عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 11-12-2025, 11:04 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,505
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس

صـــ 112 الى صـــ 121
(123)







ويقال الرطب إذا اشتدت الحر ، والبرد إذا جاء الشتاء ، والشرط ما هو على خطر الوجود فعرفنا أنه للوقت حقيقة فعند عدم النية يحمل اللفظ على حقيقته ، ألا ترى أنه لو قال لامرأته : إذا شئت فأنت طالق ، لم يخرج الأمر من يدها بقيامها عن المجلس بمنزلة قوله : متى شئت بخلاف قوله : إن شئت .

وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : " إذا " قد تكون للشرط حقيقة يقول الرجل : إذا زرتني ، زرتك ، وإذا أكرمتني ، أكرمتك ، والمراد الشرط دل عليه قول القائل شعر :
استغن ما أغناك ربك بالغنى وإذا تصبك حصاصة فتحمل
معناه وإن تصبك ، فعند عدم النية هنا ، إن حمل على معنى الشرط ، لم يقع الطلاق حتى يموت أحدهما .

وإن جعل بمعنى متى ، طلقت في الحال ، وقد عرفنا أن الطلاق غير واقع فلا نوقعه بالشك ; ولهذا قلنا في مسألة المشيئة لا يخرج الأمر من يدها بقيامها عن المجلس ; لأنا إن جعلنا " إذا " بمعنى الشرط ، خرج الأمر من يدها .

وإن جعلناها بمعنى متى ، لم يخرج الأمر من يدها ، وقد عرفنا كون الأمر في يدها بيقين فلا نخرجه من يدها بالشك ، وفي الكتاب قال : ألا ترى أنه لو قال : إذا سكت عن طلاقك ، فأنت طالق تطلق كما سكت ، وهذا لا حجة فيه ; لأنه لو قال : إن سكت ، وإن قال : كلما لم أطلقك ، فأنت طالق ، وقد دخل بها ثم سكت فهي طالق ثلاثا يتبع بعضها بعضا ; لأنه أضاف الطلاق إلى وقت لا يطلقها فيه بكلمة كلما .

وعقيب سكوته يوجد ثلاثة أوقات بهذه الصفة ، بعضها على أثر البعض فتطلق ثلاثا بطريق الإتباع ولا يقعن معا حتى إذا لم يكن بها لا يقع إلا واحدة ، وإن قال : متى ما لم أطلقك واحدة فأنت طالق ثلاثا ، ثم قال موصلا بكلامه : أنت طالق واحدة فقد بر في يمينه استحسانا ، ولا يقع عليها إلا واحدة .

وفي القياس تطلق ثلاثا ، وهو قول زفر رحمه الله تعالى ; لأنه إلى أن يفرغ [ ص: 113 ] من قوله : أنت طالق واحدة يوجد وقت موصوف بأنه لم يطلقها فيه ، وإن لطف ، وذلك يكفي شرطا للحنث ، ولكنه استحسن فقال : البر مراد الحالف ، ولا يتأتى له البر إلا بعد أن يجعل هذا القدر مستثنى ، وما لا يستطاع الامتناع عنه ، يجعل عفوا .

وأصل المسألة فيما إذا قال : إن ركبت هذه الدابة ، وهو راكبها فأخذ في النزول في الحال ، ولو سكت ساعة ثم قال : أنت طالق واحدة ، فقد طلقت ثلاثا قبل قوله واحدة ، وهذا : لأن السكوت فيما بين الكلامين يستطاع الامتناع عنه ، وعلى هذا لو قال : ما لم أقم من مقعدي هذا فأنت طالق ، إن قام كما سكت لم تطلق استحسانا ، وإن سكت هنيهة طلقت ، ولو قال : أنت طالق حين لم أطلقك ولا نية له ، فهي طالق كما سكت ; لأن حرف " لم " عبارة عن الماضي وقد مضى حين لم يطلقها فيه ، فكان الوقت المضاف إليه الطلاق موجودا كما سكت .

وكذلك لو قال : زمان لم أطلقك ، أو يوم لم أطلقك ، أو حيث لم أطلقك ; لأن حرف " حيث " عبارة عن المكان وكم من مكان لم يطلقها فيه ، ولو قال : حين لا أطلقك لا تطلق في الحال ; لأن حرف " لا " للاستقبال ، وإن نوى بحين وقتا يسيرا أو طويلا ، تعمل نيته ، وإن لم يكن له نية ، فهو على ستة أشهر فما لم تمض ستة أشهر بعد يمينه لا تطلق ; لأن حين تستعمل بمعنى ساعة قال الله تعالى : { حين تمسون وحين تصبحون } أي وقت الصباح والمساء .

وتستعمل بمعنى قيام الساعة قال الله تعالى : { تمتعوا حتى حين } ، وتستعمل بمعنى أربعين سنة قال الله تعالى : { هل أتى على الإنسان حين من الدهر } .

وتستعمل بمعنى ستة أشهر قال الله تعالى : { تؤتي أكلها كل حين } فإذا نوى شيئا ، كان المنوي من محتملات لفظه ، وإن لم ينو شيئا ، كان على ستة أشهر هكذا قال ابن عباس رضي الله عنهما حين سئل عمن حلف لا يكلم فلانا حينا قال : هو على ستة أشهر فإن النخلة يدرك ثمرها في ستة أشهر ، وقال الله تعالى { تؤتي أكلها كل حين } ولأنه متى أراد به ساعة ، لا يستعمل فيه لفظ الحين عادة ، ومتى أراد به أربعين سنة ، أو قيام الساعة ، استعمل فيه لفظ الأبد فتعين ستة أشهر مرادا به .

وكذلك لو قال : زمان لا أطلقك فإن لفظة حين وزمان يستعملان استعمالا واحدا يقول الرجل لغيره لم ألقك منذ حين ، ولم ألقك منذ زمان .

ولو قال : يوم لا أطلقك فإذا مضى بعد يمينه يوم لم يطلقها فيه ، طلقت حتى إذا قال هذا قبل طلوع الفجر فكما غربت الشمس تطلق ; لأن اليوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس حتى يقدر الصوم بالإمساك فيه .

( قال ) : وإذا قال : يوم أدخل دار فلان فامرأته طالق ولا نية له فدخلها ليلا أو نهارا طلقت ; لأن اليوم [ ص: 114 ] يستعمل بمعنى الوقت قال الله تعالى : { ومن يولهم يومئذ دبره } ، ومن فر من الزحف ليلا أو نهارا ، يلحقه هذا الوعيد ، والرجل يقول : أنتظر يوم فلان أي وقت إقباله ، أو إدباره .

فإذا قرن بما لا يختص بأحد الوقتين ولا يكون ممتدا ، كان بمعنى الوقت كالطلاق ، وإذا قرن بما يختص بأحد الوقتين كالصوم ، كان بمعنى بياض النهار ، وكذلك إذا قرن بما يكون ممتدا كقوله لامرأته : أمرك بيدك يوم يقدم فلان على ما نبينه إن شاء الله تعالى وإذا قال في الطلاق : نويت النهار دون الليل فهو مصدق في القضاء ; لأنه نوى حقيقة كلامه ، وهي حقيقة مستعملة فيجب تصديقه في ذلك ، وإن قال : ليلة أدخلها فأنت طالق فدخل نهارا ، لم تطلق ; لأن الليل اسم خاص لسواد الليل وهو ضد النهار ، ولا يصح أن ينوي بالشيء ضده ، وإن قال : أنت طالق إلى حين أو زمان أو إلى قريب ، فإن نوى فيه شيئا ، فهو على ما نوى من الأجل ; لأن الدنيا كلها قريب ، فالمنوي من محتملات لفظه .

وإن لم يكن له نية ففي الحين والزمان هي إلى ستة أشهر ، وفي القريب إلى مضي ما دون الشهر حتى إذا مضى من وقت يمينه شهر إلا يوما طلقت ; لأن القريب عاجل والشهر فما فوقه آجل ، وما دون الشهر عاجل حتى إذا حلف ليقضين حقه عاجلا فقضاه فيما دون الشهر بر في يمينه ، والعاجل ما يكون قريبا ولو قال : أنت طالق إلى شهر .

فإن نوى وقوع الطلاق عليها في الحال ، طلقت ولغي قوله إلى شهر ; لأن الواقع من الطلاق لا يحتمل الأجل ، وإن لم ينو ذلك ، لم تطلق إلا بعد مضي شهر عندنا ، وقال زفر رحمه الله تعالى : تطلق في الحال وهو رواية عن أبي يوسف رحمه الله تعالى ; لأن قوله إلى شهر ; لبيان الأجل ، والأجل في الشيء لا ينفي ثبوت أصله بل لا يكون إلا بعد أصله كالأجل في الدين لا يكون إلا بعد وجوب الدين ، فكذلك ذكر الأجل هنا فيما أوقعه لا ينفي الوقوع في الحال ، ولكن يلغو الأجل ; لأن الواقع من الطلاق لا يحتمل ذلك وأصحابنا رحمهم الله تعالى يقولون : الواقع لا يحتمل الأجل ، ولكن الإيقاع يحتمل ذلك ; لأن عمله في التأخير ، والإيقاع يحتمل التأخير .

ولو جعلنا حرف " إلى " داخلا على أصل الإيقاع كان عاملا في تأخير الوقوع ولو جعلناه داخلا على الحكم ، كان لغوا ، وكلام العاقل محمول على الصحة مهما أمكن تصحيحه لا يجوز إلغاؤه فجعلناه داخلا على أصل الإيقاع ، وقلنا بتأخير الوقوع إلى ما بعد الشهر كأنه قال : أنت طالق بعد مضي شهر ، وإن قال : أنت طالق غدا ، تطلق كما طلع الفجر من الغد لوجود الوقت المضاف إليه [ ص: 115 ] الطلاق ، وإن قال : عنيت به آخر النهار لم يدن به في القضاء ، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى ; لأنه نوى التخصيص في لفظ العموم فإنه وصفها بالطلاق في جميع الغد ، وإنما يكون ذلك إذا وقعت في أول جزء منه ، فإذا نوى الوقوع في آخر جزء من الغد ، فنيته التخصيص في العموم صحيحة فيما بينه وبين الله تعالى كما لو قال : لا آكل الطعام ، ونوى طعاما دون طعام ، وإن قال : أنت طالق في غد طلقت كما طلع الفجر أيضا ، فإن قال : عنيت به آخر النهار ، صدق في القضاء عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، ولم يصدق عندهما ، ذكر الخلاف في الجامع الصغير فهما سويا بين قوله غد وبين قوله في غد ; لأنه وصفها بالطلاق في جميع الغد ، فإذا عنى جزءا خاصا منه ، كان هذا كنية التخصيص في لفظ العموم .

وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يفرق بينهما فيقول : حرف " في " للظرف ، والظرف قد يشغل جميع المظروف ، وقد يشغل جزءا منه ; لأنه إذا قيل : في الجوالق حنطة ، لا يفهم منه أن يكون مملوءا من الحنطة .

فإذا ذكر بين الوصف والوقت حرف الظرف ; كان كلامه محتملا بين أن تكون موصوفة بالطلاق في جميع الغد ، أو في جزء منه ، والنية في الكلام المحتمل صحيحة في القضاء .

والوقت إنما يكون ظرفا للطلاق على أن يكون واقعا فيه لا أن يكون شاغلا له ، والوقوع يكون في جزء من الوقت ، فكان هذا أقرب إلى حقيقة معنى الظرف ، وإذا قال : غدا ، فلم يدخل بين الوصف والوقت حرف الظرف ، فكان حقيقته الوصف لها بالطلاق في جميع الغد فلهذا لا تعمل نيته في التخصيص في القضاء ، ولو قال : أنت طالق في رمضان ولا نية له ، فهي طالق حين تغيب الشمس من آخر يوم من شعبان ; لأنه كما رأى الهلال فقد وجد جزء من رمضان ، وذلك يكفي للوقوع ، وإن قال : نويت آخر رمضان ، فهو على الخلاف الذي بينا ، وإن قال : أنت طالق اليوم غدا فهي طالق اليوم ; لأنه ذكر وقتين غير معطوف أحدهما على الآخر ، وفي مثله الوقوع في أول الوقتين ذكرا ، وهو اليوم ، ولو قال : غدا اليوم ، طلقت غدا ، وهذا ; لأن قوله : أنت طالق اليوم تنجيز وقوله : غدا إضافة إلى وقت منتظر ، والمنجز لا يحتمل الإضافة ; فكان قوله غدا لغوا ، وإذا قال : أولا غدا ، كان هذا إضافة الطلاق إلى وقت منتظر ، فلو نجز بذكره اليوم لم يبق مضافا ، وقوله : اليوم ليس بناسخ لحكم أول كلامه ; فكان لغوا ، وإن قال : اليوم وغدا ; طلقت للحال واحدة لا تطلق غيرها ; لأن العطف للاشتراك فقد وصفها بالطلاق في الوقتين ، وهي بالتطليقة الواحدة تتصف بالطلاق في الوقتين جميعا .

وإن قال : غدا واليوم تطلق واحدة اليوم عندنا ، والأخرى غدا ; لأنه عطف [ ص: 116 ] الجملة الناقصة على الجملة الكاملة فالخبر المذكور في الجملة الكاملة يصير معادا في الجملة الناقصة فإن العطف للاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في الخبر ، فكأنه قال : وأنت طالق اليوم .

وعن زفر رحمه الله تعالى أنها لا تطلق إلا واحدة ; لأن صيغة كلامه وصف وهي بالتطليقة الواحدة تتصف بأنها طالق في الوقتين جميعا ، وإن قال : أنت طالق الساعة غدا ; طلقت للحال ، وكان قوله غدا حشوا لما قلنا ، فإن قال : عنيت تلك الساعة من الغد ، لم يصدق في القضاء ; لأن ظاهر كلامه تنجيز ، وهو يريد بنيته صرف الكلام عن ظاهره فلا يدين في القضاء ، وهو يدين فيما بينه وبين الله تعالى ; لاحتمال كلامه المنوي ، وإن كان خلاف الظاهر والله تعالى مطلع على ضميره .

وإن قال : أنت طالق اليوم إذا جاء غد فهي طالق حين يطلع الفجر ; لأن قوله إذا جاء غد تعليق بالشرط ، وبذكر الشرط موصولا بكلامه يخرج كلامه من أن يكون تنجيزا ، كما لو قال : أنت طالق اليوم إذا كلمت فلانا ، أو إن كلمت فلانا ، لم تطلق قبل الكلام ويتبين بذكر الشرط أن قوله : اليوم لبيان وقت التعليق لا لبيان وقت الوقوع بخلاف قوله : اليوم غدا فإن هذا ليس بذكر الشرط فبقي قوله : اليوم بيانا لوقت الوقوع ، وإن قال : أنت طالق رمضان وشوال ، كانت طالقا أول ليلة من رمضان ; لأنه أضاف الطلاق إلى وقتين فيقع عند أول الوقتين ذكرا .

وإن قال : أنت طالق في رمضان ، فهو على أول رمضان يجيء ، هو الظاهر المعلوم بالعادة من كلامه ، كما لو ذكر الأجل في اليمين إلى رمضان ، أو أجر داره إلى رمضان فإن قال : عنيت الثاني لم يصدق في القضاء ; لأنه خلاف الظاهر ، ولأنه في معنى تخصيص العموم ; لأن موجب كلامه أن تكون موصوفة بالطلاق في كل رمضان يجيء بعد يمينه ، فإذا عين البعض دون البعض ، كان هذا تخصيصا للعموم ، وتخصيص العموم بالنية صحيح فيما بينه وبين الله تعالى دون القضاء ، وكذلك قوله : أنت طالق يوم السبت فهو على أول سبت فإن قال : عنيت الثاني ، لم يصدق في القضاء ، وإن قال : طالق بمكة أو في مكة طلقت في الحال ; لأنه وصفها بالطلاق في مكان موجود ، والطلاق لا يختص بمكان دون مكان ، ولكن إذا وقع عليها في مكان تتصف به في الأمكنة كلها ، فإن قال : عنيت به إذا أتيت مكة ، لم يصدق في القضاء ، ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى ; لأنه ذكر المكان وعبر به عن الفعل الموجود فيه ، وذلك نوع من المجاز مخالف للحقيقة والظاهر فلا يدين في القضاء ويدين فيما بينه وبين الله تعالى .

وكذلك قوله : أنت طالق في ثوب كذا وعليها غيره طلقت [ ص: 117 ] لأن وصفه إياها بالطلاق لا يختص بثوب دون ثوب ، فإن قال : عنيت به إذا لبست ذلك الثوب دين فيما بينه وبين الله تعالى ; لأنه جعل ذكر الثوب كناية عن فعل اللبس فيه ، وهو نوع من المجاز ، وكذلك قوله : في الدار أو في البيت أو في الظل أو في الشمس ، وإن قال : في ذهابك إلى مكة أو في دخول الدار أو في لبسك ثوب كذا لم تطلق حتى تفعل ذلك ; لأن حرف " في " للظرف ، والفعل لا يصلح ظرفا للطلاق على أن يكون شاغلا له فيحمل على معنى الشرط ; لأن المظروف يسبق الظرف كما أن الشرط يسبق الجزاء ويجعل حرف " في " بمعنى مع قال الله تعالى { : فادخلي في عبادي } أي مع عبادي ويقال : دخل الأمير البلدة في جنده أي معهم .

ولو قال : أنت طالق مع دخولك الدار لم تطلق حتى تدخل فهذا مثله بخلاف قوله : في الدار ; لأنه لو قال : مع الدار طلقت ; لأنه قرن الطلاق بما هو موجود ، وإن قال : أنت طالق وأنت تصلين طلقت للحال : لأن قوله : وأنت تصلين ابتداء فإن قال : عنيت إذا صليت لم يصدق في القضاء ; لأن الشرط لا يعطف على الجزاء ، ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى لأن هذا اللفظ يذكر بمعنى الحال تقول : دخلت الدار على فلان ، وهو يفعل كذا أي في تلك الحالة فيكون معنى هذا أنت طالق في حال اشتغالك بالصلاة فيدين فيما بينه وبين الله تعالى ; لاحتمال لفظه ما نوى ، وكذلك لو قال : أنت طالق مصلية في القضاء تطلق في الحال ، وإن قال : عنيت إذا صليت دين فيما بينه وبين الله تعالى بمعنى الحال .

وأهل النحو يقولون إن قال : مصلية بالرفع لا يدين فيما بينه وبين الله تعالى ، وإن قال : مصلية بالنصب حينئذ يدين في القضاء أيضا وهو نصب على الحال ، وهذا ظاهر عند أهل النحو وهو نصب على الحال ، وعند الفقهاء يدين فيما بينه وبين الله تعالى ، وإن قال : أنت طالق في مرضك أو في وجعك لم تطلق حتى يكون منها ذلك الفعل إما ; لأن حرف " في " بمعنى مع أو ; لأن المرض والوجع لما لم يصلح ظرفا حمل على معنى الشرط مجازا لتصحيح كلام العاقل .

وإن قال : أنت طالق قبل قدوم فلان بشهر فقدم فلان قبل تمام الشهر لم تطلق ; لأنه أضاف الطلاق إلى وقت منتظر وهو أول شهر يتصل بآخره قدوم فلان فيراعى وجود هذا الوقت بعد اليمين ولم يوجد ، وكذلك لو قال : أنت طالق قبل موت فلان بشهر فمات فلان قبل تمام الشهر ، لم تطلق بخلاف ما لو قال لها في النصف من شعبان : أنت طالق قبل رمضان بشهر تطلق في الحال ; لأنه أضاف الطلاق إلى وقت قد تيقن مضيه فيكون ذلك تنجيزا منه كقوله : أنت طالق أمس .

فأما إذا قدم فلان [ ص: 118 ] أو مات لتمام الشهر فعلى قول زفر رحمه الله تعالى في الفصلين جميعا يقع الطلاق من أول الشهر حتى تعتبر العدة من ذلك الوقت ، ولو كان وطئها في الشهر صار مراجعا في الطلاق الرجعي ، وفي البائن يلزمه مهر بالوطء ، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يقع الطلاق مقصورا على حالة القدوم والموت حتى تعتبر العدة في الحال ، ولا يصير مراجعا بالوطء في الشهر ، ولا يلزمه به مهر ، وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى : في القدوم الجواب كما قالا ، وفي الموت الجواب كما قال زفر رحمه الله تعالى .

وجه قول زفر رحمه الله تعالى أن وقوع الطلاق بإيقاعه إنما يقع في الوقت الذي أوقعه ، وإنما أوقعه في أول شهر يتصل بآخره قدوم فلان أو موته فيقع في ذلك الوقت ، وقد وجد ذلك الوقت بعد اليمين ولكن لم يكن معلوما لنا ما لم يوجد القدوم والموت ، فإذا صار معلوما لنا ، تبين أنه كان واقعا كما قال لها : إذا حضت فأنت طالق فرأت الدم لا يحكم بوقوع الطلاق حتى يستمر بها ثلاثة أيام ثم يتبين أنه كان واقعا عند رؤية الدم ، وكذلك إذا قال : إن كان في بطنك غلام ; فأنت طالق لا يحكم بالوقوع حتى تلد ، فإذا ولدت غلاما تبين أن الطلاق كان واقعا .

والدليل عليه أنه لو أوقع عند مضي شهر بعد القدوم أو الموت لا يقع إلا في ذلك الوقت ، فكذلك إذا أوقع قبله بشهر ، ولو قال لأجنبية : أنت طالق قبل أن أتزوجك بشهر ثم تزوجها بعد شهر لم تطلق .

ولو انتصب التزوج شرطا وكان أوان الوقوع بعده لطلقت وأبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى قالا : وقوع الطلاق توقف بكلامه على وجود القدوم والموت ، وإنما يتوقف على وجود الشرط فعرفنا أنه شرط معنى ، والجزاء يتأخر عن الشرط ثم هذا في القدوم واضح ; لأنه على خطر الوجود ، وفي الشرط معنى الخطر والموت .

وإن كان كائنا لا محالة ولكن مضى الشهر بعد كلامه قبل الموت لم يكن كائنا عند يمينه لا محالة ولهذا قال : لو مات قبل تمام الشهر ، لم تطلق ولأن الموت قد يتقدم وقد يتأخر ; فكل شهر يمضي بعد يمينه لا يعلم أنه الوقت المضاف إليه الطلاق ما لم يتصل الموت بآخره ; لجواز أن يتأخر عنه كما في القدوم لا يعلم ذلك ; لجواز أن لا يقدم أصلا فكان هذا في معنى الشرط أيضا بخلاف قوله : أنت طالق قبل أن أتزوجك بشهر فإن الإضافة هنا لغو أصلا ; لأنه غير مالك للطلاق في الوقت الذي أضاف إليه ، واعتبار معنى الشرط بعد صحة الإضافة .

وفي مسألة الحيض الشرط يوجد برؤية قطرة من الدم ، ولكن لا يحكم بالطلاق ; لجواز أن ينقطع قبل تمام الثلاث فلم يكن وقوع الطلاق هناك [ ص: 119 ] موقوفا على وجود أمر منتظر ، وكذلك في مسألة الحبل كلامه تنجيز للطلاق ; لأن التعليق بما هو موجود يكون تنجيزا فلم يكن الوقوع موقوفا على أمر منتظر ، ولكنا لا نحكم به قبل الولادة ; لعدم علمنا به فلم يكن في معنى الشرط .

والفرق لأبي حنيفة رحمه الله تعالى ما أشار إليه في الكتاب فقال : إن موت فلان حق كائن ، وقدومه لا يدري أيكون أو لا يكون ، وتقريره من وجهين : ( أحدهما ) أن الشيء إنما يتصف بكونه شرطا بذكر حرف الشرط فيه ، أو وجود معنى الشرط ولم يذكر حرف الشرط في الفصلين ولكن وجد معنى الشرط في مسألة القدوم ; لأن وجوده على خطر وهو مما يصح الأمر به والنهي عنه وهذا معنى الشرط فإن الحالف يقصد بيمينه منع الشرط .

فإذا توقف وقوع الطلاق على وجوده وفيه معنى الشرط ، انتصب شرطا ، فأما الموت فلا خطر في وجوده بل هو كائن لا محالة ، ولا يصح الأمر به والنهي عنه فلم يكن قصده بهذا الكلام منع الموت ، وإذا لم يكن فيه معنى الشرط ، كان معرفا للوقت المضاف إليه فإنما يقع الطلاق من أول ذلك الوقت كما في قوله : أنت طالق قبل رمضان بشهر يقع الطلاق في أول شعبان ، إلا أن هناك الوقت يصير معلوما قبل دخول رمضان ، وهنا لا يصير معلوما ما لم يمت ، فإذا صار معلوما لنا ، تبين أن الطلاق كان واقعا من أوله .

( والثاني ) أنه أوقع الطلاق في أول شهر يتصل بآخره قدوم فلان أو موته ، وفي مسألة القدوم هذا الاتصال لا يقع أصلا إلا بعد القدوم ; لجواز أن يكون لا يقدم أصلا ، وبدون هذا الاتصال لا يقع الطلاق أصلا ، أما في مسألة الموت ، هذا الاتصال ثابت قبل الموت ; لأن الموت كائن فيعلم يقينا أن في الشهور التي تأتي شهرا موصوفا بهذه الصفة ، ولكن لا يدرى أي شهر ذاك فلا يحكم بالطلاق ما لم يصر معلوما لنا ، فإذا صار معلوما ، تبين أنه كان واقعا من أول ذلك الوقت ، يقرره أن في مسألة الموت الوقت المضاف إليه يصير معلوما قبل حقيقة الموت ; لأنه لما أشرف على الهلاك صار الوقت المضاف إليه معلوما فلهذا لا يتأخر الطلاق عن الموت .

وفي مسألة القدوم لا يصير الوقت معلوما ما لم يوجد حقيقة القدوم ; لجواز أن لا يقدم فلهذا تأخر الطلاق عنه ، وإن قال : أنت طالق ثلاثا قبل موتك بشهر فماتت قبل مضي الشهر لم تطلق ; لأنه لم يوجد الوقت المضاف إليه بعد اليمين ، فإن ماتت بعد تمام الشهر ، فعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لا يقع الطلاق ; لأنه لو وقع وقع بعد موتها ، والطلاق لا يقع عليها بعد الموت .

وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى يقع من [ ص: 120 ] أول الشهر فلا ميراث له منها ، وإن كان جامعها في الشهر ، فعليه مهر آخر لها ; لأنه تبين أنه جامعها بعد وقوع التطليقات الثلاث عليها ، وكذلك لو قتلت أو غرقت فهذا موت ، وإن كان بسبب مخصوص ، وكذلك لو قال : أنت طالق ثلاثا قبل موتي بشهر ثم مات لتمام الشهر عندهما لا تطلق ; لأنه لو وقع وقع بعد موته .

وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى يتبين وقوع الطلاق من أول الشهر حتى إذا كان صحيحا في ذلك الوقت فلا ميراث لها منه وعليها العدة بثلاث حيض ، وإن قال : أنت طالق قبل الأضحى بتسعة أيام فهي طالق حين ينسلخ ذو القعدة ; لعلمنا بوجود الوقت المضاف إليه الطلاق ، وإن قال : أنت طالق قبل موت فلان وفلان بشهر فمات أحدهما قبل تمام الشهر لم تطلق ; لأن الوقت المضاف إليه بعد يمينه لم يوجد : فإن مات أحدهما بعد تمام الشهر طلقت عند أبي حنيفة استحسانا مستندا إلى أول الشهر ، وعندهما طلقت في الحال بخلاف لو قال لها : أنت طالق قبل قدوم فلان وفلان بشهر فقدم أحدهما بعد تمام الشهر لم تطلق حتى يقدم الآخر ، وبهذا يتضح فرق أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن القدوم ينتصب شرطا ، والموت لا ينتصب ، ووجه الفرق أنه أوقع الطلاق في وقت موصوف بأنه قبل قدومهما بشهر وذلك لا يصير معلوما بقدوم أحدهما ; لجواز أن لا يقدم الآخر أصلا .

فأما في الموت يصير ذلك الوقت معلوما بموت أحدهما ; لأن موت الآخر كائن لا محالة ، وقد طعن بعض مشايخنا رحمهم الله تعالى في هذا وقالوا : ينبغي أن لا يقع الطلاق بموت أحدهما فإن الوقت إنما يصير موصوفا بأنه قبل موتهما بشهر إذا ماتا معا ، فأما إذا مات أحدهما ، وبقي الآخر زمانا ، فأول هذا الشهر موصوف بأنه قبل موت أحدهما بشهر ، وقبل الآخر بسنة ، ولكنا نقول : موتهما معا نادر ، والظاهر أن المتكلم لا يقصد ذلك .

وإذا مات أحدهما بعد تمام الشهر ، فأول هذا الشهر موصوف بأنه قبل موتهما بشهر في عرف اللسان كما يقال : رمضان قبل الفطر والأضحى بشهر ، وإن كان قبل الأضحى بثلاثة أشهر وأكثر

( قال ) : ولو قال : أنت طالق الساعة إن كان في علم الله تعالى أن فلانا يقدم إلى شهر فقدم فلان لتمام الشهر طلقت بعد القدوم ، وهو دليل لهما على أبي حنيفة رحمه الله تعالى ; لأن علم الله تعالى محيط بالأشياء كلها كما أن الموت كائن لا محالة ، ولكنا نقول : معنى هذا الكلام إن قدم فلان إلى شهر ; لأن علم الله تعالى لا طريق للحالف إلى معرفته ، وإنما تنبني الأحكام على ما يكون لنا طريق إلى معرفته فكأنه قال : إن قدم فلان إلى شهر فلهذا [ ص: 121 ] تأخر الوقوع إلى القدوم .

ولو قال لامرأتيه : أطولكما حياة طالق الساعة لم يقع الطلاق حتى تموت إحداهما ; لأن المراد طول الحياة في المستقبل لا في الماضي حتى إذا كانت إحداهما بنت عشر سنين ، والأخرى بنت ستين سنة لم تطلق العجوز فعرفنا أن طول الحياة في المستقبل مراد وذلك غير معلوم ; لجواز أن يموتا معا ، فإن ماتت إحداهما طلقت الأخرى في الحال عندنا ، وعند زفر رحمه الله تعالى طلقت من حين تكلم الزوج ; لأنه تبين أنها كانت أطولهما حياة ، وأن الزوج علق الطلاق بشرط موجود ، ولكنا نقول : معنى كلام الزوج التي تبقى منكما بعد موت الأخرى طالق ، وذلك غير معلوم قبل موت إحداهما بل هو على خطر الوجود ; لجواز أن يموتا معا فلهذا انتصب شرطا .


( قال ) : ولو قال : يا زينب ، فأجابته عمرة ; فقال : أنت طالق ثلاثا طلقت التي أجابته ، لأنه أتبع الإيقاع الجواب فيصير مخاطبا للمجيبة ، وإن قال : أردت زينب قلنا تطلق زينب بقصده ، ولكنه لا يصدق في صرف الكلام عن ظاهره فتطلق عمرة أيضا بالظاهر كما لو قال : زينب طالق ، وله امرأة معروفة بهذا الاسم تطلق ، فإن قال : لي امرأة أخرى بهذا الاسم تزوجتها سرا ، وإياها عنيت قلنا تطلق تلك بنيته ، والمعروفة بالظاهر ، ولو قال : يا زينب أنت طالق ولم يجبه أحد طلقت زينب ; لأنه أتبع الإيقاع النداء فيكون خطابا للمنادى وهي زينب .

وإن قال لامرأته يشير إليها : يا زينب أنت طالق فإذا هي عمرة طلقت عمرة ، إن كانت امرأته ، وإن لم تكن امرأته ، لم تطلق زينب ; لأن التعريف بالإشارة أبلغ من التعريف بالاسم ، فإن التعريف بالإشارة يقطع الشركة من كل وجه ، وبالاسم لا ، فكان هذا أقوى ، ولا يظهر الضعيف في مقابلة القوي ; فكان هو مخاطبا بالإيقاع لمن أشار إليها خاصة ، وإن قال : يا زينب أنت طالق ، ولم يشر إلى شيء غير أنه رأى شخصا فظنها زينب ، وهي غيرها طلقت زينب في القضاء ; لأنه بنى الإيقاع على التعريف بالاسم هنا فإنما يقع على المسماة ، ولا معتبر بظنه ; لأن التعريف لا يحصل به في الظاهر ، والقاضي مأمور باتباع الظاهر .

فأما فيما بينه وبين الله تعالى لا تطلق هي ولا الأخرى ; لأنه عناها بقلبه ، والله تعالى مطلع على ما في ضميره فيمنع ذلك الإيقاع على زينب التي لم يعنها بقلبه ، وعلى التي عناها بقلبه ; لأنه لم يخاطبها بلسانه حين أتبع الخطاب النداء ، وإن قال : أنت طالق هكذا وأشار بأصبع واحدة فهي طالق واحدة ، وإن أشار بأصبعين فهي طالق اثنتين ، وإن أشار بثلاثة أصابع فهي طالق ثلاثا ; لأن الإشارة بالأصابع بمنزلة التصريح بالعدد بدليل قوله صلى الله عليه وسلم { : الشهر هكذا وهكذا وهكذا ، وخنس إبهامه [ ص: 122 ] في الثالثة } فيكون ذلك بيانا أن الشهر تسعة وعشرون يوما .

ثم الأصل في هذه الإشارة أنها تقع بالأصابع المنشورة لا بالأصابع المعقودة ، والعرف دليل على هذا ، وكذلك الشرع فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما خنس إبهامه في الثالثة كان الاعتبار بما نشر من الأصابع دون ما عقد حتى لو قال : عنيت الإشارة بالأصبعين اللتين عقدت لم يدن في القضاء ، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى ; لكون ما قال محتملا ، وكذلك إذا قال : عنيت الإشارة بالكف دون الأصابع دين فيما بينه وبين الله تعالى ; لكونه محتملا ، ولا يدين في القضاء ; لأنه خلاف الظاهر فتطلق ثلاثا .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 37.54 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 36.92 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.67%)]