
11-12-2025, 11:15 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,748
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي
الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس
صـــ 132 الى صـــ 141
(125)
وإن كان قال : إن تزوجت امرأة وحدها ، ثم تزوج امرأتين في عقدة لم تطلق واحدة منهما ; لأن التقييد هنا بنص كلامه ، وواحدة منهما لم تتصف منهما بتلك الصفة التي نص عليها في الشرط ; لانضمام الأخرى إليها في العقد ، وإن تزوج أخرى بعدهما طلقت ; لأنها موصوفة بالصفة التي نص عليها في الشرط فإنها امرأة تزوجها وحدها ، وهو كما لو قال : إذا تزوجت امرأة سوداء فهي طالق فتزوج بيضاوين ، ثم تزوج سوداء تطلق الثالثة بخلاف قوله : أول امرأة أتزوجها ; لأن هناك نص في الشرط على وصفين : الفردية ، والسبق ، وقد انعدم في الثالثة صفة السبق ، وهنا الشرط صفة واحدة ، وهي الفردية ، وقد وجد ذلك في الثالثة ; فلهذا تطلق .
وإن قال : يوم أتزوج فلانة فهي طالق فأمر رجلا فزوجها إياه فهي طالق ; لأنه تزوجها بعبارة الوكيل فكأنه تزوجها بعبارة نفسه ، وهذا ; لأن الوكيل في النكاح معبر حتى لا يتعلق به شيء من العهدة ، ولا يستغني عن إضافة العقد إلى الموكل ، وبه فارق البيع ، والشراء إذا حلف لا يفعله فأمر غيره حتى باشره لم يحنث في يمينه ; لأن العاقد لغيره في البيع ، والشراء كالعاقد لنفسه حتى تتعلق به العهدة ، ويستغني عن إضافة العقد إلى الموكل ، ولا يصير الموكل عاقدا [ ص: 133 ] بمباشرة الوكيل ، وإن عني في النكاح ما ولي عقده بنفسه لا يدين في القضاء ، وهو مدين فيما بينه وبين الله تعالى ; لأنه في معنى نية التخصيص في العام فإن مطلق اللفظ يتناول مباشرته بنفسه ومباشرة الغير له بأمره ، وكذلك إن حلف أن لا يطلقها فأمر غيره فطلقها حنث ; لأن الزوج هو المطلق بعبارة الوكيل فإن الوكيل بالطلاق معبر ألا ترى أنه لو قال لها : أنت طالق إن شئت فشاءت أو قال : اختاري فاختارت نفسها كان الزوج هو المطلق لها فكذلك هنا ، وإن قال : نويت أن أطلقها بلساني لم يدن في القضاء ويدين فيما بينه وبين الله تعالى ; لأنه نوى التخصيص في اللفظ العام .
وإذا قال لامرأته ولم يدخل بها : أنت طالق ، وأنت طالق ، وأنت طالق ، أو قال : أنت طالق ، وطالق ، وطالق بانت بالأولى عندنا ، وعند مالك رحمه الله تطلق ثلاثا ; لأن الواو للجمع فجمعه بين التطليقات بحرف الجمع كجمعه بلفظ الجمع بأن يقول لها : أنت طالق ثلاثا ، ولكنا نقول : الواو للعطف فلا يقتضي جمعا ، وليس في آخر كلامه ما يغير موجب أوله ; لأن موجب أول الكلام وقوع الطلاق ، وهو واقع أوقع الثانية ، والثالثة ، أو لم يوقع فتبين بالأولى كما تكلم بها ، ثم قد تكلم بالثانية ، وهي ليست في عدته ، وهذا بخلاف ما لو ذكر شرطا ، أو استثناء في آخر كلامه ; لأن في آخر كلامه ما يغير موجب أوله فتوقف أوله على آخره .
( قال ) : وإن قال لها : أنت طالق واحدة بعدها أخرى ، أو قبل أخرى فهي طالق واحدة ، وهذا الجنس من المسائل ينبني على أصلين ( أحدهما ) أنه متى ذكر النعت بين اسمين فإن ألحق به حرف الكناية ، وهو حرف الهاء كان نعتا للمذكور آخرا ، وإن لم يلحق كان نعتا للمذكور أولا تقول : جاءني زيد قبل عمرو فيكون قبل نعتا لمجيء زيد ، وإذا قلت : قبله عمرو كان نعتا لمجيء عمرو . ( والثاني ) أن من أقر بطلاق سابق يكون ذلك إيقاعا منه في الحال ; لأن من ضرورة الاستناد الوقوع في الحال ، وهو مالك للإيقاع غير مالك للإسناد ، إذا عرفنا هذا فنقول : إذا قال لامرأته ولم يدخل بها : أنت طالق واحدة قبل أخرى تطلق واحدة ; لأن قبل نعت للأولى ، ومعناه قبل أخرى تقع عليك فتبين بالأولى ، ولو قال قبلها أخرى تطلق اثنتين ; لأن قبل نعت للمذكور آخرا فكأنه قال : قبلها أخرى وقعت عليك ، وهذا منه إسناد للثانية إلى وقت ماض فيكون موقعا لها في الحال مع الأولى .
ولو قال : بعد أخرى تطلق اثنتين ; لأن بعد نعت للأولى فيكون معناه بعد أخرى وقعت عليك ، ولو قال : بعدها أخرى تطلق واحدة ; لأن بعدها هنا نعت للثانية ، ومعناه بعدها أخرى تقع عليك فتبين بالأولى .
( قال ) : ولو قال : مع أخرى ، أو معها أخرى تطلق [ ص: 134 ] اثنتين ; لأن كلمة مع للقران فقد قرن إحدى التطليقتين بالأخرى ، وأوقعهما جميعا ، وكذلك إن قال : اثنتين مع واحدة ، أو معها واحدة ، أو قبلها واحدة فهي طالق ثلاثا ; لما قلنا .
( قال ) : ولو قال : أنت طالق واحدة ونصفا قبل الدخول كانت طالقا اثنتين عندنا ، وعند زفر رحمه الله تعالى واحدة ; لأن نصف التطليقة كمالها فكأنه قال : أنت طالق واحدة وواحدة ولكنا نقول هذا كله ككلام واحد معنى ; لأنه لا يمكنه أن يعبر عن واحدة ونصف بعبارة أوجز من هذه فإن لواحدة ونصف عبارتين ، إما هذه ، وإما اثنتان إلا نصف ، وذلك لا يصير معلوما إلا بالاستثناء ، وهذا معلوم في نفسه فهو أولى العبارتين ، وإذا كان كلاما واحدا معنى لا يفصل بعضه عن بعض بخلاف قوله : واحدة ، وواحدة فكأنهما عبارتان ; لأن للاثنتين عبارة أوجز من هذه ، وهو أن يقول اثنتين ، وكذلك لو قال : أنت طالق إحدى وعشرين ، عندنا تطلق ثلاثا ; لأنه ليس لهذا العدد عبارة أوجز من هذه فكان الكلام واحدا معنى ، وعند زفر رحمه الله تعالى تطلق واحدة ; لأنهما كلامان أحدهما معطوف على الآخر فتبين بالأولى .
وإن قال : إحدى عشرة تطلق ثلاثا بالاتفاق ; لأنه ليس بينهما حرف العطف فكان الكل واحدا ، ولو قال : إحدى وعشرة ، عندنا تطلق ثلاثا ، وعند زفر رحمه الله تعالى واحدة ; لأنه لما ذكر حرف العطف كان كلامين ، وكذلك لو قال : واحدة ومائة ، عندنا تطلق ثلاثا ، وقال زفر رحمه الله تعالى واحدة .
وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أن هنا تطلق واحدة ; لأن العبارة المعروفة لهذا العدد مائة وواحدة ، فإذا غير ذلك تفرق كلامه فتبين بالأولى .
( قال ) : ولو قال : أنت طالق ألبتة ، أو قال : البائن ينوي ثلاثا فهي ثلاث ; لأن ألبتة عبارة عن القطع ، وقد بينا أن القطع نوعان ، فهو بنية الثلاث ينوي أحد نوعي القطع فيعمل بنيته ، وكذلك ولو قال : أنت طالق حراما ينوي ثلاثا ، فهو كما نوى ; لأنه نوى أحد نوعي الحرمة ، وكذلك لو قال : طالق الحرام ، فهذا وقوله حرام سواء ، ويستوي إن كان دخل بها أو لم يدخل بها ; لأن الكلمة واحدة ، فإن ما ذكر بعد قوله طالق تفسير لهذه الكلمة ، فهذا وقوله أنت طالق ثلاثا سواء ، وإن قال : أنت طالق الطلاق أو طلاقا ، فإن نوى ثلاثا فثلاث ، وإن نوى واحدة فواحدة رجعية ، وإن عنى بطالق تطليقة ، وبالطلاق أخرى فهي ثنتان رجعيتان إن كان قد دخل بها ; لأن هذه الألفاظ مشتقة من لفظ صريح الطلاق ، وإن لم يدخل بها فواحدة بائنة ، فإنه لما نوى بكل كلمة تطليقة كان هذا بمنزلة قوله : أنت طالق ، أنت طالق فتبين بالأولى .
فإن قال : أنت طالق الطلاق كله فهي طالق [ ص: 135 ] ثلاثا كانت له نية ، أو لم تكن ; لأنه صرح بإيقاع كل الطلاق ، وهو ثلاث ، ومع التصريح لا حاجة إلى النية ، وإن قال : أنت طالق أخبث الطلاق ، أو أشد الطلاق ، أو أعظم الطلاق ، أو أكبر الطلاق فهذا كله باب واحد ، فإن نوى ثلاثا فثلاث ، وإن نوى واحدة ، أو لم يكن له نية فهي واحدة بائنة ; لما بينا أن معنى العظم ، والكبر ، والشدة يظهر في الحكم فهذا ، وقوله طالق بائن سواء .
وإن قال : أنت طالق أكبر الطلاق فهي ثلاث لا يدين فيها إذا قال : نويت واحدة ; لأن الكثرة ، والقلة في العدد ، فقد صرح بإيقاع أكثر ما يملك عليها من الطلاق ، ومع التصريح لا حاجة إلى النية ولو قال : أسوأ الطلاق ، أو شره ، أو أفحشه ، فهو وقوله أخبث الطلاق سواء على ما بينا ، وإن قال : أكمل الطلاق ، أو أتم الطلاق فهي واحدة رجعية ; لأنه ليس في لفظه ما ينبئ عن العظم ، والشدة ، ولو قال : أنت طالق طول كذا ، أو عرض كذا فهي واحدة بائنة ; لأن الطول ، والعرض فيه إشارة إلى معنى الشدة فإن الأمر إذا اشتد على إنسان يقول : كان لهذا الأمر طول وعرض فتكون واحدة بائنة ، ولا تكون ثلاثا ، وإن نواها ; لأن الطول ، والعرض للشيء الواحد فكأنه قال : أنت طالق واحدة طولها وعرضها كذا ، وهذا لا تسع فيه نية الثلاث .
ولو قال : أنت طالق خير الطلاق ، أو أعدل الطلاق ، أو أحسن الطلاق فهذا بمنزلة قوله : أنت طالق للسنة ; لأن الأعدل ، والأحسن ما يوافق السنة ، وإنما يوصف بالخيرية ما يوافق السنة حتى يقع بهذا تطليقة رجعية في وقت السنة ، وإن نوى ثلاثا فثلاث بمنزلة قوله ، أنت طالق للسنة .
( قال ) : ولو قال لها : أنت طالق إن ركبت ، وهي راكبة فمكثت كذلك ساعة طلقت ; لأن الركوب مستدام حتى تضرب له المدة يقال : ركبت يوما ، والاستدامة على ما يستدام إنشاء قال الله تعالى : { وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى } أي لا تمكث قاعدا ، وكذلك لو قال : أنت طالق إن قعدت ، وهي قاعدة ، أو إن قمت ، وهي قائمة ، أو إن مشيت ، وهي ماشية ، أو إن اتكأت ، وهي متكئة فمكثت كذلك ساعة يحنث بخلاف ما لو قال : أنت طالق إن دخلت الدار ، وهي في الدار فمكثت كذلك لم تطلق حتى تخرج وتدخل ; لأن الدخول ليس بمستدام فإنه انفصال من الخارج إلى الداخل ، ألا ترى أنه لا تضرب له المدة ، فلا يقال : دخل يوما ، وإنما يقال : دخل ، وإنما يقال : دخل وسكن يوما ، والخروج نظير الدخول ; لأنه انفصال من الداخل إلى الخارج فلا يكون لاستدامته حكم إنشائه .
ولو قال : أنت طالق ما بين تطليقة إلى ثلاث ، أو من تطليقة إلى ثلاث ففي القياس تطلق واحدة ، وهو [ ص: 136 ] قول زفر رحمه الله تعالى ; لأنه جعل الأولى ، والثالثة غاية ، والغاية حد فلا تدخل في المحدود كقوله : بعت منك من هذا الحائط إلى هذا الحائط ، فيكون الواقع ما بين الغايتين ، وهي الواحدة .
وفي الاستحسان ، وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى تطلق ثلاثا ; لأن الحد إنما يكون في ذوي المساحات ، فأما في عرف اللسان إنما يراد بمثل هذا الكلام دخول الكل ، فإن الرجل يقول : خذ من مالي من درهم إلى عشرة ، فيكون له أخذ العشرة ، ويقول : كل من الملح إلى الحلو فيكون المراد تعميم الإذن ، ومطلق الكلام محمول على عرف أهل اللسان وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : القياس ما قاله زفر أن الحد غير المحدود ، ولكن في إدخال الأولى ضرورة ; لأنه أوقع الثانية ، ولا ثانية قبل الأولى ، ولا بد للكلام من ابتداء .
فإذا لم يوقع الأولى ; تصير الثانية ابتداء فلا يمكن إيقاعها أيضا فلأجل الضرورة ; أدخلت الغاية الأولى ، ولا ضرورة في الغاية الثانية فأخذت فيها بالقياس وقلت : تطلق اثنتين ، وهذا ; لأن الغاية التي ينتهي الكلام إليها قد لا تدخل كالليل في قوله تعالى { ثم أتموا الصيام إلى الليل } ، وقد تدخل كالمرافق ، والكعبين في الوضوء ، والطلاق بالشك لا يقع ، فإن : قال أردت واحدة لا يدين في القضاء ، وهو يدين فيما بينه وبين الله تعالى ; لاحتمال الكلام ما نوى ، وإن قال : أنت طالق ما بين واحدة إلى أخرى ففي القياس قول زفر : لا يقع شيء ، وفي قول أبي حنيفة : تطلق واحدة ، وعندهما تطلق اثنتين .
وإن قال : من واحدة إلى واحدة قيل : هو على الخلاف ، وقيل : تقع واحدة عندهم جميعا ; لأن الشيء لا يكون غاية نفسه فكان قوله : إلى واحدة لغوا ، وإن قال : أنت طالق واحدة ، أو لا شيء فهي طالق تطليقة رجعية في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى الأول ، وهو قول محمد رحمه الله تعالى ، ثم رجع أبو يوسف رحمه الله تعالى ، وقال : لا يقع شيء ، وكذلك لو قال : أنت طالق ثلاثا ، أو لا شيء فهو على هذا الخلاف .
وجه قوله الأول أن حرف " أو " ; لإثبات أحد المذكورين فيما يتخللهما ، وإنما يتخلل هنا قوله : واحدة ، أو لا شيء ، وقوله ثلاثا ، أو لا شيء فيسقط اعتبار هذا اللفظ ، ويبقى قوله : أنت طالق فيقع به تطليقة رجعية .
وجه قوله الآخر أن حرف " أو " للتخيير ; لأن موجبه إثبات أحد المذكورين فقد خير نفسه بين أن يقع عليها واحدة ، أو لا يقع عليها شيء ، وأحدهما موجود فلا يثبت بهذا الكلام شيء كما لو جمع بين امرأته وأجنبية ، وقال : هذه طالق ، أو هذه لم يقع شيء ، وهذا ; لأن الكلام إذا اقترن به ذكر العدد كان العامل هو العدد لا قوله : أنت طالق ، وقد خرج ذكر العدد من أن يكون عزيمة [ ص: 137 ] بحرف " أو " فلا يقع عليها شيء .
وإن قال : أنت طالق . أو غير طالق ، أو قال : أنت طالق ، أو لا ، أو قال : أنت طالق ، أو لا شيء لم يقع عليها شيء ; لأنه إنما أدخل حرف الواو بين طلاق وغير طلاق فتخرج به كلمة الإيقاع من أن تكون عزيمة فلا يقع شيء كما لو قال لعبده : أنت حر أو عبد ، وإن قال : أنت طالق واحدة في اثنتين فهو ثلاث ; لأن حرف في قد يكون بمعنى الواو ; لأن حروف الصلات يقوم بعضها مقام بعض .
وإن نوى واحدة مع اثنتين يقع ثلاث أيضا سواء دخل بها أو لم يدخل بها ; لأن حرف " في " يذكر بمعنى " مع " قال الله تعالى : { فادخلي في عبادي } أي مع عبادي ، ويقال : دخل الأمير البلدة في جنده ، أي مع جنده ، وإن نوى حساب الضرب فهي واحدة عندنا ، وعند زفر رحمه الله تعالى اثنتان ; لأن هذا شيء معروف عند أهل الحساب أن واحدا إذا ضرب في اثنين يكون اثنين فيحمل كلامه عليهما إذا نوى ، ولكنا نقول الضرب إنما يكون في الممسوحات لا في الطلاق ، وتأثير الضرب في تكثير الأجزاء لا في زيادة المال ، والتطليقة الواحدة ، وإن كثرت أجزاؤها لا تصير أكثر من واحدة كما لو قال : أنت طالق نصف تطليقة وسدسها وثلثها لم يقع إلا واحدة ، فهذا مثله ، وعلى هذا لو قال : اثنتين في اثنتين ونوى الضرب عندنا تطلق اثنتين ، وعند زفر رحمه الله تعالى ثلاثا ; لأن اثنين في اثنين يكون أربعة ، ولكن الطلاق لا يكون أكثر من ثلاث ، وعلى هذا مسائل الإقرار ، إذا قال : لفلان علي عشرة دراهم في عشرة دراهم ونوى حساب الضرب فعليه عشرة عندنا ، ومائة عند زفر رحمه الله تعالى وإن نوى عشرة وعشرة فعليه عشرون ، وكذلك لو قال : درهم في دينار ، أو كر حنطة في كر شعير لم يكن عليه إلا المذكور أولا عندنا إلا أن يقول نويت الواو ، أو حرف مع فيلزمه جميع ذلك حينئذ ، ويحلفه القاضي بالله ما أردت الإقرار بذلك كله يعني إذا كان الخصم مدعيا بجميع ذلك .
( قال ) : وإن كان له ثلاث نسوة ، فقال : فلانة طالق ثلاثا ، وفلانة ، أو فلانة فالأولى طالق ، والخيار إليه في الأخريين يوقع على أيتهما شاء ; لأن حرف التخيير إنما ذكر بين الأخريين فكان كلامه عزيمة في الأولى فيقع الطلاق عليها ويخير في الأخريين بمنزلة قوله : هذه طالق ، وإحدى هاتين ، وكذلك الجواب في العتق ، وقد بينا الفرق بين هذين الفصلين وبين قوله : والله لا أكلم فلانا وفلانا أو فلانا فيما أمليناه من شرح الجامع ، واستوضح في الكتاب هذه المسألة بما إذا قال لامرأته : أنت طالق ثلاثا ، وقد استقرضت ألف درهم من فلان أو فلان كان الطلاق واقعا عليها ، وهو مخير في الألف يقر بها . [ ص: 138 ] لأحدهما ، ويحلف للآخر ما استقرض منه شيئا ، وهذا غير مشكل ; لأن حرف التخيير إنما ذكر في الإقرار لا في الإيقاع فيبقى موقعا للطلاق على امرأته عزما .
ولو قال : فلانة طالق ثلاثا أو فلانة وفلانة طلقت الثالثة ، والخيار إليه في الأوليين ; لأنه إنما أدخل حرف التخيير بين الأوليين ، وابن سماعة رحمه الله تعالى يروي عن محمد رحمه الله تعالى أنه يخير بين الإيقاع على الأولى ، والأخريين بمنزلة قوله : هذا طالق أو هاتان وجعل على تلك الرواية هذه المسألة كمسألة اليمين ، والفرق بينهما على ظاهر الرواية قد استقصينا شرحه في الجامع .
وإن قال : فلانة طالق ثلاثا وفلانة معها يقع على كل واحدة منهما ثلاث تطليقات ; لأنه عطف الثانية على الأولى ، ولم يذكر لها خبرا فيكون الخبر الأول خبرا للثاني ; كما هو موجب العطف ; ولأنه ضم الثانية إلى الأولى بقوله : معها ، وإنما يتحقق هذا الضم إذا وقع عليها مثل ما وقع على الأولى ، فإن قال : عنيت أن فلانة معها شاهدة لم يصدق في القضاء ، وهو مصدق فيما بينه وبين الله تعالى ; لأنه أضمر للثانية خبرا آخر ، وهو محتمل ، ولكنه خلاف الظاهر فيدين فيما بينه وبين الله تعالى ، ولا يدين في القضاء ، وإن قال : فلانة طالق ثلاثا ، ثم قال : أشركت فلانة معها في الطلاق وقع على الأخرى ثلاث ; لأن لفظ الاشتراك يقتضي التسوية قال الله تعالى في ميراث أولاد الأم : { فهم شركاء في الثلث } فيستوي فيه الذكور ، والإناث ; ولأنه قد أشركها في كل واحدة مما وقعت على الأولى وهذا بخلاف ما لو قال لامرأتين له : بينكما ثلاث تطليقات حيث تطلق كل واحدة اثنتين ; لأن هناك لم يسبق وقوع شيء على واحدة منهما فتنقسم الثلاث بينهما نصفين قسمة واحدة ، وهنا قد وقع الثلاث على الأولى فلا يمكنه أن يرفع شيئا مما أوقع عليها بإشراك الثانية ، وإنما يمكنه أن يسوي الثانية بها بإيقاع الثلاث عليها حتى لو قال لامرأتين : أشركتكما في ثلاث تطليقات لم يقع على كل واحدة إلا اثنتان ; ولأنه لما أوقع الثلاث على الأولى فكلامه في حق الثانية إشراك في حق كل واحدة من الثلاث فكأنه قال : بينكما ثلاث تطليقات ، وهو ينوي أن كل تطليقة بينهما فلهذا تطلق كل واحدة منهما ثلاثا .
وإن قال لامرأتين له : أنتما طالقان ثلاثا ينوي أن الثلاث بينهما فهو مدين فيما بينه وبين الله تعالى ; لكون المنوي من محتملات لفظه ، ولكنه خلاف الظاهر فلا يدين في القضاء ، وتطلق كل واحدة ثلاثا ، وكذلك لو قال لأربع نسوة له : أنتن طوالق ثلاثا ينوي أن الثلاث بينهن كان مدينا فيما بينه وبين الله تعالى فتطلق كل واحدة واحدة .
[ ص: 139 ] ألا ترى أنه قد يقال : أكلن أربعة أرغفة على معنى أن كل واحدة أكلت رغيفا ولكنه خلاف الظاهر في الوصف فلا يدين في القضاء وتطلق كل واحدة منهن ثلاثا ، وإن قال لامرأته : أنت طالق نصف تطليقة فهي تطليقة كاملة عندنا ، وعند نفاة القياس لا يقع عليها شيء ; لأن نصف التطليقة غير مشروع ، وإيقاع ما ليس بمشروع من الزوج باطل ، ولكنا نقول : ما لا يحتمل الوصف بالتجزي فذكر بعضه كذكر كله ، فكان هو موقعا تطليقة كاملة بهذا اللفظ ، وإيقاع التطليقة مشروع ، وكذلك كل جزء سماه من نصف ، أو ثلث ، أو ربع فهو كذلك ، وإن قال : أنت طالق نصفي تطليقة فهي طالق واحدة ; لأنه إنما أوقع أجزاء تطليقة واحدة .
( قال ) : وإن قال : أنت طالق نصف تطليقة من التطليقات الثلاث ، وثلث تطليقة ، وربع تطليقة ، وقد دخل بها فهي طالق ثلاثا ; لأنه أوقع من كل تطليقة من التطليقات الثلاث جزء فإنه نكر التطليقة في كل كلمة ، والمنكر إذا أعيد منكرا فالثاني غير الأول ; ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى { فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا } : لن يغلب عسر يسرين ، وإن قال : أنت طالق نصف تطليقة وثلثها وسدسها لم تطلق إلا واحدة ; لأنه أضاف الأجزاء المذكورة إلى تطليقة واحدة بحرف الكناية ، ولم يذكر ما لو قال : أنت طالق نصف تطليقة وثلثها وربعها ، فمن أصحابنا من يقول هنا : تطلق اثنتين ; لأنك إذا جمعت هذه الأجزاء المذكورة تكون أكثر من واحدة ، والأصح أنها لا تطلق إلا واحدة ; لأنه أضاف الأجزاء المذكورة إلى تطليقة واحدة بحرف الكناية فلا يقع إلا واحدة .
( قال ) : ولو قال : أنت طالق إن لم تصنعي كذا وكذا لعمل يعلم أنها لا تصنعه أبدا نحو : أن يقول : إن لم تمسي السماء بيدك ، أو إن لم تحولي هذا الحجر ذهبا فهي طالق ساعة تكلم به بخلاف ما لو قال : إن لم تدخلي الدار فإن هناك لا تطلق حتى تموت ; لأن الشرط فوات الدخول ، ولا يتحقق ذلك إلا عند موتها ، فإن الدخول منها يتأتى ما دامت حية ، فأما هنا الشرط عدم مس السماء منها ، أو تحويل الحجر ذهبا ، وذلك متحقق في الحال من حيث الظاهر ، ولأنه لا فائدة في الانتظار هنا ; لأنه لا يحصل به عجز لم يكن ثابتا قبله بخلاف مسألة الدخول على ما بينا لو وقت وقتا ، فقال أنت طالق إن لم تمسي السماء اليوم لم تطلق إلا بعد مضي اليوم عندنا ، وقال بعض العلماء : تطلق في الحال ; لأن فوت الشرط متحقق في الحال ; ولأن الوقت في اليمين المؤقت كالعمر في المطلق فكما لا ينتظر هناك موتها ; فكذلك هنا لا ينتظر مضي المدة ، ولكنا نقول : عند ذكر الوقت الشرط عدم الفعل في آخر جزء من أجزاء النهار ، وذلك لا يتحقق [ ص: 140 ] قبل مجيء ذلك الوقت ولأنه بذكر الوقت قصد الترفيه على نفسه فكان هذا بمنزلة قوله : أنت طالق إذا ذهب هذا اليوم ، فما لم يذهب لا يقع الطلاق .
( قال ) : رجل قال لامرأته : يا مطلقة فهي طالق واحدة ; لأنه وصفها بالطلاق حين ناداها به فكان هذا وقوله : أنت طالق سواء ألا ترى أنه لو قال لها : يا زانية كان قاذفا لها بمنزلة قوله : أنت زانية ، فإن قال : عنيت أنها مطلقة من زوج لها قبلي ، فإن لم يكن لها زوج لا يلتفت إلى كلامه ; لأنه نوى المحال ، وإن كان لها زوج قبله فهو مدين في القضاء ، ولا يقع عليها شيء ; لأنه نوى حقيقة كلامه فإن النداء في الحقيقة بوصف موجود ، وذلك من طلاق زوج كان قبله ولأن حقيقة كلامه الوصف ، وهو غير الإيقاع .
( قال ) : وإن قال لها : طلقتك أمس ، وهو كاذب كانت طالقا في القضاء ، فأما فيما بينه وبين الله تعالى فهي امرأته ; لأن الإقرار إخبار محتمل للصدق ، والكذب إلا أن دينه وعقله يحمله على الصدق ويمنعه عن الكذب فحملنا كلامه في الظاهر على الصدق ، فأما فيما بينه وبين الله تعالى فالمخبر عنه إذا كان كذبا لا يصير بالإخبار عنه صدقا ; فلهذا لا يقع شيء .
( قال ) : ولو قال لها : يا بائن ، أو يا حرام أو ما أشبه ذلك من الكلام الذي يشبه الفرقة ، وهو يريد بذلك أن يسميها تسمية ، ولا ينوي الطلاق لم تطلق ; لأنا قد بينا في قوله أنت بائن أنه لا يقع الطلاق إلا إذا نوى ; لأن اللفظ مبهم محتمل ، فكذلك في قوله : يا بائن ، فإذا قال : لم أنو الطلاق كان مدينا في القضاء ، وفيما بينه وبين الله تعالى .
وإن قال : يا مطلقة يريد أن يسميها بذلك ، ولا يريد الطلاق وسعه فيما بينه وبين الله تعالى ولم يصدق في القضاء ; لأن اللفظ صريح فوقوع الطلاق به يكون بعينه لا بنيته بخلاف ما سبق إلا أن ما نواه محتمل فيدين فيما بينه وبين الله تعالى بمنزلة قوله : عنيت الطلاق عن الوثاق ، وكذلك لو قال لعبده : يا حر يريد أن يسميه بذلك فهو مدين فيما بينه وبين الله تعالى ، ولكن يعتق به في القضاء .
( قال ) : ولو قال لامرأته : هذه أختي فهو صادق في ذلك ، ولا يقع عليها شيء ; لأن هذا الكلام محتمل للأخوة في الدين ، قال الله تعالى { إنما المؤمنون إخوة } ، وفي القبيلة قال الله تعالى : { وإلى عاد أخاهم هودا } وبالمحتمل لا تثبت الحرمة ، وعلى هذا لو قال لمملوكه : هذا أخي كان صادقا ولم يعتق ، وإن قال هذه أمي أو ابنتي من نسب أو رضاع ، أو قال هي عمتي أو خالتي من نسب أو رضاع فإنه يسأل عن ذلك ، فإن ثبت عليه فرق بينهما ، وإن قال : كذبت أو توهمت فهي امرأته ، وقد بينا هذا في كتاب النكاح ، وذكرنا الفرق بينهما إذا قال لمملوكه ولزوجته ، وكذلك إذا قال : يا أماه ، أو يا بنتاه ، أو يا عمتاه ، أو يا خالتاه [ ص: 141 ] أو يا أختاه ، أو يا جدتاه كان هذا باطلا ، ولا تقع به الفرقة ; لأن في موضع النداء المراد إحضارها لا تحقيق ذلك الوصف فيها ألا ترى أنه قد يناديها بما لا يتحقق فيها في موضع الإهانة كالكلب ، والحمار ، وفي موضع الإكرام كحور العين ونحوه فعرفنا أنه ليس مراده التحقيق وبدون قصد التحقيق لا عمل لهذا الكلام في قطع الزوجية فلهذا لا يقع شيء .
( قال ) : قال رجل لامرأته : قد وهبت لك طلاقك ، ولا نية له فهي طالق في القضاء ; لأن معنى كلامه هذا طلقتك بغير عوض فإن هبة الشيء من غيره جعله له مجانا .
ولو قال : بعتك طلاقك بكذا ، فقالت : قبلت طلقت فكذلك إذا قال : وهبت لك طلاقك تطلق ، وإن لم تقبل ; لأن اشتراط قبولها لأجل البدل ، وإن كان ينوي بذلك أن يكون الطلاق في يدها لم يصدق في القضاء ; لأنه خلاف الظاهر فإن الهبة تزيل ملك الواهب عن الموهوب ، وبجعل الطلاق في يدها لا يزول ملكه عن الطلاق ، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى ، وقد روي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه يدين في القضاء ; لأن هبة الشيء من غيره تمليك لذلك الشيء منه في الظاهر ; فيكون هذا تمليكا للأمر منها ، فإن طلقت نفسها في ذلك المجلس طلقت وإلا فهي امرأته .
( قال ) : وإذا قال لآخر : أخبر امرأتي بطلاقها فهي طالق سواء أخبرها به أو لم يخبرها ; لأن حرف الباء للإلصاق فيكون معناه أخبرها بما أوقعت عليها من الطلاق موصولا بالإيقاع ، وذلك يقتضي إيقاعا سابقا لا محالة ، وكذلك لو قال : احمل إليها طلاقها ، أو بشرها بطلاقها فهي طالق بلغها ، أو لم يبلغها ; لأن معناه بشرها بما أوقعت عليها ، أو احمل إليها ما أوقعت عليها .
وكذلك لو قال : أخبرها أنها طالق أو قل لها : إنها طالق ; لأن الخبر ، وإن كان يحتمل الصدق ، والكذب فالأصل فيه الصدق ، وذلك لا يكون إلا بعد إيقاعه الطلاق عليها ، وكذلك لو قال لعبده : وهبت لك عتقك ، أو تصدقت عليك بعتقك ، أو قال لغيره : أخبره أنه حر ، أو بشره بأنه حر أو قل له أنه حر كان حرا لما بينا .
( قال ) : وإذا أراد أن يطلق امرأته ، فقالت : لا تطلقني هب لي طلاقي ، فقال : قد وهبت لك طلاقك يريد بذلك لا أطلقك فهي امرأته في القضاء ، وفيما بينه وبين الله تعالى ; لأن كلامه جواب لسؤالها ، وهي إنما سألته الإعراض عن الإيقاع ، وقد أظهر بكلامه أنه أجابها إلى ما سألته فلا يكون ذلك إيقاعا منه ، ولو قال لامرأته : قد أعرضت عن طلاقك ، أو صفحت عن طلاقك يريد بذلك الطلاق لم تطلق ; لأنه نوى ضد كلامه فإن الإعراض عن الشيء بترك الخوض فيه ، وهو ضد الإيقاع ، ولو قال : قد تركت طلاقك ، أو قد خليت [ ص: 142 ] طلاقك ، أو قد خليت سبيل طلاقك ، وهو يريد بذلك الطلاق فهي طالق ; لأن هذا الكلام محتمل يجوز أن يكون مراده تركها بطريق الإعراض عن التصرف فيها ، ويجوز أن يكون المراد تركتها بأن أخرجتها من يدي بالإيقاع فينوي فيه ، فإن لم ينو الطلاق فليس بشيء ، وإن نوى الطلاق فهو طلاق بمنزلة الكنايات .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|