عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 12-12-2025, 06:12 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,783
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس

صـــ 232 الى صـــ 235
(135)



ألا ترى أنه لو جن بعد ما ظاهر من امرأته ثم أفاق بقي ظهاره حتى يكفر مع أنه من أهل التكفير بالعتق حتى لو أعتق عبدا عن ظهاره في ردته ثم أسلم جاز عتقه عن الكفارة على ما نبينه .


( قال ) وإذا قال لامرأته إن شئت فأنت علي كظهر أمي فشاءت ذلك في مجلسها لزمه الظهار وهذا والطلاق المعلق بمشيئتها سواء في أنه يعتبر وجود المشيئة في المجلس وأن المعلق بالشرط عند وجود الشرط كالمنجز
( قال ) وإن قال أنت علي كظهر أمي اليوم فهو كما قال لا يقربها في ذلك اليوم حتى يكفر فإذا مضى اليوم بطل الظهار وقال ابن أبي ليلى رحمه الله تعالى هو مظاهر أبدا حتى يكفر وقاس هذا بالحرمة الثابتة بالطلاق في أنه لا يتوقف بالتوقيت ولكنا نقول موجب الظهار الحرمة وهو محتمل للتوقيت كالحرمة بسبب العدة وحرمة البيع إلى الفراغ من الجمعة وحرمة الصيد على المحرم إلى أن يحل والحرمة بسبب اليمين فإذا احتمل التوقيت صح توقيته ولا يبقى بعد مضي الوقت بخلاف الطلاق فالحرمة هناك باعتبار زوال الملك أو لانعدام محل الحل وذلك لا يحتمل التوقيت وعلى هذا لو قال أنت علي كظهر أمي شهرا أو حتى يقدم فلان فهو كما قال ويسقط بمضي الشهر أو قدوم فلان لانتهاء الحرمة بمضي وقتها .
( قال ) ولو ظاهر من امرأته ثم طلقها ثلاثا أو ارتدت عن الإسلام فبانت منه ثم أسلمت وتزوجته بعد زوج آخر كان الظهار على حاله لا يقربها حتى يكفر [ ص: 233 ] لأن ظهاره قد صح وتثبت به الحرمة إلى أن يكفر فثبوت الحرمة بسبب آخر لا يمنع بقاء تلك الحرمة لأن أسباب الحرمة تجتمع في محل واحد وإذا بقيت تلك الحرمة لا ترتفع إلا بالكفارة
( قال ) ولو ظاهر من امرأته وهي أمة ثم اشتراها لم يكن له أن يقربها حتى يكفر لأن الحرمة تثبت بالظهار فهو بمنزلة الحرمة الثابتة بالطلاق ولو طلقها اثنتين لم تحل له بسبب الشراء بعد ذلك ما لم تتزوج بزوج آخر فكذلك إذا ثبتت الحرمة بالظهار أو هذه حرمة مع بقاء الملك فكانت كالحرمة الثابتة بسبب الحيض والحائض لا تحل له بملك اليمين كما لا تحل له بملك النكاح وكذلك إن أعتقها ثم تزوجها لأن النكاح الثاني كالأول ومع بقاء النكاح الأول ما كان يحل له أن يقربها حتى يكفر فكذلك في النكاح الثاني .
( قال ) وظهار الصبي والمعتوه باطل كطلاقهما لأن موجب الظهار الحرمة المؤقتة بالكفارة وليسا من أهل وجوب الكفارة عليهما ولا من أهل مباشرة سبب الحرمة بالقول .


( قال ) وظهار السكران والمكره لازم كطلاقها لأن الإكراه والسكر لا يؤثر في اكتساب سبب الحرمة بالقول ولا في اكتساب وجوب الكفارة عندنا
( قال ) وظهار الأخرس من امرأته في كتاب أو إشارة مفهومة صحيح كطلاقه لكونه أهلا لموجب الظهار ولا يدخل على المظاهر إيلاء وإن لم يجامعها أربعة أشهر أو أكثر وقال مالك رحمه الله تعالى إذا لم يجامعها ولم يكفر حتى مضت أربعة أشهر بانت بالإيلاء لأن المولى مضار متعنت بمنع حقها في الغشيان وقد تحقق ذلك في حقها بالظهار لأن في الموضعين لا يتمكن من قربانها شرعا إلا بالكفارة ولكنا نقول حكم كل واحد منهما منصوص عليه في القرآن ولا يقاس المنصوص على المنصوص فلو أثبتنا حكم الإيلاء في الظهار كان بطريق المقايسة وكما لا يجوز أن يثبت حكم الظهار في الإيلاء بطريق المقايسة فكذلك لا يثبت حكم الإيلاء في الظهار مع أن الظهار ليس في معنى الإيلاء فإن التكفير في الظهار قبل الجماع وفي الإيلاء بعده .
( قال ) ولو قال إن قربتك فأنت علي كظهر أمي كان موليا إن تركها أربعة أشهر بانت بالإيلاء وإن قربها في الأربعة الأشهر لزمه الظهار بمنزلة قوله إن قربتك فأنت طالق وهذا لأنه منع نفسه من قربانها إلا بظهار يلزمه ومعنى الإضرار والتعنت بهذا يتحقق فكان موليا منها وإذا بانت بالإيلاء ثم تزوجها فقربها فهو مظاهر لأن اليمين باقية والمعلق بالشرط عند وجود الشرط كالمنجز .
( قال ) وإذا ظاهر من امرأته ثم قال لامرأة له أخرى أنت علي مثل هذه ينوي الظهار فهو مظاهر [ ص: 234 ] لأنه شبه الثانية بالأولى ولأن قصد التشبيه في حكم الظهار وهذا قصد صحيح لما بينا أن تشبيه الشيء بالشيء قد يكون في وجه خاص وكذلك إن قال رجل آخر لامرأته أنت علي مثل امرأة فلان عليه ينوي الظهار كان مظاهرا منها أيضا وإن لم ينو الظهار فهو باطل لأن الكلام محتمل أن يكون التشبيه في حكم الحل والملك أو البر والكرامة والمحتمل لا يكون ملزما شيئا بدون النية .
( قال ) وإن ظاهر من امرأته ثم قال لامرأة له أخرى قد أشركتك في ظهار فلانة كان مظاهرا أيضا كما في الطلاق وهذا لأن الإشراك يقتضي التسوية وقد صرح بالظهار فكان ذلك تنصيصا على التسوية بينهما في حكم الظهار وإن قال لامرأته أنت علي كظهر أمي إن شاء الله لم يلزمه شيء لأن الاستثناء إذا اتصل بالكلام يخرجه من أن يكون عزيمة كما في الطلاق والعتاق قال صلى الله عليه وسلم { من حلف بطلاق أو عتاق واستثنى فلا حنث عليه } وإن قال إن شاء فلان فالمشيئة إلى فلان في مجلس علمه كما في الطلاق ألا ترى أنه لو علق بمشيئتها ينجز إذا شاءت في مجلس علمها فكذلك إذا علق بمشيئته غيرها .
( قال ) وكفارة الظهار على العبد الصوم ما لم يعتق لأنه عاجز عن الإعتاق وعجزه أبين من عجز المعسر فإنه ليس بأهل للملك فيكفر بالصوم وليس لمولاه أن يمنعه من الصوم لما تعلق به من حق المرأة وقد بيناه في كتاب الصوم فإن عتق قبل أن يكفر وملك مالا فكفارته بالعتق لأن التكفير بالصوم كان لضرورة العجز عن التكفير بالمال فإذا زال ذلك لزمه التكفير بالمال كالمتيمم إذا وجد الماء وهذا بناء على أصلنا أن المعتبر في الكفارات حالة الأداء لا حالة الوجوب وفي أحد قولي الشافعي رضي الله عنه عنه المعتبر حالة الوجوب بناء على أصله في اعتبار معنى العقوبة فيها كما في الحدود حتى إذا وجب عليه الحد وهو عبد ثم عتق قبل الإقامة يقام عليه حد العبيد لا حد الأحرار بخلاف الكفارة وعندنا المعتبر حالة الأداء إلا أن الصوم بدل عن العتق ومع القدرة على الأصل لا يتأدى الواجب بالبدل وحد العبيد ليس ببدل عن حد الأحرار والمصير إليه ليس للعجز فبدن العبد يحتمل من الضرب فوق ما يحتمله بدن الحر وسنقرر هذا في كتاب الأيمان إن شاء الله تعالى .
( قال ) وإن أعتق عنه مولاه في رقه أو أطعم عنه بأمره لم يجزه لأن الرق مناف للملك فلا يملك المال بتمليك المولى مع قيام المنافي فيه فإن المتنافيين لا يجتمعان وبدون ملكه لا يتصور الإعتاق عنه والكفارة الواجبة عليه لا تسقط بملك الغير فلهذا لا يجوز إعتاقه عن كفارته ولا إطعامه المساكين [ ص: 235 ] سواء باشره المولى أو العبد بإذن المولى .
( قال ) حر ظاهر وهو معسر ثم أيسر فعليه العتق لأن جواز تكفيره بالصوم كان للعجز وقد زال قبل إسقاط الواجب فالتحق بما لو كان موسرا في الابتداء فإن أعسر قبل أن يكفر فعليه الصوم لأنه عاجز عن التكفير بالعتق فيكفر بالصوم لقوله تعالى { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين } الآية والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب


بسم الله الرحمن الرحيم
باب العتق في الظهار
( قال ) رضي الله عنه : ويجوز في كفارة الظهار عتق الرقبة العوراء عندنا ولا يجوز عند الشافعي رحمه الله تعالى لأنها ناقصة بنقصان لا يرجى زواله فكانت كالعمياء وهو الأصل عنده : أن كل عيب لا يرجى زواله يكون فاحشا يمنع جواز التكفير به وكل عيب يرجى زواله يكون يسيرا لا يمنع جواز التكفير به كالحمى والشجة ونحوها والأصل عندنا قوله تعالى { فتحرير رقبة } فهو دليل على أن الواجب رقبة مطلقة ، والتقييد بصفة السلامة يكون زيادة ، والزيادة على النص نسخ ، ولكن مطلق الرقبة يقتضي قيامها من كل وجه والقائم من وجه دون وجه لا يكون مطلقا والعمياء مستهلكة من وجه لفوات منفعة الحس وهو البصر فإن بقاء الآدمي بمنافعه معني ففوات منفعة الحس يكون استهلاكا من وجه ، وليس في العور فوات منفعة الحس وكذلك في قطع اليدين تفوت منفعة البطش ، وبقطع إحدى اليدين لا تفوت ، وكذلك أشل اليدين لا يجزي لفوت منفعة الحس ، ومقطوع الرجلين أو أشلهما لا يجزي لفوات منفعة المشي ، ومقطوع أحد الرجلين يجزي لأن منفعة المشي لا تفوت به وكذلك مقطوع اليد والرجل من خلاف ; لأنه يتمكن من المشي بالعصا ، ومنفعة البطش باقية أيضا فلم تكن مستهلكة ، والمجنون ، والمعتوه لا يجزي لفوات العقل به ، وهو منفعة مقصودة والذي يجن ويفيق يجزي ; لأن منفعة العقل غير فائتة ، بل هي قائمة تستتر تارة ، وتظهر أخرى ، والخرساء لا تجزي لأن منفعة الكلام مقصودة والآدمي إنما باين سائر الحيوانات بالبيان ففواتها يكون استهلاكا من وجه وتجزي الرقبة الصغيرة لأنها قائمة من كل وجه ولا يقال إنها فائتة المنافع من البطش والمشي والعقل والكلام لأنها عديمة المنافع إلى الإصابة عادة فلا يعد ذلك عيبا ولأن ما لا يخلو عنه أصل الفطرة السليمة لا يعد نقصانا فضلا عن الاستهلاك
( قال ) : وتجزي الرقبة الكافرة في كفارة الظهار واليمين والإفطار عندنا [ ص: 3 ] ولا تجزي عند الشافعي رضي الله عنه إلا الرقبة المؤمنة لقوله تعالى { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } ولا خبث أشد من الكفر ، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه { أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم برقبة سوداء ، وقال : علي عتق رقبة أفتجزيني هذه فامتحنها بالإيمان فوجدها مؤمنة فقال : صلى الله عليه وسلم أعتقها فإنها مؤمنة } فامتحانه إياها بالإيمان دليل على أن الواجب لا يتأدى إلا بالمؤمنة ، ولأن هذا تحرير في تكفير فلا يجزي فيه غير المؤمنة ككفارة القتل وهذا لأن الرقبة مطلقة هنا مقيدة بالإيمان في القتل والمطلق محمول على المقيد ; لأن القيد مسكوت عنه في المطلق ، وقياس المسكوت عنه على المنصوص صحيح ، ولأن التعليق بالشرط يقتضي نفي الحكم عند عدمه في عين ما تعلق بالشرط وكذلك في نظائره استدلالا به ، والكفارات جنس واحد فالتقييد بشرط الإيمان في بعضها يوجب نفي الجواز عند عدم الإيمان في جميعها كالتقييد بشرط العدالة في بعض الشهادات أوجب نفي الجواز عند عدمها في الكل وكذلك التقييد بالتبليغ إلى الكعبة في هدي جزاء الصيد أوجب ذلك في جميع الهدايا .

وحجتنا في ذلك ظاهر الآية فالمنصوص اسم الرقبة ، وليس فيه ما ينبئ عن صفة الإيمان والكفر ، فالتقييد بصفة الإيمان يكون زيادة ، والزيادة على النص نسخ فلا يثبت بخبر الواحد ولا بالقياس ثم قياس المنصوص على المنصوص عندنا باطل ; لأنه اعتقاد النقص فيما تولى الله بيانه وذلك لا يجوز ، وكذلك شروط الكفارات لا تثبت بالقياس كأصلها ، ولا يجوز دعوى التخصيص هنا لأن التخصيص فيما له عموم والمطلق غير العام وامتناع جواز العمياء ونظائرها ليس بطريق التخصيص بل لكونها مستهلكة من وجه كما بينا أن التخصيص فيما له لفظ ، والصفة في الرقبة غير مذكورة ولا يقال : بين صفة الكفر والإيمان تضاد فإذا جوزنا المؤمنة انتفى جواز الكافرة ; لأن جواز المؤمنة عندنا لأنها رقبة لا بصفة الإيمان ألا ترى أنا نجوز الصغيرة والكبيرة وبين الصفتين تضاد ، وكذلك نجوز الذكر والأنثى وبين الصفتين تضاد .

ولكن الجواز باسم الرقبة فكان الوصف فيه غير معتبر فأما حمل المطلق على المقيد فالعراقيون من مشايخنا رحمهم الله يجوزون ذلك في حادثة واحدة كما في قوله صلى الله عليه وسلم { في خمس من الإبل شاة } مع قوله { في خمس من الإبل السائمة شاة } ، ولكن الأصح أنه لا يجوز حمل المطلق على المقيد عندنا في حادثة ، ولا في حادثتين حتى جوز أبو حنيفة رحمه الله تعالى التيمم بجميع أجزاء الأرض لقوله : صلى الله عليه وسلم [ ص: 4 ] { جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا } ولم يحمل هذا المطلق على المقيد وهو قوله صلى الله عليه وسلم { التراب طهور المسلم } وهذا لأن للمطلق حكما وهو الإطلاق وفي حمله على المقيد إبطال حكمه ، وإليه أشار ابن عباس رضي الله تعالى عنه في قوله : أبهموا ما أبهم الله ، وامتناع وجوب الزكاة في غير السائمة ليس لحمل المطلق على المقيد بل للنص الوارد بأن لا زكاة في العوامل ، واشتراط العدالة في الشهادات ليس لحمل المطلق على المقيد بل للنص الوارد بالتثبت في خبر الفاسق وكذلك وجوب التبليغ إلى الكعبة في جميع الهدايا للنص ، وهو قوله تعالى { ثم محلها إلى البيت العتيق } ، ولو جاز ذلك إنما يجوز بعد ثبوت المساواة بين الحادثتين ، ولا مساواة بين كفارة القتل وبين سائر الكفارات فإن القتل من أعظم الكبائر وفيه تفويت رقبة مؤمنة مخاطبة بالإيمان بخلاف أسباب سائر الكفارات ففيها من التغليظ ما ليس في غيرها ولهذا لا يكون الإطعام بدلا من الصيام في كفارة القتل بخلاف كفارة الظهار ، واشتراط صفة التتابع عندنا في الصوم في كفارة اليمين ليس بطريق حمل المطلق على المقيد بل بقراءة ابن مسعود رضي الله عنه ، وهي مشهورة وهي لازمة عليهم فإنهم لا يشترطون صفة التتابع فيها لحمل المطلق على المقيد ،

ولا معنى لقول من يقول لذلك المطلق أصلان أحدهما مقيد بالتفرق وهو صوم المتعة ; لأن ذلك غير مقيد بالتفرق ولكن لا يجوز قبل يوم النحر لأنه مضاف إلى وقت الرجوع بحرف إذا ، وهو قوله تعالى { : وسبعة إذا رجعتم } فأما الحديث فقد ذكر في بعض الروايات أن الرجل قال علي عتق رقبة مؤمنة أو عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق الوحي أن عليه رقبة مؤمنة فلهذا امتحنها بالإيمان مع أن في صحة ذلك الحديث كلاما فقد روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أين الله فأشارت إلى السماء } ولا نظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يطلب من أحد أن يثبت لله تعالى جهة ولا مكانا ، ولا حجة لهم في الآية لأن الكفر خبث من حيث الاعتقاد ، والمصروف إلى الكفارة ليس هو الاعتقاد إنما المصروف إلى الكفارة المالية ومن حيث المالية هو عيب يسير على شرف الزوال .

( قال ) : ويجزئ الأصم في جميع الكفارات استحسانا وفي القياس لا يجزئ وهو رواية في النوادر لأن منفعة السمع مقصودة ، وبالصمم يفوت ذلك ; وجه الاستحسان : أن بالصمم لا تفوت منفعة السمع أصلا حتى أنه يسمع إذا صاح إنسان في أذنه وقيل : الرواية التي قال لا يجوز محمول على صمم أصلي [ ص: 5 ] ولا بد وأن يكون معه الخرس فإنه لم يسمع الكلام ليتكلم وهذا لا يجزي ، ومراده من الرواية التي قال لا يجزي إذا كان الصمم عارضا فلا يكون معه الخرس ويسمع عند المبالغة في رفع الصوت
( قال ) : ويجزي الخصي ومقطوع الأذنين ومقطوع المذاكير عندنا ، ولا يجزئ عند زفر رحمه الله تعالى لأنها مستهلكة من وجه بفوات منفعة مقصودة من الآدمي ، ولكنا نقول بعد قطع الأذنين الشاخصتين : السمع باق وإنما يفوت ما هو زينة وجمال فلا تصير الرقبة به مستهلكة كفوات شعر الحاجبين واللحية ، وفي الخصي ومقطوع المذاكير إنما تفوت منفعة النسل وهو زائد على ما هو المطلوب من المماليك فأما إذا كان مقطوع اليد والرجل من جانب واحد لا يجزئ لأن منفعة المشي فائتة فإنه لا يتمكن من المشي بعصا ، وكذلك إن كان من كل يد ثلاثة أصابع مقطوعة لم يجز لفوات منفعة البطش ، وقطع أكثر الأصابع في هذا كقطع جميعها ، وإن كان المقطوع من كل يد أصبعا أو أصبعين سوى الإبهام يجزي ; لأن منفعة البطش باقية ، وإن كان مقطوع الإبهام من كل يد فمنفعة البطش فائتة ، فلهذا لا يجزي ، وكذلك لا يجوز المفلوج اليابس الشق لفوات جنس المنفعة منه ولا يجوز عتق أم الولد في الكفارة ; لأن المنصوص عليه الرقبة ، وذلك اسم للذات حقيقة وللذات المرقوق عرفا ، وقد دل على الرق قوله تعالى { فتحرير رقبة } فيقتضي قيام الرق مطلقا ، وبالاستيلاد يتمكن النقصان في الرق حتى لا يعود إلى الحالة الأولى بحال ; ولأن قوله تعالى { فتحرير رقبة } يقتضي إنشاء العتق من كل وجه ، وإعتاق أم الولد تعجيل لما صار مستحقا لها مؤجلا فلا يكون إنشاء من كل وجه ، وولد أم الولد بمنزلة أمه ، والمدبر كذلك ; لأن بالتدبير صار مستحقا له ولهذا لا يحتمل التدبير الفسخ ويثبت به استحقاق الولاء .

( قال ) : ولا يجزي إعتاق المكاتب إذا كان أدى شيئا من بدل الكتابة ; لأنه عتق بعوض والكفارة به لا تتأدى قال صلى الله عليه وسلم { : بشر أمتي بالسناء والتمكين ما لم يبتغوا بعمل الآخرة الدنيا } ، ودليل أن المقبوض عوض أنه لو وجده زيوفا رده واستبدل بالجياد ; ولأن الصحابة رضوان الله عليهم اختلفوا في رقه بعد أدائه بعض البدل فكان علي رضي الله عنه يقول يعتق بقدر ما أدى وابن مسعود رضي الله عنه يقول إذا أدى قيمة نفسه يعتق ، واختلاف الصحابة رضي الله عنهم في رقه شبهة مانعة من جواز التكفير به ، وقد روى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه يجوز لأن رقه لم ينتقص بما أدى من البدل ، ولهذا احتمل عقد الكتابة الفسخ بعد استيفاء بعض البدل كما احتمل قبله فأما إذا أعتقه قبل أن [ ص: 6 ] يؤدي شيئا جاز عن الكفارة عندنا استحسانا ، وفي القياس لا يجوز ، وهو قول زفر والشافعي رحمهما الله ; لأن استحقاق العتق والولاء يثبت بعقد الكتابة فوق ما يثبت بالتدبير والاستيلاد ولهذا يصير أحق بمكاسبه ، ويعتبر الثلث والثلثان من مال الكتابة دون مالية الرقبة ، ويمتنع على المولى التصرفات فيه فإما أن يقول : يتمكن بهذا السبب نقصان في رقه ، أو يكون كالزائل عن ملك المولى من وجه حتى لو أتلفه يضمن قيمته .

ولو وطئ مكاتبته يغرم العقر ، وثبوت حكم الزوال عن ملكه من وجه يكفي للمنع من التكفير ولأنه في حق المولى كفائت المنفعة ; لأنه صار أحق بمنافعه ومكاسبه ، أو لأن العتق لما صار مستحقا بالكتابة فإذا أوقعه وقع من الوجه المستحق ، ولهذا يسلم له الأولاد والأكساب والعتق عند الكتابة لا تتأدى به الكفارة مع أن هذا من المولى إعتاق صورة فأما في المعنى هو إبراء عن بدل الكتابة ، ولهذا يسقط مال الكتابة ، ويسلم له الأولاد والأكساب ، وهو كما لو أعتقه الوارث بعد موته لا يجزي عن كفارته بالاتفاق .

( وحجتنا ) في ذلك ظاهر الآية ففيها أمر بتحرير الرقبة ، والتحرير تصيير شخص مرقوق حرا وقد حصل . والرقبة اسم لذات مرقوق عرفا والمكاتب كذلك قال صلى الله عليه وسلم { : المكاتب عبد ما بقي عليه درهم } ولا يتمكن النقصان في رقه ، ولا يصير العتق مستحقا له بسبب الكتابة ; لأن حكم العتق في الكتابة متعلق بشرط الأداء ، ولو علق عتقه بشرط آخر لم يثبت به الاستحقاق فكذلك بهذا الشرط بل أولى ; لأن التعليق بسائر الشروط يمنع الفسخ ، وبهذا الشرط لا يمنع ، ولو تمكن نقصان في رقه لما تصور فسخه وإعادته إلى الحالة الأولى ; لأن نقصان الرق بثبوت الحرية من وجه وكما أن ثبوت الحرية من جميع الوجوه لا يحتمل الفسخ ، فكذلك ثبوته من وجه ولأن الثابت بالكتابة انفكاك الحجر عنه في حق المكاتب ، وبذلك لا يتمكن النقصان في رقه كالإذن في التجارة ، إلا أن ذلك فك بغير عوض ، فلا يكون لازما في حق المولى ، وهذا فك بعوض فيكون لازما ولكن ، مع هذا ، المنافع والمكاسب غير الرقبة فبالتصرف فيها لازما كان أو غير لازم لا يتمكن النقصان في الرق ، والملك كالإعارة مع الإجارة وبسبب اللزوم يمتنع على المولى التصرف فيه .

ويلزمه ضمان العقر والأرش ; لأن ذلك في حكم المكاسب والمنافع ; والمكاسب صارت مستحقة له ولكن بهذا الاستحقاق لا تصير الرقبة في حكم المستهلك وإذا ثبت أن العتق لا يصير مستحقا بهذا السبب ظهر أن إعتاق المولى إياه يكون تحريرا مبتدأ من كل وجه فيصير به ممتثلا للأمر ، والدليل عليه أنه يسقط به بدل الكتابة ولو كان هذا إعتاقا بجهة الكتابة [ ص: 7 ] لتقرر به البدل فإن تسليم المعوض يوجب تقرير البدل ، ولا يجوز أن يكون إعتاقه إبراء لأنه يحتمل بالشرط وإذا أعتق نصفه يعتق ذلك القدر ، والإبراء عن نصف البدل لا يوجب عتق شيء منه فأما سلامة الأكساب والأولاد فلأنه عتق وهو مكاتب لا لأنه عتق بجهة الكتابة ، كما لو كاتب أم ولده ثم مات المولى عتقت بجهة الاستيلاء ، وسلم لها الأولاد والأكساب وهذا لأن العتق في حق المكاتب واحد ، والإعتاق من المولى تختلف جهاته ففيما يرجع إلى حق المكاتب جعل هذا ذلك العتق لكونه متحدا وفي حق المولى يجعل إعتاقا بجهة الكفارة لأنه قصد ذلك ، وهو كالمرأة إذا وهبت الصداق من الزوج ثم طلقها قبل الدخول لا يرجع عليها بشيء ، وتجعل هبتها في حق الزوج تحصيلا لمقصود الزوج عند الطلاق ، وفي حقها تجعل تمليكا بهبة مبتدأة .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.55 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 34.93 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.77%)]