
12-12-2025, 06:38 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,783
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي
الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السابع
صـــ 27 الى صـــ 36
(138)
( قال ) : وإن حلف لا يقرب واحدة منهن فهو مول منهن فإن مضت الأربعة الأشهر بن جميعا . وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله تعالى - وعند محمد رضي الله تعالى عنه : يكون موليا من واحدة منهن حتى إذا مضت المدة طلقت واحدة منهن بغير عينها ; لأنه منع نفسه عن قربان واحدة منهن ، ألا ترى أنه لو قرب واحدة منهن يلزمه الكفارة ، وحكم الطلاق ينبني على المنع من القربان فعند مضي المدة يقع الطلاق على إحداهن بغير عينها كما لو قال : والله لا أقرب إحداكن ، ووجه ظاهر الرواية أنه ذكر الواحدة منكرا في موضع النفي ; لأن القربان منفي ، والنكرة في موضع النفي تعم بخلاف النكرة في موضع الإثبات ، فإن الرجل إذا قال رأيت اليوم رجلا يقتضي رؤية رجل واحد ، ولو قال ما رأيت اليوم رجلا يقتضي نفي رؤية جميع الرجال ، وهذا لأن معنى التنكير في محل الفيء لا يتحقق إلا بالتعميم ففيما ينبني على نفي القربان وهو وقوع الطلاق عند مضي المدة يتناولهن كلامه جميعا وفيما ينبني على وجود القربان وهي الكفارة [ ص: 28 ] يتناول كلامه إحداهن فلهذا إذا قرب واحدة منهن لزمته الكفارة ، وسقط الإيلاء عنهن ; لأن اليمين لم يبق بعد تمام الشرط وهذا بخلاف قوله إحداكن فإن معنى التعميم هناك لا يتحقق ، ألا ترى أنه لو قرن بكلامه حرف كل بأن قال : كل إحداكن لا يتناولهن جميعا ، وهنا لو قرن بكلامه حرف كل فقال : كل واحدة منكن تناولهن جميعا فكذلك بسبب التنكير ، وإن كان نوى واحدة بعينها دون غيرها فهو مول منها خاصة فيما بينه وبين الله تعالى ; لأن ما نواه محتمل ، ألا ترى أنه لو طلق واحدة منهن ونوى واحدة بعينها صحت نيته فكذلك في الإيلاء ، ولكن لا يصدق في القضاء ; لأنه خلاف الظاهر .
( قال ) : وإذا آلى من واحدة لم يسميها ، ولم ينوها فهو بالخيار يوقع الطلاق على أيتهن شاء فتبين به وحدها ولو أراد التعيين قبل مضي المدة لم يملك ; لأن فيه تغيير حكم اليمين فإنه قبل التعيين يحنث بقربان واحدة أيتهن قرب ، وبعد التعيين لا يحنث بقربان البواقي وكما لا يملك إبطال حكم اليمين لا يملك تغييره ، فأما بعد وقوع الطلاق بمضي المدة ملك تعيين الطلاق ; لأنه ليس في هذا تغيير حكم اليمين ، ولكنه تعيين الطلاق المبهم وذلك إلى الزوج ثم إذا عين الطلاق في إحداهن لا يتعين يمينه فيها إلا في رواية عن أبي يوسف ، وقد بينا هذا فيما أمليناه في شرح الجامع .
( قال ) : وإذا آلى الرجل من امرأته ، وبينه وبينها مسيرة أربعة أشهر أو أكثر أجزأه إن فاء بقلبه ولسانه ، والحاصل أن العاجز عن الجماع في المدة يكون فيؤه باللسان عندنا ، وذلك مروي عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى : الفيء باللسان ليس بشيء ; لأن المتعلق بالفيء حكمان : وجوب الكفارة ، وامتناع حكم الفرقة ثم الفيء باللسان لا يعتبر في حق أحد الحكمين وهو الكفارة ، فكذلك في الحكم الآخر ، ولكنا نقول الكفارة تجب بالحنث والحنث لا يتحقق في الفيء باللسان ، فأما وقوع الطلاق عند مضي المدة باعتبار معنى الإضرار والتعنت وذلك ينعدم في الفيء باللسان عند العجز عن الفيء بالجماع فكان الفيء بالجماع أصلا وباللسان بدلا عنه ; لأن الفيء عبارة عن الرجوع ، وإذا كان قادرا على الجماع فإنما قصد الإضرار والتعنت بمنع حقها في الجماع ففيؤه بالرجوع عن ذلك بأن يجامعها وإذا كان عاجزا عن الجماع لم يكن قصده الإضرار بمنع حقها في الجماع ; لأنه لا حق لها في الجماع في هذه الحالة ، وإنما قصد الإضرار بإيحاشها بلسانه ففيؤه بالرجوع عن ذلك بأن يرضيها بلسانه ; لأن التوبة بحسب الجناية ، ثم العجز عن الجماع تارة يكون ببعد المسافة وتارة بالمرض فإذا كان بينه وبينها أربعة أشهر أو أكثر [ ص: 29 ] فهو عاجز عن جماعها في المدة فيكون فيؤه بقلبه ولسانه وإن كان بينهما أقل من أربعة أشهر فهو قادر على الجماع فلا يكون فيؤه إلا بالجماع ; لأن حكم البدل إنما يعتبر عند العجز عن الأصل .
وكذلك إن كان مريضا حين آلى ففيؤه الرضا بالقلب واللسان إن تمت أربعة أشهر ، وهو مريض ; لأنه عاجز عن الجماع لمرضه وكذلك إن اتصل مرضه بالإيلاء فإن كان صحيحا حين آلى وبقي صحيحا بعد إيلائه مقدار ما يستطيع فيه أن يجامعها ثم مرض بعد ذلك لم يكن فيؤه إلا بالجماع ، وقال زفر فيؤه باللسان لتحقق عجزه عن الجماع والمعتبر عنده آخر المدة كما لو كان واجدا للماء في أول الوقت فلم يتوضأ حتى عدم الماء جاز له التيمم ولكنا نقول لما تمكن من جماعها فقد تحقق منه الإضرار ، والتعنت بمنع حقها في الجماع فلا يكون رجوعه إلا بإيفاء حقها في الجماع فأما إذا كان مريضا حين آلى ثم صح قبل تمام أربعة أشهر لم يكن فيؤه إلا بالجماع ويستوي إن كان فاء إليها في مرضه أو لم يفئ ; لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل فإن تمام المقصود بمضي المدة ، وسقط اعتبار حكم البدل بهذه القدرة كالمتيمم إذا وجد الماء قبل الفراغ من الصلاة ، وكذلك إن كانت المرأة مريضة أو صغيرة لا تجامع ففيؤه الرضا باللسان وذكر في اختلاف زفر ويعقوب - رحمهما الله تعالى - : أن الزوج إذا كان مريضا حين آلى ثم مرضت المرأة ثم صح الزوج قبل مضي أربعة أشهر ففيؤه الرضا باللسان عند زفر رحمه الله تعالى ; لأن تأثير مرضها في المنع من الجماع كتأثير مرضه ، وعلى قول أبي يوسف : لا يكون فيؤه إلا بالجماع ; لأن العجز الذي كان لأجله فيؤه الرضا باللسان قد زال قبل تمام المدة فكان ذلك كالمعلوم أصلا ، ولو كانا محرمين بالحج أو أحدهما فآلى وقت أداء الحج أربعة أشهر أو أكثر لم يكن فيؤه إلا بالجماع في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - ; لأنه متمكن من ذلك وإن كان حراما ، وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى : فيؤه الرضا باللسان ; لأنه ممنوع من جماعها في المدة شرعا فهو كما لو كان ممنوعا حسا ببعد المسافة ، ألا ترى أنه لو خلى بامرأته وأحدهما محرم بالحج لم تصح الخلوة كما لو كان بينهما ثالث ومتى وطئها بعد الفيء باللسان فعليه كفارة اليمين ; لأن الفيء باللسان يمنع وقوع الطلاق ، ولا يرتفع اليمين فيتحقق شرط الحنث متى جامعها .
( قال ) : وإيلاء النائم والصبي ، والمجنون ، والمعتوه الذي يهذي باطل بمنزلة طلاق هؤلاء ، وهذا لأن اليمين من هؤلاء لا ينعقد فإن قولهم غير معتبر في اللزوم
( قال ) : وإذا آلى الرجل من امرأته أنه لا يقربها أبدا ثم طلقها ثلاثا بطل الإيلاء عندنا خلافا لزفر ; لأن الإيلاء طلاق مؤجل فإنما ينعقد على [ ص: 30 ] التطليقات المملوكة ولم يبق شيء منها بعد وقوع الثلاث عليها وكذلك لو بانت بالإيلاء ثلاث مرات ثم تزوجها بعد زوج لم يكن موليا إلا على قول زفر وإن قربها كفر يمينه ; لأن الإيلاء وإن لم يبق في حكم الطلاق لنفاذ ملك الطلاق فقد بقيت اليمين فإذا قربها تم شرط الحنث وليس من ضرورة بقاء اليمين حكم الإيلاء كما لو قال لأجنبية : والله لا أقربك ثم تزوجها لم يكن موليا وإن قربها كفر يمينه وإن كان طلقها تطليقة بائنة فإن تمت الأربعة الأشهر وهي في العدة وقعت عليها تطليقة بالإيلاء وإن لم تكن في العدة لم يقع عليها شيء ; لأن المولي في المعنى كالمعلق تطليقة بائنة بمضي الأربعة الأشهر قبل أن يفيء إليها وقد صح ذلك في الملك فلا يبطل بالبينونة ، ولكن الطلاق لم يقع عليها إلا في العدة فإذا تمت العدة وهي محل لوقوع الطلاق عليها طلقت وإن لم تكن محلا بأن كانت منقضية العدة لم تطلق فإن تزوجها بعد انقضاء عدتها فهو مول منها وتستأنف شهور الإيلاء من حين تزوجها ، ولا يحتسب بما مضى منها قبل ذلك ; لأن ابتداء مدة الإيلاء لا تنعقد بعد انقضاء العدة إذ ليس له على المحل ملك ولا يد فإنما يكون ابتداء المدة من حين تزوجها ولو كان تزوجها في العدة يحتسب بما مضى منها ; لأنها ما بقيت في العدة فهي محل لوقوع الطلاق عليها فيبقى حكم المدة ، أرأيت لو تزوجت بزوج آخر أكان يبقى حكم مدة الإيلاء ، وكذلك بعد ما حلت للأزواج بانقضاء مدة العدة .
( قال ) : ولو طلق امرأته تطليقة بائنة ثم آلى منها لم يكن موليا وإن انعقدت يمينه ; لأن معنى الإيلاء بمنع حقها في الجماع ، ولا حق لها في الجماع بعد ما بانت ; ولأن المقصود بالإيلاء إزالة ظلم التعليق عنها وذلك لا يتحقق بعد البينونة ، وإذا لم يكن كلامه في الأصل إيلاء لا يصير إيلاء وإن تزوجها كما في الأجنبية بخلاف ما سبق ; لأن أصل كلامه هناك كان إيلاء صحيحا فلا يبطل بالبينونة وانقضاء العدة وإن بطلت المدة لخروجها من أن تكون محلا لطلاقه فإذا تزوجها لم يكن موليا منها ولم يذكر في الكتاب فصلا آخر وهو أنه إذا آلى من امرأته فبانت بمضي أربعة أشهر هل تنعقد مدة أخرى قبل أن يتزوجها أم لا وكان أبو سهل رحمه الله يقول تنعقد حتى إذا تمت أربعة أشهر قبل انقضاء عدتها وقعت تطليقة أخرى ، وكذلك الثالثة ، قال : لأن معنى الإيلاء كلما مضت أربعة أشهر ولم أقربك فيهن فأنت طالق تطليقة بائنة ، ولو صرح بهذا كان الحكم ما بينا . وفقهه أن انعقاد المدة من حكم بقاء اليمين هنا ، وابتداء اليمين لا ينعقد إيلاء بعد البينونة ولكنها تبقى بعد البينونة ألا ترى أنه لو تمت أربعة أشهر وهو مجنون [ ص: 31 ] ثم زوجها وليه منه انعقدت مدة الإيلاء وإن كان ابتداء اليمين من المجنون لا يصح ، وكان الكرخي رضي الله عنه يقول : لا تنعقد المدة الثانية ما لم يتزوجها وهذا هو الأصح ; لأن في انعقاد المدة ابتداء لا بد من اعتبار معنى الإضرار ، وذلك لا يتقرر بعد البينونة ما لم يتزوجها ; لأنه لا حق لها في الجماع فلهذا لم تنعقد المدة ما لم يتزوجها .
( قال ) : ولو آلى من أمته أو أم ولده لا يكون موليا لقوله تعالى { للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر } وهذه ليست من نسائه ; ولأن الإيلاء طلاق مؤجل والمملوكة ليست بمحل للطلاق . ولأن حكم الإيلاء منع القربان المستحق ، والأمة لا تستحق ذلك على المولي ، وكذلك لو آلى من أجنبية فهو باطل لهذه المعاني بخلاف ما لو قال إن تزوجتك فوالله لا أقربك فتزوجها كان موليا ; لأنه علق الإيلاء بالتزوج ، والمعلق بالشرط عند وجود الشرط كالمنجز .
وإن حلف لا يقرب امرأته إلا في أرض كذا وبينه وبين تلك الأرض أربعة أشهر فهو مول ; لأنه لا يملك قربانها في المدة إلا بحنث يلزمه فإن المستثنى مكان لا يصل إليه في المدة فلهذا كان موليا
( قال ) : ولو آلى من امرأته وهو في سجن أو حبس لم يكن له فيء إلا الجماع ; لأنه إن كان لا يقدر أن يخرج إليها فهي تقدر على أن تدخل إليه ليجامعها فإن السجن موضع للمجامعة ومع القدرة على الأصل لا عبرة للبدل
( قال ) : وإن أصاب المولي من امرأته ما دون الجماع في الفرج لم يكن ذلك فيئا ; لأن حقها في الجماع في الفرج فلا يتأدى بما دونه والفيء ما فيه إيفاء حقها وإن ادعى أنه قد جامعها فإن ادعى في الأربعة الأشهر فالقول قوله وإن ادعى ذلك بعد مضي المدة لم يقبل قوله بناء على الأصل المعروف أنه متى أقر بما يملك إنشاءه لا يكون متهما ، فلو أقام شاهدين على مقالته في الأربعة الأشهر أنه قد جامعها فهي امرأته ; لأن الثابت من إقراره بالبينة كالثابت بالمعاينة وهي من أعجب المسائل أن لا يقبل إقراره بعد مضي المدة ، ثم يتمكن من إثباته بالبينة وكذلك إن صدقته المرأة فالحق لهما لا يعدوهما ، غير أنه لا يسعها أن تقيم معه إذا كانت تعلم كذبه ; لأن القاضي لو علم بذلك فرق بينهما فإذا علمت هي عليها أن تمنع نفسها منه بأن تهرب أو تفتدي بمالها إلا أن يتزوجها نكاحا جديدا .
( قال ) : ولو آلى منها بعد ما طلقها تطليقة رجعية فهو مول ; لأن جماعها له حلال ، فإن انقضت العدة سقط حكم الإيلاء لخروجها من أن تكون محلا لطلاقه فإذا تزوجها يستقبل مدة الإيلاء من حين تزوجها . وقد بيناه . .
( قال ) : وإذا آلى الرجل ثلاث مرات في مجلس واحد فإن كان مراده تكرار [ ص: 32 ] يمين واحدة فعليه كفارة واحدة إذا قربها ، ولا يقع بمضي المدة إلا تطليقة واحدة إن لم يقربها ; لأن الكلام لواحد قد يكرر ولا يراد حكمه بالتكرار ، وإن كان مراده التغليظ والتجديد فإن قربها فعليه ثلاث كفارات ; لأن معنى التغليظ تجدد عقد اليمين فكان حالفا بثلاثة أيمان وبالقربان مرة يتم شرط الحنث في الأيمان كلها ، وإن لم يقربها حتى مضت المدة ففي القياس تطلق ثلاثا يتبع بعضها بعضا . وهو قول محمد وزفر - رحمهما الله تعالى - حتى إذا لم يدخل بها لا يقع إلا واحدة ، وفي الاستحسان وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله تعالى - تبين بتطليقة واحدة سواء دخل بها أو لم يدخل بها .
وجه القياس أن ابتداء مدة الإيلاء من الوقت المتصل بعقد اليمين وفي الإيلاء المعتبر أول المدة فقد انعقدت باعتبار كل يمين مدة فيقع عند تمام كل مدة تطليقة حتى تبين بثلاث تطليقات كما لو كانت الأيمان في مجالس مختلفة ، وهذا ; لأنه يتأخر انعقاد المدة بعد اليمين إلى حال افتراقهما بدليل أنه لو حلف بيمين واحدة ثم بقيا في المجلس يوما أو أكثر فتمت المدة من حين حلف بانت بتطليقة ، فعرفنا أن المجلس والمجالس في هذا الحكم سواء كما في حكم الحنث ، وهو الكفارة ووجه الاستحسان أن المجلس الواحد يجمع الكلمات المتفرقة ويجعلها كالموجود جملة بدليل القبول مع الإيجاب إذا وجدا في المجلس يجعل كأنهما وجدا معا وكذلك المرأة لو قالت لزوجها طلقني ثلاثا بألف فطلقها واحدة وواحدة وواحدة في مجلس واحد جعل كأنه أوقع الثلاث جملة حتى يستحق جميع الألف فإذا ثبت هذا قلنا : حالة المجلس كحالة واحدة ، ولا ينعقد في حالة واحدة إلا مدة واحدة في حكم الطلاق وإن تعددت الأيمان كما لو قال إذا جاء غد فوالله لا أقربك ثم قال ذلك ثانيا ، وثالثا ثم جاء الغد تنعقد ثلاثة أيمان في حكم الكفارة ، ومدة واحدة في حكم الطلاق ، وبهذا تبين أن أحد الحكمين غير معتبر بالآخر وعلى عكس هذا لو قال كلما دخلت الدار فوالله لا أقربك فدخل الدار ثلاث مرات في ثلاثة أيام تنعقد ثلاث إيلاءات في حكم الطلاق ، ولو قربها لم يلزمه إلا كفارة واحدة وهذا بخلاف ما إذا كانت الأيمان في مجالس متفرقة ; لأنه لم يوجد هناك ما يجمع الأحوال فاعتبرنا كل حالة على حدة فانعقدت مدة جديدة لتجديد اليمين في كل حالة .
( قال ) : ولو قال لها : إن قربتك فعلي يمين أو علي كفارة يمين فهو مول ; لأن معنى قوله فعلي يمين كفارة يمين فإن موجب اليمين الكفارة عند الحنث فقد صارت بحيث لا يملك قربانها في المدة إلا بكفارة تلزمه
( قال ) : وإيلاء الحرة [ ص: 33 ] أربعة أشهر تحت حر كانت أو تحت عبد لقوله تعالى { تربص أربعة أشهر } والذين يتناول الأحرار والعبيد ، وإيلاء الأمة شهران عندنا ، وعلى قول الشافعي أربعة أشهر لظاهر الآية ، وهو بناء على أصله أن المدة فسحة للزوج لا عليه فلا يتغير ذلك برقها ولا بحريتها ، ولكنا نقول : مدة الإيلاء مذكورة في القرآن بلفظ التربص ، وهو مختص بالنكاح فيتنصف بالرق كمدة العدة وفي العدة معنى الفسحة للزوج خصوصا من عدة في طلاق رجعي ثم تنصف برقها
( قال ) : والمريض الذي يهذي في الإيلاء كالنائم ; لأنه بمنزلة المغمى عليه في هذه الحالة .
( قال ) : وإيلاء الأخرس جائز لما بينا أن الكنية والإشارة منه إذا كانت تعرف بمنزلة عبارة الناطق
( قال ) : وإن قال إن قربتك فأنت علي كظهر أمي فهو مول ; لأنه لا يملك قربانها في المدة إلا بظهار يلزمه ، وكذلك إن قال إن قربتك فأنت علي حرام وهو ينوي الطلاق بذلك فهو مول ; لأنه لا يملك قربانها في المدة إلا بطلاق يلزمه وإن كان ينوي اليمين فهو مول أيضا في قول أبي حنيفة رحمه الله ، ولا يكون موليا في قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - ما لم يقر بها ; لأن قوله أنت علي حرام عند إرادة اليمين بمنزلة قوله : والله لا أقربك حتى لو أرسله كان به موليا في الحال فإذا علقه بالقربان لا يصير به موليا إلا بعد القربان كما لو قال إن قربتك فوالله لا أقربك وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : صار ممنوعا عن قربانها في المدة حين علق بالقربان حرمتها عليه فيكون موليا في الحال كما لو قال إن قربتك فأنت علي كظهر أمي ; لأن الظهار موجبه التحريم إلى وقت الكفارة ولو قال لها : أنت علي كالميتة أو كالدم يعني التحريم فهو مول ; لأنه شبهها بمحرمة العين فهو بمنزلة قوله أنت علي حرام .
( قال ) : ولو قال : أنت علي كامرأة فلان وقد كان فلان آلى من امرأته ينوي الإيلاء كان موليا ; لأنه شبهها بامرأة فلان ، وقد يكون التشبيه في وصف خاص فإذا نوى التحريم أو الإيلاء فقد نوى ما يحتمله كلامه فيكون موليا ، وإن لم ينو ذلك فليس بشيء .
( قال ) : وإن آلى من امرأته ثم قال لامرأة له أخرى : قد أشركتك في إيلاء هذه كان باطلا ; لأن الإشراك يغير حكم يمينه فإن قبل الإشراك كان يحنث بقربان الأولى ، وبعد الإشراك لا يحنث بقربان الأولى ما لم يقربهما كما لو قال : والله لا أقربكما وهو لا يملك تغيير حكم اليمين مع بقائه ، ولو صح منه هذا الإشراك لكان يشرك أجنبية مع امرأته ، ثم يقرب امرأته بعد ذلك فلا يلزمه شيء ، وبهذا فارق الظهار ; لأن إشراك الثانية لا يغير حكم الظهار في الأولى ، وكذلك لو قال في [ ص: 34 ] الإيلاء للمرأة الثانية : أنت علي مثل هذه ينوي الإيلاء فيها فبهذا لا يتغير حكم الإيلاء في حق الأولى ، ويصح منه عقد الإيلاء في حق الثانية بهذا اللفظ .
( قال ) : وإذا آلى من امرأته ، وهي أمة ثم أعتقت قبل انقضاء شهرين لم تطلق حتى تستكمل أربعة أشهر من حين آلى ; لأن مدة الإيلاء نظير مدة العدة من طلاق رجعي من حيث إن ملك النكاح لا يرتفع مع بقائها ، والمعتقة بعد الطلاق هناك قبل انقضاء العدة بمنزلة الحرة عند الطلاق وكذلك هنا وهذا ; لأن ملك النكاح تم عليها لما تم حلها بالعتق ، ولا يزول الملك التام إلا بمدة تامة .
( قال ) : ولو طلقها زوجها في الشهرين تطليقة بائنة ثم أعتقت فيهما كانت عدتها للطلاق عدة الأمة ; لأنها إنما أعتقت بعد البينونة ، ومدة إيلائها مدة الحرة ; لأنها أعتقت قبل تمام مدة الإيلاء فكان في حكم الإيلاء هذا وما لو كانت حرة حين آلى منها سواء ، وقد طعن بعضهم الجواب فقالوا لم يتم ملكه عليها بهذا العتق ; لأنها عتقت بعد البينونة فينبغي أن تكون مدة إيلائها شهرين كما في حكم العدة . ولكنا نقول : الطلاق الواقع ليس من حكم الإيلاء في شيء فالبائن والرجعي فيه سواء ، ولو كان رجعيا صارت مدة إيلائها بالعتق أربعة أشهر بالنص فكذلك إذا كانت بائنة بخلاف العدة ; لأنها تعقب الطلاق فيعتبر فيها صفة الطلاق ; ولأن في زيادة مدة العدة بالعتق إضرارا بها ; لأنها تمنع من الأزواج في العدة وليس في زيادة مدة الإيلاء بالعتق إضرار بها فلهذا كان المعتبر حصول العتق مع بقاء المدة .
( قال ) : وإن حلف لا يقرب امرأته وامرأة أجنبية معها حرة أو أمة لم يكن موليا من امرأته ; لأنه يملك قربانها من غير أن يلزمه شيء وهو ليس بمول في حق الأجنبية ، فلا يعتبر قربان الأجنبية في حكم الإيلاء من امرأته ، وإن اعتبر حال امرأته وحدها وهو يملك قربانها من غير أن يلزمه شيء لم يكن موليا منها بخلاف ما لو قال : لامرأتين له لا أقربكما لأنهما مستويتان في حكم الإيلاء هناك فيجعلان كشخص واحد لا يملك قربانهما إلا بكفارة تلزمه فكان موليا منهما بقوله ، فإن جامع الأجنبية صار موليا من امرأته من الساعة التي جامع فيها تلك ; لأنه صار بحال لا يملك قربانها إلا بكفارة تلزمه فيتحقق معنى الإضرار والتعنت في حقها الآن فيكون موليا منها وهو بمنزلة ما لو قال : والله لا أقربك إذا أتيت مكان كذا لا يكون موليا ما لم يأت ذلك المكان أو هو بمنزلة ما لو قال لامرأته : والله لا أقربك إذا جامعت هذه الأجنبية فإذا جامعها كان موليا من امرأته .
( قال ) : وإن آلى من امرأته ثم ارتدت ولحقت بدار الحرب ثم سبيت فأسلمت ثم تزوجها فهو مول منها إن مضى شهران من يوم [ ص: 35 ] تزوجها بانت بالإيلاء ; لأن اليمين لا يبطل بلحاقها فإن شرط الحنث منتظر بعد . وأصل كلامه كان إيلاء صحيحا ، فإذا تزوجها مع بقاء تلك اليمين كان موليا منها حين تزوجها ، وإنما انعقدت المدة الثانية ، وهي أمة ، ومدة إيلاء الأمة شهران .
( قال ) : وإن آلى من امرأته وهي أمة ثم اشتراها سقط الإيلاء ; لأنها صارت بحيث لا يقع طلاقها عليها ، وموجب المدة المنعقدة وقوع الطلاق عند مضيها فإذا خرجت من أن تكون محلا لذلك سقط حكم تلك المدة ، كما لو أبانها وانقضت عدتها فإن باعها أو أعتقها ثم تزوجها ، فهو مول منها ; لأنها صارت بحال لا يقع طلاقه عليها ، واليمين باقية فتنعقد المدة من حين تزوجها ، وكذلك الحرة إذا اشترت زوجها فهذا والأول سواء ; لأن عصمة النكاح تنقطع بالملك من الجانبين على وجه لا يقع طلاقه عليها ، فإنها إنما تكون محلا لطلاقه باعتبار ملك اليد له عليها ، وملك اليمين كما ينافي أصل ملك النكاح ينافي ملك اليد الثابت بالنكاح ، ولهذا لا تستوجب عليه النفقة والسكنى في عدتها .
( قال ) وإذا حلف العبد بالعتق أو الصدقة أن لا يقرب امرأته لا يكون موليا ; لأنه يملك قربانها من غير أن يلزمه شيء ، فإنه لا عتق فيما لا يملكه ابن آدم ، ومراده من الصدقة أن يلتزم الصدقة بمال بعينه ، وهو لا يملك ذلك المال فيكون التزامه التصدق به لغوا .
( قال ) : وإن حلف بحج أو صوم أو طلاق أو ما أشبه ذلك كان موليا ; لأن التزام هذه الأشياء صحيح منه كما يصح من الحر ، فإذا علقها بالقربان فهو لا يملك قربانها في المدة إلا بشيء يلزمه ، وعلى هذا لو علق بالقربان التزام الصدقة في ذمته .
( قال ) : وإذا حلف الذمي أن لا يقرب امرأته فهو على ثلاثة أوجه : في وجه يكون موليا بالاتفاق ، وهو ما إذا حلف بطلاق أو عتاق ; لأن العتق والطلاق يصح منه كما يصح من المسلم ، وفي وجه لا يكون موليا بالاتفاق ، وهو ما إذا حلف بحج أو صوم أو صدقة ; لأن التزام هذه الأشياء منه لا يصح ; لأنها قربة وطاعة وما فيه من الشرك يخرجه من أن يكون أهلا لذلك وقع في بعض الكتب عن الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - أن الإيلاء منه بالحج صحيح في حكم الطلاق ، وإن لم يصح في حكم التزام الحج ; لأن أحد الحكمين ينفصل عن الآخر عنده كما في اليمين بالله تعالى ، ولا يعتمد على هذه الرواية فأما إيلاؤه في اليمين بالله تعالى ينعقد في حكم الطلاق عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، حتى لو تركها أربعة أشهر بانت بالإيلاء ولو قربها لم تلزمه الكفارة ، وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - هذا بمنزلة القسم الثاني ; لأنه يملك قربانها في المدة من غير أن يلزمه [ ص: 36 ] شيء فلا يتحقق معنى الإيلاء ، وهو قصد الإضرار بمنع حقها في الجماع ، وهذا ; لأن حرمة اليمين بالله تعالى لوجوب تعظيم المقسم به ومع الشرك لا يتحقق منه هذا التعظيم كما لا يتحقق منه هذا الالتزام التزام الحج والصوم وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : إنه من أهل اليمين بالله تعالى فإن فيها ذكر اسم الله تعالى على سبيل التعظيم ، وذلك صحيح معتبر من الذمي حتى تحل ذبيحة الكتابي إذا ذكر اسم الله تعالى وكذلك يستحلف في المظالم والخصومات بالله تعالى ، وقد جعل الله تعالى للكفار أيمانا بقوله تعالى : { ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم } وقوله تعالى { وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم } وإذا ثبت أنه من أهل اليمين صار هو بحيث لا يملك قربانها إلا بحنث يلزمه فيكون موليا ثم يترتب على هذا الحنث ، وجوب الكفارة وهو ليس من أهلها ، ولكن حكم الطلاق ينفصل عن حكم الكفارة في الإيلاء كما لو قال لأربع نسوة له : لا أقربكن يكون موليا من كل واحدة منهن وإن كان لو قرب ثلاثا منهن لا يلزمه شيء ; ولأن لهذه اليمين حكمين . أحدهما الطلاق وهو من أهله والآخر الكفارة ، وهو ليس من أهلها ، وكل واحد من الحكمين مقصود بهذا اليمين فامتناع ثبوت أحد الحكمين لانعدام الأهلية لا يمنع ثبوت الحكم الثاني مع وجود الأهلية .
( قال ) : وإذا حلف الرجل بعتق عبده لا يقرب امرأته فهو مول إلا في رواية عن أبي يوسف رحمه الله تعالى فإنه يقول : يملك قربانها في المدة من غير أن يلزمه شيء ، بأن يبيع عبده وفي ظاهر الرواية هو لا يملك قربانها إلا بعتق يلزمه فيكون موليا ، ولا يعتبر تمكنه من البيع ; لأن البيع لا يتم به وحده وربما لا يجد مشتريا يشتريه منه فإن باع العبد سقط عنه الإيلاء ; لأنه صار بحال يملك قربانها من غير أن يلزمه شيء فإن اشتراه لزمه الإيلاء من وقت الشراء ; لأن المدة الأولى قد بطلت فيستأنف المدة من وقت الشراء ; لأنه صار بحال لا يملك قربانها إلا بعتق يلزمه ، ولو كان جامعها بعدما باعه ثم اشتراه لم يكن موليا ; لأن اليمين قد سقطت بوجود شرط الحنث بعد بيع العبد فهو يملك قربانها من بعد ذلك من غير أن يلزمه شيء ، وإذا مات العبد قبل أن يبيعه سقط الإيلاء ; لأنه يتمكن من قربانها بعد موت العبد من غير أن يلزمه شيء ، وكذلك لو حلف على إيلاء هذه بطلاق أخرى ثم ماتت تلك أو طلقها ثلاثا لم يكن موليا بعد هذا ; لأنه يمكنه أن يقربها من غير أن يلزمه شيء ، وإن تزوجها بعد زوج لم يكن موليا من هذه أيضا إلا على قول زفر ; لأن يمينه على تطليقات ذلك الملك ولم يبق شيء منها بعد إيقاع الثلاث [ ص: 37 ] وكذلك لو طلق هذه التي آلى منها ثلاثا سقط الإيلاء ; لأن إيلاءه في حكم الطلاق باعتبار التطليقات المملوكة ولم يبق منها شيء بعد إيقاع الثلاث ، ولو لم يطلقها ، ولكنه جامعها طلقت الأخرى لوجود شرط الوقوع عليها وارتفعت اليمين ، فإن تزوجها بعد ذلك لم يعد الإيلاء ، وإن لم يجامعها ولكنه طلق الأخرى ، وانقضت عدتها سقط الإيلاء عن هذه ; لأنه صار بحيث يتمكن من قربانها من غير أن يلزمه شيء ، وهذا وبيعه العبد سواء على ما بينا .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|