
11-12-2025, 11:52 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,529
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي
الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس
صـــ 162 الى صـــ 171
(128)
( قال ) : ولو كانت امرأته أمة ، فقال لها في مرضه : إذا عتقت أنا وأنت فأنت طالق ثلاثا ، ثم أعتقا جميعا فلها الميراث ; لإضافته الطلاق إلى ما بعد تعلق حقها بماله ، ولو قال : أنت طالق غدا ثلاثا ، ثم أعتقا اليوم لم يكن لها ميراث ; لأنه حين تكلم بالطلاق لم يكن لها حق في ميراثه ، وما كان يدري أنهما يعتقان قبل مجيء الغد ، فلا يكون بهذه الإضافة قاصدا الإضرار ، وكذلك لو قال لها المولى : أنتما حران غدا ، وقال الزوج : أنت طالق ثلاثا غدا لم يكن بينهما ميراث ; لأن وقوع الثلاث بهذا اللفظ قبل أن يثبت حكم التوريث بينهما فإن حكم التوريث بعد العتق والطلاق يقترن بالعتق قبل مجيء الغد .
( قال ) : وإن قال لها : أنت طالق ثلاثا بعد الغد في القياس لا ميراث لها منه ; لأنه حين تكلم بالطلاق لم يكن لها حق في ماله .
ألا ترى أنه لو نجز لم يكن بينهما توارث ; ولأنه لا يتيقن بعتقهما بعد الغد ; لجواز أن يبيعهما قبل مجيء الغد ، ولكنه استحسن ، فقال : إذا كان يعلم بمقالة المولى فلها الميراث ، وإن لم يعلم ، فلا ميراث لها منه ; لأن الظاهر بعد مقالة المولى أنهما يعتقان بمجيء الغد فإن الأصل بقاؤهما في ملكه ، والبناء على الظاهر واجب حتى يظهر خلافه ، فهو بإضافة الثلاث إلى ما بعد الغد بعد العلم بمقالة المولى يكون قاصدا الإضرار بها فيكون فارا ، وإذا لم يكن عالما بمقالة المولى ، لم يكن قاصدا الإضرار بها .
( قال ) : وإن قال زوج أم الولد ، أو المرتدة ، وهو حر مريض : أنت طالق ثلاثا إذا مضى شهر ، ثم مات المولى قبل ذلك فعتقت ، ثم وقع الطلاق عليها لم يكن لها ميراث منه ; لأنه بهذه الإضافة لم يقصد الإضرار ; لأنه ما كان يعلم أن المولى يموت قبل مضي الشهر بخلاف ما لو قال : إذا مات مولاك فعتقت فأنت طالق ثلاثا ; لأن هناك يتحقق أن قصده الإضرار بها .
( قال ) : وإذا طلق المكاتب في مرضه امرأته الحرة ثلاثا ، ثم مات [ ص: 163 ] وهي في العدة وترك وفاء فأديت كتابته ، أو أعتق قبل أن يموت فلا ميراث لها منه ; لأنه حين ، أوقع الثلاث لم يكن لها حق في كسبه ، فإن المكاتب عبد ، وما كان يدري أنه يعتق قبل موته ، أو يترك وفاء فلم يكن فارا ، وإن كان مكاتبين كتابة واحدة ، إن أديا عتقا ، وإن عجزا ردا رقيقين فطلقها في مرضه ثلاثا ، ثم مات ، وترك وفاء فلا ميراث لها منه ; لأنه لم يكن لها في ماله حق حين طلقها ثلاثا وعليها العدة حيضتان ; لأن الطلاق وقع عليها وهي أمة ويرجعون عليها بما أدى من تركة المكاتب عنها كما لو كان أدى بنفسه في حياته .
( قال ) : وإذا خرجت الأمة إلينا مسلمة ، ثم خرج زوجها بعدها مسلما ، وهو مريض فطلقها ، أو لم يطلقها ، ثم مات فلا ميراث لها منه ; لأن العصمة قد انقطعت بينهما بتباين الدارين ، ولا توارث بينهما يومئذ ، ثم لا يقع طلاقه عليها بعد ذلك ، وقد بينا هذا .
( قال ) : وإذا ارتد المسلم نعوذ بالله ، ثم قتل ، أو مات ، أو لحق بدار الحرب ، وله امرأة مسلمة لم تنقض عدتها بعد فلها الميراث منه من يوم ارتد ; لأنه بالردة قد أشرف على الهلاك ، والتوريث يستند إلى ذلك الوقت فلا يعتبر فعله في إسقاط حقها عن ميراثه ; ولأن الردة من الرجل كالموت ; لأنه يستحق قتله بها ، والنكاح كان قائما بينهما يومئذ فكان لها الميراث ، وعدتها ثلاث حيض ; لأنه حي حقيقة بعد الردة ما لم يقتل ، والفرقة متى وقعت في حالة الحياة فإنها تعتد بالحيض فإن حاضت قبل ذلك ثلاث حيض ، أو لم يكن دخل بها فلا ميراث لها منه ; لأن حكم التوريث إنما يتقرر بالموت ، وإن كان يستند إلى أول الردة ; لأنه بعد الردة حي حقيقة ، وإنما يرث الحي من الميت لا من الحي ; فلهذا يعتبر بقاء الوارث وقت موته حتى لو مات ولده قبل موته لم يرثه ; فكذلك يعتبر قيام عدتها وقت موته فإذا انعدم لم يكن لها ميراث .
( قال ) : وإن كانت المرأة هي التي ارتدت ، ثم ماتت وهي في العدة فلا ميراث للزوج منها ; لأنه لا تأثير لردتها في زوال ملكها ; ولهذا نفذ تصرفها في مالها بعد الردة وهذا ; لأن نفسها لم تصر مستحقة بسبب الردة بخلاف الرجل . فإذن ، قد وقعت الفرقة بردتها ، ولا حق له في مالها .
( قال ) : وإذا ارتدت وهي مريضة ، ثم ماتت ، أو لحقت بدار الحرب ، وهي في العدة في القياس لا ميراث للزوج منها ، وهي رواية عن أبي يوسف رضي الله عنه ; لأنه لا عدة في جانب الزوج ، وتوريث الباقي من الميت بشرط بقاء العدة .
ألا ترى أنه لو طلقها قبل الدخول في مرضه ، لم يكن لها الميراث ; لأنها ليست في عدته ولكنه استحسن ، فقال : له الميراث ; لأن حقه قد تعلق بمالها بمرضها فكانت بالردة قاصدة إبطال [ ص: 164 ] حقه فارة عن ميراثه فيرد عليها قصدها كما في جانب الزوج بخلاف ما إذا كانت صحيحة حين ارتدت ، وإنما يعتبر قيام العدة وقت الموت ، وهي كانت في عدته يوم ماتت ، ولو كانت في نكاحه يوم ماتت كان له الميراث ، فكذلك إذا كانت في عدته .
( قال ) : وإذا طلق المريض امرأته ثلاثا ، ثم ارتدت عن الإسلام والعياذ بالله ثم أسلمت ، ومات وهي في العدة فلا ميراث لها ; لأنها بالردة صارت مبطلة حقها ; لأنها تخرج بها من أن تكون أهلا للميراث ; فلا يعود حقها بالإسلام بعد ذلك ; لأنه في معنى ابتداء ثبوت الحق وليس بينهما نكاح قائم في هذه الحالة بخلاف ما لو طاوعت ابن زوجها في العدة فجامعها فإنه لا يبطل ميراثها ; لأنها بهذه الطواعية لم تبطل حقها ، فإنه ليس لفعلها تأثير في الفرقة ; لأن الفرقة قد وقعت بإيقاع الثلاث ، ولم تخرج بهذا الفعل من أن تكون أهلا للإرث فبقاء ميراثها ببقاء العدة ، ولا تأثير لهذا الفعل في إسقاط العدة ، وهذا بخلاف ما لو طاوعت ابن زوجها قبل أن يطلقها الزوج ; لأن الفرقة هناك وقعت بفعلها ، وذلك مسقط لميراثها ; ولأن تعلق حقها بماله يومئذ كان بسبب النكاح ، وفعلها مؤثر في رفع النكاح ; فلهذا سقط به ميراثها ، وكذلك إن أكرهها الابن على ذلك ، وغلب على نفسها فلا ميراث لها ; ولأن الفعل ينعدم من جانبها بهذا السبب ، وإنما تقع الفرقة حكما ; لثبوت الحرمة من غير أن يصير مضافا إلى الزوج فلا ميراث لها منه ; لأن بقاء الميراث بعد الفرقة بسبب الفرار ، وذلك عند إضافة الفعل إلى الزوج ، فإن كان الزوج أمر ابنه بذلك كان لها الميراث ; لأنه قاصد إلى إبطال حقها حين أمر ابنه أن يكرهها على ذلك الفعل فكان فارا ، وإن كان الزوج هو المرتد بعد ما طلقها ثلاثا لم يبطل ميراثها ; لأنه لم يوجد منها ما يسقط حقها ، وإنما تكرر سبب الفرار من الزوج ، وبهذا يتقرر حقها فلا يسقط .
( قال ) : وإذا أسلم أحد الزوجين وأبى الآخر أن يسلم ففرق بينهما في مرض الزوج ، ثم مات لم ترثه ; لأنه لو لم يفرق بينهما حتى مات لم ترثه ; لاختلاف الدين إذ لا توارث بين المسلم ، والكافر ; فبعد التفريق ، أولى .
( قال ) : وإذا قذف المريض امرأته ولاعنها وفرق بينهما ، ثم مات فلها الميراث منه ; لأن سبب الفرقة من الزوج ، وهو قذفه إياها بعد تعلق حقها بماله ، وهي لا تجد بدا من الخصومة لدفع عار الزنا عن نفسها ، فلا تصير بذلك راضية بسقوط حقها بمنزلة ما لو علق الطلاق بفعلها في مرضه ، ولا بد لها من ذلك الفعل .
( قال ) : ولو كان قذفها في صحته ، ثم مرض فلاعنها ، ثم فرق بينهما ، فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى لها الميراث أيضا ، وعند محمد رحمه الله لا ميراث لها منه [ ص: 165 ] ، وهو نظير ما سبق إذا علق الطلاق في صحته بفعل لا بد لها منه ففعلت ذلك الفعل في مرضه .
( قال ) : وإذا فرق بين العنين وامرأته في مرضه ، ثم مات وهي في العدة فلا ميراث لها منه ; لأنها صارت راضية بسقوط حقها حين اختارت الفرقة ، وكانت تجد بدا من هذا الاختيار بأن تصبر حتى يموت الزوج فتتخلص منه ، وكذلك المعتقة إذا اختارت الفرقة وهذا ، أولى ; لأن الفرقة هنا إنما تقع بمجرد اختيارها نفسها ، وهي غير مضطرة إلى ذلك .
( قال ) : وإذا ارتد الزوجان معا ، والعياذ بالله ، ثم أسلم أحدهما ، ومات الآخر ، فلا ميراث للباقي منه ; لأنه مرتد ، والمرتد لا يرث أحدا فإن أسلما معا ، ثم مات أحدهما كان للآخر الميراث ; لأن وقوع الفرقة بينهما بالموت ، وإن أسلمت المرأة ، ثم مات الزوج مرتدا ورثته ; لأن إصراره على الردة بعد إسلامها كإنشاء الردة حتى تجعل هذه الفرقة مضافة إلى فعل الزوج فكان لها الميراث إذا مات الزوج وهي في العدة ، فإن طلقها ثلاثا ، وهما مرتدان ، وهو مريض ، ثم أسلما فلا ميراث لها منه ; لأنه حين طلقها لم يكن حقها متعلقا بماله لردتها فلا يصير هو فارا ، فلو ثبت حقها إنما يثبت بعد إسلامها ابتداء ، ولا نكاح بينهما بعد إسلامهما .
( قال ) : وإذا قال المريض لامرأته : قد طلقتك ثلاثا في صحتي ، وانقضت عدتك وصدقته بذلك ، فلا ميراث لها ; لأن ما تصادقا عليه كالمعاين ، أو كالثابت بالبينة في حقهما ; ولأن الحق في الميراث لها ، وقد أقرت بما يسقط حقها ، فإن أقر لها بدين ، أو أوصى لها بوصية فهو جائز في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى كما يجوز لأجنبية أخرى الإقرار من جميع المال ، والوصية من الثلث ، وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لها الأقل من ميراثها ومما أقر ، أو أوصى به .
هما يقولان قد صارت أجنبية منه حتى أنها لا ترثه ، ولها أن تتزوج في الحال ، فإقراره لها كإقراره لأجنبية أخرى ، ولو اعتبرت التهمة لاعتبرت في حق التزويج ; لأن الحل ، والحرمة يؤخذ فيهما بالاحتياط ، فإذا كان يجوز له أن يتزوج بأختها وأربع سواها ، ويجوز لها أن تتزوج بزوج آخر عرفنا أنه لا تهمة ; ولأن المانع من صحة الإقرار ، والوصية لها كونها وارثة له ، وذلك ينعدم بالحكم بانقضاء عدتها بيقين وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : لما مرض ، والنكاح قائم بينهما في الظاهر ، فقد صار ممنوعا عن الإقرار ، والوصية لها فيحتمل أنه واضعها على أن تقر بالطلاق في صحته ، وبانقضاء عدتها ، وتصدقه على ذلك ; لتصحيح إقراره ووصيته لها ، ولكن هذه التهمة في الزيادة على قدر الميراث ، فأما في مقدار الميراث لا تهمة ; فلهذا جعلنا لها الأقل ، وأبطلنا الزيادة على ذلك للتهمة كما لو [ ص: 166 ] سألته في مرضه أن يطلقها ثلاثا ففعل ، ثم أقر لها بدين ، أو ، أوصى لها بوصية لا تصح إلا في الأقل ; لتمكن تهمة المواضعة في الزيادة على ذلك ، وهذه التهمة فيما بينهما وبين سائر الورثة لا في حق الشرع ، وحل التزوج حق الشرع ; فلهذا صدقا على ذلك .
( قال ) : وإذا مات الرجل وقالت امرأته : قد كان طلقني ثلاثا في مرضه ، ومات وأنا في العدة وقال الورثة : بل طلقك في صحته فالقول قول المرأة ; لأن الورثة يدعون عليها سبب الحرمان ، وهي جاحدة لذلك ، فإن الطلاق في مرضه لا يحرمها ، فلا تكون هي مقرة بالحرمان كما لو قالت : طلقني في حالة نومه ; ولأن الورثة يدعون الطلاق بتاريخ سابق ، وهي تنكر ذلك التاريخ ، ولو أنكرت أصل الطلاق ، كان القول قولها ، فكذا إذا أنكرت التاريخ . .
( قال ) : ولو كانت أمة ، فقالت : أعتقت قبل موت زوجي ، وصدقها المولى ، وقالت الورثة : أعتقت بعد موته ، فالقول قول الورثة ; لأن سبب الحرمان ، وهو الرق كان ظاهرا فيها ، فإذا ادعت زواله قبل الموت ، وأنكره الورثة كان القول قول الورثة ; ولأنها تدعي تاريخا سابقا لعتقها ; فلا تصدق إلا بحجة ، ولا معتبر بتصديق المولى ; لأنه للحال لا يملك إسناد عتقها إلى حال حياة الزوج ، فلا يعتبر قوله في ذلك ، وكذلك إن كانت كافرة ، وادعت الإسلام قبل موت الزوج لم يقبل قولها إلا بحجة ; لأنها تدعي زوال سبب الحرمان بعد ما عرف ثبوته ، وإن لم يعرف كفرها ولا رقها فادعت الورثة أنها كافرة ، أو رقيقة يوم موته ، وقالت : ما زلت على هذه حرة مسلمة فالقول قولها ; لأن سبب الميراث ، وهو النكاح ظاهر ، والورثة يدعون عليها سبب الحرمان ، وهي تنكر ; ولأن من في دار الإسلام ، فالظاهر أنه حر مسلم ، ولا يقال : هذا إثبات الاستحقاق بالظاهر ; لأن الاستحقاق بالنكاح معلوم ، وإنما هذا دفع المانع بالظاهر .
( قال ) : وإذا مات الزوج كافرا فجاءت المرأة مسلمة تدعي ميراثها ، فقالت : أسلمت بعد موته ، وقالت الورثة : أسلمت قبل موته فالقول قول الورثة ; لأنها جاءت تدعي الميراث وما يحرمها قائم فيها ; لأنها مسلمة ، والمسلمة لا ترث الكافر فمع ظهور سبب الحرمان لا ميراث لها إلا أن يثبت سبب الاستحقاق بالبينة ; ولأن الأصل أن الاشتباه إذا وقع فيما سبق يحكم الحال ، كما إذا اختلف صاحب الرحى مع المستأجر في جريان الماء في المدة ، فإن كان الماء جاريا في الحال يجعل جاريا فيما مضى ، فإذا كانت هي مسلمة في الحال ، تجعل مسلمة فيما مضى أيضا ، والمسلمة لا ترث الكافر .
( قال ) : وإذا طلق المريض امرأته ثلاثا ، ثم قال بعد شهرين : قد أخبرتني أن عدتها انقضت وكذبته ، ثم تزوج أختها ، أو أربعا سواها ، ثم مات فالقول [ ص: 167 ] قولها ، والميراث لها دون الأربع ، والأخت لأن الميراث من حقها ، وهو لا يصدق في إبطال حقها كما في نفقتها وسكناها ، ومن ضرورة بقاء الميراث لها بالنكاح أن لا ترث أختها ، أو أربع سواها بهذا السبب ، وقد بينا في كتاب النكاح اختلاف الروايتين في هذه المسألة
( قال ) : وإذا تزوج ثلاثا سواها إحداهن أختها ، فلا ميراث لأختها ، وللاثنتين معها الميراث ; لأن إخباره غير معتبر في ميراثها ، ولو لم يخبر حتى تزوج اثنتين كانتا وارثتين معها بخلاف أختها ، وإذا طلقها ثلاثا في مرضه ، ثم مات بعد تطاول ذلك ، وهي تقول : لم تنقض عدتي فالقول قولها ، ولها الميراث ; لأنها أمينة ، ومدة العدة قد تطول وتقصر ، ولكن عليها اليمين بالله ما انقضت عدتها إذا طلبت الورثة ; لأنهم يدعون عليها ما لو أقرت به لزمها ، فإذا أنكرت حلفت على ذلك ، ولو أقام عليها الورثة البينة بإقرارها بانقضاء العدة قبل موته فلا ميراث لها ; لأن الثابت بإقرارها كالثابت بالمعاينة ، وإن كانت تزوجت قبل موته في قدر ما تنقضي في مثله العدة ، ثم قالت : لم تنقض عدتي من الأول لم تصدق على ذلك ; لأن تزويجها نفسها إقرار منها بانقضاء عدتها دلالة ، فإن المسلمة تباشر العقد الصحيح دون الباطل ، ولو لم تتزوج وقالت : قد آيست من الحيض ، ثم اعتدت بثلاثة أشهر ، ثم مات الزوج وحرمت الميراث ، ثم ولدت بعد ذلك من زوج غيره فنكاح الآخر فاسد ، ولها الميراث من الأول ; لأنا تيقنا بكذبها فإن الآيسة لا تلد ، فتبين أنها كانت ممتدا طهرها لا آيسة ، وإنما تزوجت في العدة فالنكاح فاسد ، ولها الميراث من الأول ; لأنه مات ، وهي في العدة ، وكذلك إن حاضت ; لأن الآيسة لا تحيض إلا أنها إن ادعت الحيض لم تصدق على زوجها الآخر إلا أن يصدقها ; لأن النكاح بينهما صحيح في الظاهر فلا تصدق في دعواها البطلان ، وإن صدقها فرق بينهما ، ولم يصدقا على ورثة الأول ما لم يقروا بذلك ; لأنها تستحق الميراث عليهم فلا بد من تصديقهم إياها بما تقول . .
( قال ) : وإذا كانت المطلقة في المرض مستحاضة ، وكان حيضها مختلفا فقد بينا فيما سبق أنها تأخذ بالاحتياط ، ففي الصلاة والرجعة تأخذ بالأقل ، وفي الحل للأزواج تأخذ بالأكثر ، وفي الميراث تأخذ بالأقل ; لأن المال بالشك لا يستوجب ، وبقاء العدة عند موت الزوج شرط لميراثها فما لم يتيقن بهذا الشرط لم ترث ، وإن كان حيضها معلوما ، وانقطع الدم عنها في آخر الحيضة الثالثة ، ثم مات الزوج ، فإن كانت أيامها عشرة فلا ميراث لها ; لأنا تيقنا بانقضاء عدتها قبل موته ، وإن كانت أيامها دون العشرة ، فإن مات قبل أن تغتسل ، أو قبل أن [ ص: 168 ] يذهب وقت الصلاة ، فلها الميراث ; لأن عدتها باقية ما لم تغتسل ، وكذلك إن اغتسلت وبقي عضو ; لأن عدتها لا تنقضي مع بقاء عضو لم يصبه الماء ، وقد بينا هذا في باب الرجعة .
( قال ) : وإذا بقي الزوج في مرضه بعد ما طلقها أكثر من سنتين ، ثم ولدت المرأة بعد موته بشهر فلا ميراث لها في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ولها الميراث في قول أبي يوسف رحمه الله ، وهو نظير الاختلاف المذكور في النفقة أن عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ترد نفقة ستة أشهر ; لأنهما يجعلان هذا من حبل حادث من زوج بعد انقضاء عدتها حملا لأمرها على الصلاح ، وكذلك في حكم الميراث يتبين بها انقضاء عدتها قبل موته فلا ميراث لها ، وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى تجعل معتدة إلى أن ولدت ، فلهذا لا ترد شيئا من النفقة فكان لها الميراث .
( قال ) : وإذا طلقها في مرضه ، ثم قتل ، أو مات من غير ذلك المرض غير أنه لم يصح فلها الميراث ، وكان عيسى بن أبان يقول : لا ميراث لها ; لأن مرض الموت ما يكون سببا للموت ، ولما مات بسبب آخر فقد علمنا أن مرضه لم يكن مرض الموت ، وإن حقها لم يكن متعلقا بماله يومئذ ، فهو كما لو طلقها في صحته ، ولكنا نقول : قد اتصل الموت بمرضه حين لم يصح حتى مات ، وقد يكون للموت سببان فلا يتبين بهذا أن مرضه لم يكن مرض الموت ، وأن حقها لم يكن ثابتا في ماله ، وقد بينا أن إرثها منه بحكم الفرار ، وهو متحقق هنا . .
( قال ) : وإذا قرب الرجل ; ليقتل فهو بمنزلة المريض إذا طلق امرأته ثلاثا في تلك الحالة فلها الميراث ، والحاصل أن المريض مشرف على الهلاك ، فكل سبب يعترض مما يكون الغالب فيه الهلاك فهو بمنزلة المرض ، وما يكون الغالب فيه السلامة ، وقد يخاف منه الهلاك أيضا فلا يجعل بمنزلة المرض ، فالذي قرب ; ليقتل في قصاص ، أو رجم فالظاهر فيه هو الهلاك ، والسلامة بعد هذا نادر ، فأما المحبوس قبل أن يخرج ; ليقتل ، فالغالب فيه السلامة ، فإنه يتخلص بنوع من أنواع الحيلة ، فإذا طلقها في تلك الحالة لم يكن فارا ، وكذلك إن كان موافقا للعدو ، فما دام في الصف فهو بمنزلة الصحيح ، فإذا خرج بين الصفين يبارز قرنه من المشركين ، فهو بمنزلة المريض ; لأنه صار مشرفا على الهلاك ، والمحصور بمنزلة الصحيح ; لأن غالب حاله السلامة ، فإن خرج يقاتل ، فهو كالمريض ، وراكب السفينة بمنزلة الصحيح فإن تلاطمت الأمواج ، وخيف الغرق فهو بمنزلة المريض في هذه الحالة .
والمرأة الحامل كالصحيحة ، فإن أخذها الطلق فهي بمنزلة المريضة
فإذا قتلته المرأة بعد ما طلقها ثلاثا في مرضه فلا ميراث لها منه ; لأن بقاء ميراثها ببقاء العدة كبقاء الميراث ببقاء النكاح [ ص: 169 ] وإن قتلته قبل الطلاق لم ترثه للأثر ، وهو قوله : { لا ميراث للقاتل } بعد صاحب البقرة ، والمقعد ، والمريض ، والمفلوج مادام يزداد ما به فهو كالمريض ، وإن صار قديما لا يزداد ، كان بمنزلة الصحيح في الطلاق وغيره ; لأنه مادام يزداد علته فالغالب أن آخره الموت ، وإذا صار بحيث لا يزداد ، فلا يخاف منه الموت فكان بمنزلة الصحيح وصاحب جرح ، أو قرحة ، أو وجع لم يصيره على الفراش بمنزلة الصحيح في الطلاق وغيره .
وحد المرض الذي يكون به فارا أن يكون صاحب فراش قد أضناه المرض ، فأما الذي يجيء ويذهب في حوائجه ، فلا يكون فارا ، وإن كان يشتكي ويحم ، لأن الإنسان في العادة قل ما يخلو عن نوع مرض في باطنه ، ولا يجعل بذلك في حكم المريض ، بل المريض إنما يفارق الصحيح في أن الصحيح يكون في السوق ، ويقوم بحوائجه ، والمريض يكون صاحب فراش في بيته وهذا ; لأن ما لا يمكن الوقوف على حقيقته يعتبر فيه السبب الظاهر ، ويقام ذلك مقام المعنى الخفي تيسيرا ، وقد تكلف بعض المتأخرين ، فقال : إذا كان بحال يخطو ثلاث خطوات من غير أن يستعين بأحد فهو في حكم الصحيح في التصرفات ، وهذا ضعيف فالمريض جدا لا يعجز عن هذا القدر إذا تكلف فكان المعتبر ما قلنا ، وهو أن يكون صاحب فراش .
ومن قرب ; ليقتل فطلق امرأته ثلاثا ، ثم خلي سبيله ، أو حبس ، ثم قتل بعد ذلك ، فلا ميراث لها منه بمنزلة المريض إذا صح بعد ما طلق امرأته ثلاثا ، وقد بينا هذا كله ، فكذلك في هذا الفصل والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع ، والمآب .
باب الولد عند من يكون في الفرقة ( قال ) : رضي الله عنه وإذا اختلعت المرأة من زوجها على أن تترك ولدها عند الزوج ، فالخلع جائز ، والشرط باطل ; لأن الأم إنما تكون أحق بالولد لحق الولد ، فإن كون الولد عندها أنفع له ; ولهذا لو تزوجت ، أو كانت أمة ، والولد حر لم تكن أحق بالحضانة ; لأنها مشغولة بخدمة زوجها ، أو مولاها ، فلا منفعة للولد في كونه عندها ، وإذا ثبت أن هذا من حق الولد فليس لها أن تبطله بالشرط .
( قال ) : وإذا أرادت المرأة أن تخرج بولدها من مصر إلى مصر فإن كان النكاح بينهما قائما ، فليس لها أن تخرج إلا بإذنه مع الولد وبغير الولد ، فإن وقعت الفرقة بينهما وانقضت عدتها ، فإن كان أصل النكاح في المصر الذي هي فيه فليس لها أن تخرج [ ص: 170 ] بولدها إلى مصر آخر ; لما فيه من الإضرار بالزوج بقطع ولده عنه إلا أن يكون بين المصرين قرب بحيث لو خرج الزوج ; لمطالعة الولد أمكنه الرجوع إلى منزله قبل الليل ، فحينئذ هذا بمنزلة محال مختلفة في مصر ، ولها أن تتحول من محلة إلى محلة ، وإن كان تزوجها في ذلك المصر الذي يريد الرجوع إليه ، ونقلها إلى هذا المصر ، فإن كانت من أهل هذا المصر ، فلها أن تخرج بولدها إليه ; لأن الإنسان إنما يتزوج المرأة في مصر ; ليقيم معها فيه ، وإنما ساعدته على الخروج ; لأجل النكاح فإذا ارتفع كان لها أن تعود إلى مصرها ; لأن في المقام في الغربة نوع ذل ولها أن تخرج بولدها ; لأنها بأصل النكاح استحقت المقام بولدها في ذلك المصر ، فإنما تستوفي ما استحقت لا أن تقصد الإضرار بالزوج ، وإن لم تكن من أهل ذلك المصر الذي تزوجها فيه ، فإن أرادت أن تخرج بولدها إلى مصرها لم يكن لها ذلك ; لأن أصل العقد ما كان في مصرها ، واختيارها الغربة لم يكن بسبب النكاح ، فلا يكون لها أن ترجع بولدها إلى مصرها ، ولكن يقال لها : اتركي الولد ، واذهبي حيث شئت ، وكذلك إن أرادت الخروج إلى مصر آخر ; لأنها في ذلك المصر غريبة كما هنا ، فلا تقصد بالخروج إليه دفع وحشة الغربة ، إنما تقصد قطع الولد عن أبيه .
وإن أرادت أن تخرج به إلى المصر الذي كان تزوجها فيه ، فليس لها ذلك أيضا ; لأنها غريبة في ذلك المصر كما هنا ، وفي الجامع الصغير يقول : انظر إلى عقدة النكاح أين وقع ، وهذه إشارة إلى أن لها أن تخرج بالولد إلى موضع العقد كما لو كان تزوجها في مصرها ، والأصح أنه ليس لها ذلك ; لأنها تقصد الإضرار بالزوج لا دفع الوحشة عن نفسها بالخروج إلى ذلك الموضع ; ولأن الزوج ما أخرجها إلى دار الغربة بخلاف ما إذا تزوجها في مصرها ، وإن كان أصل النكاح في رستاق له قرى متفرقة ، فأرادت أن تخرج بولدها من قرية إلى قرية ، فلها ذلك ، إن كانت القرى قريبة بعضها من بعض على الوجه الذي بينا ; لأنه ليس فيه قطع الولد عن أبيه ، وإن كانت بعيدة فليس لها ذلك إلا أن تعود إلى قريتها ، وقد كان أصل النكاح فيها ، وكذلك إن أرادت أن تعود من القرية إلى المصر .
وإن أرادت أن تخرج بولدها من مصر جامع إلى قرية قريبة منه ، فليس لها ذلك إلا أن يكون النكاح وقع في تلك القرية فتخرج إليها ; لأنها بأصل العقد استحقت المقام في قريتها بولدها ، وإن لم يكن أصل النكاح فيها ، فإنها تمنع من الخروج بولدها ; لأن في أخلاق أهل الرستاق بعض الجفاء قال : صلى الله عليه وسلم { أهل الكفور هم أهل القبور } ففي خروجها بولدها إلى القرية من المصر إضرار بالولد ; لأنه يتخلق بأخلاقهم [ ص: 171 ] وهي ممنوعة من الإضرار بالولد
وليس لها أن تخرج بولدها إلى دار الحرب .
وإن كان النكاح وقع هناك لما فيه من الإضرار بالولد ، فإنه يتخلق بأخلاق أهل الشرك ، ولا يأمن على نفسه هناك ، فإن دار الحرب دار نهبة وغارة ، وكذلك إن كانت هي من أهل الحرب بعد أن يكون زوجها مسلما ، أو ذميا ; لأنها صارت ذمية تبعا لزوجها فتمنع من الرجوع إلى دار الحرب .
( قال ) : وليس للمرأة ، وإن كانت أحق بولدها أن تشتري له وتبيع ; لأن الثابت لها حق الحضانة ، فأما ولاية التصرف للأب ، أو لمن يقوم مقامه بعده ، فإن كانت هي وصية أبيه فلها أن تتصرف بسبب الوصاية لا بسبب الأمومة .
( قال ) : وكل فرقة وقعت بين الزوجين فالأم أحق بالولد ما لم تتزوج ، وقد بينا تمام هذا في النكاح إلا أن ترتد ، فحينئذ إن لحقت بدار الحرب فهي ممنوعة من أن تخرج بولدها ، ولا حق لها في الحضانة ، وإن كانت في دار الإسلام فإنها تحبس ، وتجبر على الإسلام فلا يكون لها حق الحضانة إلا أن تتوب ، فإن تابت فهي أحق بالولد .
( قال ) : وإذا احتلم الغلام فلا سبيل لأبيه عليه إن كان قد عقل وكان مأمونا عليه ; لأنه صار من أهل أن يلي على غيره فلا يولى عليه إلا أن يكون مخوفا عليه ، فحينئذ يضمه الأب إلى نفسه ; لدفع الفتنة ، ولا نفقة له على أبيه إلا أن يتطوع ، وقد بينا تمام فصول النفقة في النكاح والله أعلم بالصواب .
باب الخلع
( قال ) : وإذا اختلعت المرأة من زوجها فالخلع جائز ، والخلع تطليقة بائنة عندنا ، وفي قول الشافعي رحمه الله هو فسخ ، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وقد روي رجوعه إلى قول عامة الصحابة رضي الله عنهم استدل الشافعي بقوله تعالى : { الطلاق مرتان } إلى أن قال : { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } إلى أن قال : { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } ، فلو جعلنا الخلع طلاقا صارت التطليقات أربعا في سياق هذه الآية ، ولا يكون الطلاق أكثر من ثلاث ; ولأن النكاح عقد محتمل للفسخ حتى يفسخ بخيار عدم الكفاءة ، وخيار العتق ، وخيار البلوغ عندكم فيحتمل الفسخ بالتراضي أيضا ، وذلك بالخلع ، واعتبر هذه المعاوضة المحتملة للفسخ بالبيع والشراء في جواز فسخها بالتراضي .
( ولنا ) ما روي عن عمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم موقوفا عليهم ومرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم { الخلع تطليقة بائنة } ، والمعنى فيه [ ص: 172 ] أن النكاح لا يحتمل الفسخ بعد تمامه ، ألا ترى أنه لا يفسخ بالهلاك قبل التسليم ، فإن الملك الثابت به ضروري لا يظهر إلا في حق الاستيفاء ، وقد قررنا هذا في النكاح ، وبينا أن الفسخ بسبب عدم الكفاءة فسخ قبل التمام فكان في معنى الامتناع من الإتمام ، وكذلك في خيار البلوغ ، والعتق ، فأما الخلع يكون بعد تمام العقد ، والنكاح لا يحتمل الفسخ بعد تمامه ، ولكن يحتمل القطع في الحال فيجعل لفظ الخلع عبارة عن رفع العقد في الحال مجازا ، وذلك إنما يكون بالطلاق .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|