عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 12-12-2025, 06:18 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,783
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السابع

صـــ 7 الى صـــ 16
(136)






( قال ) : فإن أعتق عن ظهاره نصيبه من عبد بينه وبين غيره لم يجزه عن كفارته في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وإن ضمن نصيب شريكه فأعتق ما بقي منه ; لأن العتق عنده يتجزأ فإنما عتق نصيبه في الابتداء ، ونصف الرقبة ليس برقبة ، ثم يتمكن النقصان في حق النصف الآخر لأنه يتعذر عليه استدامة الرق فيه ، وهذا النقصان في ملك الشريك غير مجز عن الكفارة ، وبالضمان إنما يملك ما بقي منه فإذا أعتقه كان هذا في المعنى إعتاق عبد إلا شيئا وعند الضمان إنما يستحق عليه السعاية فيما ضمن لشريكه ، فإعتاقه يكون إبراء عن تلك السعاية فلا تتأدى به الكفارة ، فأما قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - العتق لا يتجزأ فإن أعتق نصيبه عتق كله إلا أن المعتق إن كان موسرا فهو ضامن لنصيب شريكه ، ولا سعاية على العبد فكان هذا إعتاقا بغير عوض فيجزي عن الكفارة ، وإن كان معسرا فعلى العبد السعاية في نصيب شريكه فيكون هذا عتقا بعوض فلا تتأدى به الكفارة فأما إذا كان العبد كله له فأعتق نصفه عن كفارته عندهما يعتق كله بغير سعاية ويجوز عن الكفارة وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى يعتق نصفه ولا يجوز عن كفارته فإن أعتق النصف الباقي بعد ذلك بنية الكفارة في القياس لا يجزيه ; لما بينا أن بإعتاق النصف يتمكن النقصان في النصف الآخر كما في الفصل الأول ، وفي الاستحسان يجزي ; لأن هذا النقصان بسبب العتق عن الكفارة فلا يمنع الجواز ومعنى هذا أن الرقبة كلها مملوكة له هنا ، فالنقصان في النصف الآخر إنما يحصل في ملكه فيمكن تحريره عن الكفارة إذا أكمله ، ويجعل كأنه في المرة الأولى أعتق النصف وزيادة ثم أعتق ما بقي بخلاف المشترك ، وهذا [ ص: 8 ] نظير الاستحسان فيمن أضجع أضحيته ليذبحها فأصابت السكين عين الشاة لا يمنع جواز التضحية بها استحسانا ; لأن حصول هذا العيب بسبب فعل التضحية .
( قال ) : ولا يجزيه العتق بما في البطن عن الكفارة ، وإن ولدته لأقل من ستة أشهر ; لأن الجنين بمنزلة جزء من الأم في بعض الأحكام فلا يكون رقبة مطلقة ; لأن الرقبة المطلقة ما يكون نفسا على حدة من كل وجه خصوصا في حكم العتق ، والجنين بمنزلة الجزء حتى يعتق بعتقها على وجه لا يجوز استثناؤه كيدها ورجلها .
( قال ) : وإن اشترى أباه ينوي به العتق عن ظهاره أجزأه استحسانا في قول علمائنا الثلاثة رضي الله عنهم ، وفي القياس لا يجزئ ، وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - الأول وزفر والشافعي - رحمهما الله تعالى - وجه القياس أن الواجب عليه التحرير ، والشراء غير التحرير ; لأن الشراء استجلاب للملك ، والعتق إبطال له ، فكانت المغايرة بينهما على سبيل المضادة ، ولأن العتق بسبب القرابة صار مستحقا له عند دخوله في ملكه فلا تتأدى به الكفارة كما لو قال لعبد الغير إن اشتريتك فأنت حر ، ثم اشتراه ينوي به الكفارة ، وهذا لأن عند وجود الشرط إنما يعتق بالسبب الذي حصل الاستحقاق به ، وهو القرابة ، ولا يتصور اقتران نية الكفارة بذلك السبب ، والدليل على أن الاستحقاق بالقرابة أن أحد الشريكين في العبد إذا ادعى سببه يضمن لشريكه قيمة نصيبه كما لو أعتقه : توضيحه أن أم هذا الولد استحقت حق العتق عند دخولها في ملكه وذلك مانع إعتاقها عن الكفارة حتى لو قال لها : إذا اشتريتك فأنت حرة عن ظهاري لا يجزئه عن الظهار . فالابن الذي استحق حقيقة العتق عند دخوله في ملكه ، أو الأب أولى أن لا يجوز إعتاقه عن الكفارة ، وهذا لأن العتق مجازاة للأبوة ومجازاة الأبوة فرض فلا يتأدى به واجب آخر وصرف منفعة الكفارة إلى أبيه لا يجوز كالطعام والكسوة .

( وحجتنا ) في ذلك ظاهر الآية ففيها الأمر بالتحرير وهو تصيير شخص مرقوق حرا كالتسويد تصيير المحل أسود وقد وجد ذلك ، وهذا لأن شراء القريب إعتاق قال : صلى الله عليه وسلم { لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه } أي بالشراء كما يقال : أطعمه فأشبعه ، وسماه بالشراء مجازيا ، وإنما يكون مجازيا بالإعتاق ، والدليل عليه أنه لو اشترى نصف قريبه يضمن لشريكه إن كان موسرا ، والضمان الذي يختلف باليسار والإعسار لا يكون إلا عن إعتاق ، وهذا لأنه بالشراء يصير متملكا ، والملك في القريب إكمال لعلة العتق فإذا صار مضافا إلى الشراء يكون به معتقا ; لأن السبب الموجب للحكم بواسطة كالموجب بغير واسطة [ ص: 9 ] في كون الحكم مضافا إليه ، والدليل على إثبات هذه القاعدة ، أن عتق القريب يثبت بالقرابة والملك جميعا قال : صلى الله عليه وسلم { من ملك ذا رحم محرم منه فهو حر } وهذا لأن العتق صلة ، وللملك تأثير في استحقاق الصلة شرعا حتى تجب الزكاة باعتبار الملك صلة للفقراء ، كما أن للقرابة تأثيرا في استحقاق الصلة ، وكل واحد من الوصفين لكونه مؤثرا علة ، ومتى تعلق الحكم بعلة ذات وصفين ، فالحكم لآخرهما وجودا لأنه تمام العلة به وآخر الوصفين هنا الملك فيكون به معتقا ولهذا لو ادعى أحد الشريكين نسب نصيبه يضمن لشريكه ; لأن آخر الوصفين وجودا القرابة هنا فيصير به معتقا وهو كالشهادة على النسب بعد الموت يوجب ضمان الميراث عند الرجوع ; لأن آخر الوصفين ما أثبته الشهود ، ولا يدخل على هذا شهادة الشاهد الثاني فإنه لا يحال بالإتلاف عليها ، وإن تمت الحجة بها ; لأن الشهادة لا توجب شيئا بدون القضاء ، والقضاء يكون بهما معا .

وبهذا تبين فساد قولهم : أن العتق مستحق بالقرابة لأن الاستحقاق لا يثبت قبل كمال العلة ، ولأنه لا يجبر على الشراء ، وهذا بخلاف المحلول بعتقه ; لأن الملك هنا شرط لا أثر له في استحقاق ذلك العتق فيكون معتقا بيمينه ، ولم تقترن نية الكفارة بها حتى لو اقترنت جاز قولهم : إن العتق بسبب القرابة فرض ، قلنا : إنما يقع العتق بسبب القرابة ، ويكون مجازاة له إذا قصد ذلك ، فأما إذا قصد به الكفارة كان هذا في حقه إعتاقا عن الكفارة فهو بمنزلة من فرض عليه نفقة أخيه فصرف إليه زكاة ماله جاز ، ثم تسقط به النفقة حكما لحصول المقصود ، وهذا الفقه الذي أشرنا إليه في مسألة الكتابة أن في حق المعتق العتق واحد ، فيحصل مقصوده من أي وجه نواه المعتق ، ولكن في حق المعتق تكثر جهاته ، فيكون عما نوى ليصح قصده ، وليس هذا نظير أم الولد لأن استحقاق العتق لها بالاستيلاد كما قال : صلى الله عليه وسلم { أعتقها ولدها } ، فيكون الملك فيها شرطا للعتق لا إكمالا للعلة ، ولا معنى لقولهم : إن هذا صرف منفعة الكفارة إلى أبيه لأنه لما جاز صرف هذه المنفعة إلى عبده جاز صرفها إلى أبيه بخلاف الإطعام ، والكسوة فصرفه إلى عبده لا يجوز فإلى أبيه أولى ، وكذلك إن وهب له أبوه أو تصدق به عليه أو أوصى له به وهو ينوي عن كفارته فهو على الخلاف الذي بينا ; لأن الملك بهذه الأسباب يحصل بصنعه ، وهو القبول فأما إذا ورث أباه ينوي به الكفارة لا يجزئه لأن الميراث يدخل في ملكه من غير صنعه ، وبدون الصنع لا يكون محررا ، والتكفير إنما يتأدى بالتحرير ، ولهذا لا يضمن لشريكه [ ص: 10 ] إذا ورث نصف قريبه وإذا قال فلان حر يوم أشتريه ، ثم اشتراه ونوى عن ظهاره لا يجزئه ; لأنه إنما يعتق عند الشراء بقوله حر ، ولم يقترن به نية الكفارة ، وإن كان عنى بقوله هو حر يوم أشتريه عن ظهاري أجزأه لاقتران نية الكفارة بالإعتاق .

( قال ) : وإن قال إذا اشتريته فهو حر ثم قال إذا اشتريته فهو حر عن ظهاري فاشتراه لا يجزي عن الظهار ; لأن التعليق الأول قد صح على وجه لا يملك إبطاله ، ولا تغييره فإنما يحال بالعتق عند الشراء عليه لأنه ترجح بالسبق ، ولم تقترن به نية الكفارة .

( قال ) : ولا يجزي أن يعتق عن ظهار واحد نصف رقبة ، ويصوم شهرا أو يطعم ثلاثين مسكينا لأن نصف الرقبة ليس برقبة ، وإكمال الأصل بالبدل غير ممكن فإنهما لا يجتمعان فكيف يتحقق إكمال أحدهما بالآخر ؟ .

( فإن قيل ) إن أعتق نصف رقبتين بأن كان بينه وبين شريكه عبدان ، ( قلنا ) : لا يجوز أيضا ; لأن نصف الرقبتين ليس برقبة ، والشركة في كل رقبة تمنع التكفير بها بخلاف الأضحية ، فإن رجلين لو ذبحا شاتين بينهما عن أضحيتهما جاز ; لأن الشركة لا تمنع التضحية كما في البدنة

( قال ) : ولو أعتق عبدا عن ظهارين فله أن يجعله عن أيهما شاء ، ويجامع تلك المرأة ، وكذلك الصوم ، والإطعام ، وفي القياس لا يجوز ، وهو قول زفر لانعدام نية التعيين ولأنه يصير معتقا عن كل ظهار نصف رقبة إذ ليس إحداهما بأولى من الأخرى فهو كما لو أعتق رقبة عن كفارة القتل ، والظهار ، ووجه الاستحسان أن نية التعيين في الجنس الواحد لغو غير مفيد ، فلا تعتبر بخلاف الجنسين ألا ترى أن من كان عليه قضاء أيام من رمضان فنوى صوم القضاء جاز ، وإن لم يعين صوم يوم الخميس ، أو الجمعة ; لأن الجنس واحد بخلاف ما لو كان عليه صوم القضاء ، والنذر فإنه لا بد فيه من التعيين لاختلاف الجنس .
( قال ) : ولو أعتق رجل عنه بغير أمره لم يجزه عن ظهاره ; لأن المعتق عن المعتق ، ونيته من غيره لغو ; لأنه يعقب الولاء ; وليس لأحد أن يلزم غيره ولاء بغير أمره ; فإن كان بأمره فهو على وجهين : إما أن يكون بجعل أو بغير جعل ، فإن كان بجعل بأن قال : أعتق عبدك عن ظهاري على ألف درهم فأعتقه جاز عن ظهاره استحسانا عندنا وعند الشافعي رحمه الله تعالى ، ووجب المال عليه ، وفي القياس وهو قول زفر رحمه الله تعالى يعتق عن المعتق ، والولاء له ، ولا يجزئ عن ظهار الآمر ، ولا مال عليه ; لأنه التمس منه محالا ، وهو أن يعتق ملك نفسه من غيره ، ولا عتق فيما لا يملكه ابن آدم فكان إعتاق زيد ملكه عن عمرو محالا ، ولا يجوز إضمار التمليك هنا ; لأن الإضمار لتصحيح المصرح به لا لإبطاله [ ص: 11 ] وإذا أضمرنا التمليك صار معتقا عن الآمر لا ملك نفسه ، وهو خلاف ما صرح به ولكنا نقول : معنى كلامه ملكني عبدك هذا بألف درهم ، ثم كن وكيلي في إعتاقه عن ظهاري ; لأنه التمس منه إعتاقه عن ظهاره ، ولا وجه لتصحيح التماسه إلا بهذا الإضمار ، وتصحيح كلام العاقل واجب بحسب الإمكان فإذا أمكن تصحيحه بهذا الطريق يصحح لمعنى ، وهو أن الملك في المحل شرط العتق ، وشرط الشيء تبعه فيصير كالمذكور بذكر أصله ، كمن نذر صلاة تلزمه الطهارة . ومن نذر اعتكافا يلزمه الصوم ، ويصير ذلك كالمذكور ، وعلى هذا لو قال بعت منك هذا العبد بكذا فقال المشتري : هو حر يعتق من جهته ، ويصير القبول والتمليك ثابتا بمقتضى كلامه ، ومعنى قوله عبدك : يعني العبد الذي هو ملك لك للحال لا عند مصادفة العتق إياه ، فمقصوده من هذا تعريف العبد لا إضافته إليه ، والخلاف ثابت فيما لوقال أعتق هذا العبد عني .

وأما إذا كان بغير جعل بأن قال : أعتق عبدك عن ظهاري بغير شيء فأعتقه المأمور على قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - الولاء للمأمور ، ولا يجزئ عن ظهار الآمر ، وهو القياس ; وعلى قول أبي يوسف والشافعي - رحمهما الله تعالى - الولاء للآمر ، ويجزئ عن ظهاره باعتبار إضمار التمليك كما في الأول ، وهذا ; لأن الملك سواء حصل له بعوض أو بغير عوض يجوز عن كفارته إذا أعتقه ، ولا يجوز أن يقال الملك بطريق الهبة لا يحصل إلا بالقبض ; لأن القبض في باب الهبة كالقبول في البيع فكما سقط اعتبار القبول هناك لكون البيع في ضمن العتق ، فكذلك يسقط اعتبار القبض هنا ، أو يجعل القبض مدرجا في كلامه حكما كما يندرج القبول في كلامه ، أو يجعل العبد قابضا نفسه من المولى له ، كما لو قال أطعم عن ظهاري ستين مسكينا يجوز بغير بدل على أن يقبض الفقير له ثم لنفسه ، والدليل عليه أنه لو قال : أعتقه عني بألف ورطل من خمر فأعتقه جاز عن الآمر ، ويندرج البيع الفاسد هنا ، والملك بالبيع الفاسد لا يحصل إلا بالقبض كما في الهبة وأبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - يقولان : مستوهب أمر بالعتق قبل القبض فلا يجزي عنه ، كما لو استوهبه العبد نصا ثم قال قبل قبضه : أعتقه ، وهذا ; لأن القبض في باب الهبة شرط لوقوع الملك على وجه لا يجوز إسقاطه بحال ، فلا يسقط بالاندراج في العتق ; لأن المسقط إنما يعمل في محله ، لا في غير محله بخلاف القبول في البيع فإنه يحتمل السقوط حتى لو قال : بعت منك هذا الثوب بعشرة فاقطعه فقطعه صار متملكا ، وإن لم يقبل ، وهذا لأن الإيجاب مع القبول قد يحتمل السقوط في البيع [ ص: 12 ] وهو عند التعاطي فمجرد القبول أولى أن يحتمل السقوط ، وبه فارق البيع الفاسد ; لأن الفاسد في الحكم ملحق بالجائز ، والقبض هناك نظير القبول هنا في أنه يحتمل الإسقاط ، ولا يجوز أن يجعل القبض مدرجا في كلامه هنا ; لأن القبض فعل - والقول لا يتضمن الفعل - إنما يتضمن قوله مثله .

والقبول قول ، فيجوز أن يندرج في كلامه ، ولا يجوز أن يجعل العبد قابضا نفسه هنا ; لأن الإعتاق إبطال للملك والمالية ، والعبد إنما يقبض ما يسلم له دون ما لا يسلم له ، وبه فارق الطعام ، فإن المسكين يقبض عين الطعام فيمكن أن يجعل قابضا للآمر أولا ثم لنفسه ، ولكن العبد ينتفع بهذا الإعتاق فمن هذا الوجه يندرج فيه أدنى القبض ، ولكن أدنى القبض يكفي في البيع الفاسد ، ولا يكفي في الهبة كالقبض مع الشيوع فيما يحتمل القسمة ، ومع الاتصال في الثمار على رءوس الأشجار يكفي لوقوع الملك في البيع الفاسد دون الهبة . وبهذا يتضح الفرق بين هذه الفصول .


( قال ) : ولو أعتق المظاهر عبده على جعل لم يجز قل الجعل أو كثر ; لأن التكفير بما يخلص لله تعالى ، وعمله في العتق بجعل لا يكون خالصا لله تعالى ; لأنه قصد به العوض ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فيما يؤثر عن ربه عز وجل { يقول الله تعالى : أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل لي عملا ، وأشرك فيه غيري فهو كله لذلك الشريك ، وأنا منه بريء . } وإن وهب له الجعل بعد ذلك لم يجزه عن الكفارة ; لأن هذا إبراء عن الدين ، ولا مدخل للإبراء عن الدين في الكفارات ، والله أعلم بالصواب .
باب الصيام في الظهار قال : وإذا لم يجد المظاهر ما يعتق عن ظهاره فعليه صيام شهرين متتابعين بالنص ، فإن أفطر فيهما يوما لمرض أو لغيره فعليه استقبال الصيام ، لفوات صفة التتابع بفطره . - والواجب المقيد بوصف شرعا لا يتأدى بدونه - وكذلك إن أيسر قبل أن يفرغ من الصوم انتقض صيامه ، وعليه العتق ; لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل ، فإن المقصود إسقاط الكفارة عنه ، وذلك لا يحصل قبل تمام الشهرين ، وهو كالمتيمم إذا وجد الماء قبل الفراغ من الصلاة ، والطارئ من اليسار قبل حصول المقصود كالمقترن بحالة الشروع في الصوم ، ومعنى قوله انتقض صومه في حكم جوازه عن الكفارة فأما أصل الصوم باق فيستحب إتمامه نفلا ; لأن اليسار لا يمنع ابتداء الصوم إنما يمنع التكفير .
( قال ) : ولو صام شهرين : أحدهما - شهر [ ص: 13 ] رمضان لم يجزه عن الظهار ; لأنه لم يشرع في شهر رمضان إلا صوم واحد ، وهو الفرض فلا يصح التكفير به ; لأن وجوب الكفارة في ذمته ، وما في الذمة إنما يتأدى بما للمرء لا بما عليه ، وقد قررنا هذا في كتاب الصوم ، وبينا اختلاف أبي حنيفة رحمه الله تعالى مع صاحبيه رحمهما الله في المسافر ، وإذا لم يجز صومه في شهر رمضان عن الظهار ، فعليه أن يستقبل بعد يوم الفطر لانقطاع التتابع في حق صوم الكفارة ، وكذلك لو دخل صومه يوم النحر أو أيام التشريق فعليه استقبال الصوم صام في هذه الأيام أو لا ; لأن الصوم في هذه الأيام منهي عنه فلا يتأدى به الواجب في ذمته ; وينقطع التتابع بتخلل هذه الأيام ; لأنه يجد شهرين خاليين عن هذه الأيام .
( قال ) : ولا يجزي الصوم لمن له خادم ; لأنه واجد لما يتأدى به الأصل فلا يتأدى به الواجب بالبدل بخلاف من له مسكن فقط ; لأنه غير واجد لما هو الأصل ، وهو محتاج إلى المسكن فجعل ملكه فيه كالمعدوم لكونه مشغولا بحاجته ، وقد بينا في كتاب الزكاة أن ملك المسكن يزيد في حاجته ، والخادم كذلك إلا أنه عين المنصوص عليه فلا معتبر بالمعنى فيه ، وإن كان له دراهم أو دنانير يجد بها رقبة لم يجز الصوم لقوله تعالى { فمن لم يجد } ، والواجد لثمن الرقبة كالواجد لعينها ، ألا ترى أن في حكم التيمم ، الواجد لثمن الماء كالواجد لعينه ، وهذا ; لأن الوجود عبارة عن التيسر دون الغنى ، وبملك الدراهم والدنانير يتيسر عليه تحصيل ما يعتق ، ويسار التيسر ينفي الشرط المنصوص ، وهو عدم الوجود .
( قال ) : وإذا ظاهر من أربع نسوة له فأعتق رقبة ، ليس له غيرها ، ثم صام أربعة أشهر متتابعة ، ثم مرض فأطعم ستين مسكينا ، ولم ينو في ذلك واحدة بعينها أجزأه عنهن استحسانا ، لما بينا أن نية التمييز غير معتبرة في الجنس الواحد ، وقد أعتق حين وجد ثم صام حين لم يجد ما يعتق ، وذلك كفارته ثم أطعم حين لم يستطع الصوم ، وذلك كفارته ; لأن المعتبر عدم الاستطاعة عند التكفير بالإطعام ، وذلك يتحقق بمرضه ، ولا يشترط استدامة العذر بعد التكفير ، ثم فيما أدى وفاء بالواجب عليه فيجزيه .

( قال ) : وإذا بانت من المظاهر امرأته ثم كفر عنها ، وهي تحت زوج أو مرتدة لاحقة بدار الحرب جازت الكفارة عنه ; لأن الحرمة الثابتة بالظهار باقية بعد البينونة ، والكفارة واجبة بدليل أنه لو تزوجها لم يكن له أن يقر بها حتى يكفر ، ولو سقطت لم يعد بالتزوج . وإذا ثبت بقاء الواجب صح إسقاطه بأدائه . وإن كانت لا تحل له للحال لكونها مرتدة أو ذات زوج ، وهذا ; لأن أداء الكفارة يرفع الحرمة الثابتة بالظهار [ ص: 14 ] ولا يوجب حل المحل .

( قال ) : وإذا ارتد الزوج - والعياذ بالله - ثم أعتق عبدا له عن ظهاره ثم أسلم أجزى عنه ، وهذا بناء على أصل أبي حنيفة رحمه الله تعالى ; لأن الظهار يبقى بعد ردته عنده ، وطعن عيسى رحمه الله تعالى فقال : هذا الجواب غلط ; لأن الكفارة إنما تتأدى بعتق هو قربة خالصة ، ولهذا لا يتأدى بالعتق بجعل ، والمرتد ليس من أهل القربة ، ولا تتأدى الكفارة إلا بنية العبادة ، والمرتد ليس من أهلها وما ذكره في الكتاب أصح ; لأن تصرفات المرتد موقوفة عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى فإنما ينفذ عتقه بعد إسلامه ، وكما توقف أصل عتقه توقف نيته فيصير بعد الإسلام كالمجدد لذلك كله ، ولا يبعد أن يتوقف حكم النية كمن أبهم النية عند الإحرام تتوقف على أن يكون حجا ، أو عمرة لتعيينه في الثاني ، ويجعل عند التعيين كأنه جدده ، وهذا ; لأنه بعدما أسلم يبطل حكم ردته ، ولهذا يعاد إليه من أملاكه ما كان قائما بعينه في يد وارثه ، فكذلك يبطل ما ينبني على ردته ، وهو فساد نيته
( قال ) : وإن أكل في صوم الظهار ناسيا لصومه لم يضر ، وكذلك إن جامع غير التي ظاهر منها ; لأن حرمة هذا الفعل عليه ; لأجل الصوم ، فيختلف بالنسيان ، والعمد بخلاف ما لو جامع التي ظاهر منها عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - فإن حرمة ذلك الفعل ليس لأجل الصوم ، ألا ترى أنه كان محرما قبل الشروع في الصوم فيستوي فيه النسيان ، والعمد ; ثم إن صام المظاهر شهرين بالأهلة أجزأه ، وإن كان كل شهر تسعة وعشرين يوما ، وإن صام لغير الأهلة ثم أفطر لتمام تسعة وخمسين يوما فعليه الاستقبال ; لأن الأهلة أصل ، والأيام بدل كما قال : صلى الله عليه وسلم { صوموا لرؤيته فإن غم عليكم الهلال فأكملوا شعبان ثلاثين يوما } فعند وجود الأصل - ، وهي الأهلة لا معتبر بالأيام ، وعند عدم الأصل الاعتبار بالأيام فلا يتم الشهران إلا بستين يوما ، فإن صام خمسة عشر يوما ثم صام شهرا بالأهلة تسعة وعشرين ثم خمسة عشر يوما أجزأه ، وهذا بناء على قولهما فأما عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يجزيه ، وقد بينا هذا في حكم العدة ، أن عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى : إذا كان ابتداء الشهر بالأيام يعتبر كله بالأيام ; لأنه ما لم يتم الشهر الأول لا يدخل الشهر الثاني ، وعندهما الاعتبار بالأيام فيما تعذر عليه الاعتبار بالأهلة ، وهو الشهر الواحد فقط . والله أعلم
اب الإطعام في الظهار

( قال ) رضي الله تعالى عنه : ويجزيه أن يدعو ستين مسكينا فيغديهم ، ويعشيهم ، وهو قول علمائنا أن [ ص: 15 ] الإطعام في الكفارات يتأدى بالتمكين من الطعام ، وعند الشافعي : لا يتأدى إلا بالتمليك من الفقير وكان أحمد بن سهل رضي الله تعالى عنه يقول : لا يتأدى بالتمليك ، وإنما يتأدى بالتمكين فقط لظاهر قوله تعالى { فإطعام ستين مسكينا } - والإطعام فعل متعد - ولازمه طعم يطعم ، وذلك الأكل دون الملك ففي التمليك لا يوجد الطعام ، وإنما يوجد ذلك في التمكين لأنه لا يتم ذلك إلا بأن يطعم المسكين ، والكلام محمول على حقيقته والشافعي رحمه الله يقول الإطعام يذكر للتمليك عرفا يقول رجل لغيره : أطعمتك هذا الطعام . أي : ملكتك ، والمقصود سد خلة المسكين ، وإغناؤه ، وذلك يحصل بالتمليك دون التمكين فإذا لم يتم المقصود بالتمكين لا يتأدى الواجب ، كما في الزكاة وصدقة الفطر ، وقاس بالكسوة فإنه لو أعار المساكين ثيابا فلبسوا بنية الكفارة لا يجوز ، فكذلك الإطعام ، والجامع أنه أحد أنواع التكفير .

( وحجتنا ) في ذلك أن المنصوص عليه الإطعام ، وحقيقة ذلك التمكين ، والمقصود به سد الخلة وفي التمليك تمام ذلك فيتأدى الواجب بكل واحد منهما . أما بالتمليك ; فلأن الأكل الذي هو المنصوص جزء مما هو المقصود بالتمليك ; لأنه إذا ملك فإما أن يأكل أو يصرف إلى حاجة أخرى ، فيقام هذا التمليك مقام ما هو المنصوص عليه لهذا المعنى ، ويتأدى بالتمكين لمراعاة عين النص ، والدليل عليه : أنه يشبهه بطعام الأهل فقال { من أوسط ما تطعمون أهليكم } ، وذلك يتأدى بالتمليك تارة ، وبالتمكين أخرى فكذا هذا ; لأن حكم المشبه حكم المشبه به ، وليس هذا كالكسوة ; لأن الكسوة بكسر الكاف عين الثوب فأما الفعل بفتح الكاف كسوة ، وهو الإلباس فثبت بالنص أن التكفير بعين الثوب لا بمنافعه ، والإعارة ، والإلباس تصرف في المنفعة فلا يتأدى به الواجب ، فأما في التمكين من الطعام المسكين طاعم للعين وبالتمكين يحصل الإطعام حقيقة ، وهذا بخلاف الزكاة فالواجب هناك فعل الإيتاء بالنص ، وفي صدقة الفطر الواجب فعل الأداء ، وذلك لا يحصل بالتمكين بدون التمليك ، وبمعرفة حدود كلام صاحب الشرع يحسن فقه الرجل . ثم المعتبر في التمكين أكلتان مشبعتان ، إما الغداء والعشاء ، وإما غداءان أو عشاءان لكل مسكين فإن المعتبر حاجة اليوم ، وذلك بالغداء والعشاء عادة ويستوي في خبز البر أن يكون مأدوما أو غير مأدوم ، وفي الكتاب أطلق الخبز ، ومراده خبز البر ، وقد فسره في الزيادات ، وهذا ; لأن المسكين يستوفي منه حاجته ; وإن لم يكن مأدوما بخلاف خبز الشعير فإنه لا يستوفي منه تمام حاجته إلا إذا كان مأدوما ، وكذلك لو غداهم وعشاهم بسويق ، وتمر [ ص: 16 ] قالوا : وهذا في ديارهم فإنهم يكتفون بذلك عادة ، ويستوفون منه حاجتهم ، فأما في ديارنا لا بد من الخبز ، وهذا كله بمنزلة طعام الأهل ، ويعتبر فيه الأكلتان المشبعتان مما يكون معتادا في كل موضع . فقد قالت الصحابة - رضوان الله عليهم - أعلى ما يطعم الرجل أهله الخبز ، واللحم ، وأوسط ما يطعم الرجل أهله الخبز ، واللبن ، وأدنى ما يطعم الرجل أهله الخبز ، والملح .

( قال ) : وإن اختار التمليك أعطى كل مسكين نصف صاع من بر ، أو دقيق ، أو سويق ، أو صاعا من تمر ، أو صاعا من شعير لا يجزئه دون ذلك عندنا ، وقال الشافعي رحمه الله تعالى لكل مسكين مد من بر { لحديث الأعرابي في كفارة الفطر ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه خمسة عشر صاعا ، وقال : فرقها على ستين مسكينا } ولكنا نستدل بحديث أوس بن الصامت ، وسلمة بن صخر البياضي رضي الله عنهما فقد ذكر في الحديثين إطعام ستين مسكينا لكل مسكين نصف صاع من بر ، وحديث علي وعائشة رضي الله عنهما قالا : لكل مسكين مدان من بر - وعن عمر وابن عباس رضي الله عنهما : لكل مسكين نصف صاع من حنطة ; ولأن المعتبر حاجة اليوم لكل مسكين فيكون نظير صدقة الفطر ، ولا يتأدى ذلك بالمد بل بما قلنا ، فكذلك هذا ، وذكر في بعض الروايات في حديث الأعرابي فرقها ، ومثلها معها ثم هذا الاستدلال من الشافعي رحمه الله تعالى لا يستقيم ; لأن الصاع لا يتقدر بأربعة أمناء عنده ، وإن أعطى قيمة الطعام كل مسكين أجزأه لحصول المقصود ، وهو سد الخلة وهو عندنا وقد بيناه في الزكاة .

( قال ) : وإن أعطى من صنف من ذلك أقل مما سميناه وهو يساوي كمال الواجب من جنس آخر لم يجزه إلا عن مقداره ، معناه إذا أعطى كل مسكين مدا من بر يساوي صاعا من شعير أو نصف صاع من تمر يساوي نصف صاع من حنطة . وعلى قول زفر رحمه الله تعالى يجزيه ; لأن المقصود يحصل بالمؤدى ، وهو كإعطاء القيمة ، ألا ترى أنه لو كسا عشرة مساكين ثوبا واحدا في كفارة جاز عن الطعام إذا كانت قيمة نصيب كل واحد منهم مثل قيمة الطعام ، ولكنا نقول المؤدى عين المنصوص ، ولا معتبر بالمعنى في المنصوص بل يعتبر عين النص بخلاف الكسوة فالمنصوص عليه ما يحصل به الاكتساء وبعشر الثوب لا يحصل ذلك لكل مسكين فلم يكن المؤدى منصوصا عليه فيعتبر المعنى فيه توضيحه أن في إقامة صنف مقام صنف إبطال التقدير المنصوص عليه في كل صنف ، وكل تعليل يتضمن إبطال النص ، فهو باطل ، وليس في الكسوة تقدير منصوص عليه فإقامته مقام الطعام لا يؤدي إلى إبطال التقدير المنصوص [ ص: 17 ] عليه ; ولأن المقصود بالكسوة غير المقصود بالطعام فللمغايرة يجوز إقامة أحدهما مقام الآخر والمقصود بأصناف الطعام واحد فاعتبار عين المؤدى فيه أولى ، فإذا كان المؤدى لكل مسكين مدا من بر كان عليه أن يعيد على كل واحد منهم بمد آخر ليصل إلى كل واحد منهم ما قدر نصا .

( قال ) : وإن لم يجدهم استقبل الطعام ، ولا يجزئه أن يطعم ستين مسكينا آخرين مدا مدا ; لأن الواجب عليه إيصال نصف صاع إلى كل مسكين ليحصل به سد الخلة . وزوال الحاجة في يومه ، وذلك لا يحصل بصرف نصف الوظيفة إلى كل مسكين .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.24 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.61 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.56%)]