
12-12-2025, 12:08 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,485
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي
الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس
صـــ 182 الى صـــ 191
(130)
( قال ) : وإذا اتفقا على أنها سألت أن يطلقها ثلاثا بألف درهم ، فقالت : طلقني واحدة ، وقال الزوج : طلقتك ثلاثا ، فالقول قول الزوج إن كان في ذلك المجلس ; لأنه أخبر بما يملك إنشاءه ، وقد بينا أنه لو طلقها ثلاثا متفرقات في المجلس يلزمها الألف فلا تتمكن التهمة في خبره .
( قال ) : ألا ترى أنه لو قال لها : أنت طالق أنت طالق أنت طالق حصلت له جميع الألف ، فإن كانا قد افترقا من ذلك المجلس ، لزمها الطلاق إن كانت في العدة ; لإقرار الزوج بوقوع الطلاق عليها ، وهو مالك للإيقاع ، ولا يكون عليها إلا ثلث الألف ; لأنه في حق المال متهم في خبره ، فإنه يخبر بما يملك إنشاءه ، فكان القول قولها مع يمينها ، وعليه إثبات الزيادة بالبينة .
( قال ) : وإذا قالت المرأة : سألتك أن تطلقني ثلاثا على ألف درهم فطلقني واحدة ، ولا شيء لك ، وقال هو : بل سألتني واحدة على ألف ، وقد طلقتكها ، فالقول في ذلك قول المرأة عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، ولا شيء عليها ; لأنها تنكر وجوب المال بناء على ما تقدم إذا قالت : طلقني ثلاثا على ألف درهم ، فطلقها واحدة لا يجب عليها شيء عند أبي حنيفة رحمه الله ، وإن قالت : سألتك أن تطلقني ثلاثا بألف درهم ، فلم تطلقني في ذلك المجلس ، وقال الزوج : قد طلقتك ثلاثا في ذلك المجلس ، فالثلاث واقعات عليها ; لإقرار الزوج بها ، والقول في المال قولها مع يمينها : إما لإنكارها وجوب المال ، أو لإنكارها الزيادة على الثلاث ، إن أقرت أنه طلقها واحدة في ذلك المجلس ، وإن قالت : سألتك أن تطلقني أنا وصاحبتي فلانة على ألف درهم فطلقتني وحدي ، وقال الزوج طلقتها معك ، وقد افترقا من ذلك المجلس ، فالقول قول المرأة ، وعليها حصتها من الألف ; لأن الاختلاف بينهما في مقدار ما عليها من المال ، والزوج مخبر بما لا يملك إنشاءه في حق المال ، ولكن الطلاق واقع على الأخرى بإقرار الزوج ; لأنه ينفرد بالإيقاع عليها ، وكذلك إن قالت لم تطلقني ، ولا صاحبتي في ذلك المجلس ، فالقول قولها مع يمينها ; لإنكارها أصل المال ، وعلى الزوج أن يثبت المال بالبينة ، ولكن الطلاق واقع عليها بإقرار الزوج .
( قال ) : وإذا خلع الرجل امرأتيه على ألف درهم فإن [ ص: 183 ] الألف تنقسم على مهريهما الذي تزوجهما عليهما ; لأنه سمى الألف بمقابلة شيئين ، ومقتضى هذه التسمية الانقسام باعتبار القيمة ، كما لو اشترى عبدين بألف درهم إلا أن البضع عند خروجه من ملك الزوج غير متقوم فوجب المصير إلى أقرب الأشياء إليه ، وذلك المهر الذي تزوجها عليه .
ألا ترى أن في الكتابة الفاسدة على العبد قيمة نفسه بعدما يعتق ; لأن ما هو المعقود عليه هو ملك اليد ، والمكاسب ليست بمقومة ، فيصار إلى قيمة أقرب الأشياء إليه ، وهو الرقبة ، ثم الأصل في الخلع أن النشوز إذا كان من الزوج ، فلا يحل له أن يأخذ منها شيئا بإزاء الطلاق لقوله تعالى { وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج } إلى أن قال : { فلا تأخذوا منه شيئا } ، وإن كان النشوز من قبلها ، فله أن يأخذ منها بالخلع مقدار ما ساق إليها من الصداق لقوله تعالى { ، فلا جناح عليهما فيما افتدت به } ، ولو أراد أن يأخذ منها زيادة على ما ساق إليها ، فذلك مكروه في رواية الطلاق ، وفي الجامع الصغير يقول : لا بأس بذلك .
وجه هذه الرواية ما روي { أن جميلة بنت سلول رحمها الله تعالى كانت تحت ثابت بن قيس رحمه الله تعالى فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت لا أعيب على ثابت بن قيس في دين ولا خلق ، ولكني أخشى الكفر في الإسلام لشدة بغضي إياه ، فقال صلى الله عليه وسلم أتردين عليه حديقته ، فقالت : نعم وزيادة ، فقال : صلى الله عليه وسلم أما الزيادة ، فلا ، وروي أنه قال لثابت : اخلعها بالحديقة ، ولا تزدد } ; ولأنه لا يملكها شيئا ، إنما يرفع العقد فيحل له أن يأخذ منها قدر ما ساق إليها بالعقد ، ولا يحل له الزيادة على ذلك ، ووجه رواية الجامع الصغير ما روي أن امرأة ناشزة أتي بها عمر رضي الله عنه فحبسها في مزبلة ثلاثة أيام ، ثم دعاها ، وقال : كيف وجدت مبيتك ، فقالت : ما مضت علي ليال هن أقر لعيني من هذه الليالي ; لأني لم أره ، فقال عمر رضي الله عنه : وهل يكون النشوز إلا هكذا اخلعها ، ولو بقرطها ، وعن ابن عمر رضي الله عنه أن مولاة اختلعت بكل شيء لها فلم يعب ذلك عليها ، وعن ابن عباس رضي الله عنه لو اختلعت بكل شيء لأجزت ذلك ، وهذا ; لأن جواز أخذ المال هنا بطريق الزجر لها عن النشوز ; ولهذا لا يحل إذا كان النشور من الزوج ، وهذا لا يختص بما ساق إليها من المهر دون غيره .
فأما في الحكم الخلع صحيح ، والمال واجب في جميع الفصول عندنا ، وعند نفاة القياس لا يجب المال إذا كان النشوز من الزوج ، ولا تجب الزيادة إذا كان النشوز منها لقوله تعالى { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا } إلى أن قال : { تلك حدود الله فلا تعتدوها } ، وقال ابن جريج يعني في الزيادة ، والاعتداء يكون ظلما ، والمال لا يجب بالظلم ، ولكنا [ ص: 184 ] نستدل بما روينا من الآثار ، وتأويل الآية في الحل ، والحرمة ، لا في منع وجوب أصل المال . .
( قال ) : وإذا قالت المرأة لزوجها : إن طلقتني ثلاثا فلك علي ألف درهم ، فقال : نعم سأطلقك ، فلا شيء له حتى يفعل ; لأنها التزمت المال بمقابلة الإيقاع دون الوعد ، فإن فعل ذلك في المجلس فله الألف ، وإن لم يفعل في المجلس ، فلا شيء له والطلاق واقع ; لأن الذي من جهتها التزام المال بمنزلة إيجاب البيع لا يتوقف على ما وراء المجلس ، ولكن يبطل بالقيام عن المجلس قبل الإيقاع فإذا أوقع الطلاق بعد ذلك مطلقا وقع الطلاق ; لأن الزوج ينفرد به ، وكلامها ، وإن كان شرطا في الصورة ففي المعنى التزام العوض ; لأن التزام المال لا يحتمل التعليق بالشرط ، فهو نظير قوله : إن عملت لي هذا العمل فلك علي ألف درهم يكون التزاما للعوض بطريق الإجارة .
( قال ) : ولو قال لها : أنت طالق ثلاثا إذا أعطيتني ألفا ، أو متى أعطيتني ألفا ، فهي امرأته على حالها حتى تعطيه ذلك ; لأنه علق الطلاق بشرط إعطاء المال ، فلا يقع بدونه ، ومتى أعطته في المجلس ، أو بعده ، فالطلاق واقع عليها ; لأن " إذا " و " متى " للوقت فمعنى قوله : إذا أعطيتني في الوقت الذي تعطينني ، وليس للزوج أن يمتنع منه إذا أتته به لا أنه يجبر على القبول ، ولكن إذا وضعته بين يديه طلقت ، وهو استحسان ، وفي القياس لا تطلق حتى يقبله الزوج ، وهو قول زفر رحمه الله تعالى ، وأصله في العتاق ، إذا قال لعبده : إذا أديت إلي ألفا فأنت حر .
وجه القياس أن الحالف لا يجبر على إيجاد الشرط ، ووجه الاستحسان أن كلامه تعليق بالشرط صورة ، وإيجاب للطلاق بعوض معنى حتى إذا قبل المال كان الواقع بائنا ، ولو وجده زيوفا كان له أن يرد ، ويستبدل ، وهذا حكم المعاوضة ، والملتزم للعوض ، إذا خلى بين صاحبه ، وبين المال يصير قابضا ، فباعتبار الشرط قلنا : لا حاجة إلى قبولها في المجلس ، وباعتبار المعاوضة قلنا : إذا وضعت المال بين يديه طلقت ، وليس لها أن ترجع بشيء منه ; لأنها أدت المال عوضا عن الطلاق ، وقد سلم لها .
( قال ) : ولو كان قال لها : إن جئتني بألف درهم فأنت طالق ، فإن جاءت به في ذلك المجلس وقع الطلاق ، وإن تفرقا قبل أن تأتيه به بطل هذا القول ; لأن كلام الزوج تعليق بالشرط ، فيتم به من غير حاجة إلى قبولها ، ولكنها تتمكن من أداء المال في المجلس ، فقيامها قبل الأداء يكون مبطلا بمنزلة قوله : إن شئت فأنت طالق ، وهما سواء في المعنى إلا أن ذلك تمليك الأمر منها بغير عوض ، وهذا تمليك الأمر منها بعوض ، فكما يبطل هناك بقيامها عن المجلس قبل المشيئة يبطل هنا بقيامها قبل الأداء .
( قال ) : وإن قال لها : أنت طالق على أن تعطيني ألف درهم ، أو على ألف درهم ، فهو سواء ، فإن قبلت في ذلك [ ص: 185 ] المجلس ، وقع عليها الطلاق ، والمال دين عليها تؤخذ به ; لأن كلام الزوج إيجاب للطلاق بجعل ، وليس بتعليق بشرط الإعطاء بمنزلة من يقول لغيره : بعت منك هذا العبد على ألف درهم ، أو على أن تعطيني ألف درهم يكون إيجابا ، لا تعليقا ، فإذا وجد القبول في المجلس وقع الطلاق ووجب المال عليها بخلاف قوله : إن جئتني ، أو إذا أعطيتني ، فإن هناك قد صرح بالتعليق بالشرط فما لم يوجد الشرط لا يقع الطلاق ، والدليل على الفرق أن هناك لو كان لها على الزوج ألف ، فاتفقا على جعل الألف قصاصا بما عليه لا يقع الطلاق ، وهنا يصير قصاصا بالدين الذي لها عليه ، وقد يجوز أن يثبت الحكم بالقبول مع التصريح بالإعطاء قال الله تعالى : { حتى يعطوا الجزية عن يد } ، وبالقبول يثبت حكم الذمة ، فإذا ثبت أن الحكم هنا يتعلق بقبول المال يشترط القبول منها في المجلس ، فإذا لم تقبل حتى قامت ، فهو باطل ، وفيما تقدم لما كان الإعطاء شرطا فبجعله قصاصا بما عليه لا يصير الشرط موجودا قبل الإعطاء ، والمقاصة بين دينين واجبين ففي قوله : إذا أعطيتني المال ، المال غير واجب عليها ، فلا يصير قصاصا .
وفي قوله : أنت طالق على أن تعطيني المال يجب عليها بالقبول فيصير قصاصا ، فإذا لم يصر قصاصا في قوله : إذا أعطيتني ، فرضي الزوج أن يوقع عليها طلاقا مستقبلا بالألف التي لها عليه ، فذلك جائز إذا قبلت ، وكان هذا منه لها إيجابا مبتدأ .
( قال ) : وإن كان للرجل امرأتان فسألتاه أن يطلقهما على ألف ، أو بألف ، فطلق إحداهما لزم المطلقة حصتها من الألف ، أما في حرف الباء ، فلأنهما جعلتا الألف بدلا عن طلاقها ، فإذا طلق إحداهما ، فعليها حصتها ، وكذلك في حرف " على " ; لأنه لا منفعة لها في طلاق الضرة حتى يجعل شرطا ; ولأن أكثر ما في الباب أن كل واحدة منهما التزمت حصتها من الألف بشرط أن يطلق صاحبتها ، وإذا أبى كان هذا شرطا فاسدا إلا أن الخلع لا يبطل بالشرط الفاسد كالنكاح ، فإن طلق الأخرى في ذلك المجلس أيضا لزمتها حصتها من المال ، فإن المجلس الواحد يجمع الكلمات المتفرقة ، فكان هذا ، وما لو طلقها بكلام واحد سواء ، وإن افترقوا قبل أن يطلق واحدة منهما بطل إيجابهما بالافتراق ، فإذا طلقهما بعد ذلك كان الطلاق واقعا بغير بدل . .
( قال ) : وإذا ادعت المرأة الخلع ، وأنكره الزوج ، فأقامت شاهدين : شهد أحدهما بالخلع بألف ، والآخر بألف وخمسمائة ، فالشهادة باطلة ; لأنها تدعي أحد الأمرين لا محالة ، فتكون مكذبة للشاهد الآخر ; ولأن الخلع في جانبها قياس البيع ، وشهود البيع إذا اختلفوا في جنس الثمن ، أو في مقداره بطلت الشهادة ، فكذلك هنا إذا اختلفا في جنس [ ص: 186 ] الجعل كالعرض ، والعبد ، أو كالعرض والدراهم ، فالشهادة باطلة ; لأن كل واحد منهما شهد بالطلاق لعوض آخر ، ولا يمكن إيجاب واحد من العوضين عليها ، فلو حكم بالطلاق لحكم بالطلاق بغير عوض ، وقد اتفقا أن الزوج ما أوقع الطلاق بغير عوض .
( قال ) : ولو كان الزوج هو المدعي للخلع ، والمرأة منكرة فشهد أحد الشاهدين بألف ، والآخر بألف وخمسمائة ، فإن كان الزوج يدعي ألفا وخمسمائة جازت شهادتهما على الألف ; لأن الطلاق قد وقع بإقرار الزوج بقي منه دعوى المال ، ومن ادعى على غيره ألفا وخمسمائة ، فشهد له شاهدان : شهد أحدهما بألف ، والآخر بألف وخمسمائة تقبل شهادتهما على الألف ; لاتفاق الشاهدين عليها لفظا ومعنى ، فإن ادعى الزوج الألف لم تجز شهادتهما ; لأن الزوج قد كذب أحد شاهديه ، وهو الذي شهد بألف وخمسمائة ، والمدعي إذا أكذب شاهده بطلت شهادته له ، والطلاق واقع بإقراره ، وكذلك إذا اختلفا في جنس الجعل ; لأن الزوج مكذب لأحدهما لا محالة ، فلا بد أن يدعي أحد الجنسين .
فإن شهد أحدهما بألف ، والآخر بخمسمائة ، فعند أبي حنيفة لا تقبل شهادتهما ; لاختلافهما لفظا وعندهما تقبل على الخمسمائة ، إذا ادعى الزوج الألف ; لاتفاقهما على مقدار الخمسمائة معنى ، وقد بينا هذا فيما سبق ، ثم الأصل بعد هذا في باب الخلع أن البدل في الخلع بمنزلة الصداق في النكاح ، فإنه مال يلتزمه لا بمقابلة مال ، وقد بينا حكم الصداق في النكاح ، فالخلع قياسه إلا في فصول يذكر الفرق بينهما فيها حتى إذا اختلعت على دار ، فلا شفعة للشفيع فيها ، وإن اشترط أن يرد عليها ألفا مع ذلك ، ففي وجوب الشفعة في حصة الألف خلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه كما في الصداق ، وليس في جعل الخلع خيار الرؤية ، ولا رد بعيب يسير كما في الصداق .
( قال ) : وإذا اختلعت بما في بيتها من شيء ، فهو جائز ، وكلما يكون في بيتها في تلك الساعة ، فهو له ; لأن بالإشارة إلى المحل تنقطع المنازعة بينهما بسبب الجهالة ، وإن لم يكن فيه شيء ، فلا شيء له عليها ; لأنها لم تغر الزوج بتسمية الشيء ، فإنه ينطلق على ما لا قيمة له ; فلهذا لا يلزمها شيء .
وفي هذا الفصل في النكاح يجب مهر المثل ، ولكن باعتبار أن تسمية الشيء لغو من الزوج ، فكأنه تزوجها على غير مهر ، فلها مهر مثلها ، وهنا يصير كأنه خلعها بغير شيء ، فلا شيء عليها ، وهذا ; لأن البضع عند دخوله في ملك الزوج متقوم بمهر المثل ، ولا قيمة للبضع عند خروجه عن ملكه .
( قال ) : وإذا اختلعت على ما في بيتها من متاع ، فله ما فيه ، فإن لم يكن فيه شيء رجع عليها بالمهر الذي أخذت منه ; لأنها غرته بتسمية المتاع ، فإنه اسم لما يكون متقوما منتفعا ، فإذا لم يوجد في البيت شيء كان مغرورا من جهتها ، وللمغرور دفع الضرر عن [ ص: 187 ] نفسه بالرجوع على الغار ، ولا يمكن إثبات الرجوع بقيمة المتاع ; لكونه مجهول الجنس ، والقدر ، ولا بقيمة البضع ; لأنه عند الخروج من ملك الزوج غير متقوم ، فإنه لا يملكها شيئا ، إنما يسقط حقه عنها ، فكان ، أولى الأشياء ما ساق إليها من الصداق ، فإن الغرر يندفع عنه بالرجوع بذلك .
( قال ) : وإن قالت اخلعني على ما في يدي من دراهم ، فإن كانت في يدها ثلاثة دراهم ، أو أكثر فله ذلك ، وإن لم يكن في يدها شيء ، فله ثلاثة دراهم ; لأنها سمت جميع الدراهم ، وأدنى الجمع المتفق عليه ثلاثة ، وليس لأقصاه نهاية ، فأوجبنا الأدنى وفي الصداق في هذا الفصل لها مهر مثلها ; لأن هناك الزوج يملك عليها ما هو متقوم ، فلها أن لا ترضى بالأدنى ، وفي معاوضة المتقوم بالمتقوم يجب النظر من الجانبين ، وفي تعيين الأدنى ترك النظر لها ; فلهذا ، أوجبنا مهر المثل ، وهنا الزوج لا يملكها شيئا متقوما فيتعين أدنى الجمع ; لكونه متيقنا ; ولأنها لما كانت تلتزم لا بعوض متقوم ، كان هذا في حقها قياس الإقرار ، والوصية ، ومن أقر لغيره بدراهم ، أو أوصى له بدراهم يلزمه ثلاثة ، وإن كان في يدها درهمان تؤمر بإتمام ثلاثة دراهم له ; لأنها فيما التزمت ذكرت لفظ الجمع ، وفي المثنى معنى الجمع ، وليس بجمع مطلق ، فإن التثنية غير الجمع .
( فإن قيل ) : قد ذكرت في كلامها حرف " من " ، وهو للتبعيض ، والدرهمان بعض الجمع فينبغي أن لا يلزمها إلا ما في يدها كما قال في الجامع : إذا قال : إن كان ما في يدي من الدراهم إلا ثلاثة ، فعبده حر ، وفي يده أربعة دراهم كان حانثا . ( قلنا ) : نعم حرف " من " قد يكون للتبعيض ، وقد يكون صلة كما في قوله تعالى { فاجتنبوا الرجس من الأوثان } ، وقال الله تعالى : { ما اتخذ الله من ولد } ، ففي كل موضع يصح الكلام بدون حرف " من " كان حرف من فيه صلة لتصحيح الكلام ، كما في مسألة الخلع ، فإنها لو قالت : اخلعني على ما في يدي دراهم كان الكلام مختلا ، وحرف من صلة ; لتصحيح الكلام ، ويبقى منها لفظ الجمع ، فلهذا يلزمها ثلاثة دراهم ، والدنانير ، والفلوس في هذا قياس الدراهم .
( قال ) : وإن اختلعت منه بما في نخلها من ثمرة ، وليس فيها شيء ، فله المهر الذي أعطاها ; لأنها غرته بتسمية الثمرة ، وهو اسم لمال متقوم ، وإن اختلعت منه بما يثمر نخلها العام ، فهو جائز ، فإن أثمرت ، فله ذلك ، وإن لم تثمر شيئا ، فلا شيء له في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى ، ثم رجع ، فقال يرجع عليها بما أعطاها من المهر أثمرت ، أو لم تثمر ، ولا شيء له من الثمرة ، وهو قول محمد رحمه الله تعالى وجه قوله الأول أنها لم تغره بشيء ، ولكنها ، أوجبت له ما يثمر نخلها العام ، فكان هذا بمنزلة الإيجاب بطريق الوصية ، ومن ، أوصى بما تثمر نخيله العام ، فإن أثمرت ، فهي للموصى له [ ص: 188 ] وإن لم تثمر ، فلا شيء له ، فهذا مثله .
وجه قوله الآخر أنها تلتزم بدل الخلع عوضا ، وإن لم يكن بمقابلته ما هو متقوم ، والثمار المعدومة لا تصلح عوضا في شيء من العقود ، فيبقى مجرد تسمية ما هو متقوم به ، وذلك بمنزلة الغرور منها ، وذلك يثبت حق الرجوع بما أعطاها ، وهذا ; لأن الغرور ثابت هنا معنى لما تعذر تسليم المسمى له شرعا ، فهو بمنزلة ما لو وجد الغرور منها صورة ; بأن سمت المتاع الذي في يدها ، وليس في يدها متاع فيرجع عليها بما أعطاها .
( قال ) : وإن اختلعت منه بما في بطن جاريتها أو على ما في بطون غنمها ، فهو جائز ، وله ما في بطونها بخلاف الصداق ، فإن في مسألته يجب مهر المثل لها ; لأن ما في البطن ليس بمال متقوم في الحال ، ولكن باعتبار المآل هو مال بعد الانفصال إلا أن أحد العوضين في باب النكاح لا يحتمل التعليق بالشرط ، فكذلك العوض الآخر ، ولا يمكن تصحيح التسمية في الحال ; لأن المسمى ليس بمال ، ولا باعتبار المآل ; لأنه في معنى الإضافة ، أو التعليق بالانفصال ، فكان لها مهر مثلها ، وأما في الخلع أحد العوضين ، وهو الطلاق يحتمل الإضافة والتعليق بالشرط ، فكذلك العوض الآخر ، وأمكن تصحيح تسمية ما في البطن باعتبار المآل ، وهو ما بعد الانفصال ، وإذا صحت التسمية ، فله المسمى ، وإن لم يكن في بطونها شيء ، فلا شيء له ; لأنها ما غرته ، فما في البطن قد يكون مالا متقوما ، وقد يكون غير ذلك من ريح ، أو ولد ميت ، والرجوع عليها بما أعطى بحكم الغرور ، وما وجد في بطونها بعد الخلع ، فهو للمرأة ; لأنها سمت الموجود في البطن عند الخلع ، فلا يتناول ما يحدث بعد ذلك ، بل الحادث نماء ملكها فيكون لها . .
( قال ) : وإن اختلعت منه بحكمه ، أو بحكمها ، أو بحكم أجنبي ، فهو جائز كما في الصداق إلا أن هناك المعيار مهر المثل ، وهنا المعيار ما أعطاها ، فإن اختلعت بحكمه ، فحكم الزوج عليها بمقدار ما أعطاها ، أو بأقل ، فذلك صحيح ; لأنه مسقط بعض حقه ، وإن حكم بأكثر من ذلك لم يلزمها الزيادة إلا أن ترضى به ، وإن كان بحكمها ، فإن حكمت بما أعطاها الزوج ، أو أكثر جاز ; لأن تصرفها على نفسها بالتزام الزيادة صحيح ، وإن حكمت بأقل من ذلك لم يثبت النقصان إلا أن يرضى الزوج بذلك ; لأن حكمها بذلك على الزوج ، وإن كان بحكم أجنبي ، فله ما أعطاها ; لأن الأجنبي إن حكم بأقل من ذلك ، فهو متصرف على الزوج بإسقاط بعض حقه ، وإن حكم بأكثر من ذلك ، فهو متصرف عليها بإلزام الزيادة ، فلا ينفذ بدون رضاها .
( قال ) : وإن اختلعت منه على خادم بغير عينها ، فهو جائز ، وله خادم وسط ، أو قيمته ، أيهما أتت به أجبر على القبول كما في الصداق .
( قال ) : وإن اختلعت منه بما [ ص: 189 ] تكتسب العام من مال ، أو بما ترثه ، أو بما تتزوج عليه ، أو بما تحمل جاريتها ، أو غنمها فيما يستقبل كان له المهر الذي أعطاها في جميع ذلك ; لأن المسمى لا يصلح عوضا في شيء من النقود : إما لأنه على خطر الوجود لا يدري أيكون أم لا ، أو لأنه مجهول الجنس والصفة ، والقدر ، فلا يصح التزامه في الخلع أيضا ، ولكنها غرته بتسمية المال ، فيلزمها رد ما ساق إليها بسبب الغرور ، وكذلك ما تحمل جاريتها ، أو نعمها من ولد لا يصح تمليكه من الغير بشيء من أسباب التمليك ، الوصية وغيرها فيه سواء ، فيلزمها رد المقبوض بسبب الغرور .
( قال ) : وكذلك إن اختلعت على أن تزوجه امرأة وتمهر عنه ، فالخلع جائز ، والشرط باطل ; للجهالة المستتمة في المسمى ، ولكن الغرور يتمكن لتسمية الإمهار ، فعليها رد العوض ، وإن اختلعت منه على موصوف من المكيل ، أو الموزون ، أو النبات ، فهو جائز كما في الصداق ، وإن اختلعت منه على ثوب أو على دار ، فالتسمية فاسدة للجهالة المستتمة كما في الصداق ، وله المهر الذي أعطاها بسبب الغرور ، وكذلك إن اختلعت منه بدابة للجهالة المستتمة ، فإن اسم الدابة يتناول أجناسا مختلفة ، فله المهر الذي أعطاها ، وإن اختلعت منه بشيء معروف مسمى ، ولها عليه مهر ، وقد دخل بها ، أو لم يدخل بها لزمها ما سمت له ، ولا شيء لها مما سمي على الزوج من المهر في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وفي قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لها أن ترجع عليه بالمهر ، إن كان قد دخل بها ، وينصف المهر إن لم يدخل بها ، وكذلك لو كانت أخذت المهر ، ثم خلعها قبل الدخول على شيء مسمى ، فليس للزوج أن يرجع عليها بشيء من المهر في قول أبي حنيفة ، وفي قول محمد وأبي يوسف رحمهما الله تعالى يرجع عليها بنصف المهر .
وإن كان العقد بينهما بلفظة المبارأة ، فكذلك الجواب في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى في المبارأة : الجواب كما قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى ، والحاصل أن الخلع ، والمبارأة عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى توجبان براءة كل واحد منهما عن صاحبه من الحقوق الواجبة بالنكاح حتى لا يرجع أحدهما على صاحبه بشيء بعد ذلك ، وعند محمد لا يوجبان إلا المسمى في العقد ، وفيما سوى ذلك من حقوق النكاح يجعل كالفرقة بغير جعل بالطلاق ، وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى في الخلع الجواب كما قال محمد رحمه الله تعالى ، وفي المبارأة الجواب كما قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى وجه قول محمد رضي الله عنه أن هذا طلاق بعوض فيجب به العوض المسمى ، ولا يسقط شيء من الحقوق الواجبة كما لو كان بلفظ الطلاق ، وهذا [ ص: 190 ] لأنه لا تأثير لعقد المعاوضة إلا في استحقاق العوض المسمى به ، والدليل عليه أنه لو كان لأحدهما على الآخر دين واجب بسبب آخر ، أو عين في يده ، لا يسقط شيء من ذلك بالخلع والمبارأة ، فكذلك الحقوق الواجبة عليه بالنكاح ، والدليل عليه أن نفقة عدتها لا تسقط ، وهي من الحقوق الواجبة بالنكاح ، فكذلك المهر ، بل أولى ; لأن النفقة أضعف وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : المقصود بهذا العقد لا يتم إلا بإسقاط الحقوق الواجبة بالنكاح ، فلإتمام هذا المقصود يتعدى حكم هذا العقد إلى الحقوق الواجبة بالنكاح لكل واحد منهما ، وهذا لأن الخلع إنما يكون عند النشوز ، وسبب النشوز الوصلة التي بينهما بسبب النكاح ، فتمام انقطاع المنازعة والنشوز ، إنما يكون بإسقاط ما وجب باعتبار تلك الوصلة .
وفي لفظهما ما يدل عليه ، فإن المبارأة مشتقة من البراءة ، والخلع من الخلع ، وهو الانتزاع ، يقول الرجل : خلعت الخف من الرجل إذا قطعت ما بينهما من الوصل من كل وجه ، فأما إذا كان العقد بلفظ الطلاق ، فقد روى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أنه يسقط الحقوق الواجبة أيضا بالنكاح ; لإتمام المقصود ، وفي ظاهر الرواية ليس في لفظ الطلاق ما يدل على إسقاط الحقوق الواجبة بالنكاح ; فلهذا لا تسقط ، فأما سائر الديون فوجوبها ما كان بسبب وصلة النكاح والنشوز ، والمنازعة لم يتحقق فيه ; فلهذا لا يسقط ، وأما نفقة العدة فهي غير واجبة عند الخلع ، إنما تجب شيئا فشيئا ، والخلع ، والمبارأة إسقاط ما هو واجب بحكم النكاح في الحال وأبو يوسف رحمه الله تعالى أخذ في المبارأة بقول أبي حنيفة رحمه الله تعالى لتحقيق معنى البراءة .
وفي الخلع أخذ بقول محمد رحمه الله تعالى ; لأنه ليس فيه معنى البراءة عن الحقوق الواجبة ، فجعل لفظ الخلع بمنزلة لفظ الطلاق ، وعلى هذا الأصل لو كان مهرها ألف درهم فاختلعت منه قبل الدخول على مائة درهم من مهرها ، فليس لها أن ترجع على الزوج بشيء في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وفي قولهما ترجع عليه بأربعمائة ، ولو كانت قبضت الألف ، ثم اختلعت بمائة درهم منها ، لم يكن للزوج غير المائة في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وعندهما يرجع عليها إلى تمام النصف ، وكذلك لو كان المهر عبدا بعينه في يدها ، فاختلعت منه بمائة درهم ، عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يرجع عليها بشيء من العبد ، وعندهما يرجع عليها بنصف العبد ، ولو تزوجها على ألف درهم ، فوهبت له النصف ، وقبضت النصف ، ثم اختلعت منه بشيء مجهول كالثوب ونحوه ، فإنه يرجع عليها بما دفع إليها من المهر لا بالألف التي كان أصل العقد بها ; لأن ثبوت حق الرجوع عند الغرور لدفع [ ص: 191 ] الضرر عن الزوج ، وذلك يتم إذا رجع بما ساق إليها ، ولو كانت وهبت جميع المهر لزوجها لم يرجع الزوج عليها بشيء ; لأن الرجوع بحكم قبضها ، ولم يقبض شيئا ، والرجوع لدفع الضرر عن الزوج ، والضرر مندفع هنا حين سلم له جميع المهر بالهبة .
( قال ) : وإذا اختلعت من زوجها بعبد بعينه فمات قبل أن تسلمه فعليها قيمته له كما في الصداق ; لأن السبب الموجب للتسليم لم ينفسخ بهلاكه ، فإن تبين أن العبد كان مات قبل الخلع ، فإنما يرجع عليها بالمهر الذي أخذت منه ; لأنها غرته بتسمية العبد ، وإن كان حيا فاستحق ، فعليها قيمته ; لأنه تعذر تسليمه مع بقاء السبب الموجب للتسليم له ، وإن ظهر أنه كان حرا ، فعليها المهر الذي أخذت منه في قول أبي حنيفة ومحمد رضي الله عنهما ، وفي قول أبي يوسف رضي الله عنه عليها قيمته أن لو كان عبدا وهذا والصداق سواء .
( قال ) : وإن اختلعت منه بما لا يحل كالخمر ، والخنزير ، والميتة لم يكن له عليها شيء ; لأن المسمى ليس بمال متقوم في حق المسلمين ، فلا يتمكن الغرور منها بهذه التسمية ، فصارت هذه التسمية ، وجودها كعدمها ، وبهذا فارق الصداق ، فإن تسمية الخمر هناك ، وجودها كعدمها ، ولكن بدون التسمية يجب مهر المثل هناك ، ولا يجب هنا شيء ، وإن غرته ، فقالت : أختلع منك بهذا الخل ، فإذا هو خمر ، فعليها أن ترد المهر المأخوذ في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وفي قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى عليها مثل ذلك الكيل من خل وسط ، وهذا والصداق سواء .
( قال ) : وإذا تزوجها على ألف درهم ، ثم اختلعت منه بمال مؤجل ، فهو جائز إذا كان الأجل معلوما ; لأن الخلع عقد معاوضة ، فيصح اشتراط الأجل المعلوم في بدله كسائر المعوضات ، وإن كان الأجل مجهولا جهالة مستتمة مثل الميسرة ، أو موت فلان ، أو قدوم فلان ، فالمال عليها حال ; لأن الأجل اسم لزمان منتظر ، ولم يصر مذكورا بذكر هذه الألفاظ ; لجواز أن يتصل موت فلان ، أو قدومه ، والميسرة بالعقد ، فبقي هذا شرطا فاسدا ، والخلع لا يبطل به ، فكان المال حالا عليها ، وإن كان إلى الإعطاء ، أو إلى الدياس ، أو النيروز ، أو المهرجان فالمال إلى ذلك الأجل ; لأنهما ذكرا في العقد ما هو أجل ، وهو الزمان الذي هو منتظر ، فإن وقت الشتاء ليس بزمان الحصاد والدياس بيقين ، ولكن في آخره بعض الجهالة من حيث إنه قد يتقدم إذا تعجل الحر ، ويتأخر إذا تطاول البرد ، ولكن هذا القدر لا يمنع صحة الأجل خصوصا في العقد المبني على التوسع كالكفالة ، والخلع مبني على التوسع فتثبت فيه هذه الآجال ، فإن ذهبت الغلة في ذلك العام ، فلم يكن حصاد ولا جزاز ، فالأجل إلى مثل ذلك الوقت [ ص: 192 ] الذي يكون فيه في مثل البلد ، وكذلك العطاء ; لأن ذكر العطاء كان على سبيل الكناية عن وقته ، فلا معتبر بوجود حقيقته ، ووقته معروف عند الناس في كل موضع ، فإذا جاء ذلك الوقت وجب تسليم المال ، وبدل الخلع إذا كان دينا ، فهو في حكم أخذ الرهن ، والكفيل به بمنزلة الصداق حتى إذا هلك هلك بما فيه ، وكان هو أمينا في الفضل .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|