
11-12-2025, 11:41 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,462
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي
الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس
صـــ 152 الى صـــ 161
(127)
( قال ) : وإذا شهد شاهد واحد على الطلاق فسألت المرأة القاضي أن يضعها على يدي عدل حتى تأتي بشاهد آخر لم يقع ذلك ، ودفعها إلى زوجها حتى تأتي ببقية شهودها ; لأن قيام النكاح ، والحل بينهما معلوم وبشهادة الواحد لم يثبت سبب الحرمة ; لأنها شطر العلة ، وبشطر العلة لا يثبت شيء من الحكم فيتمسك القاضي بما كان معلوما له حتى يثبت عنده العارض ، فإن كان الطلاق ثلاثا ، أو بائنا وادعت أن بقية شهودها في المصر ، وشاهدها هذا عدل حال بينها وبين الزوج وأجلها ثلاثة أيام حتى ينظر ما تصنع في شاهدها الآخر ، وهذا استحسان ، وفي القياس لا يحول بينه وبينها ; لأن الحجة لم تتم ، ولكنه استحسن ، فقال : للشهادة طرفان العدد ، والعدالة ، ولو وجد تمام العدد تثبت به الحيلولة قبل ظهور العدالة بأن شهد رجلان مستوران فكذلك إذا وجدت العدالة وهذا ; لأن الذي يسبق إلى وهم كل أحد أن العدل صادق في شهادته ، وباب الفرج مبني على الاحتياط ، وليس في هذه الحيلولة كثير ضرر على الزوج ، ولكن مع هذا لا تكون هذه الحيلولة واجبة على القاضي ، بل إن فعل فحسن ، وإن لم يفعل ودفعها إلى الزوج فلا بأس ; لأن حجة القضاء به لم تتم ، ألا ترى أنه لو قضى بشهادة الواحد لم ينفذ قضاؤه .
( قال ) : وإذا شهد شاهد على تطليقة بائنة ، وشهد آخر على تطليقة رجعية فشهادتهما جائزة على تطليقة رجعية ; لأنه ما اتفقا على أصل الطلاق ، وإنما تفرد أحدهما بزيادة صفة البينونة فلا يثبت ما تفرد به أحدهما ، والدليل لهما على أبي حنيفة رحمه الله في الثلاث مع الواحدة يقولان : تفرد أحدهما بالبينونة الغليظة كتفرد أحدهما بالبينونة الخفيفة ، وعند أبي حنيفة الطلاق إذا قرن بالعدد كان العامل هو العدد وكل واحد منهما شاهد بالوقوع بلفظ آخر هناك ، فأما هنا ، وإن ألحق صفة البينونة بالطلاق فوقوع الطلاق يكون بلفظ الطلاق ، وقد اتفق الشاهدان عليه لفظا ، توضيحه أن بصفة البينونة لا يتغير أصل الطلاق ، ألا ترى أن بمضي العدة ينقلب الرجعي بائنا .
فأما بانضمام الثاني ، والثالث [ ص: 153 ] يتغير حكم أصل الطلاق ولو شهد أحدهما على تطليقة ، والآخر على واحدة وواحدة جازت شهادتهما في الواحدة ; لاتفاق الشاهدين عليها لفظا ومعنى ، ولو شهد أحدهما على أنه طلقها واحدة وشهد الآخر أنه طلقها واحدة وعشرين ، أو واحدة ونصفا فقد اتفقا على الواحدة في لفظهما ، وتكلما بها إنما تفرد أحدهما بزيادة لفظ آخر معطوف على لفظ الواحد ، فيثبت ما اتفقا عليه ، وفرق أبو حنيفة رحمه الله بين هذا ، وبينما إذا شهد أحدهما بواحدة ، والآخر بأحد عشر قال : هناك أحد عشر اسم واحد ; لانعدام حرف العطف ، فالشاهد بها لا يكون شاهدا بالواحدة لفظا ، فأما واحدة وعشرون اسمان بينهما حرف العطف ، فالشاهد بها شاهد بالواحدة لفظا .
( قال ) : وإن شهد أحدهما أنه طلقها واحدة ، وشهد الآخر أنه طلقها نصف واحدة ، أو شهد أحدهما على نصف واحدة ، والآخر على ثلث واحدة لم تقبل الشهادة عند أبي حنيفة رحمه الله ، وتقبل عندهما ; لأن المعتبر عندهما الاتفاق في المعنى ، وقد وجد فإن نصف التطليقة وثلثها كمالها ، وعند أبي حنيفة يعتبر اتفاق الشاهدين لفظا ومعنى وبين النصف ، والكل مغايرة على سبيل المضادة ، وكذلك النصف غير الثلث فلم يوجد اتفاق الشاهدين لفظا ; فلهذا قال : لا تقبل الشهادة ، وإن شهد أحدهما أنه قال : فلانة طالق لا ، بل فلانة ، وشهد الآخر أنه قال : فلانة طالق يسمي الأولى فقد جازت الشهادة على طلاق الأولى ; لاتفاق الشاهدين على ذلك لفظا ومعنى وما تفرد أحدهما من الزيادة لم يثبت .
وإن شهد أحدهما أنه قال : أنت طالق الطلاق كله . وشهد الآخر أنه قال : أنت طالق بعض الطلاق فعندهما يقضي بتطليقة واحدة ; لاتفاق الشاهدين عليها معنى وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا تقبل هذه الشهادة ; لاختلافهما لفظا ، والمغايرة بين الكل ، والبعض على سبيل المضادة .
( قال ) : وإن شهد أحدهما أنه قال لها : أنت طالق ، وشهد الآخر أنه أقر أنه طلقها فالشهادة جائزة ; لأن الطلاق قول ، وصيغة الإقرار ، والإنشاء فيه واحدة ، فاختلاف الشهود في الإنشاء ، والإقرار لا يكون اختلافا في المشهود به ، وكذلك إن اختلفا في المكان ، والزمان ; لأن القول مما يعاد ويكرر ويكون الثاني هو الأول فباختلافهما في المكان ، والزمان لا يختلف المشهود به لفظا بخلاف الأفعال كالغصب ، والقتل .
( قال ) : وإن شهد أحدهما أنه طلقها بمكة يوم النحر ، وشهد الآخر أنه طلقها في ذلك اليوم بالكوفة كانت شهادتهما باطلة لا لأن المشهود به مختلف ، ولكن ; لأنا تيقنا بكذب أحدهما ، فإن الشخص الواحد في يوم واحد لا يكون بمكة ، والكوفة ، وإذا كانت تهمة الكذب تمنع العمل بالشهادة فالتيقن بالكذب أولى ، ولا [ ص: 154 ] يقال : هذا يتحقق في كرامات الأولياء ; لأن مثل ذلك الولي لا يجحد ما أوقع من الطلاق حتى يحتاج إلى إثباته عليه بالبينة ; ولأنا نبني الأحكام على الظاهر .
( قال ) : ولو شهدا بذلك على يومين متفرقين بينهما من الأيام قدر ما يسير الراكب من الكوفة إلى مكة تقبل شهادتهما ; لأن تهمة الكذب هنا منتفية ; لظهور عدالتهما ، وإنما تعدد مكان ما شهدا به ، وباختلاف المكان لا يختلف المشهود به ، وهو الطلاق .
( قال ) : ولو شهد شاهدان أنه طلق عمرة يوم النحر بالكوفة ، وشهد شاهدان أنه طلق زينب يوم النحر بمكة ، أو أعتق عبده فشهادتهم جميعا باطلة ; لأن القاضي يتيقن بكذب أحد الفريقين ، ولا يعرف الصادق من الكاذب ، فتعذر عليه العمل بشهادتهما .
( قال ) : فإن جاءت إحدى البينتين قبل صاحبتها فحكم بها ، ثم جاءت الأخرى لم يلتفت إليها ; لأن الأولى تأكدت بقضاء القاضي فتعين الكذب في الأخرى إذ لا يجوز نقض القضاء بالشك ، وهو نظير ما لو ادعى رجلان نكاح امرأة ، وأقام كل واحد منهما البينة واستويا لم يقض القاضي لواحد منهما ولو سبق أحدهما بإقامة البينة ، وقضى له ، ثم أقام الآخر البينة لم تقبل بينته ; لهذا المعنى .
( قال ) : ولو قال لامرأتين له : أيتكما أكلت هذا الطعام فهي طالق فجاءت كل واحدة منهما بالبينة أنها أكلته فشهادتهما جميعا باطلة ; لتيقننا بكذب أحد الفريقين فالشرط أكل جميع الطعام من واحدة ، ولا يتصور أن تأكل كل واحدة منهما جميع الطعام .
فإن جاءت إحدى البينتين قبل الأخرى فحكم بها ، ثم جاءت الأخرى لم يلتفت إليها ; لأن بقضائه تعين معنى الصدق في شهادة الفريق الأول فيتعين معنى الكذب في شهادة الفريق الثاني ، وإن كانتا أكلتاه لم تطلق واحدة منهما ; لأن الشرط أكل الواحدة جميع الطعام فإن كلمة أي تتناول كل واحدة من المخاطبتين على الانفراد ، وقد بينا هذا والله سبحانه وتعالى أعلم بالصدق ، والصواب ، وإليه المرجع ، والمآب .
باب طلاق المريض
( قال ) : رضي الله عنه ، وإذا طلق المريض امرأته ثلاثا ، أو واحدة بائنة ، ثم مات ، وهي في العدة ، فلا ميراث لها منه في القياس ، وهو أحد أقاويل الشافعي رضي الله عنه ، وفي الاستحسان ترث منه ، وهو قولنا ، وقال ابن أبي ليلى : وإن مات بعد انقضاء عدتها ترث منه ما لم تتزوج بزوج آخر ، وهو قول الشافعي رضي الله تعالى عنه ، وقال مالك رحمه الله ، وإن مات [ ص: 155 ] بعد ما تزوجت بزوج آخر ، فلها الميراث منه ، وجه القياس أن سبب الإرث انتهاء النكاح بالموت ، ولم يوجد ; لارتفاعه بالتطليقات ، والحكم لا يثبت بدون السبب كما لو كان طلقها قبل الدخول ; ولأن الميراث يستحق بالنسب تارة وبالزوجية أخرى ، ولو انقطع النسب لا يبقى استحقاق الميراث به سواء كان في صحته ، أو في مرضه فكذلك إذا انقطعت الزوجية ، ولكنا استحسنا ; لاتفاق الصحابة رضي الله عنهم ، فقد روى إبراهيم رحمه الله تعالى قال : جاء عروة البارقي إلى شريح من عند عمر رضي الله تعالى عنه بخمس خصال ، منهن إذا طلق المريض امرأته ثلاثا ، ورثته إذا مات ، وهي في العدة ، وعنالشعبي أن أم البنين بنت عيينة بن حصن الفزاري كانت تحت عثمان بن عفان رضي الله عنه ففارقها بعد ما حوصر ، فجاءت إلى علي رضي الله عنه بعد ما قتل ، وأخبرته بذلك ، فقال : تركها حتى إذا أشرف على الموت فارقها ، وورثها منه ، وإن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه طلق امرأته تماضر آخر التطليقات الثلاث في مرضه فورثها عثمان رضي الله عنه ، وقال : ما اتهمته ، ولكني أردت السنة ، وعن عائشة رضي الله عنها أن امرأة الفار ترث ما دامت في العدة ، وعن أبي بن كعب رضي الله عنه أنها ترث ما لم تتزوج ، وقال ابن سيرين : كانوا يقولون : من فر من كتاب الله تعالى رد إليه يعني هذا الحكم ، والقياس يترك بإجماع الصحابة رضي الله عنهم فإن قيل : لا إجماع هنا ، فقد قال ابن الزبير رضي الله عنه في حديث تماضر : لو كان الأمر إلي لما ورثتها .
وقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه : ما طلقتها ضرارا ولا فرارا ، قلنا : معنى قول ابن الزبير رضي الله عنه : ما ورثتها ، أي ; لجهلي بوجه الاستحسان فتبين أنه كان يخفى عليه ما لم يخف على عثمان رضي الله عنه ، وفي بعض الروايات أنها سألته الطلاق فمعنى قولها : ما ورثها ; لأنها سألته الطلاق ، وبه نقول ، ولكن توريث عثمان رضي الله عنه إياها بعد سؤالها الطلاق دليل على أنه كان يورثها قبله ، وقد قيل : ما سألته الطلاق ولكنه قال لها : إذا طهرت فآذنيني ، فلما طهرت آذنته ، وبهذا لا يسقط ميراثها ، وابن عوف رضي الله عنه لم ينكر التوريث إنما نفى عن نفسه تهمة الفرار حتى روي أن عثمان رضي الله عنه عاده ، فقال : لو مت ورثتها منك ، فقال : أنا أعلم ذلك ما طلقتها ضرارا ولا فرارا ، والمعنى فيه أنه قصد إبطال حقها عن الميراث بقوله : فيرد عليه قصده كما لو وهب جميع ماله من إنسان ، وإنما قلنا ذلك ; لأن بمرض الموت تعلق حق الورثة بماله ; ولهذا يمنع عن التبرع بما زاد على الثلث ، ثم استحقاق الميراث بالسبب ، والمحل .
فإذا كان تصرفه في المحل يجعل [ ص: 156 ] كالمضاف إلى ما بعد الموت حكما ; إبقاء لحق الوارث ، فتصرفه بالسبب بالرفع يجعل كالمضاف إلى ما بعد الموت حكما ، بل ، أولى ; لأن الحكم يضاف إلى السبب دون المحل ، وإذا صار كالمضاف ، كان النكاح بينهما قائما عند الموت حكما ; ولهذا قال ابن أبي ليلى رضي الله تعالى عنه : إن عدتها في حق الميراث لا تنقضي حتى إن لها الميراث ما لم تتزوج ، فإذا تزوجت فهي التي رضيت بسقوط حقها ، ولها ذلك كما لو سألته الطلاق في الابتداء ، ولكنا نقول : لما انقضت عدتها حل لها أن تتزوج ، وذلك دليل حكمي مناف للنكاح الأول فلا يبقى معه النكاح حكما كما لو تزوجت ، وهو نظير وجوب الصلاة على التي انقطع دمها فيما دون العشرة بمضي الوقت يجعل كأداء الصلاة في الحكم بانقضاء العدة ، وما قاله مالك من بقاء الميراث بعد التزوج بعيد ; لأن المرأة الواحدة لا ترث من زوجين بحكم النكاح ، وما قاله يؤدي إلى هذا ، ثم بعد انقضاء العدة يكون مسقطا حقها بعوض ، فإنها تقدر على أن تتزوج بزوج آخر فتستحق ميراثه ، وذلك صحيح من المريض كما لو باع ماله بمثل قيمته ، فأما قبل انقضاء العدة يكون هذا إبطالا لحقها بغير عوض ; لأنها لا تقدر على التزوج ، وهذا بخلاف النسب ، فإنه لا ينقطع بمجرد قوله ، إنما ينقطع بقضاء القاضي باللعان ، وذلك أمر حكمي ، ثم النسب بعد ثبوته لا ينقطع ، ولكن يتبين بنفيه أنه لم يكن ثابتا في ولد أم الولد فيتبين أنه لم يكن له حق في ماله ، ولكن الكلام من حيث المعنى ليس بقوي ، فإن بعد ثبوت حرمة المحل إما بالطلقات الثلاث ، أو بالمصاهرة يتعذر إبقاء النكاح حكما ، ولكن يجعل بقاء العدة التي هي حق من حقوق النكاح كبقاء النكاح في حكم التوريث باتفاق الصحابة رضوان الله عليهم ، ولهذا لو كان الطلاق قبل الدخول لا ترث ; لأنه لا عدة عليها ، ولكن هذا في إبقاء ما كان ثابتا لا في إثبات ما لم يكن ثابتا حتى لو كان صحيحا حين طلقها لم ترث منه ، وإنما أقمنا العدة مقام النكاح ; لدفع الضرر عنها ، فإذا كان الطلاق بسؤالها فقد رضيت هي بسقوط حقها فلا ميراث لها منه ، وإن مات ، وهي في العدة .
( قال ) ، وإن كانت المرأة أمة ، أو كتابية حين أبانها في مرضه ، ثم أعتقت الأمة وأسلمت الكتابية فلا ميراث لها منه ، وإن مات ، وهي في العدة ; لأنه لم يكن فارا من ميراثها يوم طلق إذ لم يتعلق حقها بماله في المرض ، فلو ورثت كان فيه إقامة العدة مقام النكاح في ابتداء الاستحقاق بعد العتق ، والإسلام ، وذلك غير ما اتفق عليه الصحابة رضوان الله عليهم فلا يمكن إثباته بالرأي .
( قال ) : ولو طلق المريض امرأته تطليقة رجعية ، ثم مات بعد انقضاء العدة فلا [ ص: 157 ] ميراث لها منه ; لانعدام السبب عند الموت حقيقة وحكما ، وأيهما مات قبل انقضاء العدة ورثه الآخر ; لانتهاء النكاح بينهما بالموت ، وإذا طلقها في مرضه تطليقة بائنة ، ثم صح من مرضه ، ثم مات من غير ذلك المرض ، وهي في العدة فلا ميراث لها منه عندنا ، وقال زفر رحمه الله تعالى : ترث منه ; لأنه صار متهما بالفرار حين طلقها في مرضه ; ولأن حقها كان متعلقا بماله عند الطلاق وعند الموت فلا يعتبر ما تخلى بينهما ، فكأنه لم يصح حتى مات في مرضه ، ولكنا نقول : حقها إنما يتعلق بماله بمرض الموت ، ومرض الموت ما يتصل به الموت ، ولم يوجد ذلك ، وكل مرض يعقبه برء فهو بمنزلة حالة الصحة فكأنه طلقها ، وهو صحيح ، ثم مرض ومات .
وإن كانت المرأة هي التي ماتت في جميع هذه الوجوه لم يرثها الزوج ; لأنه رفع السبب باختياره ، ولم يكن له حق في مالها في حال قيام الزوجية ; ليبقى ذلك ببقاء العدة
ثم جمع بين فصول أربعة : أحدها أن يعلق طلاقها بفعل نفسه ، والثاني أن يعلق بفعل أجنبي ، والثالث بمجيء الوقت ، والرابع بفعلها ، وكل فصل من ذلك على وجهين إما أن يكون التعليق ، والوقوع في المرض ، أو التعليق في الصحة ، والوقوع في المرض أما الفصل الأول ، وهو ما إذا علق بفعل نفسه ، وقال : إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا ، ثم دخل الدار فلها الميراث إذا مات ، وهي في العدة .
أما إذا كان التعليق ، والوقوع في المرض فلأنه متهم بالفرار ، والقصد إلى إبطال حقها عن ماله ، وإن كان التعليق في الصحة ، والوقوع في المرض فكذلك ; لأنه لما أقدم على الشرط في المرض مع علمه أن التطليقات عنده تقع فقد صار قاصدا إلى إبطال حقها فيجعل ذلك كتنجيز الطلاق في هذه الحالة ، ويستوي إن كان الشرط فعلا له منه بد ، أو لا بد له منه كالأكل والشرب والصلاة ; لأنه إن لم يكن له من الفعل بد فقد كان له من التعليق ألف بد .
فأما إذا علق بفعل أجنبي ، فإن كان التعليق في المرض فلها الميراث ; لأنه قاصد إبطال حقها عن ماله فهذا والتنجيز في حقه سواء ، وإن كان التعليق في الصحة ففعل ذلك الفعل الأجنبي في مرضه فلا ميراث لها منه إلا على قول زفر رحمه الله تعالى فإنه يقول : المعلق بالشرط عند وجود الشرط كالمنجز من المعلق فيصير عند فعل الأجنبي كأن الزوج طلقها ثلاثا ، وهو مريض ، ولكنا نقول : لم يوجد من الزوج قصد الفرار ; لأنه حين علق لم يكن لها حق في ماله ، ولم يوجد من جهته صنع بعد ذلك في وجود الشرط ، ولا كان متمكنا من المنع ; لأنه ما كان يقدر على إبطال التعليق ولا على منع الأجنبي من إيجاد الشرط .
فأما إذا كان التعليق بمضي الوقت [ ص: 158 ] بأن قال : إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق ، فإن كان التعليق في المرض ، فلها الميراث منه ; لوجود قصده إلى إبطال حقها بعد ما تعلق بماله ، وإن كان التعليق في الصحة ، ثم جاء رأس الشهر ، وهو مريض لم ترثه عندنا ; لما بينا ، وقال زفر رحمه الله تعالى : ترثه ، وهذا ، والأول سواء ، وكذلك لو قال : أنت طالق ثلاثا غدا ، ثم مرض قبل مجيء الغد
فأما إذا علق بفعلها ، فإن كان التعليق في المرض ، والفعل فعل لها منه بد كدخول الدار وكلام أجنبي ففعلت فلا ميراث لها ; لأنها لما أقدمت على إيجاد الشرط مع استغنائها عنه فقد صارت راضية بسقوط حقها عن ماله فيكون هذا بمنزلة ما لو سألته الطلاق ، وإن كان الفعل فعلا لا بد لها منه كالأكل ، والشرب ، والصلاة المكتوبة ، وكلام الأبوين ، أو أحد من ذوي الرحم المحرم منها فلها الميراث إذا مات ، وهي في العدة ، لأنها مضطرة إلى إيجاد هذا الشرط ; فلا تصير بالإقدام عليه راضية بسقوط حقها من ماله ، وتقاضي دينها من الفعل الذي لا بد لها منه ، إذا كانت تخاف فوت حقها بترك التقاضي ، فأما إذا كان التعليق في الصحة ففعلت في المرض ، فإن كان لها من الفعل بد فلا إشكال أنها لا ترث ، وإن لم يكن لها من الفعل بد فلها الميراث في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى ولا ميراث لها في قول محمد رحمه الله تعالى ; لأنه حين علق الزوج الطلاق لم يكن لها في ماله حق ; فلا يتهم بقصده الفرار ، ولم يوجد بعد ذلك منه صنع ، وأكثر ما في الباب أن ينعدم رضاها ، أو فعلها باعتبار أنها لا تجد منه بدا ; فيكون هذا كالتعليق بفعل أجنبي ، أو بمجيء رأس الشهر ، وقد بينا أن هناك لا ترث إذا كان التعليق في الصحة فكذلك هنا ، وهما يقولان : هي مضطرة إلى الإقدام على هذا الفعل ; فإنها إن لم تقدم تخاف على نفسها ، أو تخاف العقوبة ، وإن أقدمت سقط حقها فكانت مضطرة ملجأة ، وهو الذي ألجأها إلى ذلك .
والأصل أن الملجأ يصير آلة للملجئ ، والفعل في الحكم الموجود من الملجئ كالمكره على إتلاف المال فبهذا المعنى تصير كأن الفعل وجد من الزوج حكما فلها الميراث .
( قال ) : وإذا بانت بالإيلاء في مرضه ، فإن كان الإيلاء منه في مرضه فلها الميراث إذا مات ، وهي في العدة ، وإن كان أصل الإيلاء في صحته فلا ميراث لها ; لأن المولى في المعنى يصير كأنه قال : إن مضت أربعة أشهر ، ولم أقربك فيها فأنت طالق تطليقة بائنة ، وقد بينا في التعليق بمجيء الوقت أنه إن كان التعليق في المرض ، فلها الميراث ، وإن كان التعليق في الصحة ، فلا ميراث لها ، فكذلك في الإيلاء ، ولو قال المريض لامرأته : إن شئت فأنت طالق ثلاثا فشاءت ، أو خيرها فاختارت نفسها لم ترث منه ; لأنها رضيت بسقوط حقها فكأنها سألته الطلاق ، أو [ ص: 159 ] اختلعت منه .
( قال ) : ولو قال لها ، وهو مريض : إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق ثلاثا ، فجاء رأس الشهر ، وهو صحيح فلا ميراث لها ، وكذلك لو آلى منها ، وهو مريض وتمت المدة ، وهو صحيح ; لأنه حين وقعت الفرقة بينهما لم يكن لها حق في ماله فكأنه نجز طلاقها في هذه الحالة ، ولو قال لها ، وهو صحيح : إذا مرضت فأنت طالق ثلاثا ، ثم مرض ومات ورثته ; لأن المعلق بالشرط عند وجود الشرط كالمنجز ، ولما جعل الشرط مرضه مع علمه أن بمرضه يتعلق حقها بماله فقد قصد الفرار ، وكان أبو القاسم الصفار يقول : لا ترثه ; لأن الطلاق يقع عليها عند ابتداء مرضه ، وعند ذلك هو لا يكون صاحب فراش ، والمريض الذي يتعلق حق الوارث بماله ما يضنيه ويجعله صاحب فراش ، وإن قال في مرضه : قد كنت طلقتك ثلاثا في صحتي وقع الطلاق عليها ساعة أقر ، ولها الميراث منه ; لأنه متهم بالفرار بهذا الإقرار ، كما يكون متهما بإنشاء الطلاق ، وهذا ; لأنه في الإسناد إلى حالة الصحة متهم في حقها ; لأنه لو أنشأ الطلاق في هذه الحالة لم يسقط ميراثها ; فلهذا لا يقبل قوله في الإسناد في حقها .
( قال ) : وإن أقر في مرضه أنه قد جامع أم امرأته في الصحة ، أو أن بينهما رضاعا ، أو أنه تزوجها بغير شهود ، أو في عدة من زوج كان لها قبله لم يصدق في إبطال ميراثها ; لكونه متهما في ذلك ، ويجعل هذا كإنشاء سبب الفرقة منه
( قال ) : وإذا قال لامرأته في مرضه : إذا صححت فأنت طالق ، ثم صح من مرضه وقع الطلاق عليها ; لوجود الشرط ، ولا ميراث لها إن مرض بعد ذلك ومات ; لأنه حين وقع الطلاق عليها لم يكن لها حق في ماله ; فلا يكون هو قاصدا الفرار .
( قال ) : ولو قال لامرأته : أنت طالق ثلاثا قبل أن أقتل ، أو قبل أن أموت من مرض كذا ، وكذا بشهر فمات مما قال ، أو من غيره قبل مضي شهر ، أو بعده لم تطلق ; لأن ما عرف الوقت به ليس بكائن لا محالة فصار في معنى الشرط بمنزلة قدوم فلان على ما تقدم ، ولو وقع الطلاق ، لوقع بعده ، ولا نكاح بينهما بعد ما قتل ; فلهذا لا تطلق ، ولها الميراث فإن قال : أنت طالق ثلاثا قبل موتي بشهر ونصف ، أو بأقل من شهرين فمات بعد مضي ذلك الوقت الذي قاله فجأة ، أو مرض ، ثم مات ; وقع الطلاق عليها عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى قبل موته كما قال ، ولها الميراث وعندهما لا تطلق ; لما بينا أن عندهما الموت يصير في معنى الشرط ، وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى هو معرف للوقت ، فإنما يقع الطلاق من أوله ، ولكن عدتها لا تنقضي بما دون الشهرين ، فكان لها الميراث ويصير الزوج فارا ; لأن الطلاق [ ص: 160 ] لا يقع ما لم يشرف على الموت ويتعلق حقها بماله .
وإن كان قال : قبل موتي بشهرين ، أو بأكثر من ذلك ، ثم مات قبل مضي الشهرين لم يقع الطلاق ، ولها الميراث ; لأن الوقت الذي أضاف إليه الطلاق يوجد بعد كلامه ، وإن عاش مثل ما سمى ، أو أكثر ، ثم مات وقع عليها الطلاق قبل موته بما سمى ، ولا ميراث لها منه ; لأن العدة قد تنقضي في شهرين بثلاث حيض ، وكذلك لو كان وقت وقوع الطلاق مريضا ، إذا كان الكلام في الصحة ، وإن كانت صغيرة ، أو آيسة فعدتها ثلاثة أشهر ، ولها الميراث إلا أن يسمي من الوقت ثلاثة أشهر ، أو أكثر ، وهذا كله قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، فأما عندهما لا يقع الطلاق في شيء من ذلك ، وإن وقت سنة ، ولها الميراث ; لأن عندهما الموت في معنى الشرط فلو وقع الطلاق لوقع بعده
( قال ) : وإذا قال لها ، وهو صحيح : أنت طالق ثلاثا قبل موتى بشهر ، ثم مات فجأة بغير مرض فلها الميراث ; لأنه ذكر الموت فيما وقع عليها من الطلاق فيصير به فارا من ميراثها ، وإن استند الوقوع إلى حالة الصحة إذا مات قبل انقضاء العدة .
( قال ) : وإذا طلق المريض امرأته واحدة بائنة ، ثم تزوجها في عدتها ، ثم طلقها قبل أن يدخل بها فعليها عدة مستقبلة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى باعتبار أن الدخول السابق على العقد الثاني يجعل كالموجود بعده ، وقد بينا هذا في كتاب النكاح فلها المهر كاملا ، والميراث ، وله عليها الرجعة مادام في العدة ، وكذلك لو كان الطلاق الأول في الصحة ، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ، وعند محمد رحمه الله تعالى لا رجعة له عليها ، ولها نصف المهر ، وتتم بقية عدتها من الطلاق الأول ; لأن الطلاق في النكاح الثاني حصل قبل الدخول ، ولم يبين حكم الميراث ، ولا ميراث لها منه عند محمد رحمه الله تعالى ; لأنه لم يلزمها العدة بالطلاق الثاني ; لأنه طلاق قبل الدخول وحكم الفرار لا يثبت بالطلاق قبل الدخول .
( قال ) : وإذا اختلعت نفسها من زوجها في مرضه ، أو جعل أمرها بيدها فطلقت نفسها فلا ميراث لها منه ; لأن وقوع الفرقة بفعلها إما بقبولها البدل ، أو بإيقاعها الطلاق على نفسها ، وهذا أبين في إسقاط حقها من سؤال الطلاق
( قال ) : وإذا قال المريض لامرأته وهي أمة : أنت طالق غدا ثلاثا ، وقال المولى لها : أنت حرة غدا فجاء الغد وقع الطلاق ، والعتاق معا ، ولا ميراث لها منه ; لأن الزوج حين تكلم بالطلاق لم يقصد الفرار إذ لم يكن لها حق في ماله يومئذ ; ولأن الطلاق ، والعتاق يقعان معا ; لأن كل واحد منهما مضاف إلى الغد ، ثم العتق يصادفها وهي رقيقة فكذلك [ ص: 161 ] الطلاق يصادفها وهي رقيقة فلا ميراث لها ، وكذلك لو كان المولى تكلم بالعتق قبل كلام الزوج ; لأن العتق لم يلزمه بقول المولى ، ألا ترى أنه يمكنه أن يبيعها ولا تعتق غدا فلا يصير الزوج فارا ; ولأن الوقوع يصادفها وهي رقيقة ، فلو ثبت حقها في ماله إنما يثبت بعد العتق ، ولا نكاح بينهما بعد العتق .
( قال ) : وإذا قال : إذا أعتقت فأنت طالق ثلاثا كان فارا ; لأن الطلاق هنا إنما يقع بعد العتق وبعد ما يتعلق حقها بماله فقد قصد إسقاط حقها فيرد عليه قصده .
( قال ) : وإن قال لها المولى : أنت حرة غدا ، وقال الزوج : أنت طالق ثلاثا بعد الغد ، فإن كان يعلم بمقالة المولى فهو فار ، وإن لم يعلم بذلك فليس بفار ; لأنه لا حق لها في ماله حين علق الزوج ; لكونها رقيقة ، ولكنه إذا أضاف إلى وقت يعلم أنها تكون حرة في ذلك الوقت ، وإن حقها يكون متعلقا بماله فقد قصد إبطال حقها ، وإن لم يعلم بذلك لم يكن قاصدا إسقاط حقها فلهذا لا ترثه .
وإن أعتقها المولى ، ثم طلقها الزوج ثلاثا ، وهو لا يعلم بالعتق فلها الميراث منه ; لأنها حين عتقت ، والزوج مريض فقد تعلق حقها في ماله ، فلو سقط إنما يسقط بإيقاعه الثلاث ، وذلك غير مسقط لميراثها مادام في العدة ، وجهل الزوج بالعتق لا يكون معتبرا في إسقاط حقها ، وهذا بخلاف ما سبق من قول الزوج لها : أنت طالق ثلاثا بعد غد ; لأن هناك لا حق لها في ماله حين تكلم الزوج بالطلاق .
ألا ترى أنه لو نجز طلاقها في ذلك الوقت لم ترث ، فلم يكن الزوج مسقطا حقا ثابتا لها ، ولكن إذا كان عالما بمقالة المولى فقد أضاف الطلاق إلى وقت يعلم حريتها فيه ، فكان ذلك قصدا منه الإضرار بها فيرد عليه قصده ، وإن لم يكن عالما بمقالة المولى فلم يوجد منه القصد إلى إضرارها فلا يكون فارا لهذا .
( قال ) : وإذا كانت المرأة حرة كتابية ، فقال لها : أنت طالق ثلاثا غدا ، ثم أسلمت قبل الغد ، أو بعده فلا ميراث لها منه ; لأنه حين تكلم الزوج بالطلاق لم يكن لها حق في ماله ، لو نجز الثلاث لم ترث ، ولم يقصد الإضرار بها بإضافة الطلاق إلى الغد ; لأنه ما كان يعلم أنها تسلم قبل مجيء الغد فلم يكن فارا .
( قال ) : وإذا قال لها : إذا أسلمت فأنت طالق ثلاثا كان فارا ; لأنه قصد الإضرار بها حين أضاف الطلاق إلى وقت تعلق حقها بما له ، وهو ما بعد الإسلام ، وهذا نظير ما سبق إذا قال الصحيح لامرأته إذا جاء : رأس الشهر فأنت طالق ، ثم مرض قبل مجيء رأس الشهر لم يكن فارا ، ولو قال : إذا مرضت فأنت طالق ثلاثا كان فارا ، وإن أسلمت فطلقها ثلاثا ، وهو لا يعلم بإسلامها فلها الميراث منه ; لأن إيقاع الثلاث كان بعد تعلق حقها بماله ، وجهل الزوج غير معتبر في إسقاط حقها [ ص: 162 ] بعد ما تعلق بماله .
( قال ) : وإذا أسلمت امرأة الكافر ، ثم طلقها ثلاثا ، وهو مريض ، ثم أسلم ومات وهي في العدة فلا ميراث لها منه ; لأنه حين ، أوقع الثلاث قبل إسلامه فهو غير فار إذ لم يكن لها ميراث منه ، فإن اختلاف الدين يمنع توريث المسلم من الكافر بخلاف ما لو كان أسلم قبل الطلاق ، وهو يعلم بإسلامها ، أو لا يعلم ، فإن هناك إنما ، أوقع الطلاق بعد ما تعلق حقها بماله وكذلك العبد إذا طلق امرأته في مرضه ، ثم عتق وأصاب مالا فلا ميراث لها ; لأنه لم يكن فارا حين طلق ; لأنه ما كان يعلم أنه يعتق ، وإذا قال : إذا أعتقت فأنت طالق ثلاثا فهو فار ; لأنه بالإضافة إلى ما بعد عتقه قاصد الإضرار بها .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|