الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد السادس
صـــ 12 الى صـــ 21
(113)
( قال ) ، وإذا أراد أن يطلقها وهي لا تحيض من كبر أو صغر طلقها واحدة متى شاء عندنا وقال زفر رحمه الله تعالى ليس له أن يطلقها عقيب الجماع حتى بمضي الشهر لأنه يفصل بين الطلاق والجماع بما يفصل به بين الطلاقين في عدة هي ذات فصول كما في حق ذوات الأقراء ثم هنا يفصل بين طلاقيها بشهر فكذلك يفصل بين طلاقها وجماعها بشهر ولكنا نقول إنها بمنزلة الحامل في أنها لا حيض في عدتها فيباح إيقاع الطلاق عليها عقيب الجماع كما يباح الإيقاع على الحامل وكأن المعنى فيه أن في حق ذوات الأقراء إنما كره إيقاع الطلاق عقيب الجماع لتوهم الحبل وهذا لا يوجد هنا فكان إيقاع الطلاق عليها عقيب الجماع مباحا .
فإذا أراد أن يطلقها ثلاثا طلقها بعد شهر آخر ثم بعد شهر آخر وعدتها ثلاثة أشهر من التطليقة الأولى وذلك يتلى في القرآن قال الله تعالى { واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن } والمراد الصغيرة ولا خلاف أن الإيقاع إذا كان في أول الشهر تعتبر الشهور بالأهلة ناقصة أو كاملة فإن كان الإيقاع في وسط الشهر ففي حق تفريق الطلاق يعتبر كل شهر بالأيام وذلك ثلاثون يوما بالاتفاق .
وكذلك في حق انقضاء العدة عند أبي حنيفة تعتبر ثلاثة أشهر بالأيام وعندهما يعتبر شهر واحد بالأيام وشهران بالأهلة لأن الأهلة هي الأصل قال الله تعالى { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس } والأيام بدل عنها ففي الشهر الواحد تعذر اعتبار ما هو الأصل فاعتبر البدل ، وفي الشهرين لم يتعذر اعتبار ما هو الأصل ولكن أبو حنيفة يقول ما لم يتم الشهر الأول لا يدخل الشهر الثاني فدخول الشهر الثاني وسط الشهر الثاني أيضا وكذلك في الشهر الثالث فيتعذر اعتبار الكل بالأهلة فوجب اعتبارها بالأيام ولا يحكم بانقضاء عدتها إلا بتمام تسعين يوما من حين طلقها .
وقد ظن بعض مشايخنا أن الشهر في حق التي لا تحيض بمنزلة الحيض والطهر في حق التي تحيض وليس كذلك بل الشهر في حقها بمنزلة الحيض في حق التي تحيض حتى يتقدر به الاستبراء ويفصل به بين طلاقي السنة وهذا لأن المعتبر في حق ذوات القرء الحيض ولكن لا يتصور الحيض إلا بتخلل الطهر ، وفي [ ص: 13 ] الشهور ينعدم هذا المعنى فكان الشهر قائما مقام ما هو المعتبر ، وإذا طلقها واحدة أو ثنتين فهو يملك الرجعة ما لم تنقض العدة وهذا حكم ثبت بخلاف القياس بالنص فإن إزالة الملك بالطلاق إسقاط والإسقاط يتم بنفسه كالعتق ولكن الشرع أثبت للزوج حق الرجعة في العدة بعد التطليقة والتطليقتين للتدارك عند الندم قال الله تعالى { ، وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف } معناه قرب انقضاء عدتهن فأمسكوهن بالمراجعة وقال الله تعالى { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف } والمراد بالإمساك المراجعة بعد التطليقتين ما دامت في العدة ثبت ذلك بقوله تعالى { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك } وعدة التي تحيض ثلاث حيض كما قال الله تعالى في كتابه { ثلاثة قروء } ، وهو حكم مقطوع به ثابت بالنص ثم عطف عليه ما هو مجتهد فيه فقال القرء هي الحيض وهذا عندنا وعند الشافعي رحمه الله تعالى هي الأطهار حتى أن على مذهبه كما طعنت في الحيضة الثالثة يحكم بانقضاء عدتها وعندنا ما لم تطهر من الحيضة الثالثة لا يحكم بانقضاء العدة . وأصل الخلاف بين الصحابة رضي الله عنهم فقد روى الشعبي رضي الله عنه عن بضعة عشر من الصحابة الحبر فالحبر منهم أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وأبو الدرداء وعبادة بن الصامت وعبد الله بن قيس رضي الله تعالى عنهم قال الزوج أحق برجعتها ما لم تحل لها الصلاة وعن ابن عمر وعائشة وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهم قالوا الأقراء الأطهار وعن ابن عباس كما طعنت في الحيضة الثالثة تبين من زوجها ولا يحل لها أن تتزوج حتى تطهر . وكذلك أهل اللغة يطلقون اسم القرء على الطهر والحيض جميعا قال القائل .
يا رب ذي ضغن وضب فارض له قروء كقروء الحائض
وقال الأعشى
مورثة مال وفي الحي رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائكا
والمراد الأطهار لأن زمان الحيض يضيع وإن كان حاضرا وأصله في اللغة الوقت قال القائل
إذا هبت لقارئها الرياح
فمنهم من يقول وقت الطهر به أشبه لأنه عبارة عن الاجتماع يقال ما قرأت النافة سلا قط أي ما جمعت في رحمها ولدا قط واجتماع الدم في الرحم في حالة الطهر ومنهم من يقول وقت الحيض به أشبه لأن هذا الوصف عارض للنساء فوقت الطهر أصل ووقت الحيض عارض مع أن اجتماع الدم في حالة الطهر لا يعلم حقيقة ولو ثبت ذلك [ ص: 14 ] فإنما يسمى ذلك الوقت قرءا باعتبار الدم المجتمع ثم إن عند اختلاف أهل اللغة يجب المصير إلى لغة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الصحابة رضوان الله عليهم لما اختلفوا في التابوت والتابوه رجحوا لغة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا اكتبوا بالتاء والقرء في لغة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحيض { قال صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس إذا أتاك قرؤك فدعي الصلاة } وقال صلى الله عليه وسلم { المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها } والقرء والأقراء كلاهما جمع كما يقال فلس وفلوس ونزل وأنزال ثم الشافعي رحمه الله تعالى رجح الأطهار باعتبار حرف الهاء المذكور في قوله ثلاثة قروء فقال جمع المذكر يؤنث والطهر هو المذكر ولكنا نقول الإعراب يتبع اللفظ دون المعنى يقال ثلاثة أفراس وثلاث دواب وقال أيضا القرء عبارة عن الانتقال يقال قرأ النجم إذا انتقل وكما طعنت في الحيضة الثالثة فقد وجد ثلاث انتقالات من الطهر ولكن هذا لا معنى له فالانتقال من الحيض إلى الطهر أيضا قرء فكان ينبغي على هذا أن تنقضي العدة إذا طعنت في الحيضة الثالثة وأحد لم يقل بهذا . ولكن الصحيح ما قاله علماؤنا رحمهم الله تعالى أن الله تعالى لما ذكر جمعا مقرونا بالعدد اقتضى الكوامل منه والطلاق هو المباح في حالة الطهر فلو جعلنا القرء الأطهار لكان انقضاء العدة بقرأين وبعض الثالث وهذا يستقيم في جمع غير مقرون بالعدد لقوله تعالى { الحج أشهر معلومات } فأما في جمع مقرون بالعدد فلا بد من الكوامل وإنما يحصل ذلك إذا حمل القرء على الحيض فيكون انقضاء العدة بثلاث
حيض كوامل .
واستدل الشافعي رحمه الله تعالى بقوله تعالى { فطلقوهن لعدتهن } معناه في عدتهن والطلاق المباح في حالة الطهر فعرفنا أن العدة بالطهر وقد فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله لابن عمر رضي الله عنه { إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالا فتطلقها لكل قرء تطليقة فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء } واستدل علماؤنا بقوله تعالى { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه من الحيض والحبل فهو بيان المراد بالقروء قال الله تعالى { واللائي يئسن من المحيض من نسائكم } الآية وإنما نقل إلى الأشهر عند عدم الحيض والنقل إلى البدل يكون عند عدم الأصل فهو تنصيص على أن المراد بالقرء الحيض وقوله تعالى { فطلقوهن لعدتهن } أي قبل عدتهن كما يقال زينت الدار لقدوم الحاج وتوضأت للصلاة أي قبلها ، وفي قراءة ابن مسعود رضي الله تعالى عنه لقبل عدتهن مع أن المراد عدة الإيقاع ونحن نقول إن عدة الإيقاع [ ص: 15 ] بالأطهار .
فأما عدة الاعتداد بالحيض بيانه في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { طلاق الأمة ثنتان وعدتها حيضتان } ومن حيث المعنى هو يقول الطلاق السني يستعقب جزءا محسوبا من العدة كما في الآيسة والصغيرة وإنما يكون ذلك إذا كان الاعتداد بالأطهار ونحن نقول المقصود من هذه العدة تبين فراغ الرحم ولهذا لا تجب إلا عند توهم اشتغال الرحم ولهذا يعتبر بوضع الحمل إذا كانت حاملا والحيض ; هي التي تدل على تبين فراغ الرحم دون الطهر فكان الاعتبار بالحيض أولى ثم الأصل في العبادات التي تشتمل على أركان ينفصل بعضها عن بعض أن الأداء لا يتصل بالشروع فيها كما في الحج .
وفيما يكون متصل الأركان يتصل الأداء بالشروع كالصلاة والعدة بالأشهر متصلة الأركان فيتصل الأداء بالشروع فيها والعدة بالأقراء منفصلة الأركان بعضها عن بعض فلا يجب أن يتصل الأداء بالشروع فيها والدليل على ما قلنا الاستبراء فإنه معتبر بالحيض بالنص والمقصود تبين فراغ الرحم فكذلك العدة .
( قال ) وعدة الحامل أن تضع حملها ولو وضعت حملها بعد الطلاق بيوم لقوله تعالى { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } ولأن وضع الحمل أدل على ما هو المقصود وهو معرفة براءة الرحم من الأقراء وعدة الآيسة والصغيرة ثلاثة أشهر بالنص وتكلموا في معنى قوله تعالى { إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر } قال مالك رضي الله عنه المراد ارتيابها في حال نفسها أنها هل تحيض بعد هذا أو لا حتى قال إذا ارتابت تربصت سنة ثم اعتدت بثلاثة أشهر ولكنا نقول لما نزل قوله تعالى { ثلاثة قروء } قالت الصحابة رضي الله عنهم فيما بينهم فإن كانت ممن لا تحيض من صغر أو كبر وارتابوا في ذلك فنزل قوله تعالى { واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم } ، وفي قول الصحابة رضوان الله عليهم فإن كانت ممن لا تحيض دليل على أنهم فهموا من القرء الحيض .
( قال ) والكتابية تحت المسلم في الطلاق والعدة بمنزلة المسلمة لأن المخاطب بمراعاة وقت السنة الزوج ، وهو مسلم ، وفي العدة الواجب عليها حق الزوج ، وهو مسلم .
( قال ) والأمة بمنزلة الحرة في وقت السنة لأن المخاطب بمراعاة وقت السنة الزوج وذلك لا يختلف بكونها حرة أو أمة وعدتها حيضتان إذا كانت من ذوات الأقراء للحديث الذي روينا ولقول عمر رضي الله تعالى عنه عدة الأمة حيضتان ولو استطعت لجعلتها حيضة ونصفا بين أن التنصيف بسبب الرق يثبت في العدة ولكن بقدر الممكن والحيضة الواحدة لا تحتمل التنصيف
وإن كانت آيسة أو صغيرة فعدتها شهر [ ص: 16 ] ونصف لقول عمر رضي الله تعالى عنه ولأن الشهر محتمل للتنصيف وعلى قول مالك عدتها بالشهور ثلاثة أشهر لظاهر الآية ولكنا نقول الرق ينصف ذوات الأعداد بمنزلة الجلدات في الحدود وعدتها إذا كانت حاملا بوضع الحمل بالاتفاق لأن تبين فراغ الرحم لا يحصل قبل ذلك .
( قال ) ، وإذا كان الرجل غائبا عن امرأته فأراد أن يطلقها للسنة كتب إليها إذا جاءك كتابي هذا ثم حضت فطهرت فأنت طالق لجواز أن يكون قد امتد طهرها الذي جامعها فيه فلو كتب إذا جاءك كتابي هذا فأنت طالق يقع الطلاق عليها في طهر جامعها فيه ، وهو خلاف السنة ; فلهذا قيد بهذه الصفة ، وفي الرقيات زاد محمد رحمه الله تعالى فقال وعلمت ما فيه لجواز أن لا تقرأ كتاب زوجها فيقع الطلاق عليها وهي لا تشعر بذلك ولكن في ظاهر الرواية لم يذكر هذه الزيادة لأن المغيبة لا تكون أحرص على شيء منها على قراءة كتاب زوجها والظاهر أنها لا تؤخر ذلك .
. ( قال ) فإن أراد أن يطلقها ثلاثا كتب ثم إذا حضت وطهرت فأنت طالق وإن شاء أوجز فكتب إذا جاءك كتابي هذا فأنت طالق ثلاثا للسنة فيقع بهذه الصفة لأن الكتاب ممن نأى بمنزلة الخطاب ممن دنا وإن كانت ممن لا تحيض كتب إذا جاءك كتابي هذا ثم أهل شهر فأنت طالق وإن شاء كتب إذا جاءك كتابي هذا فأنت طالق ثلاثا للسنة لما بينا أن له أن يطلقها للسنة إذا كانت ممن لا تحيض في أي وقت شاء .
( قال ) وإن كان لم يدخل بامرأته ولم يخل بها فله أن يطلقها متى شاء خلافا لزفر وقد بينا ذلك وليس عليها عدة لقوله تعالى { ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها } قال مشايخنا رحمهم الله تعالى ، وفي كتاب الله تعالى المتلو لا بهذه الصفة بل المتلو { يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن } الآية ولكن هذا غلط وقع من الكاتب وترك كذلك وإن كان قد خلا بها فطلاقها وعدتها مثل التي دخل بها لأن الخلوة الصحيحة في حكم العدة بمنزلة الدخول ومراعاة وقت السنة في الطلاق لأجل العدة فتقام الخلوة فيه أيضا مقام الدخول .
( قال ) ، وإذا طلق امرأته وهي حائض فقد أخطأ السنة والطلاق واقع عليها وعلى قول الروافض لا يقع ، وفي الكتاب ذكر بابا ردا عليهم فيؤخر الكلام فيه إلى ذلك الموضع والقدر الذي نذكره هنا حديث ابن عمر رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه مر ابنك فليراجعها } والمراجعة تكون بعد وقوع الطلاق ولكنهم يدعون أن المروي فليرجعها وقد كان أخرجها من بيته فإنما أمره أن يردها إلى بيته وهذا باطل من الكلام فقد قيل [ ص: 17 ] لابن عمر رضي الله عنه هل احتسبت بتلك الطلقة فقال ومالي لا أحتسب بها وإن استحمقت أو استجهلت أكان لا يقع طلاقي ولما ذكر لعمر رضي الله عنه في الشورى ابنه فقال سبحان الله أقلد أمور المسلمين ممن لم يحسن طلاق امرأته فطلقها في حالة الحيض فهو إشارة إلى أن ذلك الطلاق كان واقعا وأنه ينبغي للمرء أن يصون نفسه عن ذلك .
. ( قال ) ثم ينبغي له أن يراجعها كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه لو راجعها لم تبن منه بطلاق محظور ويندفع عنها ضرر تطويل العدة فإذا لم يراجعها بانت منه بطلاق محظور ويتحقق معنى تطويل العدة فلهذا ينبغي له أن يراجعها . ( قال ) فإذا طهرت من حيضة أخرى طلقها إن شاء وهذا إشارة إلى أنها إذا طهرت من هذه الحيضة لا يباح إيقاع الطلاق عليها وذكر الطحطاوي رحمه الله تعالى أنه إذا طلقها في الحيض ثم طهرت من تلك الحيضة يباح إيقاع الطلاق عليها وقيل ما ذكرهالطحطاوي قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى لأن وقت السنة الطهر الذي لا جماع فيه وقد وجد وما ذكر في الكتاب قولهما لأن الفصل بين الطلاقين بحيضة كاملة وذلك لا يكون إذا طهرت من هذه الحيضة وحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه روي بروايتين من طريق شعبة { مر ابنك فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض وتطهر ثم ليطلقها إن شاء } فهو دليل قولهما ومن طريق آخر { مر ابنك فليراجعها فإذا حاضت وطهرت فليطلقها إن شاء } وهذا يحتمل بقية هذه الحيضة كما هو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وكذلك إن طلقها في حالة الحيض .
( قال ) ولو طلقها في طهر لم يجامعها فيه واحدة ثم راجعها بالقول فأراد أن يطلقها أخرى في ذلك الطهر للسنة فله ذلك عند أبي حنيفة وزفر رحمهما الله تعالى وليس له ذلك عند أبي يوسف رحمه الله تعالى وعن محمد رضي الله تعالى عنه فيه روايتان فأبو يوسف رحمه الله تعالى يقول شرط الفصل بين طلاقي السنة الحيضة الكاملة كما قال صلى الله عليه وسلم { فليطلقها في كل قرء تطليقة } ولأن إيقاع تطليقة في طهر في المنع من تطليقة أخرى في ذلك الطهر كالجماع فكما لا يجوز له أن يطلقها بعد الجماع في طهر واحد فكذلك بعد الطلاق وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول الفصل بالحيضة إنما يعتبر إذا كانت الثانية تقع في العدة وبالمراجعة قد ارتفعت العدة فكانت الثانية بمنزلة ابتداء الإيقاع وقد حصل في طهر لا جماع فيه ثم الرجعة تسقط جميع العدة ولو تخلل بين التطليقتين ما يسقط بعض العدة كانت الثانية واقعة على وجه السنة فإذا تخلل ما يسقط جميع العدة أولى وكذلك [ ص: 18 ] لو راجعها بالتقبيل أو المس عن شهوة حتى روي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه إذا كان أخذ بيد امرأته عن شهوة فقال لها أنت طالق ثلاثا للسنة يقع عليها ثلاث تطليقات في الحال يتبع بعضها بعضا لأن كلما وقع عليها تطليقة صار مراجعا لها فتقع أخرى فأما إذا راجعها بالجماع فإن لم تحبل فليس له أن يطلقها أخرى في هذا الطهر بالإجماع لأنه طهر قد جامعها فيه وإن راجعها بالجماع فحبلت فعند أبي يوسف رحمه الله تعالى ليس له أن يطلقها أخرى أيضا لأنه قد طلقها في هذا الطهر واحدة والطهر الواحد لا يكون محلا لأكثر من تطليقة واحدة على وجه السنة وعند أبي حنيفة ومحمد وزفر رحمهما الله تعالى له أن يطلقها أخرى لأن العدة الأولى قد سقطت والطلاق عقيب الجماع في الطهر إنما لا يحل لاشتباه أمر العدة عليها وذلك لا يوجد إذا حبلت وظهر الحبل بها .
( قال ) ، وإذا طلق الرجل امرأته واحدة بائنة فقد أخطأ السنة والطلاق واقع عليها ، وفي زيادات الزيادات قال التطليقة البائنة تقع بصفة السنة كالرجعية لأن { ابن ركانة رضي الله تعالى عنه طلق امرأته ألبتة ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إيقاع الطلاق بهذا اللفظ } فلو كان خلاف السنة لأنكر عليه كما أنكر على ابن عمر رضي الله تعالى عنه والواقع بهذا اللفظ يكون بائنا والدليل عليه الطلاق قبل الدخول والخلع فإنه يقع بائنا ولا يكون مكروها فأما وجه ظاهر الرواية أن إباحة الإيقاع للحاجة إلى التفصي عن عهدة النكاح ولا حاجة به إلى زيادة صفة البينونة فكانت زيادة هذه الصفة كزيادة العدد ثم لا مقصود له في ذلك سوى رد نظر الشرع له بقطع خيار الرجعة وسد باب التلافي على نفسه عند الندم وهذا بخلاف الخلع فإنه يحتاج إلى ذلك لاسترداد ما ساق لها من الصداق إذا كان النشوز منها مع أن الخلع لا يكون إلا عند تحقق الحاجة ولهذا روي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا يكره في حالة الحيض والطلاق قبل الدخول لا يكون إلا بائنا والتي لم يدخل بها ليست نظير التي دخل بها بدليل الإيقاع في حالة الحيض وتأويل حديث ابن ركانة رضي الله عنه أنه طلقها قبل الدخول بها وقبل الدخول بأي لفظ أوقع يكون بائنا ويحتمل أن يكون أخر الإنكار إلى وقت آخر لعلمه أنه لفرط الغيظ لا يقبل في ذلك الوقت والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب .
باب الرجعة
( قال ) ، وإذا طلقها واحدة في الطهر أو في الحيض أو بعد الجماع فهو يملك الرجعة مادام في العدة لأن النبي صلى الله عليه وسلم { طلق سودة رضي الله تعالى عنها بقوله اعتدي ثم راجعها } { وطلق حفصة رضي الله عنها ثم راجعها بالوطء } ويستوي إن طالت مدة العدة أو قصرت لأن النكاح بينهما باق ما بقيت العدة وقد روي أن علقمة رضي الله عنه طلق امرأته فارتفع حيضها سبعة عشر شهرا ثم ماتت فورثه ابن مسعود رضي الله عنه منها وقال إن الله تعالى حبس ميراثها عليك فإذا انقضت العدة قبل الرجعة فقد بطل حق الرجعة وبانت المرأة منه ، وهو خاطب من الخطاب يتزوجها برضاها إن اتفقا على ذلك .
وإذا أراد أن يراجعها قبل انقضاء العدة فأحسن ذلك أن لا يغشاها حتى يشهد شاهدين على رجعتها والإشهاد على الرجعة مستحب عندنا ، وفي أحد قولي الشافعي رحمه الله تعالى شرط لا تصح الرجعة إلا به ، وهو قول مالك رحمه الله تعالى وهذا عجيب من مذهبه فإنه لا يجعل الإشهاد على النكاح شرطا ويجعل الإشهاد على الرجعة شرطا لظاهر قوله تعالى { وأشهدوا ذوي عدل منكم } والأمر على الوجوب ومذهبنا مروي عن ابن مسعود وعمار بن ياسر رضي الله عنهما ولأن الرجعة استدامة للنكاح والإشهاد ليس بشرط في استدامة النكاح وبيانه أن الله تعالى سمى الرجعة إمساكا ، وهو منع للمزيل من أن يعمل عمله بعد انقضاء المدة فلا يكون الإشهاد عليها شرطا كالفيء في الإيلاء والمراد بالآية الاستحباب ألا ترى أنه جمع بين الرجعة والفرقة وأمر بالإشهاد عليهما ثم الإشهاد على الفرقة مستحب لا واجب فكذلك على الرجعة ، وهو نظير قوله تعالى { وأشهدوا إذا تبايعتم } ثم البيع صحيح من غير إشهاد وليس في الرجعة عوض لا قليل ولا كثير لأنه استدامة للملك فلا يستدعي عوضا ولهذا لا يعتبر فيه رضاها ولا رضى المولى لأن الله تعالى جعل الزوج أحق بذلك بقوله تعالى { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك } وإنما يكون أحق إذا استبد به والبعل هو الزوج ، وفي تسميته بعلا بعد الطلاق الرجعي دليل بقاء الزوجية بينهما فالمباعلة هي المجامعة ففيه إشارة إلى أن وطأها حلال له ، وهو قول علمائنا إن الطلاق الرجعي لا يحرم الوطء ولكن لا يستحب له أن يطأها قبل الإشهاد على المراجعة لأنه يصير مراجعا لها من غير شهود .
وعند الشافعي رحمه الله تعالى يحرم عليه [ ص: 20 ] وطؤها ما لم يراجعها ولهذا شرط الإشهاد على الرجعة لأنه سبب لاستباحة الوطء واستدل بقوله تعالى { إن أرادوا إصلاحا } والإصلاح يكون بعد تمكن الفساد ولم يتمكن الفساد هنا بزوال أصل الملك عرفنا أنه تمكن الفساد بحرمة الوطء ويجوز أن يثبت حرمة الوطء مع قيام أصل الملك كمن كاتب أمته يحرم عليه وطؤها وإن بقي الملك بعد الكتابة ولهذا لا يلزمه مهر جديد بالوطء كما في المكاتبة ولأن هذا طلاق واقع فيحرم الوطء كالواقع بقوله أنت بائن وتقريره أن الأقراء يحتسب بها من العدة بعد الطلاق ومع بقاء ملك النكاح مطلقا لا يحتسب بالأقراء من العدة لأن العدة لصيانة الماء وصون الماء بالنكاح أبلغ منه بالعدة ولأن العدة لتبين فراغ الرحم فيستحيل أن تكون هي مشغولة بما يبين فراغ رحمها ويكون الزوج مسلطا على شغل رحمها والدليل عليه أنها إذا جاءت بالولد إلى سنتين يجعل هذا من علوق قبل الطلاق ولو بقي الحل بينهما لكان يستند العلوق إلى أقرب الأوقات وهي ستة أشهر وحجتنا في ذلك أن الله تعالى سمى الرجعة إمساكا وذلك استدامة للملك فدل أن الملك باق على الإطلاق وملك النكاح ليس إلا ملك الحل فإنه لا يملك عينها ولا منافعها فبقاء ملك النكاح مطلقا يكون دليل بقاء حل الوطء إلا بعارض يحرم به الوطء في ملك اليمين كالحيض والظهار واختلاف الدين وبكونها مطلقة لا يحرم الوطء بملك اليمين لأنها لو كانت أمة فاشتراها بعد الطلاق كان له أن يطأها فكذلك لا يحرم الوطء في ملك النكاح والدليل على بقاء الملك مطلقا أنه يملك التصرفات كالظهار والإيلاء واللعان وأنهما يتوارثان وأنه يملك الاعتياض بالخلع وملك الاعتياض لا يكون إلا مع بقاء أصل الملك وأنه الرجعة يحل له وطؤها والرجعة ليست بسبب لحل الوطء مقصودا حتى لا يعتبر فيها المهر ولا رضاها والدليل عليه أن الطلاق بعد الطلاق واقع فلو كان حكم الطلاق زوال الملك به لم يقع الطلاق بعد الطلاق لأن المزال لا يزال وكما أن الطلاق الثاني واقع من غير أن يزول الملك به فكذلك الأول لأن الحكم الأصلي للطلاق رفع الحل عن المحل إذا تم ثلاثا .
فأما زوال الملك به معلق بانقضاء العدة قبل الرجعة والمعلق بالشرط عدم قبله وإنما سمى الله تعالى الرجعة ردا وإصلاحا لأنه يعيدها بالرجعة إلى الحالة الأولى حتى لا تبين بانقضاء العدة لا لأنه يعيدها إلى الملك وملك النكاح ليس نظير ملك اليمين فإن صفة الحل هناك تنفصل عن أصل الملك ابتداء وبقاء كالأخت من الرضاعة والأمة المجوسية وهنا صفة الحل تنفصل عن أصل [ ص: 21 ] الملك ابتداء وبقاء مع أن المكاتبة صارت أحق بنفسها بما التزمت من العوض وهنا الزوج أحق بها ووزان هذا من المكاتبة أن لو طلقها بعوض .
وكون الطلاق واقعا لا يكون دليل حرمة الوطء مع قيام الملك كما بعد الرجعة فإن الطلاق يبقى واقعا والوطء حلال وهذا لأن هذه الإزالة بطريق الإسقاط والمسقط يكون متلاشيا لا يتصور إعادته والاحتساب بالأقراء من العدة لأنه صار غير مريد لها بالطلاق وكمن وطئ أمته ثم أراد بيعها يستبرئها مع قيام الملك والحل واستناد العلوق إلى أبعد الأوقات للتحرز عن إثبات الرجعة بالشك فإنا لو أسندنا العلوق إلى أقرب الأوقات وجعلناه مراجعا لها بالشك ، وهو بناء على مذهبنا أن جماعه إياها في العدة رجعة منه وعند الشافعي رحمه الله تعالى لا يكون رجعة واعتبر الرجعة بأصل النكاح فكما لا يثبت أصل النكاح بالفعل فكذلك لا تثبت الرجعة ، وفي الحقيقة هذا بناء على ما تقدم فإن عنده الرجعة سبب لاستباحة الوطء ورفع الخلل الواقع في الملك فلا يكون إلا بالقول .
والجماع قبل الرجعة حرام فلا يكون سببا للحل وعندنا الرجعة استدامة للملك والفعل المختص به يكون أدل على استدامة الملك من القول ، وهو نظير الفيء في الإيلاء فإنه منع للمزيل من أن يعمل بعد انقضاء العدة وذلك يحصل بالجماع ونقول أكثر ما في الباب أن يثبت له أن الطلاق مزيل للملك ولكن المزيل متى ظهر وأعقب خيار الاستبقاء في مدة معلومة يكون مستبقيا للملك بالوطء كمن باع أمته على أنه بالخيار ثلاثة أيام ثم وطئها صار بالوطء مستبقيا للملك بل أولى لأن هناك يحتاج إلى فسخ السبب المزيل وهنا لا يحتاج إلى رفع الطلاق الواقع وكذلك لو قبلها بشهوة أو لمسها بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة لأن هذه الأفعال تختص بالملك الموجب للحل كالوطء فتكون مباشرته دليل استبقاء الملك ألا ترى في ثبوت حرمة المصاهرة جعلت هذه الأفعال بمنزلة الوطء فكذلك في حكم الرجعة والأحسن له أن يشهد شاهدين بعد ذلك هكذا قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه حين سئل عمن طلق امرأته ولم يعلمها حتى غشيها فقال طلقها لغير السنة وراجعها على غير السنة وليشهد على ذلك شاهدين .
( قال ) ولا يكون النظر إلى شيء من جسدها سوى الفرج رجعة لأن ذلك لا يختص بالملك ولأنه لا تثبت به حرمة المصاهرة ولأن النظر إلى الفرج نوع استمتاع فإن النظر إلى الفرج إما لحسنه أو للاستمتاع وليس في الفرج معنى الحسن فكان النظر إليه استمتاعا بخلاف سائر الأعضاء والنظر إلى الفرج بغير شهوة لا يكون رجعة لأنه غير مختص بالملك فإن القابلة تنظر [ ص: 22 ] والحافظة كذلك فأما إذا قبلته بشهوة أو لمسته بشهوة أو نظرت إلى فرجه بشهوة تثبت به الرجعة عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ولا تثبت عند أبي يوسف رحمه الله تعالى لأن هذا الفعل من الزوج دليل استبقاء الملك وليس لها ولاية استبقاء الملك فلا يكون فعلها رجعة وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى قالا فعلها به كفعله بها فإن الحل مشترك بينهما وفعلها به في حرمة المصاهرة كفعله بها فكذلك في الرجعة ثم فرق أبو يوسف رحمه الله تعالى في ظاهر الرواية بين هذا وبين الخيار فقال الأمة إذا فعلت ذلك بالبائع في مدة الخيار يكون فسخا للبيع وهنا لا يكون رجعة منها لأن إسقاط الخيار قد يحصل بفعلها ، وهو ما إذا جنت على نفسها أو قتلت نفسها والرجعة لا تكون بفعلها قط وقد روى بشر عن أبي يوسف رحمهما الله تعالى التسوية بين الفصلين فقال لا يسقط هناك الخيار بفعلها .
