمد وفي قول أبي يوسف الآخر وهو قول أبي حنيفة : لا يكون موليا . وجه قول محمد أنه علق بالقربان التزام ما هو قربة فيكون موليا كما في الحج قال محمد في الأمالي : ولا معنى لقول من يقول لا يتوصل إلى الحج إلا بمال ويتوصل إلى الصلاة بدون المال ; لأنه لو قال إن قربتك فلله علي صلاة ركعتين في بيت المقدس لم يكن موليا عندهما ، وهو لا يتوصل إلى ما التزم إلا بالمال . ووجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله تعالى - أن بهذا اللفظ لا يتحقق منع القربان المستحق ; لأن الإنسان لا يكون ممتنعا من التزام صلاة ركعتين إذ لا يلحقه في أدائها مشقة ، ولا خسران في ماله بخلاف سائر القرب : توضيحه أنه إن علق بالقربان إطعام مسكين فهو موجب اليمين ، وكذلك الصدقة ، والصوم وكذلك الهدي والحج ، فإنه لا يتوصل إلى أدائهما إلا بمال . والتكفير بالمال موجب اليمين عند الحنث فهو كما لو علق اليمين بالقربان . فأما الصلاة ليست بموجب اليمين وكذلك لو قال في بيت المقدس ; لأن المكان لا يتعين لأداء المنذور من الصلاة ، وإن قال إن قربتك فعبدي فلان حر عن ظهاري ، وقد ظاهر أو لم يظاهر فهو مول ; لأنه لا يملك قربانها إلا بعتق يتنجز في العبد ، وتنجز العتق ليس بموجب للظهار بخلاف ما لو قال إن قربتك فلله علي أن أعتق فلانا عن ظهاري [ ص: 39 ] وهو مظاهر فليس بمول ; لأنه علق بالقربان وجوب العتق عليه عن الظهار وهو واجب عليه قبل القربان فلا يكون ملتزما بالقربان شيئا ، والله أعلم .
باب اللعان اعلم بأن موجب قذف الزوج زوجته كان هو الحد في الابتداء كما في الأجنبية ثبت بقوله تعالى : { والذين يرمون المحصنات } الآية . والدليل عليه ما روي { أن ابن مسعود رضي الله عنه قال : كنا جلوسا في المسجد ليلة الجمعة إذ دخل رجل أنصاري فقال : يا رسول الله أرأيت الرجل يجد مع امرأته رجلا فإن قتل قتلتموه ، وإن تكلم جلدتموه وإن سكت سكت على غيظ ، ثم قال : اللهم افتح فنزلت آية اللعان . } { وقال صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية رضي الله عنه حين قذف امرأته بشريك ابن سحماء : ائت بأربعة يشهدون على صدق مقالتك وإلا فحد على ظهرك } ، وقالت الصحابة رضوان الله عليهم : الآن يجلد هلال بن أمية رضي الله عنه فتبطل شهادته في المسلمين فثبت أن موجب القذف كان هو الحد ، ثم انتسخ ذلك باللعان في حق الزوجين واستقر الأمر على أن موجب قذف الزوج الزوجة - اللعان بشرائط نذكرها ، وعلى قول الشافعي موجبه الحد ، ولكنه يتمكن من إسقاط ذلك عن نفسه باللعان حتى لو امتنع الزوج من اللعان يقام عليه حد القذف وعندنا يحبس حتى يلاعن واستدل بقوله تعالى { والذين يرمون المحصنات } .
ثم في آية اللعان بيان المخرج للزوج بأن تقام كلمات اللعان مقام أربعة من الشهداء ; لأن في كلمات اللعان لفظة الشهادة وهي شهادات مؤكدة بالأيمان ، مزكاة باللعن ، مؤكدة بالظاهر ، وهو أن الزوج لا يلوث الفراش على نفسه كاذبا ولهذا قلت بلعانه يجب حد الزنا عليها ثم تتمكن هي من إسقاط الحد عن نفسها بلعانها على أن يكون لعانها معارضا لحجة الزوج ; لأنها شهادات مؤكدة بالأيمان ، مزكاة بالتزام الغضب ، مؤيدة بالظاهر ، وهو أن المسلمة تمتنع من ارتكاب الحرام ، وفي كتاب الله تعالى إشارة إلى هذا فإنه قال : { ويدرأ عنها العذاب } أي يسقط الحد الواجب بلعان الزوج . ( وحجتنا ) في ذلك قوله تعالى { والذين يرمون أزواجهم } فهذا يقتضي أن يكون المذكور في الآية جميع موجب قذف الزوجة ، وذلك ينفي أن يكون الحد موجب هذا القذف مع اللعان ، ولو وجب الحد عليه لم يسقط إلا بحجة ، وكلمات اللعان قذف أيضا فكيف يصح أن يكون القذف مسقطا لموجب القذف [ ص: 40 ] فعرفنا أنه هو الموجب لما فيه من التزام اللعن ، وإن امتنع منه يحبس حتى يلاعن ; لأن من امتنع من إيفاء حق مستحق عليه لا تجري النيابة في إيفائه - يحبس حتى يأتي به ولا يجب عليها حد بلعانه ; لأن شهادة المرء لنفسه لا تكون حجة في استحقاق ما يثبت مع الشبهات على الغير ابتداء فكيف تكون حجة في استحقاق ما يندرئ بالشبهات وهذا ; لأن الشهادات ، وإن تكررت من واحد ليس بخصم لا تتم الحجة بها فمن الخصم أولى . والعجب من الشافعي رحمه الله تعالى أنه يقول : لو شهد الزوج مع ثلاثة نفر على زوجته بالزنا لا يجب الحد عليها فكيف يجب الحد بشهادته وحده ، ولكن اللعان مستحق عليها كما هو على الزوج فإذا امتنعت حبست .
والمراد من قوله تعالى { ويدرأ عنها العذاب } الحبس لا الحد . إذا عرفنا هذا فنقول : من شرائط اللعان عندنا - كون الزوجين من أهل الشهادة على الإطلاق ، وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه هذا ليس بشرط ، ولكن كل من كان من أهل الطلاق عنده فهو من أهل اللعان ، وهذا منه تناقض ; لأنه يجعل كلمات اللعان شهادات في وجوب الحد بها ثم لا يشترط الأهلية للشهادة ، ولكن يقول : اللعان من كلام الزوج موجب للفرقة فيكون بمنزلة الطلاق .
( وحجتنا ) في ذلك ما بدأ به الباب فقال : بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : { لا لعان بين أهل الكفر وأهل الإسلام ، ولا بين العبد وامرأته } ، وأهل الحديث يروون هذا بلفظ آخر وقد ذكره صاحب المشافهات في تفسيره ( أربعة لا لعان بينهم وبين نسائهم المسلم إذا كان تحته كافرة والكافر إذا كان تحته مسلمة والحر إذا كان تحته أمة والعبد إذا كان تحته حرة ) فذلك تنصيص على اشتراط أهلية الشهادة فيهما وفي الآية إشارة إلى هذا فإنه قال : ( ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ) والمراد بالشهداء من يكون أهلا للشهادة مطلقا ، والمستثنى من جنس المستثنى منه وقال الله تعالى : { فشهادة أحدهم } وهذا شأن شهادة شرعية ، ولا يتحقق ذلك ممن ليس بأهل للشهادة ، ثم المسلم إذا كان تحته كافرة فهي ليست بمحصنة وكما أن قذف الأجنبية إذا لم تكن محصنة لا يوجب الحد ، فكذلك قذف الزوج زوجته إذا لم تكن محصنة لا يوجب اللعان وكذلك الحر إذا كان تحته أمة فأما الكافر إذا كان تحته مسلمة بأن أسلمت امرأته فقذفها قبل أن يعرض عليه الإسلام ، فهو ليس من أهل الشهادة عليها وكذلك العبد إذا كان تحته حرة فلا يكون قذفه إياها موجبا للعان ، ولكنه يكون موجبا حد القذف ; لأن القذف بالزنا لا ينفك عن موجب فإذا خرج من أن يكون موجبا للعان لمعنى في القاذف [ ص: 41 ] كان موجبا للحد ، وكذلك المحدود في القذف إذا قذف امرأته ; لأن الدلالة قامت لنا على أن إقامة حد القذف عليه مبطل لشهادته ، ومخرج له من أن يكون أهلا لأداء الشهادة وكذلك إن كانت المرأة محدودة في قذف فلا لعان بينهما لانعدام أهلية أداء الشهادة في جانبها إلا أنه إذا كانت هي المحدودة في القذف فلا حد على الزوج ، ولا لعان ; لأن قذفه باعتبار حاله موجب للعان فلا يكون موجبا للحد إذ لا يجمع بين الموجبين ولكن امتنع جريان اللعان لمعنى من جهتها فهو كما لو صدقت الزوج بخلاف ما إذا كان الزوج هو المحدود ; لأن قذفه باعتبار حاله لم يكن موجبا للعان فكان موجبا للحد إذ هي محصنة .
ولو كانا محدودين في قذف فعليه الحد أيضا ; لأن قذفه باعتبار حاله غير موجب للعان فيكون موجبا للحد ، ولا يجوز أن يقال امتناع جريان اللعان هنا لكونها محدودة ; لأن أصل القذف يكون من الرجل وإنما يظهر حكم المانع في جانبها بعد قيام الأهلية في جانب الرجل فأما بدون الأهلية في جانبه لا معتبر بحالها ، وكذلك العبد يقذف الحرة المحدودة تحته لأنها محصنة وإن قذف العبد امرأته ، وهي مملوكة أو مكاتبة فلا حد عليها ولا لعان ; لأنها ليست بمحصنة وكذلك الحر يقذف امرأته وهي أمة ، أو مدبرة أو أم ولد أو مكاتبة أو مستسعاة في قول أبي حنيفة رحمه الله ; لأنها بمنزلة المكاتبة فلا تكون محصنة مع قيام الرق ، ولكنه يعذر لذلك أسواطا ; لأن قذف المملوك يوجب التعزير لمعنى هتك الستر ، وإشاعة الفاحشة ، والعبد إذا قذف امرأته الحرة المسلمة فعليه الحد ; لأن قذفه باعتبار حاله غير موجب للعان فيلزمه الحد لكونها محصنة .
( قال ) : إذا قذف الأعمى امرأته ، وهي عمياء والفاسق قذف امرأته فعليهما اللعان ; لأن الفاسق من أهل الشهادة ، ولكن لا تقبل شهادته لعدم ظهور رجحان جانب الصدق ، ولهذا أمر الله تعالى بالتثبت في خبره ، والتثبت غير الرد .
بخلاف المحدود في القذف فإنه محكوم ببطلان شهادته ، كما قالت الصحابة رضوان الله عليهم فتبطل شهادته في المسلمين ، والدليل عليه أن الفاسق إذا شهد في حادثة فرد القاضي شهادته ثم أعادها بعد التوبة لم تقبل ولو لم يكن المردود شهادة لكانت مقبولة بعد التوبة .
وكذلك الأعمى من أهل الشهادة إلا أنه لا تقبل شهادته ; لنقصان في ذاته وهو أنه لا يميز بين المشهود له والمشهود عليه إلا بالصوت والنغمة ; ولأن شهادته جائزة في قول بعض الفقهاء يعني إذا تحمل ، وهو بصير ثم أدى بعد العمى تقبل شهادته عند أبي يوسف رحمه الله تعالى ، فإذا كان من أهل الشهادة كان من أهل اللعان أيضا .
( قال ) : وإذا قذف امرأته وقد زنت [ ص: 42 ] فلا حد عليه ولا لعان ; لأنها ليست بمحصنة ، وهو صادق فيما رماها به من الزنا ، وكذلك إن وطئت وطئا حراما يريد به الوطء بشبهة ، وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى قال : يلاعنها ، وهو قول ابن أبي ليلى ; لأن هذا الوطء مثبت للنسب موجب للعدة والمهر فلا يسقط به الإحصان كوطء المنكوحة في حالة الحيض ولكنا نقول : وطء غير مملوك فيكون في معنى الزنا فيسقط به الإحصان ولكن لا يجب به الحد للشبهة .
والشبهة تصلح لإسقاط الحد لا لإيجابه فلو أوجبنا على قاذفها الحد واللعان كان فيه إيجاب الحد بالشبهة ، وبهذا فارق حكم النسب والعدة ; لأنه يثبت مع الشبهة .
( قال ) : وإذا قذفها وهي صغيرة أو هو صغير فلا حد ولا لعان ، أما الصبي فقوله هدر فيما يتعلق به اللزوم ، والصغيرة ليست بمحصنة وكذلك إن كان أحدهما مجنونا أو معتوها ، وكذلك إن كان أحدهما أخرس أما إذا كان الزوج هو الأخرس فقذفه لا يوجب الحد ، ولا اللعان عندنا ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى يوجب ; لأن إشارة الأخرس كعبارة الناطق ولكنا نقول : لا بد من التصريح بلفظ الزنا ليكون قذفا موجبا للحد ، أو اللعان ، ولا يتأتى هذا التصريح في إشارة الأخرس ، فإن إشارته دون عبارة الناطق بالكتابة ; ولأنه لا بد من لفظ الشهادة في اللعان حتى أن الناطق لو قال : أحلف مكان قوله أشهد لا يكون صحيحا .
وبعض أصحاب الشافعي رحمه الله تعالى يرتكبون هذا ، ولكنه مخالف للنص ، فإذا ثبت أنه لا بد من لفظ الشهادة ، وذلك لا يتحقق بإشارة الأخرس ، وكذلك إن كانت هي خرساء ; لأن قذف الخرساء لا يوجب الحد على الأجنبي لجواز أن تصدقه لو كانت تنطق ، ولا تقدر على إظهار هذا التصديق بإشارتها ، وإقامة الحد مع الشبهة لا يجوز .
( قال ) : وإذا قذف الحر المسلم امرأته الحرة المسلمة بالزنا ، فإن كفت عن مرافعته فهي امرأته ; لأن حقيقة زناها لا ينافي بقاء النكاح بينهما فالنسب إلى الزنا أولى ، واللعان هنا كالحد في قذف الأجانب ، وذلك لا يستوفى إلا بطلب المقذوف فهذا مثله ، وإن دفعته بدأ الإمام بالرجل فأمره أن يلاعن كما قال الله تعالى في كتابه . يقوم فيشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فيما رماها به من الزنا والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا ثم تقوم المرأة فتشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماها به من الزنا والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماها به من الزنا أما قيامهما ليس بشرط فسره الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى قال : لا يضره اللعان قائما أو قاعدا ; لأن اللعان شهادة أو يمين فالقائم والقاعد فيه سواء .
[ ص: 43 ] وذكر في النوادر عن الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا بد أن يقول إني لمن الصادقين فيما رميتك به من الزنا ، وهي تقول أنت من الكاذبين فيما رميتني به من الزنا ; لأنه إذا ذكر بلفظة الغائبة يتمكن فيه شبهة واحتمال فلا بد من لفظ الخطاب وفي ظاهر الرواية لم يعتبر هذا ; لأن كل واحد منهما يشير إلى صاحبه ، والإشارة أبلغ أسباب التعريف فإذا فرغا من اللعان ، فرق الإمام بينهما لحديث سهل بن سعد رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم لما لاعن بين العجلاني وامرأته فقال العجلاني : كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها ، فهي طالق ثلاثا ففارقها قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يفارقها } فكانت سنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما .
ثم الفرقة لا تقع عندنا إلا بتفريق القاضي ، وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه تقع بنفس لعان الزوج ، وعلى قول زفر رحمه الله تعالى يقع الفرقة بلعانهما فالشافعي رحمه الله تعالى يقول : سبب هذه الفرقة قول من الزوج مختص بالنكاح الصحيح فيتم به كالطلاق وزفر رحمه الله تعالى يستدل بقوله : صلى الله عليه وسلم { المتلاعنان لا يجتمعان أبدا } فنفي الاجتماع بعد التلاعن تنصيص على وقوع الفرقة بينهما ، ولكنا نستدل بالحديث الذي روينا فإن العجلاني رضي الله تعالى عنه أوقع الثلاث عليها بعد التلاعن ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو وقعت الفرقة بينهما لأنكر عليه فإن قيل : قد أنكر عليه بقوله اذهب فلا سبيل لك عليها ( قلنا ) ذاك منصرف إلى طلبه رد المهر فإنه روي أنه قال : { إن كنت صادقا فهو لها بما استحللت من فرجها وإن كنت كاذبا فابعد اذهب فلا سبيل لك عليها } ; ولأن الراوي قال فذلك السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما فدل أنه لا تقع الفرقة إلا بالتفريق ، وكان التفريق هنا بمنزلة فسخ البيع بسبب التحالف عند الاختلاف في الثمن ثم هناك لا ينفسخ البيع ما لم يفسخ القاضي ، فكذلك هنا ، وهذا لأن مجرد اللعان غير موضوع للفرقة ، ولا هو مناف للنكاح إلا أن الفرقة بينهما لقطع المنازعة ، والخصومة ، وفوات المقصود بالنكاح مع إصرارهما على كلامهما فلا يتم إلا بقضاء القاضي فأما قوله : صلى الله عليه وسلم { المتلاعنان لا يجتمعان أبدا } حقيقة هذا اللفظ حال تشاغلهما باللعان كالمتقاتلين والمتضاربين فزفر رحمه الله تعالى يوافقنا ، أن في حال تشاغلهما باللعان لا تقع الفرقة بينهما .
ثم ذكر عن إبراهيم رضي الله تعالى عنه قال : اللعان تطليقة بائنة وإذا أكذب الملاعن عن نفسه جلد الحد وكان خاطبا من الخطاب وبه أخذ أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - [ ص: 44 ] فقالا : الفرقة باللعان تكون فرقة بالطلاق ، وعلى قول أبي يوسف رحمه الله : تكون فرقة بغير طلاق بناء على أن عند أبي يوسف يثبت باللعان الحرمة المؤبدة بينهما وهو قول الشافعي رضي الله عنه وعند أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - لا تتأبد الحرمة بسبب اللعان : حجتهما في ذلك قوله : صلى الله عليه وسلم { المتلاعنان لا يجتمعان أبدا } وهكذا نقل عن عمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم والمعنى فيه أن سبب هذه الفرقة يشترك فيه الزوجان والطلاق يختص به الزوج فما يشترك الزوجان فيه لا يكون طلاقا .
ومثل هذا السبب متى كان موجبا للحرمة كانت مؤبدة كالحرمة بالرضاع : توضيحه أن ثبوت الحرمة هنا باللعان نظير حرمة قبول الشهادة بعد الحد في قذف الأجنبي ، وذلك يتأبد فكذلك هنا وحجة أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - أن الثابت بالنص اللعان بين الزوجين فلو أثبتنا به الحرمة المؤبدة كان زيادة على النص ، وذلك لا يجوز خصوصا فيما كان طريقه العقوبات ، ثم هذه فرقة تختص بمجلس الحكم ولا يتقرر سببه إلا في نكاح صحيح فيكون فرقة بطلاق كالفرقة بسبب الجب والعنة . وهذا ; لأن باللعان يفوت الإمساك بالمعروف فيتعين التسريح بالإحسان .
فإذا امتنع منه ناب القاضي منابه فيكون فعل القاضي كفعل الزوج وإذا ثبت أنه طلاق ، والحرمة بسبب الطلاق لا تتأبد ، فأما الحديث فقد بينا أن حقيقة المتلاعنين حال تشاغلهما باللعان ومن حيث المجاز إنما يسميان متلاعنين ما بقي اللعان بينهما حكما وعندنا لا يجتمعان ما بقي اللعان بينهما حكما وإنما تجوز المناكحة بينهما إذا لم يبق اللعان بينهما حكما ; لأنه إذا أكذب نفسه يقام عليه الحد لإقراره على نفسه بالتزام الحد ، ومن ضرورة إقامة الحد عليه بطلان اللعان ، ولا يبقى أهلا للعان بعد إقامة الحد ، وكذلك إن أقرت المرأة بالزنا فقد خرجت من أن تكون أهلا للعان ، وكذلك إن قذفت رجلا فأقيم عليها الحد فعرفنا أن حل المناكحة بينهما بعد ما بطل حكم اللعان فلا يكون في هذا إثبات الاجتماع بين المتلاعنين .
( قال ) : وإذا أنكر الزوج القذف فأقامت المرأة به البينة عليه وجب اللعان بينهما ، وعلى قول ابن أبي ليلى يلاعن ويحد ، أما اللعان ; فلأن الثابت بالبينة كالثابت بإقرار الخصم ثم قال ابن أبي ليلى : إنكاره بمنزلة إكذابه نفسه فيقام عليه الحد ولكنا نقول إنكاره نفي القذف وإكذابه نفسه تقرير القذف فكيف يستقيم إقامة إنكاره مقام إكذابه نفسه فلهذا لا يحد .
( قال ) : وإذا نفى الرجل حبل امرأته فقال هو من زنا فلا لعان بينهما ولا حد قبل الوضع في قول علمائنا .
وقال الشافعي : رحمه الله تعالى [ ص: 45 ] يلاعنها لحديث هلال بن أمية رضي الله عنه فإنه قذف امرأته بنفي الحمل وقد لاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ; ولأن الحبل يعرف وجوده بالظاهر ويتعلق به أحكام شرعا نحو الرد بالعيب ، والميراث ، والوصية به وله فكذلك يثبت حكم اللعان بنفيه .
( وحجتنا ) ما قال في الكتاب أن نفي الحبل ليس بشيء ; لأنه لا يدري لعله ريح ، واللعان في قذف الزوج زوجته بمنزلة الحد في قذف الأجنبية فلا يجوز إقامته مع الشبهة بخلاف حكم الرد بالعيب فإنه يثبت مع الشبهات ، والإرث والوصية تتوقف على انفصال الولد ولا تتقرر في الحال ، فأما الحديث من أصحابنا من قال : إنه قذفها بالزنا نصا فإنه قال : وجدت شريك ابن سحماء على بطنها يزني بها ، ثم نفي الحبل بعد ذلك .
وعندنا إذا قذفها بالزنا نصا يلاعنها على أن النبي صلى الله عليه وسلم عرف من طريق الوحي أنها حبلى حتى قال { إن جاءت به أحيمر على نعت كذا ، فهو لهلال بن أمية رضي الله عنه وإن جاءت به أسود جعدا حماليا فهو لشريك فجاءت به على النعت المكروه فقال صلى الله عليه وسلم لولا الأيمان التي سبقت لكان لي ولها شأن } ومثل هذا لا يعرف إلا بطريق الوحي ، ولا يتحقق مثله في زماننا ثم عند أبي حنيفة : إذا جاءت بالولد يثبت نسبه من الزوج ، ولا يجري اللعان بينهما بذلك النفي ، وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - إذا جاءت بالولد لأكثر من ستة أشهر منذ نفي فكذلك ، وإن جاءت به لأقل من ستة أشهر لاعن ، ولزم الولد أمه ، لأنا تيقنا أن الحبل كان موجودا حين نفاه عن نفسه فكان هذا ونفيه بعد الولادة سواء .
والدليل عليه حكم الوصية والميراث فإنه يثبت إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر لتيقننا أنه كان موجودا وقت السبب . وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : أصل هذا القذف لم يكن موجبا للعان فلا يصير موجبا بعد ذلك ; لأنه حينئذ يكون هذا في معنى قذف مضاف ، والقذف لا يحتمل الإضافة ، ولا التعليق بالشرط وبه فارق الوصية والميراث ; لأنه يمكن إثباته على سبيل التوقف والإضافة إلى ما بعد الانفصال : يقرره أنه لو لاعنها قبل الوضع كما قال الشافعي يحكم على الحبل بقطع نسبه من الزوج ، إذ النسب من حق الولد ، وإلزام الحكم على الحمل لا يجوز فإذا تعذر نفي النسب عند النفي لا يصير محتملا للنفي بعد ذلك ، ولو لاعنها بعد الوضع لنفي النسب عنه وذلك لا يجوز وإذا تعذر نفي النسب يتعذر اللعان كما لو ولدت ولدا ميتا ، وإذا لاعنها بغير ولد فلها النفقة ، والسكنى في العدة ; لأن وقوع الفرقة بسبب من جهة الزوج ، ولهذا كان طلاقا فإذا جاءت بولد ما بينها وبين سنتين لزمه الولد ; لأنها جاءت به لمدة يتوهم [ ص: 46 ] أن العلوق في حال قيام النكاح ، وإن لم يكن عليها عدة لزمه الولد ما بينه وبين ستة أشهر ، كما لو وقعت الفرقة بينهما بسبب آخر ، ولو نفى هذا الولد لم يجر اللعان بينهما عندنا .
وعلى قول الشافعي رحمه الله تعالى يجري اللعان بينهما ; لأن الأصل عنده أن اللعان يجري لنفي الولد مقصودا ، ولهذا قال في النكاح الفاسد : إذا دخل بها الزوج ثم جاءت بولد فنفاه يجري اللعان بينهما لنفي الولد مقصودا ، وهذا ; لأنه محتاج إلى أن ينفي عن نفسه نسبا ليس منه ، واللعان مشروع لحاجته فأما عندنا حكم اللعان ثبت بالنص في الزوجات قال الله تعالى : { والذين يرمون أزواجهم } ولا زوجية في النكاح الفاسد ولا بعد البينونة ; ولأنه لو جرى اللعان بينهما إنما يجري لنفي الولد ، وقد حكم الشرع بثبوت نسب الولد منه حين أوجب المهر والعدة بالنكاح الفاسد ، وبعد الحكم بثبوت النسب لا يتصور نفيه : توضيحه أن نفي النسب تبع لقطع الزوجية ، والتفريق بينهما ، وقيام التبع بالمتبوع فإذا تعذر الحكم عليه بقطع الزوجية يمتنع جريان اللعان بينها .
( قال ) : وإذا لاعنها بولد ثم جاءت بولد بعد ذلك لستة أشهر أو أكثر ما بينها وبين السنتين لزمه هذا الولد ; لأن العلوق به موهوم أنه كان في حال قيام النكاح .
( قال ) : وإذا ولدت المرأة ولدين في بطن واحد فأقر بالأول ونفى الثاني لزمه الولدان ويلاعنان فإن نفى الأول ، وأقر بالثاني لزماه ويحد ; لأن إقراره بنسب أحدهما إقرار بنسبهما ، فإنهما توأم لا ينفصل أحدهما عن الآخر في حكم النسب لعلمنا أنهما خلقا من ماء واحد ، فإذا أقر بالأول كان هذا كإقراره بهما ثم في نفي الثاني هو قاذف لها بالزنا فيلاعنها ، وإن نفى الأول فقد صار قاذفا لها بالزنا وحين أقر بالثاني فقد أكذب نفسه فيلزمه الحد ، ونسب الولدين ثابت منه ; لأن إقراره بأحدهما كإقراره بهما وإن نفاهما ثم مات أحدهما قبل اللعان فإنه يلاعن على الحي منهما وهما ولداه ; لأن الذي مات قد لزمه نسبه ، ألا ترى أنه يرثه لو كان له مال ، وأنه لو قتل كان له الميراث من ديته .
والحكم بثبوت نسب أحدهما منه حكم بثبوت نسبهما فلا يحتمل النفي بعد ذلك ; ولأنه لو قطع نسب هذا الحي منه قطع نسب الميت أيضا والنسب كما لا يمكن إثباته بعد الموت بالدعوة لا يمكن قطعه بالنفي ; لأن فيه إلزام الحكم على الميت من غير خصم عنه فإن الأخ لا ينتصب خصما عن أخيه ، ولكن لا يمتنع جريان اللعان بينهما ; لأنه قذفها بالزنا وليس من ضرورة اللعان قطع النسب والنسب إنما لزمه حكما فلا يكون ذلك بمنزلة إكذابه نفسه في منع جريان اللعان بينهما ، وكذلك لو كانت ولدت أحدهما ميتا فنفاهما ; لأن المولود ميتا ثابت النسب منه [ ص: 47 ] حتى لو ضرب إنسان بطنها فلزمته الغرة كان للوالد منه الميراث ، وإذا لزمه نسب أحدهما لزمه نسبهما .
( قال ) : وإن ولدت ولدا فنفاه ولاعن به ثم ولدت من الغد ولدا آخر لزمه الولدان جميعا ، واللعان ماض ; لأن نسب الذي كان في البطن لم يثبت فيه حكم الحاكم لما فيه من إلزام الحكم على الحمل ، وذلك ممتنع ولا يجوز أن يتوقف على الانفصال فإذا انفصل كان ثابت النسب منه ، وهما توأم إذ ليس بينهما مدة حبل تام ، ومن ضرورة ثبوت نسب أحدهما ثبوت نسب الآخر ، ولأن اعتبار جانب الذي كان منفصلا وقت اللعان يوجبه نفي النسب ، واعتبار جانب الآخر يثبت النسب ، وإنما يحتاط لإثبات النسب لا لنفيه فإن قال هما ابناي كان صادقا ، ولا حد عليه ; لأن نسبهما منه يثبت شرعا ، فهو بهذا اللفظ يخبر عما يلزمه شرعا فلا يكون إكذابا منه نفسه : توضيحه أن كلامه محتمل ، يجوز أن يكون مراده الإكذاب بدعوى النسب ، ويجوز أن يكون مراده الإخبار بما لزمه شرعا ، والحد لا يجب مع الاحتمال ، وإن قال ليسا بابني كانا ابنيه ; لأن نسبهما لزمه حكما فلا يملك نفيه ، ولا حد عليه ; لأنه بهذا اللفظ كرر القذف الذي لاعنها به فلا يلزمه بالتكرار حد . ولو قال كذبت في اللعان وفيما قذفتها به كان عليه الحد ; لأنه صرح بإكذابه نفسه وذلك يوجب الحد عليه .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|