عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 11-12-2025, 10:32 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,565
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس

صـــ 52 الى صـــ 61
(117)


( قال ) ، وإذا مات الصبي عن امرأته فظهر بها حبل بعد موته فإن عدتها أربعة أشهر وعشر ولا ينظر إلى الحبل لأنه من زنا حادث بعد موته فلا يغير حكم العدة الواجبة وقد وجب عليها التربص بأربعة أشهر وعشر عند الموت وزعم بعض المتأخرين من مشايخنا رحمهم الله أن في امرأة الكبير إذا حدث الولد بعد الموت يكون انقضاء العدة بالوضع وليس كذلك بل الجواب في الفصلين واحد ومتى كان الحبل حادثا بعد الموت كان من زنا فلا يتغير به حكم العدة .

وإنما الفرق في امرأة الكبير إذا جاءت بالولد لأقل من سنتين تنقضي عدتها لأنه يستند العلوق إلى ما قبل الموت حتى يحكم بثبوت النسب فيتبين به أن الحبل ليس بحادث بعد الموت ، وفي امرأة الصغير لا يستند العلوق إلى ما قبل الموت وإنما يستند إلى أقرب الأوقات لأن النسب لا يثبت منه ، وإذا لم يكن الحبل ظاهرا وقت الموت وإنما ظهر بعد الموت يجعل هذا حبلا حادثا .

فأما إذا كانت حبلى عند موت الصبي فعدتها أن تضع حملها استحسانا في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أن عدتها بالشهور ، وهو القياس ، وهو قول زفر والشافعي رحمهما الله تعالى ووجهه أنا نتيقن أن هذا الحبل من زنا فلا يتقدر انقضاء العدة به كما لو ظهر بعد موته وهذا لأن اعتبار وضع الحمل في العدة لحرمة الماء وصيانته ولا حرمة لماء الزاني .

ولأنا نتيقن بفراغ رحمها من ماء الزوج عند موته فعليها العدة بالشهور حقا لنكاحه كما لو لم يكن بها حبل ولكنا استحسنا لظاهر قوله تعالى { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } وقد ذكرنا أنها [ ص: 53 ] قاضية على آية التربص لأنها نزلت بعدها وعموم هذه الآية يوجب أن لا تجب العدة على الحامل إلا بوضع الحمل وهو المعنى أنه قد لزمتها العدة وهي حامل فيتقدر انقضاء العدة بالوضع كامرأة الكبير وهذا لأن العدة في الأصل مشروعة لتعرف براءة الرحم .

وحقيقة ذلك بوضع الحمل وذلك موجود في جانبها هنا وإنما انعدم اشتغال رحمها بماء الزوج وليس الشرط فيما تنقضي به العدة أن تكون من الزوج كالشهور والحيض وكما لو نفى حبل امرأته وفرق القاضي بينهما باللعان وحكم أن الولد ليس منه تنقضي عدتها بوضعه والدليل الحكمي كالدليل المتيقن به بخلاف ما إذا لم يكن الحبل ظاهرا عند الموت لأنا حكمنا بفراغ رحمها عند ذلك حملا لأمرها على الصلاح وألزمناها العدة بالشهور حقا للنكاح فلا يتغير ذلك بحدوث الحبل من زنا بعده .

( قال ) والخصي كالصحيح في الولد والعدة لأن فراشه كفراش الصحيح وهو يصلح أن يكون والدا والوطء منه يتأتى مع أنه لا معتبر بالوطء منه في حكم النسب حتى لا يشترط التمكن من الوطء لإثبات النسب بخلاف الصبي فإنه لا يصلح أن يكون والدا وبدون الصلاحية لا تعمل العلة .

. ( قال ) وكذلك المجبوب إذا كان ينزل لأنه يصلح أن يكون والدا والإعلاق بالسحق منهم متوهم وزاد في رواية أبي حفص رحمه الله تعالى وإن كان لا ينزل لم يلزمه الولد لأنه إذا جف ماؤه فهو بمنزلة الصبي أو دونه لأن في حق الصبي ينعدم الماء في الحال إلى توهم ظهوره في الثاني عادة ، وفي حق هذا ينعدم الماء لا إلى توهم الظهور في الثاني فإذا كان هناك تنعدم الصلاحية فهنا أولى .

( قال ) ولا يكون طلاق الصبي طلاقا حتى يبلغ لقول علي وابن مسعود وابن عمر رضوان الله تعالى عليهم كل طلاق جائز إلا طلاق الصبي والمعتوه وقد روي ذلك مرفوعا ثم بلوغه إما أن يكون بالعلامة أو بالسن والعلامة في ذلك الإنزال بالاحتلام والإحبال ، وفي حق الجارية بالاحتلام والحبل والحيض قالوا وأدنى المدة في حق الغلام اثنا عشر سنة ، وفي حق الجارية تسع سنين وقد بينا هذا في كتاب الحيض وأما بلوغهما بالسن فقدر أبو حنيفة رحمه الله تعالى في الجارية بسبع عشرة سنة ، وفي الغلام بتسع عشرة سنة .

وفي كتاب الوكالة ذكر في الغلام ثمان عشرة سنة في موضع ، وفي موضع تسع عشرة سنة من أصحابنا من وفق فقال المراد أن يتم له ثمان عشرة سنة ويطعن في التاسع عشرة ولكن ذكر في نسخ أبي سليمان في كتاب الوكالة حتى يستكمل تسع عشرة سنة ففيه روايتان إذن .

وعلى قول أبي يوسف ومحمد والشافعي رحمهم الله تعالى في الغلام والجارية يتقدر [ ص: 54 ] بخمس عشرة سنة لحديث { ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني ثم عرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني } ولما سمع عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه هذا الحديث قال هذا هو الفصل بين البالغ وغير البالغ وكتب به إلى أمراء الأجناد والمعنى فيه أن العادة الظاهرة أن البلوغ لا يتأخر عن هذه المدة .

وقد بينا أن الحكم ينبني على الظاهر دون النادر وأبو حنيفة يقول صفة الصغر فيهما معلومة بيقين فلا يحكم بزوالها إلا بيقين مثله ولا يقين في موضع الاختلاف ثم أدنى المدة لبلوغ الغلام اثنا عشر سنة وقد وجب زيادة المدة على ذلك فإنما يزاد سبع سنين اعتبارا بأول أمره كما أشار إليه صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم { مروهم بالصلاة إذا بلغوا سبعا } وبين أهل التفسير اختلاف في تفسير الأشد ولم يقل أحد بأقل من ثمان عشرة سنة في قوله تعالى { ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما } فوجب تقدير مدة البلوغ به ولكن الأنثى أسرع نشوءا عادة فينقص في حقها سنة فيكون التقدير بسبع عشرة سنة ولا حجة في حديث ابن عمر رضي الله عنه لأنه ما أجازه باعتبار أنه حكم ببلوغه بل لأنه رآه قويا صالحا للقتال وقد { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيز من الصبيان من كان صالحا للقتال } على ما روي { أنه صلى الله عليه وسلم عرض عليه صبي فرده فقيل إنه رام فأجازه وعرض عليه صبيان فأجاز أحدهما ورد الآخر فقال المردود يا رسول الله أجزته ورددتني ولو صارعته لصرعته فصارعه فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم } .


( قال ) ولا يجوز طلاق المجنون وإن مات عن امرأته كان في حكم العدة والولد منه بمنزلة الصحيح لأن المجنون يجامع ويحبل وقد ثبت الفراش له بحكم النكاح ، وهو يصلح أن يكون والدا .
( قال ) واذا مات عن أم ولده أو أعتقها فعدتها ثلاث حيض فإن كانت لا تحيض من إياس فعدتها ثلاثة أشهر وقد بينا هذا في كتاب النكاح وكذلك لو كانت حرمت عليه قبل موته بوجه من الوجوه فعليها منه العدة لأنها فراشه بعد ما حرمت عليه حتى لو ادعى نسب ولدها ثبت منه وإنما لا يثبت بدون الدعوة لما فيه من إساءة الظن به والحكم بإقدامه على الوطء الحرام فيتحقق زوال الفراش إليها بالعتق وهذا بخلاف ما إذا زوجها من غيره ثم مات المولى أو أعتقها لأن هناك قد اعترض على فراشه فراش الزوج وفراش النكاح أقوى من فراش الملك فينعدم الضعيف بالقوي ، وإذا انعدم لم يتقرر بالعتق سبب وجوب العدة ، وهو زوال فراشه إليها . وكذلك لو كانت في عدة [ ص: 55 ] من زوج ألا ترى أن النسب لا يثبت من المولى وإن ادعاه فعرفنا أنها لم تبق فراشا له أصلا .
( قال ) ولو مات عن أم ولده أو أعتقها فجاءت بولد ما بينها وبين سنتين لزمه لتوهم أن يكون العلوق به قبل الموت وهذا لأن الفراش زال بالعتق إلى عدة ، وهو نظير فراش النكاح في أنه يستند العلوق إلى أبعد الأوقات ولكن لو نفاه المولى لا ينتفي بخلاف ما قبل العتق لأن الفراش بالعتق يتقوى حتى لا يملك نقله إلى غيره بالتزويج فيلزمه نسب الولد على وجه لا يملك نفيه وقبل العتق كان يملك نقل فراشها إلى غيره بالتزويج فكذلك يملك نفي نسب الولد لأن ثبوت الحكم بحسب السبب .

فإن جاءت به لأكثر من سنتين منذ أعتقها لم يلزمه إلا أن يدعيه لأنا تيقنا أن العلوق كان بعد العتق فإن ادعاه ثبت النسب منه لأنهما تصادقا على أن الولد منه والحق لهما وما تصادقا عليه محتمل لجواز أن تكون زوجت نفسها منه في عدتها .

( قال ) رجل توفى عن امرأته وهي مملوكة فأقرت بانقضاء عدتها بعد شهرين وخمسة أيام ثم جاءت بولد لأكثر من ستة أشهر منذ يوم أقرت لم يلزم الزوج لأن الشهرين وخمسة أيام في حقها كأربعة أشهر وعشر في حق الحرة وإقرارها بانقضاء العدة بعد ذلك معتبر ما لم يتبين كذبها فكذلك هنا وإن لم تقر بانقضاء العدة لزمه الولد إلى سنتين لأنا نسند العلوق إلى أبعد أوقات الإمكان في حقها لإثبات نسب ولدها من الزوج كما في الحرة .
( قال ) وإن أعتق أم ولده وهي حامل أو مات عنها فعدتها بوضع الحمل لما بينا أن العدة لزمتها وهي حامل فيتقدر انقضاؤها بوضع الحمل كما في عدة النكاح بل أولى لأن معنى تبين فراغ الرحم هو المعتبر هنا لا غير .
( قال ) ولو مات عن أمة كان يطؤها أو عن مدبرة كان يطؤها فلا عدة عليها وكذلك إن أعتقها لأن الفراش لا يثبت إلا بالوطء في ملك اليمين ، وهو معروف في كتاب الدعوى وبدون الفراش لا تجب العدة ، وفي الكتاب يقول ألا ترى أنه لو باعها بعد ما وطئها لم تلزمها العدة والاستبراء الواجب على المشتري ليس بعدة لأن العدة تجب عليها والاستبراء يجب على المشتري .


( قال ) ولو زوجها المشتري قبل أن يستبرئها جاز ووجوب الاستبراء عليها هناك كوجوبه إذا اشتراها من صبي أو امرأة أو اشتراها وهي بكر .
( قال ) ولو دخل بامرأة على وجه شبهة أو نكاح فاسد فعليه المهر وعليها العدة ثلاث حيض إن كانت حرة وحيضتان إن كانت أمة وقد بينا هذا في كتاب النكاح أن الفراش يثبت بالدخول عند فساد العقد فتجب العدة بزواله بالتفريق ويستوي [ ص: 56 ] إن مات عنها أو فرق بينهما ، وهو حي لأن هذه العدة لا تجب إلا لتعرف براءة الرحم فلا تختلف بالحياة والممات كعدة أم الولد وهذا لأن التربص بالأشهر في عدة الوفاة لقضاء حق النكاح .

ولهذا يجب من غير توهم الدخول وهذا لا يوجد في الوطء بالشبهة ولا في النكاح الفاسد وإن كانت لا تحيض من صغر أو كبر فعدة الحرة ثلاثة أشهر وعدة الأمة شهر ونصف اعتبارا للفراش الفاسد بالفراش الصحيح إذا وجبت العدة بالفرقة في حالة الحياة .

( قال ) ، وإذا تزوج المكاتب بنت مولاه بإذنه ثم مات المولى ثم مات المكاتب وترك وفاء فعدتها أربعة أشهر وعشر ولها عليه الصداق وترثه لأنها لم تملك شيئا من رقبته بموت المولى لقيام عقد الكتابة وموت المكاتب عن وفاء لا يوجب فسخ الكتابة عندنا بل يؤدي كتابته ويحكم بحريته في حياته فيكون النكاح منتهيا بينهما بموت الزوج فعليها عدة الوفاة ولها جميع الصداق .

وإن لم يدخل بها وترثه بالزوجية لانتهاء النكاح بالموت بعد الحكم بحرية الزوج فإن لم يترك وفاء وقد دخل بها فلها الصداق دينا في عنقه ومعنى هذا أنه كان دينا في عنقه ويبطل عنه مقدار نصيبها في رقبته لأن بموته عاجزا انفسخت الكتابة قبل الموت لتحقق العجز حين أشرف على الهلاك فملكت جزءا من رقبة زوجها إرثا من أبيها وذلك مفسد للنكاح بينهما إلا أن الصداق كله قد تأكد بالدخول ولكن بقدر نصيبها يسقط لأنها لا تستوجب دينا على عبدها كصاحب الدين إذا وهب له العبد المديون وبقدر نصيب سائر الورثة يبقى فتستوفي ذلك مما ترك من كسبه وعليها ثلاث حيض لوقوع الفرقة بينهما بعد الدخول قبل الموت حين ملكت جزءا منه فلا يتغير ذلك بموته .

وإن كان لم يدخل بها فلا صداق لها ولا عدة عليها لأن الفرقة وقعت قبل الدخول بسبب مضاف إليها ، وهو ملكها جزءا من رقبته وذلك مسقط لجميع الصداق .

( قال ) ، وإذا اشترى المكاتب امرأته وقد ولدت منه لم يبطل النكاح لأن الثابت له في كسبه حق الملك وقد بينا في كتاب النكاح أن حق الملك لا يمنع بقاء النكاح فإن مات وترك وفاء تؤدى كتابته ويحكم بحريته قبل موته إما إسنادا للعتق إلى ما قبل الموت أو إبقاء له حيا حكما إلى وقت أداء الكتابة ولما حكم بحريته ثم ملك رقبتها صارت أم ولد له فارتفع النكاح وعتقت .

وأم الولد إذا عتقت بموت مولاها اعتدت بثلاث حيض وإن لم يترك وفاء فعدتها شهران وخمسة أيام لأنه مات عاجزا فكان النكاح منتهيا بالموت وعلى الأمة عند زوجها من العدة شهران وخمسة أيام وإن لم تكن ولدت منه وقد ترك وفاء [ ص: 57 ] فإن كان دخل بها فعدتها حيضتان كالحر إذا اشترى امرأته بعد ما دخل بها فعليها من العدة حيضتان حتى لا يملك تزويجها إلا بعد مضي المدة .

وإن لم تظهر هذه الفرقة في حقه حتى كان له أن يطأها وإن لم يدخل بها فلا عدة عليها لأن هذه الفرقة وقعت في حالة الحياة قبل الدخول وإن كان لم يترك وفاء ولم يدخل بها أو دخل بها غير أنها لم تلد منه فعدتها شهران وخمسة أيام وكذلك إن كانت قد ولدت منه لأنه مات عاجزا فلم يملك شيئا من رقبتها وإنما كان النكاح بينهما منتهيا بالموت فعليها العدة شهران وخمسة أيام وهي أمة لمولى المكاتب . والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب .

باب الرد على من قال إذا طلق لغير السنة لا يقع . ( قال ) وهذه المسألة مختلف فيها بيننا وبين الشيعة على فصلين ( أحدهما ) أنه إذا طلقها في حالة الحيض أو في طهر قد جامعها فيه يقع الطلاق عند جمهور الفقهاء وعندهم لا يقع ( والثاني ) أنه إذا طلقها ثلاثا جملة يقع ثلاثا عندنا والزيدية من الشيعة يقولون تقع واحدة والإمامية يقولون لا يقع شيء ويزعمون أنه قول علي كرم الله وجهه ، وهو افتراء منهم على علي رضي الله تعالى عنه فقد ذكر بعد هذا في كتاب الطلاق عن علي وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما أن الثلاث جملة تقع بإيقاع الزوج والمشهور من قول علي رضي الله تعالى عنه كل طلاق جائز إلا طلاق الصبي والمعتوه وشبهتهم فيه أن الزوج مأمور شرعا بإيقاع الطلاق للسنة والمأمور من جهة الزوج بإيقاع الطلاق للسنة وهو الوكيل إذا أوقع لغير السنة لا يقع فكذلك المأمور شرعا بل أولى لأن أمر الشرع ألزم ولأن نفوذ تصرفه بالإذن شرعا والمنهي عنه غير مأذون فيه فلا يكون نافذا كطلاق الصبي والمعتوه .

وحجتنا في ذلك حرفان : ( أحدهما ) أن النهي دليل ظاهر على تحقق المنهي عنه لأن النهي عما لا يتحقق لا يكون فإن موجب النهي الانتهاء على وجه يكون المنهي فيه مختارا حتى يستحق الثواب إذا انتهى ويستوجب العقاب إذا أقدم وما لم يكن المنهي عنه متحققا في نفسه لا يتصور كونه مختارا في الانتهاء وقد قررنا هذا في النهي عن صوم يوم العيد . ( والثاني ) أن النهي إذا كان لمعنى في غير المنهي عنه لا يعدم المنهي عنه ولا يمنع نفوذه شرعا كالنهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة والنهي عن البيع عند النداء يوم الجمعة وهنا النهي لمعنى في غير الطلاق من تطويل العدة [ ص: 58 ] واشتباه أمر العدة عليها أو سد باب التلاقي عند الندم فلا يمنع النفاذ واستكثر من الشواهد في الكتاب وكل ذلك يرجع إلى هذين الحرفين وهذا بخلاف الوكيل فإن نفوذ تصرفه بأمر الموكل فإذا خالف المأمور به لا ينفذ وهنا تصرف الزوج بحكم ملكه ، وهو بعقد النكاح صار مالكا للتطليقات الثلاث والملك علة تامة لنفوذ التصرف ممن هو أهل للتصرف وإن لم يكن مأمورا ولا مأذونا فيه وهذا بخلاف الصبي والمعتوه لأن الأهلية لإيقاع الطلاق غير متحققة فيهما ألا ترى أنه لا يصح منهما التعليق بالشرط ولا الإضافة إلى ما بعد البلوغ ولا تمليك الأمر منهما وكل ذلك صحيح من الرجل في حيض المرأة وبهذا ونظائره استشهد في الكتاب والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب .

باب اللبس والتطيب . ( قال ) رضي الله عنه الأصل أن المتوفى عنها زوجها يلزمها الحداد في عدتها ، وفيه لغتان حداد وإحداد يقال أحدت المرأة تحد وحدت تحد وكلاهما لغة صحيحة وهذا لما روي أن أم حبيبة رضي الله تعالى عنها لما أتاها خبر موت أبي سفيان رضي الله تعالى عنه دعت بطيب بعد ثلاثة أيام فأمسته عارضيها وقالت ما بي حاجة إلى الطيب ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { لا يحل لامرأة تؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرا } { وقال صلى الله عليه وسلم للمرأة التي استأذنته في الاكتحال قد كانت إحداكن في الجاهلية } الحديث على ما روينا فأما المبتوتة وهي المختلعة والمطلقة ثلاثا أو تطليقة بائنة فعليها الحداد في عدتها عندنا وقال الشافعي رضي الله عنه لا حداد عليها لأن هذه العدة واجبة لتعرف براءة الرحم فلا حداد عليها كالمعتدة عن وطء بشبهة أو نكاح فاسد وهذا لأن الحداد على المتوفى عنها زوجها لإظهار التأسف على موت الزوج الذي وفى لها حتى فرق الموت بينهما وذلك غير موجود في حق المطلقة لأن الزوج جفاها وآثر غيرها عليها فإنما تظهر السرور بالتخلص منه دون التأسف .

( ولنا ) في ذلك حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى المعتدة أن تختضب بالحناء } فإن الحناء طيب وهذا عام في كل معتدة ولأنها معتدة من نكاح صحيح فهي كالمتوفى عنها زوجها وتأثيره أن الحداد إظهار التأسف على فوت نعمة النكاح والوطء الحلال بسببه وذلك [ ص: 59 ] موجود في المبتوتة كوجوده في المتوفى عنها زوجها وعين الزوج ما كان مقصودا لها حتى يكون التحزن بفواته بل كان مقصودها ما ذكرنا من النعمة وذلك يفوتها في الطلاق والوفاة بصفة واحدة بخلاف العدة من نكاح فاسد والوطء بشبهة لأنه ما فاتها نعمة بل تخلصت من الحرام بالتفريق بينهما .

وصفة الحداد أن لا تتطيب ولا تدهن ولا تلبس الحلي ولا الثوب المصبوغ بالعصفر أو الزعفران لأن المقصود من هذا كله التزين ، وهو ضد إظهار التحزن ولأنه من أسباب رغبة الرجال فيها وهي ممنوعة من الرجال ما دامت معتدة ولا ثوب عصب ولا خز لتتزين به قيل هو البرد اليماني والأصح أنه القصب ، وفي النوادر عن أبي يوسف رحمه الله تعالى لا بأس بأن تلبس القصب والخز الأحمر وتأويل ذلك إذا لبست ذلك لا على قصد التزين به فأما على قصد التزين به فهو مكروه كما قال في الكتاب ولا تدهن رأسها لزينة فإن الدهن أصل الطيب ألا ترى أن الروائح تلقى فيه فيصير غالية وإن استعملت الدهن على وجه التداوي بأن اشتكت رأسها فصبت عليه الدهن جاز لأن العدة لا تمنع التداوي وإنما تمنع من التزين . ولا تكتحل للزينة أيضا فإن اشتكت عينها فلا بأس بأن تكتحل بالكحل الأسود لما روي { أن المتوفى عنها زوجها استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاكتحال في الابتداء فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما بلغت الباب دعاها فقال قد كانت إحداكن في الجاهلية الحديث . }

وتأويله أنه وقع عنده صلى الله عليه وسلم أنها لا تقصد الزينة بالاكتحال في الابتداء فأذن لها ثم علم أن قصدها الزينة فمنعها ، وإن لم يكن لها إلا ثوب مصبوغ فلا بأس بأن تلبسه من غير أن تريد الزينة بذلك لأنها لا تجد بدا من ستر عورتها ، وإذا لم تجد سوى هذا الثوب فمقصودها الستر لا الزينة والأعمال بالنيات .

وأما المطلقة طلاقا رجعيا فلا بأس بأن تتطيب وتتزين بما أحبت من الثياب لأن نعمة النكاح والحل ما فاتت بعد لأن الزوج مندوب إلى أن يراجعها والتزين مما يبعثه على مراجعتها فتكون مندوبة إليه أيضا .

فأما الكتابية تحت مسلم إذا فارقها أو توفى عنها فليس عليها أن تتقي في عدتها شيئا من الطيب والزينة لأن الحداد في العدة لحق الشرع ، وهي لا تخاطب بالشرائع وفي الكتاب قال لأن الذي فيها من الشرك والذي تترك من فرائض الله تعالى أعظم من هذا .

( قال ) وتتقي المملوكة المسلمة في عدتها ما تتقي منه الحرة إلا الخروج لأنها مخاطبة بحق الشرع كالحرة وإنما لا تمنع من الخروج لحق مولاها في خدمته ولا حق للمولى [ ص: 60 ] في تطيبها وتزينها في العدة لأنها محرمة عليه ما لم تنقض عدتها .
( قال ) وليس على الصبية أن تتقي شيئا من ذلك عندنا وقال الشافعي رضي الله عنه هي كالبالغة وعلى الولي أن يمنعها من التطيب والتزين كما يمنعها من شرب الخمر وحرمتها لحق الشرع وكما يجب عليها أصل العدة لحق الشرع لأنا نعلم يقينا فراغ رحمها من ماء الزوج فكذلك الحداد في العدة يجب عليها إذا توفى عنها زوجها ولكنا نقول هي لا تخاطب بحق الشرع بما هو أعظم من الحداد من الصوم والصلاة والحداد في معنى شكر النعمة لأنه إظهار التحزن على فوت نعمة الزوجية وليس عليها ذلك شرعا بخلاف أصل العدة فقد قال بعض مشايخنا هي لا تخاطب بالاعتداد ولكن الولي يخاطب بأن لا يزوجها حتى تنقضي مدة العدة مع أن العدة مجرد مضي المدة فثبوتها في حقها لا يؤدي إلى توجه خطاب الشرع عليها بخلاف الحداد فيها .
( قال ) وليس على أم الولد في عدتها اتقاء شيء من ذلك لأن عدتها من السيد إنما تجب عند العتق وفيه تخلصها من الرق ووصولها إلى نعمة الحرية فلا يفوتها بها شيء من النعمة لتأسف على ذلك وما كان من حال الوطء بينها وبين المولى فقد كان بسبب هو عقوبة في حقها ، وهو الرق فلا يعد نعمة وكرامة ولهذا لا يثبت به الإحصان فعدتها بمنزلة العدة من نكاح فاسد وقد بينا فيما سبق أنهما لا يمنعان من الخروج في عدتهما فكذلك لا يمنعان من التزين ألا ترى أن امرأة رجل لو تزوجت ثم دخل بها الزوج ثم فرق بينهما ثم ردت إلى الزوج الأول كان لها أن تتزين وتتشوف إلى زوجها الأول وعليها عدة الآخر ثلاث حيض .
( قال ) رجل اشترى امرأته وهي أمة قد ولدت منه فسد النكاح وقد كانت حلالا له بالملك فلا بأس بأن تتزين له وتتطيب لأنها غير معتدة في حقه لأن العدة أثر النكاح وكما أن الملك ينافي أصل النكاح ينافي أثره ولأنه يحل له وطؤها بسبب الملك فلا بأس بأن تتطيب له وتتزين ليزداد رغبة فيها ولو أراد أن يزوجها رجلا لم يجز حتى تحيض حيضتين لأنها معتدة في حق غيره فإن الفرقة وقعت بينها وبين زوجها بعد الدخول بسبب الملك وذلك لا ينفك عن عدة فجعلناها في حق غيره كالمعتدة وإن لم يكن في حقه فإن أعتقها فعليها ثلاث حيض لأنها صارت أم ولد له حين اشتراها بعد ما ولدت منه بالنكاح وعلى أم الولد ثلاث حيض بعد العتق ثم تتقي الطيب والزينة في الحيضتين الأوليين اللتين كانتا عليها من قبل النكاح استحسانا ، وفي القياس ليس عليها ذلك لأن الحداد لا يلزمها عند وقوع الفرقة فكيف يلزمها [ ص: 61 ] بعد ذلك وبالعتق إنما يفوتها الحل الذي كان قائما قبله وقد بينا أن ذلك ليس بنعمة وجه الاستحسان أن العدة وجبت عليها بالفرقة ولكن لم يظهر ذلك لحق المولى لكونها حلالا له بالملك وقد زال ذلك بالعتق فظهرت تلك العدة في حق المولى والعدة بعد الفرقة من نكاح صحيح يجب فيها الحداد وإنما كانت تتطيب تقديما لحق المولى على حق الشرع حين كانت حلالا له وقد زال ذلك بالعتق فأما الحيضة الثالثة فلا حداد عليها لأن ذلك لم يلزمها بسبب النكاح بل بسبب العتق لكونها أم ولد ولا حداد على أم الولد في عدتها من سيدها والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب .
باب المتعة والمهر اعلم بأن العلماء مختلفون في المتعة في فصول ( أحدها ) أن المتعة واجبة عندنا وقال مالك رضي الله تعالى عنه هي مستحبة لظاهر قوله تعالى { حقا على المتقين } ، وفي موضع آخر { حقا على المحسنين } ، وفي هذا إشارة إلى أنها مستحبة فإن الواجب يكون حتما على المتقين وغير المتقين ولما أمر شريح رضي الله تعالى عنه المطلق بأن يمتعها قال ليس عندي ما أمتعها به فقال إن كنت من المحسنين أو من المتقين فمتعها ولم يجبره ولأن المتعة غير واجبة قبل الطلاق فلا تجب بالطلاق لأنه مسقط لا موجب ولو وجبت إنما تجب باعتبار ملك النكاح وبالطلاق قبل الدخول أزال الملك لا إلى أثر فكيف تجب المتعة باعتبار الملك .

( ولنا ) في ذلك قوله تعالى { وللمطلقات متاع بالمعروف } فإن الله سبحانه وتعالى أضاف المتعة إليهن فاللام التمليك ثم قال حقا وذلك دليل وجوبه وقال على المتقين وكلمة على تفيد الوجوب والمراد بالمتقين والمحسنين المؤمنون والمؤمن هو الذي ينقاد لحكم الشرع وقال الله تعالى { ومتعوهن } أمر به والأمر للوجوب وقال الله تعالى { فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا } ولأن الفرقة وقعت بالطلاق بعد صحة النكاح فلا تنفك عن الواجب لها كما إذا كان في النكاح مسمى .

ثم عندنا لا تجب المتعة إلا لمطلقة واحدة وهي المطلقة قبل المسيس والفرض وعند الشافعي رحمه الله تعالى لا تجب المتعة إلا لمطلقة واحدة وهي المطلقة بعد المسيس إذا كان مهرها مسمى فإنما يتحقق الاختلاف في المطلقة بعد الدخول عندنا لها المهر المسمى أو مهر المثل إذا لم يكن في النكاح تسمية وليس لها متعة واجبة ولكنها مستحبة وعند الشافعي رحمه الله تعالى لها متعة واجبة لعموم [ ص: 62 ] قوله تعالى { وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين } إلا أنا خصصنا المطلقة قبل المسيس بعد الفرض من هذا العموم بالنص ، وهو قوله تعالى { فنصف ما فرضتم } فجعل كل الواجب نصف المسمى ولأن وجوب المتعة لمراعاة حق النكاح فأما المسمى أو مهر المثل فإنما يسلم لها بالدخول فتبقى المتعة لها بحق النكاح بخلاف المطلقة قبل المسيس بعد الفرض لأن نصف المفروض لها بحق النكاح إذا لم يكن بينهما سبب سوى النكاح وهنا بينهما سبب سوى النكاح ، وهو الدخول فلا حاجة إلى إيجاب المتعة هنا . .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 37.29 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 36.66 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.68%)]