
11-12-2025, 10:56 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,690
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي
الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس
صـــ 92 الى صـــ 101
(121)
( قال ) : وإذا قال : أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا ، تطلق ثلاثا ; لأنه استثنى جميع ما تكلم به وهذا الاستثناء باطل فإنه إن جعل عبارة عما وراء المستثنى ، لا يبقى بعد استثناء الكل شيء ; ليكون كلامه عبارة عنه ، وإن جعل بمنزلة دليل الخصوص ، فذلك لا يعم الكل ; لأنه حينئذ يكون نسخا لا تخصيصا ، وظن بعض أصحابنا ومشايخنا رحمهم الله تعالى أن استثناء الكل رجوع ، والرجوع عن الكل باطل ، وهذا وهم فقد بطل استثناء الكل في الوصية أيضا ، وهو يحتمل الرجوع فدل أن الطريق ما قلنا .
( قال ) : وإن قال لها وقد دخل بها : أنت طالق أنت طالق أنت طالق إلا واحدة ، تطلق ثلاثا من قبل أنه فرق الكلام ، فيكون هو مستثنيا جميع ما تكلم به في آخر كلماته ، وهو باطل ، وكذلك لو ذكره مع حرف العطف ، ولو قال ، أنت طالق ثلاثا إلا واحدة وواحدة عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ، تطلق ثلاثا ; لأنه عطف بعض الكلمات على البعض ، والعطف للاشتراك وعند ذلك صار مستثنيا للكل فكأنه قال ; إلا ثلاثا ، وهو الظاهر من قول أبي يوسف رحمه الله تعالى ، وقد روي عنه أنه يقع واحدة ، وهو قول زفر رحمه الله تعالى ; لأنه لو قال : إلا واحدة وواحدة ، صار مستثنيا للاثنتين ، فكان صحيحا فإنما بطل استثناء الثالثة فقط .
( قال ) ولو قال : أنت طالق تطليقة إلا نصفها فهي طالق واحدة ; لأن ما بقي منها تطليقة تامة ، وهو إشارة إلى مذهب محمد رحمه الله تعالى في أن التطليقة تتجزأ في الاستثناء ، وعلى قول من يقول لا تتجزأ هذا استثناء لجميع ما تكلم به وهذا لا يصح ، وذكر في النوادر إذا قال : أنت طالق ثنتين وثنتين إلا ثنتين أن الاستثناء صحيح عندنا ، وتطلق ثنتين ، وعند زفر رحمه الله تعالى تطلق ثلاثا ; لأنه استثنى أحد الكلامين ، وهو باطل ، ولكنا نقول : لتصحيح هذا الاستثناء وجه ، وهو أن يجعل [ ص: 93 ] مستثنيا من كل كلام تطليقة ، وكلام العاقل يجب تصحيحه ما أمكن ، وفي نوادر هشام لو قال : ثنتين وثنتين إلا ثلاثا ، تطلق ثلاثا عند محمد رحمه الله تعالى ; لأنه استثنى أحد الكلامين وبعض الآخر ، وذلك باطل ، ولا وجه لتصحيح بعض الاستثناء فيه دون البعض ، وفيه إشكال على أصل محمد رحمه الله تعالى ; لأنه يمكن أن يجعل مستثنيا من كل كلام تطليقة ونصفا ، فالتطليقة عنده تتجزأ في الاستثناء فينبغي أن يقع ثنتان بهذا الطريق .
( قال ) : وإذا طلقها تطليقة رجعية ، فطلاقه يقع عليها ما دامت في العدة ، وكذلك الظهار والإيلاء ، وإن قذفها ، لاعنها ، وإن مات أحدهما توارثا ; لبقاء ملك النكاح بعد الطلاق الرجعي ، وإن كان الطلاق بائنا ، لم يقع عليها ظهار ولا إيلاء ; لأن الظهار منكر من القول وزور ; لما فيه من تشبيه المحللة بالمحرمة ، وهذا تشبيه المحرمة بالمحللة ، والمولى مضار متعنت من حيث إنه يمنع حقها في الجماع ، وبعد البينونة لا حق لها في الجماع ، وكذلك لو قذفها ، لم يلاعنها ، وكان عليه الحد ; لأن اللعان مشروع ; لقطع النكاح وقد انقطع النكاح بالبينونة .
( قال ) : رجل قال لامرأته : أنت طالق ثلاثا إن دخلت الدار ثم طلقها ثلاثا ثم عادت إليه بعد زوج آخر فدخلت الدار ، لم تطلق عندنا ، وقال زفر رحمه الله تعالى : تطلق ثلاثا ; لأن التعليق في الملك قد صح ، والشرط وجد في الملك فينزل الجزاء كما لو قال لعبده : إن دخلت الدار ، فأنت حر ثم باعه ثم اشتراه ثم دخل الدار ، وهذا ; لأن المعلق بالشرط ليس بطلاق على ما نبينه إن شاء الله تعالى
والذي أوقعه طلاق فكان غير المعلق بالشرط ، والمعلق بالشرط غير واصل إلى المحل ، فلا يعتبر ; لبقائه متعلقا قيام المحل .
وإنما يشترط كون المحل محلا عند وجود الشرط ; لأنه عند ذلك يصل إليه ، وهو موجود ، والدليل عليه أنه لو قال لها : إن دخلت الدار ، فأنت علي كظهر أمي ثم طلقها ثلاثا ثم عادت إليه بعد زوج آخر ، يكون مظاهرا منها ، إذا دخلت الدار ، ولو طلقها اثنتين في مسألة اليمين بالطلاق ثم عادت إليه بعد إصابة زوج آخر فدخلت الدار ، تطلق ثلاثا ، فإذا كان وقوع بعض الطلقات لا يمنع بقاء التعليق في الثلاث ، فكذلك في وقوع الكل ، وحجتنا ما علل به في الكتاب فقال : من قبل أنه لما طلقها ثلاثا ، فقد ذهب تطليقات ذلك الملك كله ، ومعنى هذا أن انعقاد هذه اليمين باعتبار التطليقات المملوكة فإن اليمين بالطلاق لا ينعقد إلا في الملك ، أو مضافا إلى الملك ولم توجد الإضافة هنا ، فكان انعقادها باعتبار التطليقات المملوكة ، وهي محصورة بالثلاث ، وقد أوقع ذلك كله ; والكل من كل شيء لا يتصور تعدده ، فعرفنا أنه لم يبق شيء من الجزاء المعلق [ ص: 94 ] بالشرط طلاقا كان ، أو غيره .
وكما لا ينعقد اليمين بدون الجزاء ، لا يبقى بدون الجزاء ألا ترى أنه لو قال لها : أنت طالق كل يوم ثلاثا فوقع عليها ثلاث تطليقات ثم تزوجها بعد زوج آخر ، لم يقع شيء وكذلك لو قال لها : أنت طالق تسعا كل سنة ثلاثا ، ثم تزوجها بعد زوج ، لم يقع في السنة الثانية شيء .
ولكن زفر رحمه الله تعالى يخالف في جميع هذا ويقول : ما يملك على امرأته من التطليقات غير محصور بعدد ، وإنما لا يقع إلا الثلاث ; لأن المحل لا يسع إلا ذلك حتى أن باعتبار تجدد العقد ، يقع عليها أكثر من ثلاث ، ولو قال لها : أنت طالق ألفا ، يقع عليها ثلاث ، ولو كان المملوك هو الثلاث ، لم يقع شيء عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى كما لو قال لها : طلقي نفسك واحدة فطلقت نفسها ثلاثا ، لم يقع شيء .
والمعتمد أن نقول بوقوع الثلاث عليها خرجت من أن تكون محلا للطلاق ; لأن الطلاق مشروع ; لرفع الحل ، وقد ارتفع الحل بالتطليقات الثلاث ، وفوت محل الجزاء يبطل اليمين كفوت محل الشرط بأن قال : إن دخلت هذه الدار ثم جعل الدار حماما ، أو بستانا لا يبقى اليمين فلهذا مثله بخلاف ما بعد بيع العبد ; لأنه بصفة الرق كان محلا للعتق .
وبالبيع لم تفت تلك الصفة حتى لو فات العتق ، لم يبق اليمين وبخلاف ما لو طلقها اثنتين ; لأن المحل باق بعد اثنتين فإن المحلية باعتبار صفة الحل وهي قائمة بعد الثنتين ، فيبقى اليمين .
ثم قد استفاد من جنس ما كان انعقدت عليه اليمين فيسري إليه حكم اليمين كما لو هلك مال المضاربة إلا درهما منه ، يبقى عقد المضاربة على الكل حتى لو تصرف وربح يحصل جميع رأس المال بخلاف ما لو هلك الكل .
وهذا بخلاف اليمين في الظهار فإن المحلية هناك لا تنعدم بالتطليقات الثلاث ; لأن الحرمة بالظهار غير الحرمة بالطلاق فإن تلك حرمة إلى وجود التكفير ، وهذه حرمة إلى وجود ما يرفعها ، وهو الزوج إلا أنها لو دخلت الدار بعد الطلقات الثلاث إنما لا يصير مظاهرا ; لأنه لا حل بينهما في الحال ، والظهار تشبيه المحللة بالمحرمة ، وذلك لا يوجد إلا إذا دخلت الدار بعد التزوج بها .
وما قال أن المحل لا يعتبر في المعلق بالشرط ضعيف ; لأنه إيجاب ، وإن لم يكن واصلا إلى المحل .
ولا يكون كلامه إيجابا إلا باعتبار المحل ، فلا بد لبقائه معلقا بالشرط من بقاء المحل ، ولم يبق بعد التطليقات الثلاث ، وعلى هذا لو قال : أنت طالق كلما حضت فبانت بثلاث ثم عادت إليه بعد زوج آخر ، لم يقع عليها ، إن حاضت شيء إلا على قول زفر رحمه الله تعالى .
وكذلك إن آلى منها فبانت بالإيلاء ثم تزوجها فبانت أيضا حتى بانت بثلاث ثم تزوجها بعد زوج ، لم يقع عليها بهذا الإيلاء طلاق [ ص: 95 ] إلا على قول زفر رحمه الله تعالى .
ولكن إن قربها ، كفر عن يمينه ; لأن اليمين باقية فإن انعقادها وبقاءها لا يختص بمحل الحل ، فإذا قربها ، تحقق حنثه في اليمين ، فتلزمه الكفارة .
( قال ) : وإن طلق امرأته واحدة ، أو اثنتين ثم تزوجها بعد زوج قد دخل بها ، فهي عنده على ثلاث تطليقات مستقبلات في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى ، وهو قول ابن عباس وابن عمر وإبراهيم ، وأصحاب عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم وعند محمد وزفر والشافعي رحمهم الله تعالى هي عنده بما بقي من طلاقها ، وهو قول عمر وعلي وأبي بن كعب وعمران بن الحصين وأبي هريرة رضي الله عنهم فأخذ الشبان من الفقهاء بقول المشايخ من الصحابة رضوان الله عليهم والمشايخ من الفقهاء بقول الشبان من الصحابة رضوان الله عليهم .
وحجة محمد رحمه الله تعالى في ذلك أن الزوج الثاني غاية للحرمة الحاصلة بالثلاث قال الله تعالى { حتى تنكح زوجا غيره } وكلمة حتى للغاية حقيقة ، وبالتطليقة والتطليقتين لم يثبت شيء من تلك الحرمة ; لأنها متعلقة بوقوع الثلاث .
وببعض أركان العلة لا يثبت شيء من الحكم ، فلا يكون الزوج الثاني غاية ; لأن غاية الحرمة قبل وجودها لا يتحقق كما لو قال : إذا جاء رأس الشهر ، فوالله لا أكلم فلانا حتى أستشير فلانا ثم استشاره قبل مجيء رأس الشهر ، لا يعتبر هذا : لأن الاستشارة غاية للحرمة الثابتة باليمين فلا تعتبر قبل اليمين ، وإذا لم تعتبر ، كان وجودها كعدمها .
ولو تزوجها قبل التزوج ، أو قبل إصابة الزوج الثاني ، كانت عنده بما بقي من التطليقات ، فكذلك هنا وأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى قالا : إصابة الزوج الثاني بنكاح صحيح يلحق المطلقة بالأجنبية في الحكم المختص بالطلاق كما بعد التطليقات الثلاث ، وبيان هذا أن بالتطليقات الثلاث تصير محرمة ومطلقة ثم بإصابة الزوج الثاني يرتفع الوصفان جميعا وتلتحق بالأجنبية التي لم يتزوجها قط ، فبالتطليقة الواحدة تصير موصوفة بأنها مطلقة ، فيرتفع ذلك بإصابة الزوج الثاني ، ثم الدليل على أن الزوج الثاني رافع للحرمة لا منه أن المنهي يكون متقررا في نفسه ، ولا حرمة بعد إصابة الزوج الثاني فدل أنه رافع للحرمة ; ولأنه موجب للحل ، فإن صاحب الشرع سماه محللا فقال صلى الله عليه وسلم { لعن الله المحلل والمحلل له } وإنما كان محللا ; لكونه موجبا للحل ، ومن ضرورته أنه يكون رافعا للحرمة ، وبهذا تبين أن جعله غاية مجاز ، وهو نظير قوله تعالى { ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا } ، والاغتسال موجب للطهارة رافع للحدث لا أن يكون غاية للجنابة .
والدليل عليه أن أحكام الطلاق تثبت متأبدة لا إلى غاية [ ص: 96 ] ولكن ترتفع بوجود ما يرفعها كحكم زوال الملك لا يثبت مؤقتا ولكن يرتفع بوجود ما يرفعه ، وهو النكاح ، وإذا ثبت أن الزوج الثاني موجب للحل فإنما يوجب حلالا يرتفع إلا بثلاث تطليقات ، وذلك غير موجود بعد التطليقة والتطليقتين فيثبت به ، ولما كان رافعا للحرمة إذا اعترض بعد ثبوت الحرمة ، فلأن يرفعها وهو بعرض الثبوت أولى ، ولأن يمنع ثبوتها إذا اقترن بأركانها أولى ومحمد رحمه الله تعالى يقول : ثبوت الحرمة بسبب إيقاع الطلاق ، وذلك لا يرتفع بالزوج الثاني ; حتى لا تعود منكوحة له ، وبقاء الحكم ببقاء سببه فعرفنا أنه ليس برافع للحرمة ولا هو موجب للحل ; لأن تأثير النكاح الثاني في حرمتها على غيره فكيف يكون موجبا للحل لغيره وسماه محللا ; لأنه شرط للحل لا ; لأنه موجب للحل ، ألا ترى أنه سماه ملعونا باشتراط ما لا يحل له شرعا فعرفنا أنه غير موجب للحل ولكن الحرمة تحتمل التوقيت كحرمة المعتدة ، وحرمة الاصطياد على المحرم فجعلنا الزوج الثاني غاية للحرمة ; عملا بحقيقة كلمة حتى المذكورة في الكتاب والسنة حيث قال صلى الله عليه وسلم { : حتى تذوقي من عسيلته } ومسألة يختلف فيها كبار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ; لغور فقهها يصعب الخروج منها .
( قال ) : ولو قال لامرأته : إن دخلت الدار ، فأنت طالق ثلاثا ثم طلقها واحدة ، أو اثنتين ، وعادت إليه بعد زوج آخر فدخلت الدار عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى تطلق بالدخول ثلاثا ; لأنها عادت إليه بثلاث تطليقات ، وعند محمد وزفر رحمهما الله تعالى يقع عليها ما بقي ; لأن عندهما إنما عادت إليه بما بقي من الطلقات .
( قال ) : ولو قال لامرأة : كلما تزوجتك ، فأنت طالق ثلاثا ، فهو كما قال يقع عليها ثلاث كلما تزوج بها ; لأن كلمة كلما تقتضي نزول الجزاء بتكرار الشرط .
وانعقاد هذه اليمين باعتبار التطليقات التي يملكها عليها بالتزوج ، وتلك غير محصورة بعدد فلهذا بقيت اليمين بعد وقوع ثلاث تطليقات بخلاف قوله لامرأته : كلما دخلت الدار ، فأنت طالق ثلاثا ، فإن انعقاد تلك اليمين باعتبار التطليقات المملوكة عليها ; لأنه لم توجد الإضافة إلى الملك فلا تبقى بعد وقوع التطليقات المملوكة عليها .
وهذه المسألة تنبني على أصلنا أن ما يحتمل التعليق بالشرط كالطلاق والعتاق والظهار يجوز إضافته إلى الملك عم أو خص ، وهو قول عمر رضي الله عنه روي عنه ذلك في الظهار ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى لا يصح ذلك ، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما فإنه سئل عمن يقول لامرأة إن تزوجتك ، فأنت طالق ، فتلا عليه قوله تعالى { إذا نكحتم المؤمنات ثم [ ص: 97 ] طلقتموهن } ، وقال شرع الله تعالى الطلاق بعد النكاح فلا طلاق قبله ، وعلى قول ابن أبي ليلى رحمه الله تعالى إن خص امرأة وقبيلة ، انعقدت اليمين .
وإن عم فقال كل امرأة لا تنعقد ، وهو قول ابن مسعود رضي الله عنه ; لما فيه من سد باب نعمة النكاح على نفسه فالشافعي رحمه الله تعالى استدل بقوله صلى الله عليه وسلم { لا طلاق قبل النكاح . }
وروي { أن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما خطب امرأة ، فأبى أولياؤها أن يزوجوها منه ، فقال إن نكحتها فهي طالق ثلاثا فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال صلوات الله عليه وسلامه : لا طلاق قبل النكاح } ، والمعنى فيه أنه غير مالك لتنجيز الطلاق فلا يملك تعليقه بالشرط كما لو قال لها : إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا ثم تزوجها فدخلت لم تطلق ، وهذا ; لأن تأثير الشرط في تأخير الوقوع إلى وجوده ، ومنع ما لولاه لكان طلاقا ، وهذا الكلام لولا الشرط لكان لغوا لا طلاقا ; ولأن الطلاق يستدعي أهلية في الموقع وملكا في المحل ثم قبل الأهلية لا يصح التعليق مضافا إلى حالة الأهلية كالصبي يقول لامرأته : إذا بلغت فأنت طالق ، فكذلك قبل ملك المحل لا يصح مضافا .
وبهذا تبين أنه تصرف يختص بالملك فإيجابه قبل الملك يكون لغوا كما لو باع الطير في الهواء ثم أخذه قبل قبول المشتري .
وحجتنا في ذلك أن التعليق بالشرط يمين فلا تتوقف صحته على ملك المحل كاليمين بالله تعالى وهذا ; لأن اليمين تصرف من الحالف في ذمة نفسه ; لأنه يوجب على نفسه البر ، والمحلوف به ليس بطلاق ; لأنه لا يكون طلاقا إلا بالوصول إلى المرأة ، وما دامت يمينا لا يكون واصلا إليها ، وإنما الوصول بعد ارتفاع اليمين بوجود الشرط فعرفنا أن المحلوف به ليس بطلاق ، وقيام الملك في المحل لأجل الطلاق .
ولكن المحلوف به ما سيصير طلاقا عند وجود الشرط بوصوله إليها ، ونظيره من المسائل الرمي عينه ليس بقتل ، والترس لا يكون مانعا عما هو قتل ولا مؤخرا له ، بل يكون مانعا عما سيصير قتلا ، إذا وصل إلى المحل .
ولما كان التعليق مانعا من الوصول إلى المحل ، والتصرف لا يكون إلا بركنه ومحله فكما أنه بدون ركنه لا يكون طلاقا ، فكذلك بدون محله لا يكون طلاقا ، وبه فارق ما لو قال لأجنبية : إن دخلت الدار ، فأنت طالق فإن المحلوف به هناك غير موجود ، وهو ما يصير طلاقا عند وجود الشرط ; لأن دخول الدار ليس بسبب لملك الطلاق ، ولا هو مالك لطلاقها في الحال حتى يستدل به على بقاء الملك عند وجود الشرط .
أما هنا نتيقن بوجود المحلوف به موجودا بطريق الظاهر بأن قال لامرأته [ ص: 98 ] إن دخلت الدار فأنت طالق انعقدت اليمين ، وإن كان من الجائز أن يكون دخولها بعد زوال الملك ، فإذا كان المحلوف به متيقن الوجود عند وجود الشرط ، أولى أن ينعقد اليمين ، وبأن كان لا يملك التنجيز لا يدل على أنه لا يملك التعليق كمن يقول لجاريته : إذا ولدت ولدا فهو حر ، صح ، وإن كان لا يملك تنجيز العتق في الولد المعدوم .
وإذا قال لامرأته الحائض : إذا طهرت ، فأنت طالق ، كان هذا طلاقا للسنة ، وإن كان لا يملك تنجيزه في الحال وهذا بخلاف التصرف ; لأنه لا بد منه في تصرف اليمين كما لا بد منه في تصرف الطلاق فأما في المحل معتبر بالطلاق دون اليمين وهذا بخلاف البيع فإن الإيجاب أحد شطري البيع ، وتصرف البيع قبل الملك لغو .
فأما الإيجاب هنا تصرف آخر سوى الطلاق وهي اليمين ، وتأويل الحديث ما روي عن مكحول والزهري وسالم والشعبي رضي الله تعالى عنهم أنهم قالوا : { كانوا يطلقون في الجاهلية قبل التزوج ; تنجيزا ، ويعدون ذلك طلاقا فنفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله : لا طلاق قبل النكاح } .
وحديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه عنه غير مشهور ، وإن ثبت فمعنى قوله إن نكحتها أي وطئتها ; لأن النكاح حقيقة للوطء ، وبهذا لا يحصل إضافة الطلاق إلى الملك عندنا .
إذا عرفنا هذا ، فنقول إذا قال لامرأته : إذا تزوجتك أو إذا ما تزوجتك أو إن تزوجتك أو متى ما تزوجتك فهذا كله للمرة الواحدة ; لأنه ليس في لفظه ما يدل على التكرار فإن كلمة إن للشرط ، وإذا ، ومتى للوقت بخلاف ما لو قال : كلما تزوجتك ; لأن كلمة كلما تقتضي التكرار فلا يرتفع اليمين بالتزوج مرة ولكن كلما تزوجها ، يصير عند التزويج كالمنجز للطلاق ، وكذلك لو قال : كلما دخلت الدار فهذا على كل مرة حتى تطلق ثلاثا بخلاف إن وإذا ومتى فإن ذلك على المرة الواحدة .
( قال ) : ولو قال لامرأة لا يملكها : أنت طالق يوم أكلمك ، أو يوم تدخلين الدار ، أو يوم أطؤك فهذا باطل بخلاف ما لو قال : يوم أتزوجك فإنه بهذا اللفظ يصير مضيفا الطلاق إلى التزوج ، وهو سبب لملك الطلاق فيصير المحلوف به موجودا بخلاف ما سبق فإن دخول الدار ليس بسبب لملك الطلاق .
فإن تزوج بها ثم فعل ذلك ، لم يقع عليها شيء عندنا وقال ابن أبي ليلى : يقع ; لأن المعتبر لوقوع الطلاق وقت وجود الشرط فإن طلقها حينئذ ، يصل إلى المحل ، والملك موجود عند وجود الشرط فيقع الطلاق ولكنا نقول هذا بعد انعقاد اليمين ولا ينعقد اليمين بدون المحلوف به ، فإذا لم يكن هو مالكا للطلاق في الحال ولا في الوقت المضاف إليه ، لا ينعقد اليمين فبدون ذلك ، وإن صار مالكا للطلاق في الوقت المضاف [ ص: 99 ] إليه ، لا يقع شيء ; لأن اليمين ما كانت منعقدة ، وكذلك لو قال لها : أنت طالق غدا ثم تزوجها اليوم ، لم يقع عليها شيء إذا جاء غد .
وإذا قال لامرأته وقد دخل بها : أنت طالق أنت طالق ، وقال : عنيت الأولى ، صدق فيما بينه وبين الله تعالى ، وأما في القضاء فهما تطليقتان ; لأن كل واحد من الكلامين إيقاع من حيث الظاهر ، فإن صيغة الكلام الثاني كصيغة الكلام الأول ، والقاضي مأمور باتباع الظاهر ، وما قاله من قصد تكرار الكلام الأول محتمل ; لأن الكلام الواحد يكرر للتأكيد والله تعالى مطلع على ضميره ، وكذلك قوله طلقتك قد طلقتك ، أو أنت طالق قد طلقتك ، أو أنت طالق أنت طالق ، أو طالق ، وأنت طالق فأما إذا قال لها : أنت طالق فقال له إنسان : ماذا قلت فقال : قد طلقتها ، أو قال : قلت هي طالق فهي طالق واحدة ; لأن كلامه الثاني جواب لسؤال السائل ، والسائل إنما يسأله عن الكلام الأول لا عن إيقاع آخر فيكون جوابه بيانا لذلك الكلام .
( قال ) : وإذا قال لها : إذا طلقتك ، فأنت طالق ثم طلقها واحدة وقد دخل بها ; فهي طالق اثنتين في القضاء إحداهما بالإيقاع والأخرى بوجود الشرط ; لأن قوله إذا طلقتك شرط ، وقوله فأنت طالق جزاء له ، وأما فيما بينه وبين الله تعالى ، فإن كان نوى بقوله إذا طلقتك فأنت طالق تلك التطليقة ، فهي واحدة ; لأن ما نواه محتمل على أن يكون قوله فأنت طالق بيانا لحكم الإيقاع لا جزاء لشرطه ، والله تعالى مطلع على ضميره ، وكذلك إذا قال : متى ما طلقتك ، أو إن طلقتك ، فأنت طالق ولو قال : كلما وقع عليك طلاقي ، فأنت طالق ثم طلقها واحدة ، تطلق ثلاثا ; لأن بوقوع الواحدة ، يوجد الشرط فوقع عليها تطليقة اليمين ثم بوقوع هذه التطليقة ، وجد الشرط مرة أخرى ، واليمين معقودة بكلمة كلما فتقع عليها الثالثة ، وهذا بخلاف ما لو قال : كلما طلقتك ، فأنت طالق ثم طلقها واحدة تقع عليها أخرى فقط ; لأن وقوع الثانية عليها ليس بإيقاع مستقبل منه بعد يمينه فلا يصلح شرطا للحنث ; فلهذا لا يقع عليها إلا واحدة ، فأما في الأول الشرط الوقوع لا الإيقاع ، والوقوع يحصل بالثانية بعد اليمين ، وعلى هذا لو قال : كلما قلت أنت طالق فأنت طالق ، أو كلما تكلمت بطلاق يقع عليك ، فأنت طالق وطلقها واحدة فهي طالق أخرى باليمين ، ولا يقع بالثانية طلاق ; لما بينا أن ما جعله شرطا لا يصير موجودا بعد اليمين بما وقع باليمين ، والأصل فيما نذكره بعد هذا أن اليمين إنما يعرف بالجزاء حتى لو قال : إن دخلت الدار ، فأنت طالق كان - يمينا بالطلاق ولو قال : فعبدي حر كان يمينا بالعتق .
والشرط واحد وهو دخول الدار ثم اختلفت اليمين باختلاف الجزاء وأصل [ ص: 100 ] آخر أن الشرط يعتبر وجوده بعد اليمين ، وأما ما سبق اليمين لا يكون شرطا ; لأنه يقصد باليمين منع نفسه عن إيجاد الشرط ، وإنما يمكنه أن يمنع نفسه عن شيء في المستقبل لا فيما مضى فعرفنا أن الماضي لم يكن مقصودا له ، واليمين يتقيد بمقصود الحالف . إذا عرفنا هذا ، فنقول : رجل له امرأتان عمرة وزينب فقال لزينب : أنت طالق ، إذا طلقت عمرة ، أو كلما طلقت عمرة ثم قال لعمرة : أنت طالق ، إذا طلقت زينب ثم قال لزينب : أنت طالق فإنه يقع على زينب بالإيقاع تطليقة ، ويقع على عمرة أيضا تطليقة ; لأن كلامه الأول كان يمينا بطلاق زينب ، وكلامه الثاني كان يمينا بطلاق عمرة فإن الجزاء فيه طلاق عمرة ، والشرط طلاق زينب وقد وجد الشرط بإيقاعه على زينب فلهذا يقع على عمرة تطليقة باليمين ويعود إلى زينب ; لأن عمرة طلقت بيمين بعد يمينه بطلاق زينب فيكون وقوع الطلاق عليها شرطا للحنث في اليمين بطلاق زينب فلهذا يقع عليها تطليقة أخرى ; هكذا في نسخ أبي سليمان رضي الله تعالى عنه ، وهو الصحيح .
وفي نسخ أبي حفص رضي الله تعالى عنه قال : ولا يعود على زينب وهو غلط ثم قال : ولو لم يطلق زينب ولكنه طلق عمرة وقعت عليها تطليقة بالإيقاع ، وعلى زينب تطليقة باليمين ثم وقعت أخرى على عمرة باليمين ; هكذا ذكر في نسخ أبي حفص رضي الله تعالى عنه ، وهو غلط ، والصحيح ما ذكره في نسخ أبي سليمان رضي الله تعالى عنه أنه لا يقع على عمرة باليمين ; لأن زينب إنما طلقت باليمين السابقة على اليمين بطلاق عمرة فلا يكون ذلك شرطا للحنث في اليمين بطلاق عمرة .
قال : ألا ترى أنه لو قال لزينب : إذا طلقت عمرة ، فأنت طالق ثم قال لعمرة : إن دخلت الدار ، فأنت طالق فدخلت عمرة الدار ; تطلق بالدخول ، وتطلق زينب أيضا ; لأن عمرة إنما طلقت بكلام بعد اليمين بطلاق زينب ، ولو كان قال لعمرة أولا : إن دخلت الدار ، فأنت طالق ثم قال لزينب : إن طلقت عمرة ، فأنت طالق ثم دخلت عمرة الدار ; طلقت ، ولم يقع الطلاق على زينب ; لأن عمرة إنما طلقت بيمين قبل اليمين بطلاق زينب فلا يصلح أن يكون ذلك شرطا للحنث في اليمين بطلاق زينب .
وبهذا الاستشهاد يتبين أن الصواب ما ذكره في نسخ أبي سليمان ، وأن جوابه في نسخ أبي حفص وقع على القلب .
( قال ) : وإذا حلف بطلاق عمرة ، لا يحلف بطلاق زينب ثم حلف بطلاق زينب ، لا يحلف بطلاق عمرة ، كانت عمرة طالقا ; لأنه بالكلام الأول حلف بطلاق عمرة ، وشرط حنثه الحلف بطلاق زينب وبالكلام الثاني صار حالفا بطلاق زينب ; لأن الجزاء فيه طلاق زينب فوجد فيه شرط [ ص: 101 ] الحنث في اليمين الأولى .
ألا ترى أنه لو قال لزينب بعد الكلام الأول : إن دخلت الدار ، فأنت طالق ، كانت عمرة طالقا ; لأنه قد حلف بطلاق زينب فإن الشرط والجزاء يمين عند أهل الفقه وقد وجد فصار به حانثا في اليمين الأولى .
( قال ) : ولو قال لزينب : أنت طالق إن شئت لم تطلق عمرة ; لأن هذا ليس بيمين بل هو تفويض المشيئة إليها بمنزلة قوله : اختاري ، أو أمرك بيدك وذلك لا يكون حلفا بالطلاق ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { خير نساءه مع نهيه عن الحلف بالطلاق } .
والدليل على أنه بمنزلة التخيير أنه يبطل بقيامها عن المجلس قبل المشيئة ، والشرط المطلق لا يتوقت بالمجلس ، وحقيقة المعنى فيه أن الشرط منفي فإن الحالف يقصد منع الشرط بيمينه وفي قوله : أنت طالق إن شئت لا يقصد منعها عن المشيئة فعرفنا أنه ليس بيمين ، وكذلك لو قال لزينب : أنت طالق إذا حضت حيضة فلهذا ليس بيمين عندنا ولا يحنث به في اليمين بطلاق عمرة ; لأن هذا تفسير لطلاق السنة فإن بهذا اللفظ لا يقع الطلاق عليها ما لم تطهر ; لأن الحيضة اسم للحيضة الكاملة ، وطلاق السنة يتأخر إلى حالة الطهر فكأنه قال لها : أنت طالق للسنة .
وعن زفر رحمه الله تعالى أن هذا يمين ; لوجود الشرط والجزاء وليس بتفسير لطلاق السنة ، ألا ترى أنه لو جامعها في هذه الحيضة ثم طهرت طلقت ولو قال لها : أنت طالق للسنة ثم جامعها في الحيض فطهرت لم تطلق وكذلك لو قال لها : إذا حضت حيضتين ، أو إذا حضت ثلاث حيض لم يكن شيء من ذلك حلفا بطلاقها بخلاف ما لو قال لها : إذا حضت فهذا حلف بطلاقها حتى تطلق عمرة ; لأن بهذا اللفظ يقع الطلاق في الحيض قبل الطهر فلا يكون تفسيرا لطلاق السنة ، فإن قيل هذا تفسير لطلاق البدعة ، ولو قال : أنت طالق للبدعة ، لم يكن حالفا بطلاقها .
( قلنا ) : ليس كذلك ، فطلاق البدعة لا يختص بالحيض ، وهذا الطلاق لا يقع إلا في حالة الحيض فعرفنا أنه شرط وجزاء .
( قال ) : وإذا قال لامرأته : أنت طالق ثلاثا للسنة ولا نية له ، فكلما حاضت وطهرت طلقت واحدة حتى تستكمل الثلاث ; لأن قوله للسنة أي لوقت السنة ، فإن اللام للوقت قال الله تعالى { أقم الصلاة لدلوك الشمس } .
وكل طهر محل لوقوع تطليقة واحدة للسنة فلهذا طلقت في كل طهر واحدة ، ولا يحتسب الحيضة الأولى من عدتها ; لأنها سبقت وقوع الطلاق عليها ، وإن نوى أن تطلق ثلاثا في الحال ، فهو كما نوى عندنا ، وعند زفر رحمه الله تعالى لا تعمل نيته ; لأن وقوع الثلاث جملة خلاف السنة ، ووقوع الطلاق في الحيض أو في طهر قد جامعها فيه خلاف السنة .
[ ص: 102 ] والنية إنما تعمل إذا كانت من محتملات اللفظ لا فيما كان من ضده ; ولأن معنى قوله أنت طالق للسنة إذا حضت وطهرت فكأنه صرح بذلك ونوى الوقوع في الحال فلا تعمل نيته ، ولكنا نقول : المنوي من محتملات لفظه على معنى أن وقوع الثلاث جملة من مذهب أهل السنة ، ووقوع الطلاق في الحيض كذلك ، إذ كون الطلاق ثلاثا عرف بالسنة ، فقد كانوا في الجاهلية يطلقون أكثر من ذلك ، فعرفنا أن المنوي من محتملات لفظه وفيه تغليظ عليه فتعمل نيته .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|