
11-12-2025, 11:21 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,529
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي
الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس
صـــ 142 الى صـــ 151
(126)
( قال ) : ولو قال لامرأته ، وقد دخل بها : أنت طالق كل يوم ، فإن لم يكن له نية لم تطلق إلا واحدة عندنا ، وعند زفر تطلق ثلاثا في ثلاثة أيام ; لأن قوله : أنت طالق إيقاع ، وكلمة كل تجمع الأسماء فقد جعل نفسه موقعا للطلاق عليها في كل يوم ، وذلك بتجدد الوقوع حتى تطلق ثلاثا ، ألا ترى أنه لو قال : أنت طالق في كل يوم طلقت ثلاثا في كل يوم واحدة ، ولكنا نقول : كلامه صفة ، وقد وصفها بالطلاق في كل يوم ، وهي بالتطليقة الواحدة تتصف به في الأيام كلها ، وإنما جعلنا كلامه إيقاعا لضرورة تحقيق الوصف ، وهذه الضرورة ترتفع بالواحدة ، ألا ترى أنه لو قال : أنت طالق أبدا لم تطلق إلا واحدة بخلاف قوله : في كل يوم ; لأن حرف " في " للظرف ، والزمان ظرف للطلاق من حيث الوقوع فيه فما يكون اليوم ظرفا له لا يصلح الغد ظرفا له فيتجدد الإيقاع ; لتحقيق ما اقتضاه حرف في ، وفي قوله : كل يوم إن قال : أردت أنها طالق كل يوم تطليقة أخرى فهو كما نوى ، وتطلق ثلاثا في ثلاثة أيام إما ; لأنه أضمر حرف " في " أو ; لأنه أضمر التطليقة فكأنه قال : أنت طالق كل يوم تطليقة .
( قال ) : وكذلك لو قال : أنت طالق اليوم وغدا وبعد غد ، فإن لم يكن له نية فهي واحدة ; لأن بوقوع الواحدة عليها تتصف بالطلاق في هذه الأيام ، وإن نوى ثلاثا فهو كما نوى ، وهي طالق كل يوم واحدة حتى تستكمل ثلاثا في اليوم الثالث إما ; لإضمار حرف " في " أو ; لإضمار التطليقة .
( قال ) : وإن قال : أنت طالق ما لا يجوز عليك من الطلاق ، أو ما لا يقع عليك من الطلاق فهي طالق واحدة رجعية ; لأن آخر كلامه لغو ، فإنه ليس فيما يملكه الزوج عليها طلاق موصوف بما ذكر ، وكذلك إن قال : أنت طالق ثلاثا لا يقعن عليك ، أو ثلاثا لا يجزن عليك فهي طالق ثلاثا ; لما بينا ، وفي النوادر قال : أنت طالق أقبح الطلاق قال : عند أبي يوسف رحمه الله تعالى تطلق تطليقة رجعية ، وعند محمد رحمه الله تعالى تطلق تطليقة بائنة ; لأنه جعل القبح صفة للطلاق ، وذلك هو الطلاق المزيل للملك وأبو يوسف رحمه الله تعالى يقول : قد يكون القبح بالإيقاع في غير وقت السنة فلا تثبت صفة البينونة بالشك .
( قال ) : ولو قال : أنت طالق ثلاثا ، وأنا بالخيار ثلاثة أيام فالخيار باطل ، والطلاق واقع ; لأن اشتراط الخيار للفسخ بعد الوقوع لا للمنع عن الوقوع [ ص: 143 ] والطلاق لا يحتمل الفسخ بعد وقوعه فيلغو شرط الخيار فيه ، والعتق كذلك .
( قال ) : ولو قال لامرأته : اذهبي فتزوجي ، فإن كان نوى طلاقا فهو طلاق ، وإن نوى ثلاثا فثلاث ، وإن نوى واحدة فواحدة بائنة ، وإن لم يكن له نية فليس بشيء ; لأن كلامه محتمل فلا يتعين معنى الطلاق فيه إلا بالنية ، وهو محتمل للطلاق ; لأنه ألزمها الذهاب من بيته ، روي عن محمد رحمه الله تعالى أنه لو قال لها : افلحي أو استفلحي ينوي به الطلاق فهو بمنزلة قوله : اذهبي ; لأن العرب تقول : أفلح بخير أي اذهب بخير ، وكذلك لو قال : استفلحي ; لأن معناه اطلبي فحلا فكان هذا ، وقوله تزوجي سواء والله أعلم .
باب طلاق الأخرس
( قال ) : وإذا طلق الأخرس امرأته في كتاب ، وهو يكتب جاز عليه من ذلك ما يجوز على الصحيح في كتابه ; لأن الأخرس عاجز عن الكلام ، وهو قادر على الكتاب فهو والصحيح في الكتاب سواء ، والأصل أن البيان بالكتاب بمنزلة البيان باللسان ; لأن المكتوب حروف منظومة تدل على معنى مفهوم كالكلام ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مأمورا بتبليغ الرسالة ، وقد بلغ تارة بالكتاب وتارة باللسان ، ثم الكتاب على ثلاثة أوجه : ( أحدها ) أن يكتب طلاقا ، أو عتاقا على ما لا يتبين فيه الخط كالهواء ، والماء ، والصخرة الصماء فلا يقع به شيء نوى أو لم ينو ; لأن مثل هذه الكتابة كصوت لا يتبين منه حروف ، ولو وقع الطلاق لوقع بمجرد نيته ، وذلك لا يجوز .
( الثاني ) أن يكتب طلاق امرأته على ما يتبين فيه الخط ، ولكن لا على رسم كتب الرسالة فهذا ينوي فيه ; لأن مثل هذه الكتابة قد تكون للإيقاع ، وقد تكون لتجربة الخط ، والقلم ، والبياض ، وفيه ينوي كما في الألفاظ التي تشبه الطلاق ، فإن كان صحيحا تبين نيته بلسانه ، وإن كان أخرس تبين نيته بكتابه .
( والثالث ) أن يكتب على رسم كتب الرسالة طلاق امرأته أو عتاق عبده فيقع الطلاق ، والعتاق بهذا في القضاء ، وإن قال : عنيت به تجربة الخط لا يدين في القضاء ; لأنه خلاف الظاهر ، وهو نظير ما لو قال : أنت طالق ، ثم قال : عنيت الطلاق من وثاق ، ثم ينظر إلى المكتوب ، فإن كان كتب : امرأته طالق فهي طالق سواء بعث الكتاب إليها ، أو لم يبعث ، وإن كان المكتوب : إذا وصل إليك كتابي هذا فأنت طالق ، فما لم يصل إليها لا يقع الطلاق ; كما لو تكلم [ ص: 144 ] بما كتب ، فإن ندم على ذلك فمحى ذكر الطلاق من كتابه ، وترك ما سوى ذلك ، وبعث بالكتاب إليها فهي طالق إذا وصل إليها الكتاب ; لوجود الشرط ، ومحوه كرجوعه عن التعليق ، فإن محى الخطوط كلها ، وبعث بالبياض إليها لم تطلق ; لأن الشرط لم يوجد فإن ما وصل إليها ليس بكتاب ، ولو جحد الزوج الكتاب ، وأقامت عليه البينة أنه كتبه بيده فرق بينهما في القضاء ; لأن الثابت بالبينة عليه كالثابت بإقراره .
وإن كان الأخرس لا يكتب ، وكانت له إشارة تعرف في طلاقه ونكاحه وشرائه وبيعه فهو جائز استحسانا ، وفي القياس لا يقع شيء من ذلك بإشارته ; لأنه لا يتبين بإشارته حروف منظومة ; فبقي مجرد قصده الإيقاع ، وبهذا لا يقع شيء ، ألا ترى أن الصحيح لو أشار لا يقع شيء من التصرفات بإشارته ولكنه استحسن ، فقال : الإشارة من الأخرس كالعبارة من الناطق ، ألا ترى أن في العبادات جعل هكذا حتى إذا حرك شفتيه بالتكبير ، والقرآن جعل ذلك بمنزلة القراءة من الناطق ، فكذلك في المعاملات ; وهذا لأجل الضرورة ; لأنه محتاج إلى ما يحتاج إليه الناطق ، فلو لم يجعل إشارته كعبارة الناطق أدى إلى أن يموت جوعا ، وهذه الضرورة لا تتأتى في حق الناطق ; ولهذا قلنا : المريض .
وإن اعتقل لسانه لا ينفذ تصرفه بإشارته ; لأنه لم يقع اليأس عن نطقه ، وإقامة الإشارة مقام العبارة عند وقوع اليأس عن النطق ; لأجل الضرورة ، وإن لم تكن له إشارة معروفة يعرف ذلك منه ، أو يشك فيه فهو باطل ; لأنه لا يوقف على مراده بمثل هذه الإشارة ; فلا يجوز الحكم بها
ولم يذكر في الكتاب حكم الطلاق بالفارسية .
وقد روي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن الفارسي إذا قال لامرأته : هسته ، أو قال : از زنى هسته ، ينوي في ذلك ، فإن نوى ثلاثا فثلاث ، وإن نوى واحدة فواحدة رجعية ويستوي إن كان في حال مذاكرة الطلاق ، أو لم يكن ، وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى إن قال : هسته ، ينوي فيه ، ولو قال : از زني هسته فهي تطليقة رجعية إلا أن ينوي ثلاثا ، وعند محمد رحمه الله تعالى في قوله : بهستمت ، أو از زني بهستمت ، أنه طلاق ، وكأنهم جعلوا هذا اللفظ تفسيرا للتخلية ; ولهذا قال زفر رحمه الله تعالى يكون الواقع به بائنا ، ولكن أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى قالا : يحتمل أن يكون هذا في معنى التخلية ; فيكون الواقع به بائنا ، ويحتمل أن يكون هذا معنى لفظ آخر ، فلا تثبت البينونة بالشك ، ولكنا نقول : نحن أعرف بلغتنا منهم ، والواقع بهذا اللفظ عندنا تطليقة رجعية سواء نوى الطلاق ، أو لم ينو ، أو نوى الثلاث أو لم ينو ; لأن هذا اللفظ [ ص: 145 ] في لساننا صريح بمنزلة الطلاق في لسان العرب ، وإنما معنى تفسير التخلية بله كردم فينوي في ذلك ، والحاصل أن كل لفظ لا يستعمل إلا مضافا إلى النساء فهو صريح ، وكل ما يستعمل في النساء ، وغير النساء فهو بمنزلة الكناية ينوي فيه ، فقوله : بله كردم ، يستعمل في غير النساء كما يستعمل في النساء ، فأما قوله : هسته أو بهستمت لا يستعمل إلا في النساء فيكون صريحا والله أعلم بالصواب ، وإليه المرجع ، والمآب .
باب الشهادة في الطلاق
( قال ) : رضي الله عنه وإذا شهد شاهدان أنه طلق إحدى امرأتيه بعينها ، وقالا : قد سماها لنا لكنا نسيناها ، فشهادتهما باطلة عندنا ، وقال زفر رحمه الله تعالى : تقبل شهادتهما ، ويحال بينه وبينهما إذا شهدا بالثلاث حتى يبين المطلقة منهما ; لأن الثابت بشهادتهما كالثابت بإقرار الزوج ، ولو أقر أنه طلق إحداهما بعينها ، وقال : قد نسيتها أمر أن لا يقرب واحدة منهما حتى يتذكر وهذا ; لأن الشهادة على الطلاق مقبولة من غير دعوى ، وإنما تنعدم الدعوى ، إذا لم يعرفا المطلقة منهما فوجب قبول شهادتهما بقدر ما حفظا من كلام الزوج ، ولكنا نقول : قد أقرا على أنفسهما بالغفلة وبأنهما ضيعا شهادتهما ولأن القاضي إما أن يقضي بطلاق إحداهما بغير عينها فيكون هذا قضاء بغير ما شهدا ، أو يقضي بطلاق إحداهما بعينها ، ولا يتمكن من ذلك بهذه الشهادة ; لأنهما لم يعينا ، وليست إحداهما بأولى من الأخرى ، فإذا تعذر القضاء بها بطلت الشهادة ; لأنها لا تكون موجبة بدون القضاء بخلاف إقرار الزوج فإنه موجب بنفسه قبل أن يتصل به القضاء فكان ملزما إياه البيان .
وإن شهدا أنه طلق إحداهما بغير عينها ، ففي القياس لا تقبل هذه الشهادة أيضا ; لأن المشهود له مجهول ، وجهالة المشهود له تمنع صحة الشهادة ولكنه استحسن ، فقال : تقبل الشهادة ويجبر على أن يوقع الطلاق على إحداهما ; لأن الجهالة في المشهود له لا تمنع صحة الشهادة لعينها بل ; لانعدام الدعوى فإن الدعوى من المجهول لا تتحقق ، وهذا لا يوجد في الطلاق فإن الشهادة على الطلاق تقبل حسبة من غير دعوى ، وهما أثبتا بشهادتهما قول الزوج إحداهما طالق فكأن القاضي سمع ذلك من الزوج فيجبره على أن يوقع على إحداهما .
( قال ) : وإذا قال الرجل : فلانة بنت فلان طالق ، وسمى امرأته ونسيها ، ثم قال : عنيت بذلك امرأة أجنبية على ذلك الاسم ، والنسب لم يصدق ، والطلاق واقع على امرأته في [ ص: 146 ] القضاء ; لأن كلام العقل محمول على الصحة ما أمكن ، وله ولاية الإيقاع على امرأته دون الأجنبية فلا يصدق فيما يدعي من إلغاء كلامه في القضاء ، ولكن يدين فيما بينه وبين الله تعالى ; لأن ما قاله محتمل ، ويجوز أن يكون مراده أن فلانة طالق من زوجها على سبيل الحكاية ، أو على سبيل الإيقاع فيكون موقوفا على إجازة الزوج ، ولا يسع امرأته أن تقيم معه ; لأنها مأمورة باتباع الظاهر كالقاضي ، فإن قال : هذه المرأة التي عنيتها امرأتي وصدقته في ذلك وقع الطلاق عليها ; لإقرار الزوج بأنها هي المطلقة ، ولم يصدق على إبطال الطلاق عن المرأة المعروفة بذلك ; لأنها تعينت للطلاق في الحكم ، وهو متهم في صرف الطلاق عنها فلا يصدق إلا أن يشهد الشهود على نكاحها قبل أن يتكلم بطلاقها ، أو على إقرارها قبل ذلك فحينئذ يقع الطلاق عليها دون المعروفة ; لأن الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة .
ولو كان تحته معروفتان على اسم ونسب واحد فطلق بذلك الاسم ، والنسب ; كان البيان إليه يوقع الطلاق على أيتهما شاء فكذلك هنا ، وكذلك إن صدقته المرأة المعروفة بذلك ، وفي هذا نوع إشكال فإن المعروفة متهمة في هذا التصديق كما أن الزوج متهم في الإقرار ، ولكنه لم يعتبر هذا الجانب ; لأن الحق لهما ، وقد تصادقا على قيام النكاح بينهما باعتبار أمر محتمل ، ولو تصادقا على النكاح ابتداء ثبت في الحكم بتصادقهما فكذلك إذا تصادقا على بقاء النكاح بينهما .
( قال ) : وإن قال فلانة طالق ، وذلك اسم امرأته طلقت امرأته ، ولم يصدق على صرف الطلاق عنها ; لأن كلامه إيقاع ، وله ولاية الإيقاع على زوجته ، وقد بينا أن كلام العاقل محمول على الصحة فتعينت زوجته لهذا ، والعتاق في هذا قياس الطلاق ، وهذا بخلاف الإقرار إذا قال : لفلان علي ألف درهم فجاء رجل على ذلك الاسم وادعى المال لم يلزمه المال إلا أن يشهد الشهود على إقراره أنه عناه ; لأن الإقرار من المقر تصرف في ذمته من حيث الالتزام فلا يتعين المقر له إلا بدليل موجب للتعين ، وذلك إشارته إليه ، وإقراره أنه عناه ، فأما الطلاق ، والعتاق تصرف على المحل بالإيقاع وزوجته ومملوكته متعينة لذلك ، توضيحه أن جهالة المقر له تمنع صحة الإقرار ، وبمجرد ذكر الاسم لا ترتفع الجهالة وجهالة المطلقة ، والمعتقة لا تمنع صحة الإيقاع ولأن المال بالشك لا يستوجب ، والطلاق ، والعتاق يؤخذ فيهما بالاحتياط ، وكذلك في الإقرار ، ولو قال : لفلان بن فلان علي ألف درهم فالمقر له بهذا القدر لا يصير معلوما كما في الدعوى ، والشهادة بذكر اسمه واسم أبيه لا يصير معلوما إلا بذكر اسم جده أو بنسبه إلى فخذ ، أو يشير إليه فحينئذ يصير [ ص: 147 ] معلوما ويلزمه المال بالإقرار .
( قال ) : وإذا شهد شاهدان على رجل أنه طلق امرأته ثلاثا وجحد الزوج ، والمرأة ذلك فرق بينهما ; لأن المشهود به حرمتها عليه ، والحل ، والحرمة حق الله تعالى فتقبل الشهادة عليه من غير دعوى كما لو شهدوا بحرمتها عليه ، والحل ، والحرمة حق الله تعالى فتقبل الشهادة عليه بنسب أو رضاع أو مصاهرة ، وهذا ; لأنهم يشهدون أن وطأه إياها بعد هذا زنا ، والشهادة على الزنا تقبل من غير دعوى فكذلك على ما يتضمن معنى الزنا ، وعلى هذا الشهادة على عتق الأمة تقبل من غير دعوى ، وفي الشهادة على عتق العبد اختلاف عند أبي حنيفة لا تقبل من غير دعوى وعندهما تقبل على ما نبينه في كتاب العتاق إن شاء الله تعالى .
( قال ) : وإذا كان له امرأتان إحداهما نكاحها صحيح ، والأخرى نكاحها فاسد واسمهما واحد وقال : فلانة طالق ، ثم قال : عنيت التي نكاحها فاسد لم يصدق في القضاء ; لأنها بالنكاح الفاسد لم تصر محلا لوقوع طلاقه عليها فهي كالأجنبية ، والتي نكاحها صحيح محل لوقوع طلاقه عليها فمطلق الاسم يتناولها ، ولا يصدق في صرفه عنها في القضاء ، وإن كان يصدق فيما بينه وبين الله تعالى كما لو قال : نويت أجنبية ، وكذلك لو قال : إحدى امرأتي طالق ; لأنه أوقع الطلاق بهذا اللفظ على امرأته ، وهي التي صح نكاحها دون الأخرى ; لأن بالنكاح الفاسد لا تصير هي امرأته فكأنه ليس في نكاحه إلا امرأة واحدة ، فقال : إحدى امرأتي طالق ، ولو قال : إحداكما طالق لم تطلق امرأته إلا أن يعينها ; لأنه أوقع الطلاق على إحدى اللتين خاطبهما ، وأشار إليهما ، وإحداهما ليست بمحل لطلاقه فلا تتعين امرأته إلا بالنية كما لو جمع بين امرأته وأجنبية ، وقال : إحداكما طالق ، ولو كان في يده عبدان فاشترى أحدهما شراء صحيحا ، واشترى الآخر شراء فاسدا ، فقال : أحدكما حر ، أو أحد عبدي حر فهو سواء ، والقول قوله في البيان ; لأن المشترى شراء فاسدا صار مملوكا له بالقبض ، وصار محلا لعتقه كالمشترى شراء صحيحا فكان كلامه إيقاعا سواء قال : أحد عبدي ، أو قال : أحدكما فكان البيان إليه بخلاف الأولى ، فإن التي نكاحها فاسد ليست بمحل لطلاقه .
( قال ) : وإن قال : فلانة بنت فلان طالق فسمى امرأته ، ونسبها إلى غير أبيها لم تطلق امرأته ; لأنه ما أوقع الطلاق عليها فإنه ما أضافها إلى نفسه بالنكاح ، وما أشار إليها ، ولا عرفها بذكر نسبها ، إنما ذكر امرأة أخرى ، وأوقع الطلاق عليها بما ذكر من الاسم ، والنسب فلا يتناول ذلك امرأته كما لو أشار إلى أجنبية ، وقال : أنت طالق لم تطلق امرأته ، وكذلك لو قال : فلانة الهمدانية طالق [ ص: 148 ] وامرأته تميمية لم تطلق ، وكذلك لو قال : فلانة العمياء طالق ، وامرأته صحيحة العينين ، فإن نوى امرأته بهذا كله طلقت ; لأنه قصد الإيقاع عليها بذكر اسمها ، وما زاد على ذلك فضل من الكلام ، وفي هذا تشديد عليه فتعمل نيته .
وإن كان اسم امرأته زينب ، فقال : فلانة طالق يعني امرأته ، وإنما قال : فلانة ، ولم يسمها فالطلاق واقع عليها ، وإن لم يعنها لم تطلق ; لأنه أوقع الطلاق بذكر مطلق الاسم ، ومطلق الاسم كما يتناولها يتناول غيرها فكان هذا بمنزلة الإيقاع بلفظ الكناية فينوي في ذلك ; لكون اللفظ مبهما محتملا ، وإذا شهد شاهد على تطليقتين ، وشاهد على ثلاث ، والزوج يجحد ذلك ، أو شهد شاهد بتطليقة ، والآخر بتطليقتين ، أو شاهد بتطليقة ، والآخر بثلاث لم تقبل هذه الشهادة في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعندهما وابن أبي ليلى تقبل على الأقل ; لأن المعتبر اتفاق الشاهدين في المعنى دون اللفظ حتى لو شهد أحدهما بالهبة ، والآخر بالتخلي تقبل ، وقد اتفق الشاهدان على الأقل ; لأن الأقل موجود في الأكثر فصار كما لو شهد أحدهما بألف ، والآخر بألف وخمسمائة ، والمدعي يدعي الأكثر تقبل شهادتهما على الأقل ، وكذلك لو شهد أحدهما أنه قال لها : أنت طالق ، والآخر أنه قال لها : أنت طالق وطالق ، أو شهد أحدهما أنه طلقها ، والآخر أنه طلقها وضرتها تقبل شهادتهما على طلاقها ; لاتفاق الشاهدين عليه ; ولأن الموافقة كما تراعى بين الشاهدين تراعى بين الدعوى ، والشهادة .
ثم لو ادعى ألفين ، وشهد شاهدان بألف تقبل الشهادة بالاتفاق ، فكذلك إذا شهد أحد الشاهدين بألف ، والآخر بألفين ينبغي أن تقبل على الأقل وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول اختلف الشاهدان في المشهود به لفظا ومعنى فلا تقبل الشهادة كما لو قال أحدهما : إنه قال لها : أنت خلية ، والآخر : إنه قال : لها أنت برية ، وإنما قلنا ذلك ; لأن أحدهما شهد بالواحدة ، والآخر بثنتين أو بثلاث ، والواحدة أصل العدد لا تركب فيها ، والاثنان ، والثلاث اسم لعدد مركب فكانت المغايرة بينهما على سبيل المضادة ، ومن حيث إن اللفظ الواحد غير التثنية ، والجمع ، والدليل عليه أن مدعي الاثنين أو الثلاثة لا يكون مقرا بالواحد ، إذ لو كان مقرا بالواحد لكان مرتدا بالشرك بعد ذلك فينبغي أن تقبل ، ولأن التطليقتين اسم واحد ، والتطليقة كذلك ، وبزيادة حرف يتغير الاسم كما يقال : زيد وزياد ، ونصر وناصر ، وكذلك في الألف ، والألفين وإذا ثبتت المغايرة كان على كل واحد من الأمرين شاهد واحد ، فلا يتمكن القاضي من القضاء بشيء بخلاف الألف مع الألف [ ص: 149 ] وخمسمائة فإنهما اسمان أحدهما معطوف على الآخر فيحصل الاتفاق بينهما على الألف لفظا ومعنى ، وكذلك في قوله : طالق وطالق ، وفي قوله : فلانة وفلانة ، وهذا بخلاف الدعوى مع الشهادة ، فإن الاتفاق هناك في اللفظ ليس بشرط .
فأما بين الشهادتين الموافقة في اللفظ شرط ، ألا ترى أنه لو ادعى الغصب ، أو القتل وشهد شاهدان بالإقرار به تقبل ، ولو شهد أحد الشاهدين بالغصب ، والآخر بإقرار به لا تقبل ، وهذا ; لأن الشهادة تعتمد اللفظ ، ألا ترى أنها لا تقبل ما لم يقل : أشهد ، والذي يبطل مذهبهما ما ذكر في كتاب الرجوع ، لو شهد شاهدان بتطليقة ، وشاهدان بثلاث تطليقات ، وفرق القاضي بينهما قبل الدخول ، ثم رجعوا ، كان ضمان نصف الصداق على شاهدي الثلاث دون شاهدي الواحدة ، ولو اعتبر ما قالا أن الواحدة توجد في الثلاث ; لكان الضمان عليهم جميعا .
وإن شهد أحدهما أنه طلقها إن دخلت الدار ، وأنها قد دخلت وشهد الآخر أنه طلقها إن كلمت فلانا ، وأنها قد كلمت فلانا فشهادتهما باطلة ; لأن كل واحد منهما أوقع الطلاق بغير ما أوقع به صاحبه ، وإنما شهد كل واحد منهما بتعليق آخر من الزوج ، وليس على واحد من الأمرين شهادة شاهدين ، فإن شهد أحدهما أنه طلقها ثلاثا ، وشهد الآخر أنه قال لها : أنت علي حرام ينوي الثلاث فشهادتهما باطلة ; لاختلافهما في المشهود به لفظا ، وكذلك إن اختلفا في ألفاظ الكنايات كالخلية ، والبرية ; لأن هذه الألفاظ عندنا تعمل بحقائق موجباتها فيكون أحدهما شاهدا بالتخلية ، والآخر بالبراءة ، وكذلك الاختلاف في مقادير الشروط التي علق بها الطلاق ، وفي التعليق ، والإرسال ، وفي مقادير الجعل وصفاتها ، وفي اشتراطها وحذفها ، كل ذلك اختلاف في المشهود به لفظا ومعنى فيمتنع القضاء بهذه الشهادة ; لأنه ليس على كل واحد منهما إلا شاهد واحد وبالشاهد الواحد لا يتمكن القاضي من القضاء ، وإذا شهد أحدهما أنه قال : إن دخلت فلانة الدار فهي طالق وفلانة معها ، وشهد الآخر أنه قال : إن دخلت فلانة الدار فهي طالق وحدها ، وقد دخلت فلانة فهي طالق وحدها ; لأنهما اتفقا على أن الشرط دخولها ، واتفقا أن الجزاء طلاقها ، إنما تفرد أحدهما بزيادة جزاء معطوف على طلاقها ، فيثبت ما اتفقا عليه ، ولا يثبت ما تفرد به أحدهما .
( قال ) : وتجوز شهادة رجل وامرأتين على طلاق المرأة عندنا خلافا للشافعي رحمه الله تعالى ، وقد بينا هذا في النكاح ، وفي الكتاب قال : روي عن عمر رضي الله عنه أنه أجاز شهادة رجل وامرأتين في النكاح . ( قال ) : والطلاق عندنا بمنزلته ، ولا يجوز أقل من ذلك حتى إذا شهد بالطلاق رجل وامرأة ، أو شهد [ ص: 150 ] به أربع نسوة ليس معهن رجل لا تقبل ; لأن الطلاق مما يطلع عليه الرجال .
( قال ) : ولا تجوز شهادة الولد على أبيه ، ولا على غيره بطلاق أمه إذا ادعت ذلك أمه ; لأنه شاهد لها ، والولد متهم في حق أمه ، فإن قيل : لا معتبر بدعواها في الشهادة على الطلاق ( قلنا ) : نعم ، ولكن إذا وجدت الدعوى منها ففي شهادته إظهار صدق دعواها ، وفيه منفعة لها حتى لو كانت هي تجحد ذلك مع الأب ، كانت شهادته مقبولة عليهما ، وعلى هذا لو شهد الأب على طلاق ابنته لا تقبل إذا ادعته ، ويجوز شهادة الأب مع رجل آخر على ابنه بطلاق امرأته ، وكذلك شهادة الابن على أبيه إذا لم تكن لأمه ، والحاصل أن الشهادة على الطلاق بمنزلة الشهادة على سائر الحقوق تقبل من الولد على الوالدين ، ولا تقبل لهما وتقبل من المسلمين على أهل الذمة ، ولا تقبل من أهل الذمة على المسلمين .
( قال ) : وإذا زوج رجل أخته ، ثم شهد هو وآخر على الزوج بطلاقها تقبل ; لأن شهادة الأخ للأخت بسائر الحقوق مقبولة فكذلك الطلاق وهذا ; لأن الطلاق حادث بعد النكاح لا صنع للأخ فيه ; فلا يمتنع شهادته عليه بسبب مباشرته للنكاح بخلاف ما لو شهد على أصل النكاح أن المرأة قد أجازته فإن شهادته لا تقبل ; لأنه هو المزوج ، وقد قصد بشهادته تتميم فعله فلا تقبل شهادته لهذا .
( قال ) : وإذا شهد شاهدان على رجل بالطلاق قبل الدخول فقضى لها بنصف المهر ، ثم رجعا ضمنا للزوج ذلك إما ; لأنه ما قررا عليه ما كان على شرف السقوط بمجيء الفرقة من جانبها ، والمقرر كالموجب ; أو لأن وقوع الفرقة قبل الدخول مسقط لجميع الصداق إلا أن يكون مضافا إلى الزوج فهما بإضافة السبب إلى الزوج ، وهو الطلاق منعا العلة المسقطة من أن تعمل عملها في النصف ; فكان ذلك كالإيجاب منهما فيضمنان إذا رجعا ، وإن رجع أحدهما ضمن الربع .
وإن كان الشاهد رجلا وامرأتين ، ثم رجعت امرأة فعليها ثمن المهر ، وإن رجعوا جميعا فعلى الرجل ربع المهر ، وعلى كل امرأة ثمن المهر ; لأن الثابت بشهادة الرجل ضعف ما يثبت بشهادة المرأة ، فإن عند الاختلاط كل امرأتين تقومان مقام رجل ، ثم المعتبر في الرجوع بقاء من بقي على الشهادة لا رجوع من رجع حتى لو شهد ثلاثة نفر بحق ، ثم رجع أحدهم لم يضمن شيئا ; لأنه قد بقي على الشهادة من يثبت جميع الحق بشهادته ، فإن كان الشاهد بالطلاق رجلين وامرأتين ، ثم رجع رجل وامرأة كان عليهما ثمن المهر أثلاثا ثلثاه على الرجل وثلثه على المرأة ; لأنه قد بقي على الشهادة من يقوم ثلاثة أرباع الحق به ، فإنما انعدمت الحجة في قدر الربع فلهذا ضمنا ذلك [ ص: 151 ] القدر أثلاثا .
فإن رجعت المرأة الأخرى أيضا لزمها مع الراجعين الأولين ربع المهر ; لأنه قد بقي على الشهادة رجل ، وهو يقوم بنصف الحق ، ثم نصف هذا الربع على الرجل الراجع ، ونصفه على المرأتين ، وإن رجعوا جميعا كان على المرأتين سدس المهر ، وعلى الرجلين الثلث ; لأن الثابت بشهادة كل رجل مثل الثابت بشهادة المرأتين .
( قال ) : وإن شهد رجلان بالدخول ورجلان بالطلاق فألزم القاضي الزوج كمال المهر ، ثم رجع شاهدا الطلاق فلا شيء عليهما عندنا ، وعلى قول الشافعي عليهما ضمان مهر المثل ; لأن شاهدي الدخول ثابتان على الشهادة فصار كأن الدخول ثابت بإقرار الزوج فبقيت شهادة الآخرين بالطلاق بعد الدخول ، وذلك غير موجب للضمان عليهما إذا رجعا عندنا ; لأن البضع عند خروجه من ملك الزوج غير متقوم ، وإتلاف ما ليس بمتقوم لا يوجب الضمان عليهما وعنده البضع متقوم عند خروجه من ملك الزوج بمهر المثل كما أنه متقوم عند دخوله في ملك الزوج ، وقد بينا الفرق بينهما في كتاب النكاح ، ثم نقول : لما كان جميع المهر يثبت بشهادة شاهدي الدخول ، وهما ثابتان على الشهادة لم يضمن الراجعان شيئا ، وإن رجع شاهدا الدخول ، ولم يرجع شاهد الطلاق فعليهما نصف المهر ; لأنه قد بقي على الشهادة من يثبت بشهادته نصف المهر ، ألا ترى أنه لو لم يوجد شاهدا الدخول كان القاضي يقضي بنصف المهر بشهادة شاهدي الطلاق فإنما انعدمت الحجة برجوعهما في نصف المهر فيضمنان ذلك ، وإن رجع أحد شاهدي الدخول وأحد شاهدي الطلاق لم يكن على شاهد الطلاق شيء ; لأن الثابت بشهادته وشهادة صاحبه نصف المهر ، وقد بقي على الشهادة من يثبت بشهادته ثلاثة أرباع المهر ، وهو أحد شاهدي الدخول وأحد شاهدي الطلاق ; فلهذا لا يضمن شاهد الطلاق شيئا ويضمن شاهد الدخول ربع المهر ; لأن الحجة قد انعدمت في قدر الربع ، وحقيقة المعنى فيه أن نصف المهر ثابت بشهادة شاهدي الدخول خاصة ، والنصف الآخر ثابت بشهادة الأربعة فالنصف الذي هو ثابت بشهادتهم قد بقي كمال الحجة فيه ببقاء اثنين على الشهادة ، والنصف الذي قد ثبت بشهادة شاهدي الدخول بقي نصفه ببقاء أحدهما على الشهادة ، وانعدمت الحجة في نصفه فلهذا ضمن شاهد الدخول ربع المهر ، وإن رجع شاهدا الطلاق مع أحد شاهدي الدخول كان عليهم ضمان نصف المهر ; لأنه قد بقي من يثبت بشهادته نصف المهر ، وهو أحد شاهدي الدخول فإنما انعدمت الحجة في النصف نصف هذا النصف على شاهد الدخول ، والنصف الآخر عليهم أثلاثا ; لأن نصف المهر ثبت بشهادة شاهدي [ ص: 152 ] الدخول ، وقد بقي نصفه ببقاء أحدهما فيجب نصفه على الآخر ، والنصف الآخر يثبت بشهادة الأربعة ، وقد بقي واحد على الشهادة فيبقى نصف ذلك النصف ببقائه ، وتنعدم الحجة في نصفه فيكون عليهم أثلاثا .
وإن رجعوا جميعا كان على شاهدي الدخول ثلاثة أرباع المهر وعلى شاهدي الطلاق ربع المهر ; لأن النصف يثبت بشهادة شاهدي الدخول خاصة فضمان ذلك عليهما إذا رجعا ، والنصف الآخر يثبت بشهادة الأربعة فيكون عليهم أرباعا نصفه على شاهدي الدخول ونصفه على شاهدي الطلاق .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|