
12-12-2025, 12:00 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,505
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي
الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس
صـــ 172 الى صـــ 181
(129)
ألا ترى أن الرجل يقول : خلعت الخف من رجلي يريد به الفصل في الحال ، فأما الآية فقد ذكر الله تعالى التطليقة الثالثة بعوض ، وبغير عوض ، وبهذا لا يصير الطلاق أربعا ، وفائدة هذا الاختلاف أنه لو خالعها بعد تطليقتين عندنا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ، وعنده له أن يتزوجها ، وإن نوى بالخلع ثلاث تطليقات فهي ثلاث ; لأنه بمنزلة ألفاظ الكناية ، وقد بينا أن نية الثلاث تسع هناك ; فكذلك في الخلع ، وإن نوى اثنتين فهي واحدة بائنة ، وعلى قول زفر رحمه الله تعالى اثنتان كما في لفظ الحرمة ، والبينونة ، وكذلك كل طلاق بجعل فهو بائن ; لأن الزوج ملك البدل عليها فتصير هي بمقابلته أملك لنفسها ; ولأن غرضها من التزام البدل أن تتخلص من الزوج ، ولا يحصل ذلك إلا بوقوع البينونة ، فإن قال الزوج : لم أعن بالخلع طلاقا ، وقد أخذ عليه جعلا لم يصدق في الحكم ; لأنه أخذ الجعل على سبيل التملك ، ولا يتملك ذلك إلا بوقوع الطلاق عليها فكان ذلك أدل على قصده الطلاق من حال مذاكرة الطلاق ، ولكن فيما بينه وبين الله تعالى يسعه أن يقيم معها ; لأن الله تعالى عالم بما في سره إلا أنه لا يسع المرأة أن تقيم معه ; لأنها لا تعرف منه إلا الظاهر كالقاضي .
( قال ) : والمبارأة بمنزلة الخلع في جميع ذلك ; لأنه مشتق من البراءة ، وهو أدل على قطع الوصلة من الخلع ، وإذا جعل الخلع تطليقة بائنة ، فالمبارأة ، أولى وللمختلعة ، والمبارأة النفقة والسكنى مادام في العدة هكذا نقل عن علي رضي الله عنه وهذا ; لأن النفقة لم تجب قبل مجيء وقتها فلا يتناولها الخلع ، والبراءة العامة ، وإنما ينصرف مطلق اللفظ إلى ما هو واجب . .
( قال ) : فإن كان الزوج اشترط عليها البراءة من النفقة والسكنى فهو بريء من النفقة ; لأنها أسقطت حقها ، ووجوب النفقة لها في العدة باعتبار حالة الفرقة حتى إذا كانت ممن لا تستحق النفقة عند ذلك لا تستحقه من بعد فيصح إسقاطها ، ولكن في ضمن الخلع تبعا له حتى لو أسقطت نفقتها بعد الخلع بإبراء الزوج عنها لا يصح ذلك ; لأنها مقصودة بالإسقاط فلا يكون إلا بعد وجوبها ، وهي تجب شيئا [ ص: 173 ] فشيئا بحسب المدة ، ولا يصح إبراؤها عن السكنى في الخلع ; لأن خروجها من بيت الزوج معصية ، قالوا : ولو أبرأته عن مؤنة السكنى بأن سكنت في بيت نفسها ، أو التزمت مؤنة السكنى من مالها صح ذلك مشروطا في الخلع ; لأنه خالص حقها .
( قال ) : والخلع جائز عند السلطان وغيره ; لأنه عقد يعتمد التراضي كسائر العقود ، وهو بمنزلة الطلاق بعوض ، وللزوج ولاية إيقاع الطلاق ، ولها ولاية التزام العوض ، فلا معنى لاشتراط حضرة السلطان في هذا العقد .
( قال ) : وإن قال لامرأته : قد خالعتك ، أو بارأتك ، أو طلقتك بألف درهم ، فالقبول إليها في مجلسها ، والحاصل أن إيجاب الخلع من الزوج في المعنى تعليق الطلاق بشرط قبولها ; لأن العوض الذي من جانبه في هذا العقد طلاق ، وهو محتمل للتعليق بالشرط ; ولهذا لا يبطل بقيامه عن المجلس ، ويصح منه ، وإن كانت غائبة حتى إذا بلغها فقبلت في مجلسها ، ثم وإن قامت من مجلسها قبل أن تقبل بطل ذلك بمنزلة تعليق الطلاق بمشيئتها وتمليك الأمر منها ; لأنها تقدر على المشيئة في مجلسها فيبطل بقيامها ، فكذلك تقدر على القبول قبل ذلك ، والذي من جانبها في الخلع التزام المال فيكون بمنزلة البيع والشراء لا يحتمل التعليق بالشرط حتى إذا بدأت فقالت : اخلعني ، أو بارئني ، أو طلقني بألف درهم فإنه يبطل بقيامها عن المجلس قبل قبول الزوج ، وكذلك بقيام الزوج عن المجلس قبل القبول كما يبطل إيجاب البيع بقيام أحدهما عن المجلس قبل قبول الآخر ، وكذلك إن كان الزوج غائبا حين قالت هذه المقالة ، لا تتوقف على قبوله ، إذا بلغه كما لا يتوقف إيجاب البيع على قبول المشتري إذا كان غائبا .
( قال ) : فإن قالت : طلقني ثلاثا بألف درهم فطلقها واحدة فله ثلث الألف ; لأن حرف الباء يصحب الأبدال ، والأعواض ، والعوض ينقسم على المعوض ، فهي لما التمست الثلث بألف فقد جعلت بإزاء كل تطليقة ثلث الألف ، ثم فيما صنع الزوج منفعة لها ; لأنها رضيت بوجوب جميع الألف عليها بمقابلة التخلص من زوجها فتكون أرضى بوجوب ثلث الألف عليها إذا تخلصت من زوجها ، وبالواحدة تتخلص منه ، وهذا بخلاف ما لو كان الزوج قال لها : أنت طالق ثلاثا بألف فقبلت واحدة لم يقع شيء ; لأنه لو وقعت الواحدة لوقعت بثلث الألف ، والزوج ما رضي بزوال ملكه عنها ما لم يجب عليها جميع الألف ، وبخلاف ما لو قال : هذه طالق ، وهذه بألف فقبلت إحداهما وقع الطلاق عليها بنصف الألف ; لأن الزوج هناك راض بوقوع الفرقة بينه وبين إحداهما إذا وجبت عليها حصتها من المال ، فإن نكاح إحداهما لا يتصل بنكاح الأخرى . ( قال ) : ولو طلقها ثلاثا في [ ص: 174 ] كلام متفرق في مجلس واحد في القياس ، يلزمها ثلث الألف ; لأنها بانت بالأولى فلزمها ثلث الألف ، فهو بإيقاع الثانية والثالثة بعد ذلك لا يستوجب عليها عوضا آخر ، وفي الاستحسان يقع عليها ثلاث تطليقات بجميع الألف ; لأن المجلس الواحد يجمع الكلمات المتفرقة ، ويجعلها ككلام واحد فكأنه أوقع الثلاث عليها بكلام واحد فيلزمها جميع الألف .
( قال ) : ولو كانت قالت له : طلقني ثلاثا على ألف درهم ، أو على أن لك علي ألف درهم فطلقها واحدة قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى تقع تطليقة رجعية ، وليس عليها شيء من الألف ، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى : يقع عليها تطليقة بائنة بثلث الألف وحجتهما في ذلك أن الخلع من عقود المعاوضات ، وحرف " على " في المعاوضات كحرف الباء .
ألا ترى أنه لا فرق بين أن يقول : بعت منك هذا المتاع بدرهم ، أو على درهم ، وكذلك لا فرق بين أن يقول : احمل هذا المتاع إلى موضع كذا بدرهم ، أو على درهم ، فإذا كان عند حرف الباء تتوزع الألف على التطليقات الثلاث ، فكذلك عند ذكر حرف " على " يدل عليه أنها لو قالت : طلقني وفلانة على ألف درهم فطلقها وحدها كان عليها حصتها من المال بمنزلة ما لو التمست بحرف الباء ، فكذلك هنا ، وهذا بخلاف ما قال في السير الكبير : إذا صالح الإمام أهل حصن على أن يؤمنهم ثلاث سنين على ألف درهم ، ثم بدا له بعد مضي السنة أن ينبذ إليهم يلزمه رد جميع المال ، ولو كان الصلح بحرف الباء يلزمه رد ثلثي المال ; لأن إعطاء الأمان ليس بعقد معاوضة ، وحرف " على " للشرط فجعله بمنزلة الباء مجازا يصار إليه لدلالة المعاوضة ; ولأن غرضهم لا يحصل هناك فمقصودهم أن يتحصنوا في هذه المدة ، ولا يتمكنوا من ذلك في بعض المدة فلهذا حملنا حرف على على الشرط ، وهنا مقصودها يحصل بإيقاع الواحدة فكان محمولا على المعاوضة بمنزلة حرف الباء وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : حرف " على " للشرط حقيقة ; لأنه حرف الالتزام ، ولا مقابلة بين الواقع وبين ما التزم ، بل بينهما معاقبة كما يكون بين الشرط ، والجزاء ، فكان معنى الشرط فيه حقيقة ، والتمسك بالحقيقة واجب حتى يقوم دليل المجاز ، والطلاق مما يحتمل التعليق بالشرط ، فلا حاجة إلى العدول من الحقيقة إلى المجاز .
فإذا كان محمولا على الحقيقة ، والشرط يقابل المشروط جملة ، ولا يقابله جزءا فجزء ، فإنما شرطت لوجوب المال عليها إيقاع الثلاث ، فإذا لم يوقع لا يجب شيء من المال ; ولأن لها في ذلك غرضا صحيحا ، وهو حصول البينونة الغليظة ; حتى لا تصير في وثاق نكاحه ، وإن أكرهها على ذلك فاعتبرنا معنى الشرط في ذلك [ ص: 175 ] ليحصل مقصودها كما في مسألة الأمان ، وكما أن المال في الأمان نادر ، فكذلك في الطلاق الغالب فيه الإيقاع بغير بدل ، وبهذا فارق البيع ، والإجارة ; لأن معنى الشرط هناك تعذر اعتباره ، فإنه لا يحتمل التعليق بالشرط ; فلهذا جعلنا حرف " على " بمعنى حرف الباء ، والدليل على أن " حرف " على للشرط قوله تعالى { إني رسول من رب العالمين حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق } ، أي بشرط أن لا أقول ، وقال الله تعالى { يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا } ، أي بشرط أن لا يشركن ، وهذا بخلاف قوله : طلقني وفلانة على كذا ; لأنه لا غرض لها في طلاق فلانة ; لتجعل ذلك كالشرط منها ولها في اشتراط إيقاع الثلاث غرض صحيح كما بينا ، وإن طلقها ثلاثا في هذه المسألة متفرقات في مجلس واحد ، فالألف لازمة عليها في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى قياسا واستحسانا ; لأن شيئا من البدل لم يجب بإيقاع الأولى والثانية ، والمجلس الواحد يجمع الكلمات المتفرقة وعندهما على القياس والاستحسان الذي بينا في حرف الباء .
( قال ) : وإذا طلق الرجل امرأته ، وهي في العدة بعد الخلع على جعل وقع الطلاق ، ولم يثبت الجعل ، وكذلك البائنة بعد الخلع يعني إذا قال لها : أنت بائن ، ثم طلقها على جعل في العدة ; لأنها باعتبار قيام العدة محل للطلاق ، والطلاق تعليقا من الزوج بشرط القبول ، وقد قبلت ولا يجب عليها الجعل ; لأن وجوب الجعل عليها باعتبار زوال ملك الزوج عنها ، وذلك لا يحصل بعد البينونة ولكن امتناع وجوب المقبول لا يمنع صحة القبول في حكم وقوع الطلاق ، كما لو خالعها ببدل فاسد كالخمر ، والخنزير .
( قال ) : وإن قال لها بعد البينونة : خلعتك ينوي به الطلاق لم يقع ; لأن هذا اللفظ بمنزلة لفظ البينونة ، والحرمة ، وقد بينا أن ذلك لا يعمل في العدة بعد الفرقة ، فكذلك لفظ الخلع .
ألا ترى أن الواقع بلفظ الخلع يكون بائنا ، وإن لم يذكر البدل بمقابلته بخلاف الواقع بلفظ الطلاق ، ولو قال : كل امرأة لي طالق لم تطلق هذه المبانة إلا أن يعنيها ، فإن عناها طلقت ; لأنه ، أوقع بهذا اللفظ على كل امرأة هي مضافة إليه مطلقا ، وهي المنكوحة ، فإنها تضاف إليه ملكا ويدا ، فأما المبانة تضاف إليه يدا لا ملكا ، فكانت مقيدة فلا تدخل تحت المطلق إلا أن يعنيها ، كما لو قال : كل مملوك لي فهو حر لا يدخل المكاتب فيه إلا أن يعنيه ، ولا يقع شيء من الطلاق بعد انقضاء العدة ; لأنه ليس له عليها ملك ولا يد ، وبدونهما لا تكون محلا لإضافة الطلاق إليها ; لأن الإيقاع تصرف منه على المحل فيستدعي ولايته على المحل .
( قال ) : وإن طلقها على جعل بعد الطلاق الرجعي جاز ولزمها الجعل ; لأن زوال الملك لا يحصل بهذا [ ص: 176 ] الطلاق ; لأن الطلاق الرجعي لا يزيل ملك النكاح ، فإنه يعتاض عن ملك قائم له فيصح كما قبل الطلاق الرجعي .
( قال ) : وخلع السكران وطلاقه وعتاقه واقع عندنا ، وفي أحد قولي الشافعي رحمه الله تعالى لا يقع ، وهو اختيار الكرخي والطحاوي ، وقد نقل ذلك عن عثمان ، وهذا ; لأنه ليس للسكران قصد صحيح ، والإيقاع يعتمد القصد الصحيح ; ولهذا لا يصح من الصبي ، والمجنون .
ألا ترى أنه لو سكر من شرب البنج لم يقع طلاقه ، فكذلك إذا سكر من النبيذ ; ولأن غفلته عن نفسه فوق غفلة النائم ، فإن النائم ينتبه إذا نبه والسكران لا ينتبه ، ثم طلاق النائم لا يقع ، فطلاق السكران ، أولى ، ولا معنى لقول من يقول غفلته هنا بسبب المعصية ، وذلك سبب للتشديد عليه لا للتخفيف ، فإن السكران لو ارتد تصح ردته بالاتفاق ، ولا تقع الفرقة بينه وبين امرأته ، ولو اعتبر هذا المعنى ; لحكم بصحة ردته ، وحجتنا ما روينا كل طلاق جائز إلا طلاق الصبي ، والمعتوه ; ولأن السكران مخاطب ، فإذا صادف تصرفه محله نفذ كالصاحي ، ودليل الوصف قوله تعالى { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } ، فإن كان خطابا به في حال سكره فهو نص ، وإن كان خطابا له قبل سكره فهو دليل على أنه مخاطب في حال سكره ; لأنه لا يقال : إذا جننت فلا تفعل كذا ، وهذا ; لأن الخطاب إنما يتوجه باعتدال الحال ، ولكنه أمر باطن لا يوقف على حقيقته فيقام السبب الظاهر الدال عليه ، وهو البلوغ عن عقل مقامه ; تيسيرا ، وبالسكر لا ينعدم هذا المعنى ، فإذا ثبت أنه مخاطب قلنا غفلته عن نفسه لما كانت بسبب هو معصية ، ولا يستحق به التخفيف ، لم يكن ذلك عذرا في المنع من نفوذ شيء من تصرفاته بعد ما تقرر سببه ; لأن بالسكر لا يزول عقله إنما يعجز عن استعماله ; لغلبة السرور عليه بخلاف البنج ، فإن غفلته ليست بسبب هو معصية ، وما يعتريه نوع مرض لا أن يكون سكرا حقيقة ، فيكون بمنزلة الإغماء ، وبخلاف النائم ; لأن النوم يمنعه من العمل ; فلانعدام الإيقاع نقول : إنه لا يقع ، والسكر لا يمنعه من العمل مع أن الغفلة بسبب النوم لم تكن عن معصية ، وهذا بخلاف الردة ، فإن الركن فيها الاعتقاد ، والسكران غير معتقد لما يقول ، فلا يحكم بردته ، لانعدام ركنها لا للتخفيف عليه بعد تقرر السبب .
( قال ) : وخلع المكره وطلاقه وعتاقه جائز عندنا ، وهو باطل عند الشافعي رحمه الله تعالى ، فتأثير الإكراه عنده في إلغاء عبارة المكره كتأثير الصبي ، والجنون .
وعندنا تأثير الإكراه في انعدام الرضا لا في إهدار القول حتى تنعقد تصرفات المكره ، ولكن ما يعتمد لزومه [ ص: 177 ] تمام الرضا كالبيع لا يلزم منه ، وما لا يعتمد تمام الرضا كالنكاح والطلاق ، والعتاق يلزم منه ، وحجته في ذلك قوله : صلى الله عليه وسلم { رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه } ، فهذا يقتضي أن عين ما أكره عليه فحكمه وإثمه يكون مرفوعا عنه ، والمعنى فيه أن هذه فرقة يعتمد سببها القول ، فلا تصح من المكره كالردة ، وتأثيره أن القول إنما يعتبر شرعا ، إذا صدر عن قصد صحيح وبسبب الإكراه ينعدم ذلك القصد ; لأن المكره يقصد دفع الشر عن نفسه لا عين ما تكلم به ، وهو مضطر إلى هذا القصد والاختيار أيضا فيفسد قصده شرعا .
ألا ترى أنه لو أكره على الإقرار بالطلاق كان إقراره لغوا ; لهذا يقرره أن تأثير الإكراه المبيح للإقدام في جعل المكره آلة للمكره وإعدام الفعل من المكره ، كما في الإكراه على إتلاف المال فيجعل المكره آلة ، ويصير كأن المكره هو الذي تكلم بالإيقاع فيكون لغوا .
ألا ترى أن حق إبقاء قدر الملك على المكره جعل كالآلة ; حتى يكون المكره ضامنا قيمة عبده عندكم إذا أكرهه على أن يعتقه ، ويكون ضامنا نصف الصداق إذا أكرهه على الطلاق قبل الدخول ، فكذلك في إبقاء عين الملك عليه يجعل آلة له ، وحجتنا في ذلك ما روي { أن امرأة كانت تبغض زوجها فوجدته نائما فأخذت شفرة وجلست على صدره ، ثم حركته ، فقالت : لتطلقني ثلاثا ، أو لأذبحنك ، فناشدها الله تعالى فأبت فطلقها ثلاثا ، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن ذلك ، فقال : صلى الله عليه وسلم لا قيلولة في الطلاق } ، واستكثر محمد من الاستدلال بالآثار في أول كتاب الإكراه حتى روى عن عمر رضي الله عنه قال أربع مبهمات مقفلات ليس فيهن رديد : النكاح والطلاق ، والعتاق والصدقة ، والمعنى فيه أنه مكلف ، أوقع الطلاق في محله فيقع كالطائع ، وتفسير الوصف أن الإكراه لا يزيل الخطاب ، أما في غير ما أكره عليه ، فلا إشكال ، وفيما أكره عليه كذلك حتى تنوع عليه أفعاله فتارة يباح له الإقدام ، وتارة يفترض عليه كشرب الخمر ، وتارة يحرم عليه كالقتل والزنا ، وذلك لا يكون إلا باعتبار الخطاب ، وتأثيره أن انعقاد التصرف بوجود ركنه ومحله ، ولا ينعدم بسبب الإكراه ، ذلك إنما ينعدم الرضا به ، والرضا ليس بشرط ; لوقوع الطلاق .
ألا ترى أن الرضا باشتراط الخيار ينعدم ، ولا يمنع لزوم الطلاق ، فكذلك الإكراه وبسبب الإكراه لا ينعدم القصد الصحيح ، فإن المكره يقصد ما باشره ولكن لغيره ، وهو دفع الشر عن نفسه لا لعينه فهو كالهازل يكون قاصدا التكلم بالطلاق ، ولكن للعبث لا لعينه [ ص: 178 ] ثم الهزل لا يمنع وقوع الطلاق ، فكذلك الإكراه وللمكره اختيار صحيح ; لأنه عرف الشرين فاختار أهونهما ، وهذا دليل صحة اختياره إلا أنه لا يحكم بصحة ردته ; لأنها تنبني على الاعتقاد ، وهو غير معتقد ، وفيما يخبر به عن اعتقاده مكره ، فذلك دليل ظاهر على أنه غير معتقد بخلاف الهازل ، فإنه مستخف بالدين ، والاستخفاف بالدين كفر ، وبخلاف الإقرار بالطلاق ، فإنه خبر متمثل بين الصدق ، والكذب ، وقيام السبب على رأسه دليل على أنه كاذب ، والمخبر به إذا كان كذبا ; فالإخبار عنه لا يصير صدقا ولا معنى لجعل المكره آلة للمكره هنا ; لأنه إنما يجعل بالإكراه آلة فيما يصلح أن يكون فيه آلة لغيره دون ما لا يصلح أن يكون كذلك ، وفي التكلم لا يصلح أن يكون آلة لغيره ; إذ لا يتحقق تكلم المرء بلسان غيره فبقي مقصورا عليه ، ولكن في حكم الإتلاف يصلح أن يكون آلة لغيره ; فلهذا كان الضمان على المكره مع أن الخلاف ثابت في الإكراه بالحبس ، وهذا النوع من الإكراه لا يجعل المكره آلة للمكره ، والمراد بالحديث رفع الإثم عن المكره لا رفع العين ، والحكم ، ألا ترى أنه لو أكره أن يجامع أم امرأته وجب عليه الغسل ، وحرمت عليه امرأته بذلك . .
( قال ) : وخلع الصبي وطلاقه باطل ; لأنه ليس له قصد معتبر شرعا خصوصا فيما يضره ، وهذا ; لما بينا أن اعتبار القصد ينبني على الخطاب ، والخطاب ينبني على اعتدال الحال ، وكذلك فعل أبيه عليه في الطلاق باطل ; لأن الولاية إنما تثبت على الصبي ; لمعنى النظر له ; ولتحقق الحاجة إليه ، وذلك لا يتحقق في الطلاق ، والعتاق .
( قال ) : والمعتوه ، والمغمى عليه من مرض بمنزلة الصبي في ذلك ; لانعدام القصد الصحيح منهما .
( قال ) : وإذا اختلعت الصبية من زوجها الكبير فالطلاق واقع عليها ; لأن الزوج من أهل الإيقاع وإيجاب الخلع تعليق الطلاق بشرط قبولها ، وقد تحقق القبول منها فيقع كما لو قال لها : إن تكلمت فأنت طالق فتكلمت ، ولكن لا يلزمها المال ; لأن التزام المال من الصبية لا يصح خصوصا فيما لا منفعة لها فيه كالالتزام بالإقرار ، والكفالة ، وقد بينا أن وقوع الطلاق يعتمد القبول لا وجود المقبول ، وكذلك الأمة إذا اختلعت من زوجها بغير إذن المولى فالطلاق واقع عليها ، ولا تؤاخذ بالمال إلا بعد العتق ; لأنها مخاطبة يصح التزامها في حق نفسها دون المولى فتؤاخذ به بعد العتق كما لو التزمت بالإقرار ، والكفالة ، وإن فعلته بإذن المولى سعت فيه ; لأن التزامها المال بإذن المولى صحيح في حق المولى فتؤاخذ به في الحال ، والمدبرة وأم الولد في ذلك سواء كالأمة إلا أنها لا تحتمل البيع فتؤدي البدل من كسبها إذا التزمت بإذن [ ص: 179 ] المولى ، فأما المكاتبة لا تؤاخذ ببدل الخلع إلا بعد العتق سواء اختلعت بإذن المولى ، أو بغير إذنه ; لأن إذن المولى غير معتبر في إلزام المال إياها ، ألا ترى أن المولى لا يملك أن يلزمها المال ، ولا تأثير للكتابة في فك الحجر عن التزام المال بسبب الخلع ; فلهذا تؤاخذ به بعد العتق .
( قال ) : وإذا وكل أحد الزوجين صبيا ، أو معتوها ، أو مملوكا بالقيام مقامه بالخلع والاختلاع جاز ذلك ; لأن الوكيل بهذا العقد سفير معبر عن الموكل ، ولهؤلاء عبارة معتبرة حتى ينفذ تصرفهم بإذن المولى فينفذ العقد بعبارتهم أيضا .
( قال ) : وإذا خلع الرجل ابنته الصغيرة من زوجها على صداقها ولم يدخل بها فإن لم يضمن الأب فهو باطل ; لأنه ليس له ولاية إلزام المال إياها بهذا السبب إذ لا منفعة لها فيه ، ولا يدخل في ملكها بمقابلة شيء بخلاف ما لو زوج ابنه الصغير بماله ، فإن ذلك العقد من مصالحه ، ويدخل في ملكه شيء متقوم بإزاء ما يلزمه من المال فإن ضمن الأب المال جاز الخلع ; لأن الزوج ينفرد بالإيقاع ، واشتراط القبول في الخلع ; لأجل المال ، فإذا كان الأب هو الملتزم للمال بضمانه يتم الخلع كما لو خالع امرأته مع أجنبي على مال ، وضمن الأجنبي من أصحابنا من يقول : تأويل هذه المسألة إذا خالعها على مال مثل الصداق ، فأما إذا خالعها على الصداق ينبغي أن لا يصح ; لأنه عين ملكها .
، وليس للأب ولاية إخراج عين عن ملكها بغير عوض ، ولا معتبر بضمانه في ذلك ، ولكنا نقول ، وإن سمى الصداق في الخلع فإنما يتناول العقد مثله ، فضمان الأب إياه صحيح ، وإسقاطه حقها في نصف الصداق باطل فيغرم الزوج لها نصف الصداق ، كما لو طلقها قبل الدخول ، ويرجع الزوج على الأب بما يضمن من ذلك ; لأنه قد ضمن للزوج ، وإن كان قد دخل بها ، فلها أن ترجع بجميع مهرها على الزوج ; لأن حقها في جميع المهر تأكد بالدخول فلا يملك الأب إبطال حقها عن شيء منه ، ولكنها ترجع بالصداق على الزوج ، والزوج على الأب بحكم الضمان ، أو ترجع على الأب بجميع الصداق هنا وبنصف الصداق في الأول ; لأن الأب يصير كالمعاوض مع الزوج بما ضمنه للزوج مما لها عليه ( قال ) : ولو كانت كبيرة ، فإن كان خلع الأب بإذن البنت جاز ذلك عليها ، وإن كان بغير إذنها ، وقد ضمن الأب للزوج ، فالخلع جائز وترجع هي بالصداق على زوجها ، ثم الزوج على الأب بحكم ضمانه ; لأنه ليس له ولاية المعارضة في مالها .
( قال ) : وكل خلع كان بجعل فامتنع وجوب الجعل ; إما لفساده كالخمر ، أو ; لأن الملتزم لم يكن من أهله كالصغيرة فالواقع به طلاق بائن ; لأن لفظ الخلع ليس بصريح في الطلاق ، ولكنه يشبه [ ص: 180 ] الفرقة كالبينونة ، والحرمة وكل تطليقة ، أو تطليقتين بجعل أبطلت الجعل وأمضيت فيه الطلاق ، فالطلاق رجعي ، إذا كان قد دخل بها ; لأن الوقوع بصريح لفظ الطلاق فلا يوجب البينونة إلا بعوض ، ولم يجب العوض .
( قال ) : ولو خلع ابنته الكبيرة بصداقها وضمنه للزوج فبلغها فأجازت لم يضمن الأب شيئا ; لأن إجازتها في الانتهاء كإذنها في الابتداء ، وكذلك لو خلعها بالنفقة وضمنها له بغير أمرها ، فإن أجازت ، فلا شيء على الأب ، وإن أبت فلها أن تتبع الزوج بالنفقة ; لأنها حقها كالصداق ، فلا يعمل إسقاط الأب لحقها ويرجع الزوج على الأب بما ضمن له من ذلك ، وكذلك لو فعل هذا غير الأب من الأقارب ، والأجانب ; لأنه لا ولاية للأب عليها في هذا التصرف فهو ، والأجنبي فيه سواء .
( قال ) : وإذا اختلعت بمال ودفعته إليه ، ثم أقامت البينة أنه طلقها ثلاثا قبل الخلع كان لها أن ترجع عليه بالمال ; لأنه تبين بهذا أن البينونة لم تحصل بما التزمت من المال فلا يكون التزامها صحيحا ، وإقدامها على الخلع لا يمنعها من إقامة هذه البينة ; لأن دعواها في قبول البينة على الطلاق ليس بشرط ، فالتناقض منها لا يمنع قبول البينة ، وكذلك لو أقامت البينة على حرمة بنسب أو رضاع ، أو مصاهرة .
( قال ) : وإذا قالت المرأة : اخلعني ، ولك ألف درهم ، أو قالت طلقني ، ولك ألف درهم ، ففعل وقع الطلاق ، ولم يجب المال عليها عند أبي حنيفة .
وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يجب المال لوجهين : أحدهما أن الواو ، وإن كان للعطف حقيقة ، فقد يستعمل بمعنى الباء مجازا كما في القسم ، فإن قوله : والله كقوله بالله فقولها ولك ألف بمنزلة قولها : طلقني بألف ، أو بعني طلاقي بألف ، وإنما حملناه على هذا المجاز ; لمعنى المعاوضة ; لأن الخلع معاوضة ، وفي المعاوضات لا يعطف أحد العوضين على الآخر ، إنما يلصق أحدهما بالآخر ، ألا ترى أنه لو قال : احمل هذا المتاع إلى بيتي ولك درهم كان هذا ، وقوله : احمله بدرهم سواء حتى يجب المال إذا حمله ; ولأن هذا الواو بمعنى واو الحال ، كقول المولى لعبده : أد إلي ألفا ، وأنت حر ، وقول الغازي للمحصور : افتح الباب ، وأنت آمن .
وقد بينا فيما سبق أن الواو قد تكون للحال كما في قوله : أنت طالق وأنت مريضة ، وإذا كانت للحال كانت هي ملتزمة المال له حال إيقاع الطلاق عليها ، وذلك لا يكون إلا عوضا وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : الواو للعطف حقيقة ، والحمل على الحقيقة واجب حتى يقوم الدليل على المجاز ، وباعتبار العطف تبين أن الألف ليس بعوض عن الطلاق ، ولا وجه لحملها على الباء ، أو واو الحال ; لمعنى المعاوضة ; لأن المال في الطلاق نادر ، والمعتاد فيه الإيقاع بغير عوض بخلاف الإجارة ، فالعوض فيه أصل لا تصح [ ص: 181 ] الإجارة بدونه ، وبخلاف قوله : أد إلي ألفا ، وأنت حر ; لأن أول كلامه هناك غير مفيد شرعا إلا بآخره ، فإنه يصير به تعليقا للعتق بأداء المال ، وهنا أول الكلام إن صدر من الزوج ، بأن قال : أنت طالق ، وعليك ألف درهم كان إيقاعا مفيدا دون آخره ، فلا حاجة إلى أن يحمله على الحال ، وإن صدر منها فهو التماس مفيد أيضا ; فلهذا لا يحمل على واو الحال ، بل هو بمعنى العطف ، فمعناه ولك ألف درهم في بيتك ، أو بمعنى الابتداء ، فيكون وعدا منها إياه بالمال ، والمواعيد لا يتعلق بها اللزوم ; ولأن أدنى ما يكون في الباب أن يكون حرف الواو محتملا لجميع ما ذكرنا ، فالمال بالشك لا يجب . .
( قال ) : وإذا قالت : طلقني ، ولك ألف درهم ، فقال : أنت طالق على هذه الألف التي سميت .
فعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى الطلاق واقع ، والمال عليها قبلت ، أو لم تقبل ; لأنها بالكلام الأول ملتزمة للمال عندهما فبقي ، وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى بالكلام الأول لم تكن ملتزمة للمال ، فبقي إيقاع الزوج عليها بمال ابتداء ، فإن قبلت وقع الطلاق ، ولزمها المال ، وإن لم تقبل لا يقع عليها شيء ، ولو قالت : طلقني ثلاثا على أن لك علي ألف درهم ، فطلقها ثلاثا لزمها المال ; لأنها صرحت بحرف على ، وهو لالتزام المال ، ولو كان طلقها اثنتين قبل هذا ، فقالت : طلقني ثلاثا على أن لك ألفا فطلقها واحدة لزمها الألف ; لأن الألف بإزاء ما يصح فيه التماسها من الزوج ، وذلك إيقاع ما ليس بواقع ، وهي التطليقة الثالثة ، فأما إيقاع ما هو واقع لا يتحقق ، فكان تكلمها به لغوا غير معتد به ; ولأنها التزمت المال ; لحصول البينونة الغليظة لها ، وقد تم ذلك بإيقاع الثالثة .
( قال ) : وإذا قال الرجل : طلقتك أمس بألف درهم أو على ألف درهم فلم تقبلي ، وقالت : قد قبلت ، فالقول قول الزوج مع يمينه ; لأن إيجاب الطلاق بمال تعليق بقبولها ، فالزوج أقر بالتعليق وأنكر وجود الشرط ، فكان القول قوله كما لو علق بدخولها ، فقالت قد دخلت وأنكر الزوج ذلك ، وهذا بخلاف البيع إذ قال : قد بعت منك هذا العبد أمس بألف درهم فلم تقبل ، وقال المشتري : قد قبلت ، فالقول قول المشتري ; لأن البيع عقد معاوضة لا ينعقد إلا بإيجاب وقبول ، فإقراره بالبيع يكون إقرارا بقبول المشتري ، فلا يعمل رجوعه عن الإقرار بعد ذلك ، فأما إيجاب الطلاق بمال يكون تصرفا عند الإيقاع ، وهو التعليق بمنزلة اليمين ; ولهذا لا يبطل بقيامه قبل قبولها ، فلم يكن هو مقرا بالإيقاع أصلا فجعلنا القول قوله مع يمينه لهذا .
( قال ) : وإذا قال لها : قد طلقتك واحدة بألف درهم ، وقبلت ، وقالت هي : إنما سألتك أن تطلقني ثلاثا بألف درهم ، وإنما طلقتني واحدة ، فإنما لك ثلث الألف ، فالقول قولها مع يمينها ; لأنهما اتفقا على [ ص: 182 ] وقوع الواحدة عليها ، وإنما تنازعا في المال ، فهو يدعي الزيادة عليها ، وهي تنكر ، فالقول قولها .
وكذلك لو قالت : سألتك : أن تطلقني بمائة درهم ، وقال الزوج : بل بألف ، فالقول قولها ; لما بينا أن الاختلاف في مقدار المال الواجب عليها ، فإن أقاما البينة ، فالبينة بينة الزوج ; لأنه يثبت الزيادة ببينته في حقه ، والبينة للإثبات فتترجح بالزيادة فيه .
وكذلك لو قالت : خلعتني بغير شيء ، وقال الزوج : بل بألف ، فالقول قولها ، والبينة بينة الزوج : لما قلنا .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|