
11-12-2025, 11:01 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,462
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي
الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس
صـــ 102 الى صـــ 111
(122)
ولو قال : أنت طالق للسنة ، ولم يسم ثلاثا ، ولم يكن له نية ، فهي طالق واحدة إذا طهرت من الحيضة ; لما بينا أن اللام للوقت ، وإن نوى ثلاثا ، فهي ثلاث ، كلما طهرت من حيضة ، طلقت واحدة ; لأن أوقات السنة غير محصورة ، فهو إنما نوى التعميم في أوقات السنة ; حتى يقع في كل طهر تطليقة واحدة .
وقد بينا أن نية التعميم صحيحة في كلامه ، فلهذا طلقت في كل طهر واحدة ، وإن كانت لا تحيض من صغر أو كبر ، طلقت ساعة تكلم به واحدة ، وبعد شهر أخرى ، وبعد شهر أخرى ; لأن الثلاث للسنة هكذا تقع عليها ، والشهر في حقها كالحيض في حق ذات القروء ، وإن نوى أن يقعن جميعا في ذلك المجلس ، فهو كما نوى ; لما بينا .
( قال ) : رجل قال لامرأته وقد دخل بها : أنت طالق كلما حضت حيضتين ، فهو كما قال إذا حاضت حيضتين ، طلقت ; لوجود الشرط ثم ، إذا حاضت أخراوين ، طلقت أخرى لوجود الشرط ; لأن اليمين معقودة بكلمة كلما ، ويحتسب بهاتين الحيضتين من عدتها ، فإذا حاضت أخرى ، انقضت عدتها .
( قال ) : وإن قال لها : إذا حضت حيضة فأنت طالق وقال لها أيضا : كلما حضت ، فأنت طالق فرأت الدم ، فهي طالق واحدة باليمين الثانية ; لأن الشرط فيها وجود الحيض لا الخروج منه ، فإذا طهرت من الحيض فهي طالق أخرى باليمين الأولى ; لأن الشرط فيها الحيضة الكاملة ، وقد وجدت بعدها ، ولا يحتسب بهذه الحيضة من عدتها ; لأن وقوع الطلاق كان بعد مضي جزء منها ، وإذا حاضت الثانية فهي طالق أخرى باليمين الثانية ; لأنها عقدت بكلمة كلما ، وكلمة كلما توجب تكرار الشرط ، وقد وجد الشرط فيها مرة أخرى .
( قال ) : ولو قال لها إذا حضت حيضة فأنت طالق ، وقال أيضا : إذا حضت حيضتين ، فأنت طالق فحاضت حيضة وطهرت ، فهي طالق واحدة باليمين الأولى ; لأن شرط الحنث فيها حيضة واحدة وقد وجدت ، فإذا حاضت حيضة أخرى ، طلقت أخرى لوجود الشرط في اليمين الثانية وهو مضي الحيضتين بعدها فإن الحيضة الأولى كمال الشرط [ ص: 103 ] في اليمين الأولى ونصف الشرط في اليمين الثانية .
، والشيء الواحد يصلح شرطا للحنث في أيمان كثيرة ويحتسب بالحيضة الثانية من عدتها ; لأنها حاضتها بعد وقوع الطلاق عليها ، ولو كان قال لها : إذا حضت حيضة ، فأنت طالق ثم إذا حضت حيضتين ، فأنت طالق ، فإذا حاضت حيضة واحدة ، طلقت واحدة ثم لا تطلق أخرى ما لم تحض حيضتين سواها ; لأنه جعل الشرط في اليمين الثانية حيضتين سوى الحيضة الأولى فإن كلمة ثم للتعقيب مع التراخي ، وعلى هذا لو قال : إذا دخلت الدار دخلة ، فأنت طالق ثم إذا دخلتها دخلتين فأنت طالق بخلاف ما لو قال : إذا دخلت ، فأنت طالق وإذا دخلت ، فأنت طالق فدخلت دخلة واحدة ، وقعت عليها تطليقتان ; لأن الشرط في اليمين الدخول مطلقا وقد وجد ذلك بدخلة واحدة ، وفي الأول الشرط دخلتان بعد الدخلة الأولى في اليمين الثانية .
ولو قال : إذا حضت حيضة فأنت طالق ، وإذا حضت حيضتين ، فأنت طالق فحاضت حيضتين ، تطلق اثنتين إحداهما حين حاضت الأولى لوجود الشرط في اليمين الأولى ، والثانية حين حاضت الأخرى ; لتمام الشرط بها في اليمين الثانية .
( قال ) : ولو قال : كلما حضت حيضة ، فأنت طالق فحاضت أربع حيض طلقت ثلاثا كل حيضة واحدة ; لتكرر الشرط في اليمين المعقودة بكلمة كلما وانقضت العدة بالحيضة الرابعة ; لأن الحيضة الأولى لا تكون محسوبة من عدتها فإنها سبقت وقوع الطلاق عليها .
( قال ) : وإذا قال لها : إذا حضت حيضة فأنت طالق فإنما يقع عليها بعد ما ينقطع عنها الدم ، وتغتسل ; لأن الشرط مضى حيضة كاملة ولا يتيقن به إلا بعد الحكم بطهرها ، فإن كانت أيامها عشرة فبنفس الانقطاع يتيقن بطهرها ، وإن كانت أيامها دون العشرة ، فإنما يحكم بطهرها إذا اغتسلت أو ذهب وقت صلاة بعد انقطاع الدم ; فلهذا توقف الوقوع عليه .
ولو قال : إذا حضت حيضة ، فأنت طالق فقالت : قد حضت حيضة لم تصدق في القياس إذا كذبها الزوج ; لأنها تدعي وجود شرط الطلاق ، ومجرد قولها في ذلك ليس بحجة في حق الزوج كما لو كان الشرط دخولها الدار وهذا ; لأن دعواها شرط الطلاق كدعواها نفس الطلاق ، وفي الاستحسان القول قولها ; لأن حيضها لا يعلمه غيرها فلا بد من قبول قولها فيه ; كما لو قال : إن كنت تحبينني أو تبغضينني ، وجب قبول قولها في ذلك مادام في المجلس .
وكذلك لو قال لها : إن شئت إلا أن هناك تقدر على الاختيار في المجلس فبالتأخير عنه تصير مفرطة ، وهنا لا تقدر على الإخبار بالحيض ما لم تر الدم ، فوجب قبول قولها متى أخبرت به .
( قال ) : ويدخل في هذا الاستحسان بعض [ ص: 104 ] القياس معناه أن الزوج لما علق وقوع الطلاق بالحيض ، صار ذلك من أحكام الحيض بجعله . وقولها حجة تامة في أحكام الحيض كحرمة وطئها إذا أخبرت برؤية الدم ، وحل الوطء إذا أخبرت بانقطاع الدم وكذلك في حكم انقضاء العدة بالحيض يقبل قولها ; لأن الشرع سلطها على الإخبار فكذلك الزوج بتعليق الطلاق به يصير مسلطا لها على الإخبار ، وإذا قال : إذا حضت ، فأنت طالق وفلانة معك فقالت : حضت فقياس الاستحسان الأول أن يقع الطلاق على فلانة كما يقع عليها ; لأن قولها حجة تامة فيما لا يعلمه غيرها فيكون ثبوت هذا الشرط بقولها كثبوت شرط آخر بالبينة أو بتصديق الزوج ، ولكنا ندع القياس فيه ، ونقول : لا يقع على الأخرى شيء حتى يعلم أنها قد حاضت ; لأن في ذلك حق الضرة وهي ما سلطتها ولا رضيت بخبرها في حق نفسها ثم قبول قولها فيما ما لا يعلمه غيرها لأجل الضرورة ، وذلك في حق نفسها خاصة كما في حل الوطء ، وانقضاء العدة .
والحكم يثبت بحسب الحاجة ألا ترى أن الملك للمستحق إذا ثبت بإقرار المشتري ، لم يرجع على البائع بالثمن ، وإن شهادة امرأتين ورجل بالسرقة حجة في حق المال دون القطع فلهذا مثله ، ولو قال لها : إذا ولدت غلاما فأنت طالق واحدة ، وإذا ولدت جارية فأنت طالق ثنتين فولدت غلاما وجارية ، فإن علم أنها ولدت الجارية أولا طلقت اثنتين بولادتها الجارية ثم انقضت عدتها بولادة الغلام ، وإن علم أنها ولدت الغلام أولا طلقت واحدة بولادتها الغلام وانقضت عدتها بولادة الجارية ، فإن لم يعلم أيهما أولا ، لم يقع في القضاء إلا تطليقة واحدة ; لأن التيقن فيها ، وفي الثانية شك ، والطلاق بالشك لا يقع وفيما بينه وبين الله تعالى ينبغي أن يأخذ بتطليقتين حتى إذا كان طلقها قبل هذا واحدة فلا ينبغي أن يتزوجها حتى تنكح زوجا غيره ; لاحتمال أنها مطلقة ثلاثا ، ولأن يترك امرأة يحل له وطؤها خير من أن يطأ امرأة محرمة عليه ، وإن ولدت غلاما وجاريتين في بطن واحد فإن علم أنها ولدت الجاريتين أولا ، فهي طالق ثنتين بولادة الأولى منهما ، وقد انقضت عدتها بولادة الغلام ، وإن ولدت الغلام أولا ، طلقت واحدة بولادة الغلام ، وتطليقتين بولادة الجارية الأولى وقد انقضت عدتها بولادة الأخرى ، وإن ولدت إحدى الجاريتين أولا ثم الغلام ثم الجارية ، طلقت تطليقتين بولادة الجارية الأولى ، والثالثة بولادة الغلام ، وانقضت عدتها بولادة الأخرى ، وإن لم يعلم كيف كانت الولادة فنقول في وجه : هي طالق اثنتين وفي وجهين : هي طالق ثلاثا ففي القضاء لا تطلق الاثنتين ; لأن اليقين فيها ، وفي التنزه [ ص: 105 ] ينبغي أن يأخذ بثلاث تطليقات احتياطا وقد انقضت عدتها بيقين بولادة الآخر منهم .
وإذا قال لها : كلما ولدت ولدا ، فأنت طالق وقال : إذا ولدت غلاما ، فأنت طالق فولدت جارية ، فهي طالق واحدة ; لأن الجارية ولد فيقع بها تطليقة بحكم الكلام الأول ، فإن ولدت بعدها غلاما في ذلك البطن ، انقضت عدتها بولادة الغلام ; لأنها معتدة وضعت جميع ما في بطنها .
ولا يقع عليها بولادة الغلام شيء ; لأن أوان الوقوع بعد وجود الشرط وهي ليست في عدته بعد ولادة الغلام فهو بمنزلة ما لو قال لها : إذا انقضت عدتك فأنت طالق ، وإن ولدت الغلام أولا ، وقع به تطليقتان أحدهما بالغلام الأول ; لأن الغلام ولد ، والثانية بالكلام الثاني ; لأنه غلام ، وكذلك ولو قال لها : إذا ولدت غلاما فأنت طالق ثم قال : إذا ولدت ولدا ، فأنت طالق فولدت غلاما طلقت اثنتين ; لأنه ولد وغلام وكذلك لو قال : إذا كلمت فلانا ، فأنت طالق ثم قال : إذا كلمت إنسانا ، فأنت طالق فكلمت فلانا تطلق اثنتين ; لأنه إنسان وفلان .
وكذلك إذا قال : إن تزوجت فلانة ، فهي طالق ثم قال : كل امرأة أتزوجها ، فهي طالق فتزوج فلانة ، تطلق اثنتين ; لأنها فلانة وامرأة ، والشيء الواحد يصلح شرطا للحنث في أيمان كثيرة ، ولو قال لامرأته : كلما ولدت غلاما ، فأنت طالق فولدت غلاما وجارية في بطن واحد ، فإن علم أنها ولدت الغلام أولا ، وقع عليها تطليقة بولادة الغلام ، وانقضت عدتها بولادة الجارية ، وإن علم أنها ولدت الجارية أولا ، وقعت عليها تطليقة بولادة الغلام وعليها العدة بثلاث حيض ، وله أن يراجعها في العدة ، إذا علم أن الغلام ولد آخرا ، وإذا لم يعلم أيهما أول ، فعليهما الأخذ بالاحتياط في كل حكم فيلزمها العدة بثلاث حيض ; لجواز أن تكون ولدت الجارية أولا وليس للزوج أن يراجعها في هذه العدة ; لجواز أن تكون ولدت الغلام أولا ، ولو مات أحدهما لم يتوارثا ; لجواز أن تكون ولدت الغلام أولا ثم انتقضت عدتها بولادة الجارية ، والميراث لا يثبت بالشك .
( قال ) : وإن قال : إذا ولدت ولدا ، فأنت طالق فأسقطت سقطا مستبين الخلق أو بعض الخلق طلقت ; لأن مثل هذا السقط ولد ، ألا ترى أن العدة تنقضي به ، وتصير الجارية أم ولد له ، ولو لم يستبن شيء من خلقه ، لم يقع به طلاق ; لأنه ليس بولد في حكم العدة وثبوت أمية الولد ، فكذلك في حكم الطلاق .
( قال ) : ولو قال لها : إذا ولدت ، فأنت طالق فقالت : قد ولدت ، وكذبها الزوج ، لم يقع الطلاق بقولها بخلاف الحيض ; لأن الولادة مما يقف عليها غيرها .
فإن قول القابلة يقبل في الولد فلا يحكم بوقوع الطلاق ما لم تشهد القابلة به ، والحيض لا يقف عليه غيرها ، فإن شهدت [ ص: 106 ] القابلة بالولادة ، ثبت نسب الولد بشهادتها ، ولا يقع الطلاق عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى ما لم يشهد به رجلان ، أو رجل وامرأتان وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يقع الطلاق عليها بشهادة القابلة ; لأن شرط وقوع الطلاق عليها ولادتها ، وقد صار محكوما به بشهادة القابلة بدليل ثبوت نسب الولد .
وشهادة القابلة في حال قيام الفراش حجة تامة في حق النسب وغيره ألا ترى أنه لو قال لجاريته : إن كان بها حبل فهو مني فشهدت القابلة على ولادتها ، صارت هي أم ولد له ، وكذلك إن ولدت امرأته ولدا ثم قال الزوج : هو ليس مني ولا أدري ولدته أم لا فشهدت القابلة ، حكم باللعان بينهما .
ولو كان الزوج عبدا أو حرا محدودا في قذف ، وجب عليه الحد ، فإذا جعلت شهادة القابلة حجة في حكم اللعان والحد ، فلأن تجعل حجة في حكم الطلاق أولى .
وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : شرط الطلاق إذا كان لا يثبت إلا بالشهادة فلا بد فيه من شهادة رجلين أو رجل وامرأتين كسائر الشروط وهذا ; لأن شرط الطلاق كنفس الطلاق ، وتأثيره أن شهادة المرأة الواحدة ليست بحجة أصلية ، وإنما يكتفى بها فيما لا يطلع عليه الرجال ; لأجل الضرورة .
والثابت بالضرورة لا يعدو مواضعها ، والضرورة في نفس الولادة وما هو من الأحكام المختصة بالولادة ; لأن ثبوت الحكم بثبوت نسبه ، والولادة لا يطلع عليها الرجال والحكم المختص بالولادة أمية الولد للأم ، واللعان عند نفي الولد ، فأما وقوع الطلاق والعتاق ليس من الحكم المختص بالولادة ولا أثر للولادة فيه بل إنما يقع بإيقاعه عند وجود الشرط ، ونسب الولد من الأحكام المختصة بالولادة مع أن النسب عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يثبت بشهادة القابلة ، وإنما يثبت بعين الولد فإن ثبوت النسب بالفراش القائم ، وبأن يجعل شهادة القابلة حجة في ثبوت النسب فذلك لا يدل على أنها تكون حجة في وقوع الطلاق كما بينا في قوله : إذا حضت فأنت طالق ، وفلانة معك .
ولو كان الزوج أقر بأنها حبلى ثم قال لها : إذا ولدت ، فأنت طالق فقالت قد ولدت ، عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى يقع الطلاق بمجرد قولها ، وعندهما لا يقع إلا أن تشهد القابلة ; لأن شرط الطلاق ولادتها ، وذلك ما يقف عليها غيرها فلا يقبل فيه مجرد قولها كما في الفصل الأول ألا ترى أن نسب الولادة لا يثبت إلا بشهادة القابلة ، وإن أقر الزوج بالحبل فكذلك الطلاق وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : علق الطلاق ببروز موجود في باطنها فيقع الطلاق بمجرد خبرها كما لو قال : إذا حضت فأنت طالق وهذا ; لأن وجود الحبل بها يثبت بإقرار الزوج [ ص: 107 ] فلما جاءت الآن ، وهي فارغة ، وتقول : قد ولدت ، فالظاهر يشهد لها ، أو يتيقن بولادتها ، وهذا بخلاف النسب ; لأن بقولها يثبت مجرد الولادة ، وليس من ضرورته تعين هذا الولد ; لجواز أن تكون ولدت غير هذا من والد ميت ثم تريد حمل نسب هذا الولد عليه فلهذا لا يقبل قولها في تعيين الولد إلا بشهادة الوالد .
فأما وقوع الطلاق يتعلق بنفس الولادة أي ولد كان من حي أو ميت ، وبعد إقرار الزوج بالحبل يتيقن بالولادة ، إذا جاءت وهي فارغة .
( قال ) : وإذا قال الرجل لامرأته : إذا ولدت ولدين ، فأنت طالق فولدت ثلاثة أولاد في بطن واحد ، ثم ولدت بعد ذلك لستة أشهر ولدا آخر ، فقد وقعت عليها تطليقة بولادة الولدين الأولين ; لتمام الشرط بهما ، وانقضت عدتها بالولد الثالث ; لأنها معتدة وضعت جميع ما في بطنها فإن الولد الرابع من حبل حادث بيقين ; لأن التوأم لا يكون بينهما مدة حبل تام ; ولهذا لا يثبت نسب الولد الرابع من الزوج ; لأنها علقت به بعد انقضاء عدتها .
( قال ) : ولو قال : أول ولد تلدينه غلاما ، فأنت طالق فولدت غلاما وجارية في بطن واحد لا يعلم أيهما أول ، لم يقع عليها شيء في الحكم ; لجواز أن تكون ولدت الجارية أولا ثم الغلام ، وفي النزهة قد وقعت عليها تطليقة ; لجواز أن تكون ولدت الغلام أولا فوقع عليها تطليقة ، ثم انقضت عدتها بولادة الجارية في هذا الوجه غير أنها لا تحل للأزواج حتى يوقع عليها طلاقا مستقبلا ، وتعتد بعدة مستقبلة ; لأنها في الحكم امرأته فإن الطلاق بالشك لا يقع في الحكم فلهذا يحتاج في حلها للأزواج إلى إيقاع مستقبل وعدة مستقبلة .
( قال ) : وإذا قال لها : كلما ولدت ولدين ، فأنت طالق فولدتهما في بطن واحد ، أو في بطنين ، فهو سواء ، ويقع عليها الطلاق بالولد الآخر ; لأن تمام الشرط به ولا فرق في الشرط بين أن يوجدا معا أو متفرقين ، ولو ولدت الثاني وهي ليست في نكاحه ولا في عدته ، لم يقع عليها شيء عندنا ، وعلى قول ابن أبي ليلى رحمه الله تعالى ، يقع ; لأن المعتبر عنده أن الطلاق يقع عند وجود الشرط بالتعليق السابق ، وقد صح في ملكه ألا ترى أن الصحيح إذا قال لامرأته : إن دخلت الدار ، فأنت طالق ثم جن ثم دخل الدار ، تطلق باعتبار وقت التعليق لا وقت وجود الشرط ، ولكنا نقول : أو أن وقوع الطلاق عليها عند وجود الشرط ، وعند ذلك ليست بمحل لوقوع طلاقه عليها ; لأنها ليست في نكاحه ولا في عدته .
وبدون المحل لا يثبت الحكم بخلاف جنون الزوج فإنه لا يعدم المحلية إنما يعدم الأهلية للإيقاع ، والإيقاع بكلام الزوج ، وذلك عند التعليق لا عند وجود الشرط فلهذا لا يعتبر قيام الأهلية [ ص: 108 ] عند وجود الشرط ، ولو أبانها فولدت الأول في غير نكاحه وعدته ، ثم تزوجها ، فولدت ، عندنا ، يقع الطلاق عليها ، وعند زفر رحمه الله تعالى ، لا يقع ; لأن ولادة الولد الأول شرط للطلاق لولادة الولد الثاني .
، فكما لا يعتبر قيام الملك للوقوع عند ولادة الولد الثاني ، فكذلك عند ولادة الولد الأول ، وعلماؤنا رحمهم الله تعالى يقولون : المحل إنما يعتبر عند التعليق لصحة التعليق بوجود المحلوف به ، وعند تمام الشرط لنزول الجزاء ، فأما في حال ولادة الولد الأول ليس بحال التعليق ولا حال نزول الجزاء إنما هو حال بقاء اليمين .
وملك المحل ليس بشرط لبقاء اليمين كما لو قال لعبده : إن دخلت الدار ، فأنت حر ثم باعه ثم اشتراه ودخل الدار ، عتق ، وهذا ; لأن بوجود بعض الشرط لا ينزل شيء من الجزاء ألا ترى أنه لو قال لامرأته في رجب ولم يدخل بها : إذا جاء يوم الأضحى ، فأنت طالق ثم أبانها ثم تزوجها يوم عرفة فجاء يوم الأضحى ، طلقت ، وما لم يمض الشهر لا يتحقق وجود الشرط بمجيء يوم الأضحى ثم لا يعتبر قيام المحل في تلك الشهور .
وعلى هذا الخلاف لو قال : إذا حضت حيضتين فحاضت الأولى في غير ملك ، والثانية في ملك ، وكذلك إن تزوجها قبل أن تطهر من الحيضة الثانية بساعة ، أو بعد ما انقطع عنها الدم قبل أن تطهر من الحيضة الثانية بساعة ، أو بعد ما انقطع عنها الدم قبل أن تغتسل ، وأيامها دون العشرة ، فإذا اغتسلت أو مضى عليها وقت صلاة ، طلقت ; لأن الشرط قد تم وهي في نكاحه .
وكذلك لو قال : إن أكلت هذا الرغيف فأنت طالق فأكلت عامة الرغيف في غير ملكه ، ثم تزوجها فأكلت ما بقي منه طلقت ; لأن الشرط شرط في ملكه ، والحنث به يحصل ، وقد قال في الأصل : إذا قال : كلما حضت حيضتين فأنت طالق فحاضت الأخيرة منهما في غير ملكه ثم تزوجها فحاضت الثانية في ملكه لم يقع عليها شيء قال الحاكم : وهذا الجواب غير سديد في قوله كلما حضت ، وإنما يصح إذا كان السؤال بقوله إذا حضت ; لأن كلمة كلما تقتضي التكرار ( قال ) الشيخ الإمام : والأصح عندي أن في المسألة روايتين : في رواية هذا الكتاب لا تطلق ، وفي رواية الجامع تطلق ، وأصل الاختلاف في كيفية التكرار بكلمة كلما في هذه الرواية يتكرر انعقاد اليمين فكلما وجد الشرط مرة ارتفعت اليمين الأولى ، وانعقدت يمين أخرى فإذا لم يكن عند تمام الشرط في نكاحه ولا في عدته لا تنعقد اليمين الأخرى ; لأن ملك المحل شرط عند انعقاد اليمين فلهذا لا يقع عليها شيء ، وإن حاضت حيضتين في ملكه .
وعلى رواية الجامع إنما يتكرر بكلمة كلما نزول الجزاء بتكرر الشرط ولا يتكرر انعقاد اليمين [ ص: 109 ] فكلما وجد الشرط في ملكه طلقت ، والأصح رواية الجامع ، وقد بينا تمام هذا الكلام فيما أمليناه من شرح الجامع .
( قال ) : وإن قال : إذا حضت فأنت طالق فولدت لم تطلق ; لأن شرط الطلاق حيضها ، والنفاس ليس بحيض ألا ترى أنه لا يحتسب به من أقراء العدة ، وإن قال : إذا حبلت فأنت طالق ثلاثا فوطئها مرة فالأفضل له أن لا يقربها ثانية حتى يستبرئها بحيضة ; لجواز أن تكون قد حبلت فطلقت ثلاثا ، وإذا حاضت وطهرت عرفنا أنها لم تحبل ، فإن تبين فراغ رحمها يحصل بحيضة واحدة بدليل الاستبراء فله أن يطأها مرة أخرى ، وهذا حاله وحالها مادام عنده ، وهو جواب النزهة .
فأما في الحكم لا يمنع من وطئها ما لم يظهر بها حبل ; لأن قيام النكاح فيما بينهما يقين ، وفي وقوع الطلاق شك ، وإذا ولدت بعد هذا القول لأقل من ستة أشهر لم تطلق ; لأنا تيقنا أن هذا الحبل كان قبل اليمين ، وشرط الحنث حبل حادث بعد اليمين ، وإن جاءت به لأكثر من سنتين وقع الطلاق وانقضت العدة بالولد ; لأنا تيقنا أن هذا الولد من حبل حادث بعد اليمين ، وإنما وقع الطلاق عند وجود الشرط ، وهو ما إذا لو حبلت فتنقضي عدتها بالولد وجاءت به لستة أشهر أو أكثر ولكن لأقل من سنتين لم تطلق أيضا ; لجواز أن يكون هذا الولد من حبل قبل اليمين فإن الولد يبقى في البطن إلى سنتين . وما لم يتيقن بوجود الشرط بعد اليمين لا ينزل الجزاء والحل ، وإن كان قائما بينهما يسند العلوق إلى أبعد الأوقات تحرزا عن إيقاع الطلاق بالشك .
( قال ) : وإذا قال لها : إذا وضعت ما في بطنك فأنت طالق فولدت ولدين في بطن واحد وقع الطلاق بآخرهما ، وعليها العدة ; لأن حرف " ما " يوجب التعميم ، فشرط وقوع الطلاق أن تضع جميع ما في بطنها ، وذلك لا يحصل إلا بالولد الثاني ، وعلى هذا لو قال : إن كان حملك هذا جارية فأنت طالق واحدة ، وإن كان غلاما فأنت طالق اثنتين فولدت غلاما وجارية لم يقع عليها شيء ; لأن الحمل اسم لجميع ما في بطنها قال الله تعالى : { أجلهن أن يضعن حملهن } ، ولا تنقضي عدتها إلا بوضع جميع ما في بطنها .
فالشرط أن يكون جميع حملها غلاما أو جارية ، ولم يوجد ذلك حين ولدت غلاما وجارية في بطن واحد ألا ترى أنه لو كان قال : إن كان ما في هذا الجوالق حنطة فامرأته طالق ، وإن كان ما فيه شعيرا فعبده حر ، فإذا فيه شعير وحنطة لم يلزمه طلاق ولا عتق .
ونظير هذه المسألة امتحن أبو حنيفة رحمه الله تعالى فطنة الحسن بن زياد رضي الله عنه قال : ما تقول في عنز ولدت ولدين لا ذكرين ولا أنثيين ، ولا أسودين ولا أبيضين ؟ كيف يكون هذا ؟ فتأمل ساعة ثم قال : أحدهما ذكر [ ص: 110 ] والآخر أنثى ، وأحدهما أسود ، والآخر أبيض فتعجب من فطنته .
وإن قال لها : كلما حبلت فأنت طالق فولدت بعد هذا القول من حبل حادث فقد وقعت عليها تطليقة كما حبلت لوجود الشرط ، وانقضت عدتها بالولادة ، ولو كان جامعها بعد الحبل قبل أن تلد منه كان ذلك منه رجعة ; لأن الواقع بهذا اللفظ كان رجعيا ، والوطء في العدة من طلاق رجعي يكون رجعة ، فإن حبلت مرة أخرى ، طلقت ; لأنه عقد يمينه بكلمة كلما ، وكذلك في الحكم الثالث ، وإن قال : أنت طالق ما لم تلدي فهي طالق حين سكت ; لأنه جعلها طالقا في وقت لا تلد فيه بعد اليمين ، وكما سكت فقد وجد ذلك في قوله ما لم تحبلي ، وفي قوله ما لم تحيضي إلا أن يكون ذلك منها مع سكوته فحينئذ لا يقع ، وهذا ; لأن وقوع الطلاق بحيض بزمان ، وهو ما بعد كلامه وقد جعلها طالقا إلى غاية وهو أن تحيض أو تحبل أو تلد .
فإذا وجدت الغاية متصلا بسكوته فقد انعدم الزمان الذي أوقع فيه الطلاق ; لأن الشيء لا يكون غاية لنفسه فلا تطلق ، فإذا لم يوجد ذلك مع سكوته فقد وجد الزمان الذي أوقع فيه الطلاق فتطلق .
ولو قال : أنت طالق ما لم تحبلي ، أو ما لم تحيضي وهي حائض فهي طالق كما سكت ; لأن صيغة كلامه لحبل وحيض حادث ، يقال حبلت المرأة وحاضت عند ابتداء ذلك ولم يوجد ذلك متصلا بسكوته فلهذا تطلق ، فإن كان يعني ما فيه من الحبل والحيض دين فيما بينه وبين الله تعالى ; لأن استدامة الحيض بخروج الدم منها ساعة فساعة وما يبرز منها حادث من وجه فيجوز أن يطلق عليه اسم ابتداء الحيض مجازا ، ولكنه خلاف الظاهر فلا يدين في القضاء ويدين فيما بينه وبين الله تعالى .
وأما في الحبل فلا يدين في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى ; لأنه لا يتجدد الحبل في مدته ساعة فساعة فلا يكون لاستدامته اسم الابتداء لا حقيقة ولا مجازا ألا ترى أنه يقال : حاضت عشرة أيام ، ولا يقال : حبلت تسعة أشهر إنما يقال حبلت ووضعت لتسعة أشهر .
وإن قال لامرأته : قد طلقتك قبل أن أتزوجك ، فهذا باطل ; لأن ما ثبت بإقراره كالثابت بالمعاينة ; ولأنه أضاف الطلاق إلى وقت لم يكن مالكا للإيقاع عليها في ذلك الوقت فكان نافيا للوقوع عليها لا مثبتا ; كما لو قال : أنت طالق قبل أن تولدي ، أو تخلقي ، أو قبل أن أولد أو أن أخلق .
وكذلك لو قال : قد طلقتك أمس ، وإنما تزوجها اليوم لأنه أضاف الطلاق إلى وقت لم يكن مالكا للإيقاع في ذلك الوقت وإن كان تزوجها قبل أمس طلقت للحال ; لأنه أضاف إلى وقت كان مالكا للإيقاع في ذلك الوقت فكان كلامه معتبرا [ ص: 111 ] في الإيقاع ثم إنه وصفها بالطلاق في الحال مستندا إلى أمس ، وهو يملك الإيقاع عليها في الحال ، ولكن لا يملك الإسناد فلهذا تطلق في الحال .
( قال ) : ولو قال : قد طلقتك وأنا صغير ، أو قال : وأنا نائم لم يقع بهذا شيء ; لأنه أضاف إلى حالة معهودة تنافي صحة الإيقاع ، فكان منكرا للإيقاع لا مقرا به . ولو قال : وأنا مجنون ، فإن عرف بالجنون قبل هذا لم تطلق ; لأنه أضاف إلى حالة معهودة تنافي صحة الإيقاع ، وإن لم يعرف بالجنون طلقت ; لأنه أقر بطلاقها ، وأضافه إلى حالة لم تعرف تلك الحالة منه ; فلا يعتبر قوله في الإضافة فلهذا تطلق في الحال .
، وإن قال : قلت لك أنت طالق إن كلمت فلانا ، وقالت هي : طلقتني فالقول قول الزوج ; لأن تعليق الطلاق بالشرط يمين ، واليمين غير الطلاق ألا ترى أنه لا يقع الطلاق بها ما لم يوجد الحنث فهي تدعي عليه إيقاع الطلاق ، والزوج منكر لذلك فالقول قوله ، وإن قال : أنت طالق ثلاثا ، إن لم أطلقك لم تطلق حتى يموت أحدهما قبل أن يطلقها ; لأن كلمة إن للشرط ، فقد جعل عدم إيقاع الطلاق عليها شرطا ، ولا يتيقن بوجود هذا الشرط ما بقيا حيين ، فهو كقوله : إن لم آت البصرة فأنت طالق .
ثم إن مات الزوج وقع عليها قبل موته بقليل وليس لذلك القليل حد معروف ، ولكن قبيل موته يتحقق عجزه من إيقاع الطلاق عليها فيتحقق شرط الحنث ، فإن كان لم يدخل بها فلا ميراث لها ، وإن كان قد دخل بها فلها الميراث بحكم الفرار حين وقع الثلاث بإيقاعه قبيل موته بلا فصل ، وإن ماتت المرأة وقع الطلاق أيضا قبل موتها .
وفي النوادر يقول : لا يقع ; لأنه قادر على أنه يطلقها ما لم تمت ، وإنما عجز بموتها فلو وقع الطلاق ، لوقع بعد الموت وهو نظير قوله : إن لم آت البصرة ، وجه ظاهر الرواية أن الإيقاع من حكمة الوقوع بعد الموت ، وهو قد تحقق العجز عن إيقاعه قبيل موتها ; لأنه يعقبه الوقوع كما لو قال لها : أنت طالق مع موتك فيقع الطلاق قبيل موتها بلا فصل .
ولا ميراث للزوج ; لأن الفرقة وقعت بينهما قبل موتها بإيقاع الطلاق عليها ، وإن قال : أنت طالق متى لم أطلقك طلقت كما سكت ; لأن كلمة متى تستعمل للوقت فقد أضاف الطلاق إلى وقت بعد يمينه لا يطلقها فيه ، وقد وجد ذلك الوقت كما سكت ، وكذلك إن قال : متى ما لم أطلقك .
فأما إذا قال : إذا لم أطلقك ، أو إذا ما لم أطلقك .
فإن قال : عنيت بإذا الشرط فهو بمنزلة أن لا يقع الطلاق حتى يموت أحدهما ، وإن قال : عنيت به متى وقع الطلاق كما سكت ; لأن إذا تستعمل لكل واحدة منهما .
وإن لم تكن له نية فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا تطلق حتى يموت أحدهما وعند أبي يوسف [ ص: 112 ] ومحمد رحمهما الله تعالى كما سكت يقع ، وأصل الخلاف بين أهل اللغة والنحو فالكوفيون منهم يقولون إذا قد تستعمل للوقت وقد تستعمل للشرط على السواء فيجازى به مرة ولا يجازى به أخرى ، وإذا كان بمعنى الشرط سقط فيه معنى الوقت أصلا كحرف أن وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى والبصريون رحمهم الله تعالى يقولون : إذا للوقت ، ولكن قد تستعمل للشرط مجازا ، ولا يسقط به معنى الوقت إذا أريد به الشرط بمنزلة متى وهو مذهب أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى فهما يقولان : إذا تستعمل فيما هو كائن لا محالة ، وليس فيه معنى الخطر قال الله تعالى { إذا الشمس كورت } و { إذا السماء انفطرت } .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|