عرض مشاركة واحدة
  #110  
قديم 11-12-2025, 04:30 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,619
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس

صـــ 209 الى صـــ 219
(110)


( قال : ) ويؤمر الموسر والوسط لولده إذا كانوا أكثر من واحد بخادم ، فإن لم يكفهم فخادمان يقومان عليهم في خدمتهم ; لأن هذا من جملة كفايتهم فتكون على الأب كالنفقة والكسوة إلا أن المعسر عاجز عن ذلك والتكليف بحسب الوسع فأما الموسر ووسط الحال يقدر على ذلك فيؤمر من ذلك بما تقع به الكفاية .
( قال ) فإن تزوجت الأم فللأب أن يأخذ الولد منها لقوله صلى الله عليه وسلم { ما لم تتزوجي } فإنما جعل الحق لها إلى أن تتزوج وحكم ما بعد الغاية مخالف لما قبل ذلك ; ولأنها لما تزوجت فقد اشتغلت بخدمة زوجها فلا تتفرغ لتربية الولد والولد في العادة يلحقه الجفاء والمذلة من زوج الأم فكان للأب أن لا يرضى بذلك فيأخذ الولد منها . ( قال : ) وأم الأم في ذلك سواء بمنزلة الأم بعدها ; لأن حق الحضانة بسبب الأمومة وهي أم تدلي بأم فهي أولى من أم الأب ; لأنها تدلي بقرابة الأب ، وقرابة الأم في الحضانة مقدمة على قرابة الأب . ( قال : ) ويستوي إن كانت الأم مسلمة ، أو كتابية أو مجوسية ; لأن حق الحضانة لها للشفقة على الولد ولا يختلف ذلك باختلاف الدين على ما قيل : كل شيء يحب ولده حتى الحبارى . ومن مشايخنا من يقول : إذا كانت كافرة فعقل الولد فإنه يؤخذ منها جارية كانت ، أو غلاما ; لأنه مسلم بإسلام الأب وإنها تعلمها الكفر فلا تؤمن من الفتنة إذا تركت عندها فلهذا تؤخذ منها ، فإن كان لأم الأم زوج نظرنا ، فإن كان زوجها جد الولد فهي أحق به ; لأن جد الولد يكون مشفقا عليه ولا يلحقه الأذى والجفاء من جهته ، وإن كان أجنبيا فلا حق لها في الولد كالأم إذا تزوجت أجنبيا . ( قال : ) وأم الأب بعدها أحق بهم عندنا وعلى قول زفر رحمه الله تعالى الأخت من الأب والأم ، أو من الأم ، أو الخالة أحق من الجدة أم الأب ; لأنها تدلي بقرابة الأب ، ومن سمينا بقرابة الأم . واستحقاق الحضانة باعتبار قرابة الأم . ولكنا نقول هذه أم في نفسها كأم الأم ، والأم مقدمة على غيرها في الحضانة ، ثم أصل الشفقة باعتبار الولاد وذلك للجدات دون الأخوات والخالات فلهذا كانت أم الأب أحق ، وإن كان لها زوج ، فإن كان زوجها جد الولد ، فكذلك ، وإن كان زوجها أجنبيا ، أو كانت هي ميتة فحق الحضانة إلى الأخوات والأخت لأب وأم أولى من الأخت لأم . وعلى قول زفر رحمه الله تعالى هما مستويتان ; لأن ثبوت هذا الحق بقرابة الأم وهما سواء في ذلك [ ص: 211 ] ولكنا نقول قرابة الأخت لأب وأم من جهتين ، والشفقة بالقرابة ، فذو القرابتين يكون أشفق فكان بالحضانة أحق ، ويجوز أن يقع الترجيح بما لا يكون علة الاستحقاق .

ألا ترى أن الأخ لأب وأم مقدم في العصوبة على الأخ لأب بسبب قرابة الأم ، وقرابة الأم ليست بسبب لاستحقاق العصوبة بها ثم الأخت لأم تقدم على الأخت لأب ; لأن استحقاق الحضانة بقرابة الأم وهي تدلي بقرابة الأم والأخرى إنما تدلي بقرابة الأب ، ثم بعد الأخت لأم قال في كتاب النكاح الأخت لأب أولى من الخالة وفي كتاب الطلاق قال : الخالة أولى من الأخت لأب ففي رواية كتاب النكاح اعتبر قرب القرابة ، والأخت لأب أقرب ; لأنها ولد الأب والخالة ولد الجد وفي كتاب الطلاق اعتبر المدلي به فقال : الخالة تدلي بالأم والأخت لأب تدلي بالأب والأم في حق الحضانة مقدمة على الأب ، فكذلك من يدلي بقرابة الأم يكون مقدما على من يدلي بقرابة الأب ، ثم بعد الأخوات بناتهن على الترتيب الذي ذكرنا في الأخوات . وبنات الأخوات في الحضانة أحق من بنات الإخوة ; لأن المدلي به في بنات الإخوة لم يكن له حق في الحضانة بخلاف بنات الأخوات ، ثم بعدهن الخالة لأب وأم ، ثم بعدها الخالة لأب . والدليل على ثبوت حق الحضانة للخالات ما روي { أن علي بن أبي طالب وجعفرا وزيد بن حارثة رضي الله عنهم اختصموا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ابنة حمزة رضي الله عنه فقال علي رضي الله عنه بنت عمي فأنا أحق بها وقال جعفر رضي الله عنه ابنة عمي وخالتها عندي وقال زيد بن حارثة رضي الله عنه ابنة أخي آخيت بيني وبينه يا رسول الله فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لجعفر رضي الله عنه } فقال الخالة أم . والترتيب في الخالات على قياس الترتيب في الأخوات وهن أحق بالحضانة من العمات ; لأن الخالة تدلي بالأم والعمة تدلي بالأب واستحقاق الحضانة بقرابة الأم فلهذا قدمت الخالة في ذلك على العمة ، ثم بعد الخالات العمات فالتي من الأب والأم تقدم ، ثم بعدها التي من الأم ، ثم التي من الأب على قياس الخالات وبنت الأخ أولى من العمات ; لأن كل واحدة منهما تدلي بمن لا حق له في الحضانة ولكن بنت الأخ أقرب والخالة أولى من بنت الأخ ; لأن الخالة تدلي بمن لها حق في الحضانة وهي الأم وابنة الأخ تدلي بمن ليس له حق في الحضانة فلهذا كانت الخالة أحق .

( قال : ) وليس لمن سوى الأم والجدتين حق في الولد إذا أكل وشرب ولبس وحده جارية كانت ، أو غلاما ; لأن ترك الجارية عند الأم والجدتين لتعليم أعمال داخل البيت وإنما يتأتى [ ص: 212 ] ذلك بالاستخدام وللأم والجدتين حق الاستخدام وليس لغيرهن ممن سمينا حق الاستخدام ولا يحصل مقصود تعليم الأعمال إلا بذلك فلهذا أخذ منهن ، ثم بعدما استغنى الغلام ، أو حاضت الجارية عند الأم والجدتين ، أو استغنت عند غيرهن فالأب أحق بالولد ، ثم بعده الجدات لأب ، ثم الأخ من الأب والأم ، ثم الأخ من الأب ; لأن ولاية الضم إلى نفسه بعد هذا باعتبار العصوبة فمن يكون مقدما في العصوبة من ذي الرحم المحرم أولى بذلك وقد بينا ترتيب العصبات في أول الكتاب ولا حق لابن العم في ذلك ; لأنه رحم غير محرم فلا يؤمن منه أن يطمع فيها فلهذا لا يكون له أن يضمها ، وإن كانت ولاية التزويج له باعتبار العصوبة .

( قال : ) وإذا اجتمع إخوة لأب وأم فأفضلهم صلاحا وورعا أحق به ; لأن ضمه إلى أقرب العصبات لمنفعة الولد ; ولهذا قدم الأقرب . وضمه إلى أبينهم صلاحا أنفع للولد ; لأنه يتخلق بأخلاقه فإن كانوا في ذلك سواء فأكبرهم أحق لقوله صلى الله عليه وسلم { الكبر الكبر } ولأن حق أكبرهم أسرع ثبوتا فعند التعارض يترجح ذلك ، وكذلك الأعمام بعد الإخوة ثم الغلام إذا بلغ رشيدا فله أن ينفرد بالسكنى وليس للأب أن يضمه إلى نفسه إلا أن يكون مفسدا مخوفا عليه فحينئذ له أن يضمه إلى نفسه اعتبارا لنفسه بماله فإنه بعد ما بلغ رشيدا لا يبقى للأب يد في ماله فكذلك في نفسه وإذا بلغ مبذرا كان للأب ولاية حفظ ماله ، فكذلك له أن يضمه إلى نفسه إما لدفع الفتنة ، أو لدفع العار عن نفسه فإنه يعير بفساد ولده .

فأما الجارية إذا كانت بكرا فللأب أن يضمها إلى نفسه بعد البلوغ ; لأنها لم تختبر الرجال فتكون سريعة الانخداع فأما إذا كانت ثيبا فلها أن تنفرد بالسكنى ; لأنها قد اختبرت الرجال وعرفت كيدهم ومكرهم فليس للأب أن يضمها إلى نفسه بعد البلوغ ; لأن ولايته قد زالت بالبلوغ وإنما بقي حق الضم في البكر ; لأنها عرضة للفتنة وللانخداع وذلك غير موجود في حق الثيب والأصل فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { ليس للولي مع الثيب أمر } وقال : صلى الله عليه وسلم { الثيب أحق بنفسها من وليها } يعني في التفرد بالسكنى ولكن هذا إذا كانت مأمونة على نفسها . وذكر في كتاب الطلاق أن الثيب إذا كانت مخوفة على نفسها لا يوثق بها فللأب أن يضمها إلى نفسه لبقاء الخوف . وقد بينا أن ولاية الضم في البكر لكونها مخوفا عليها فإذا وجد ذلك في حق الثيب كان له أن يضمها إلى نفسه وأما البكر ، فإن لم يكن لها أب ولا جد وكان لها أخ ، أو عم فله أن يضمها إليه أيضا ; لأنه مشفق عليها فيقوم بحفظها ، وإن كانت لا تبلغ شفقته [ ص: 213 ] شفقة الأب بمنزلة ولاية التزويج يثبت للعم والأخ بعد الأب والجد ، فإن كان أخوها ، أو عمها مفسدا مخوفا لم يخل بينه وبينها ; لأن ضمها إليه لدفع الفتنة فإذا كان سببا للفتنة لم يكن له حق ضمها إليه بل يجعل هو كالمعدوم فتكون ولاية النظر بعد ذلك إلى القاضي ينظر امرأة من المسلمين ثقة فيضعها عندها وكما يثبت للقاضي ولاية النظر في مالها عند عجزها عن ذلك ، فكذلك في حق نفسها ، فإن كانت البكر قد دخلت في السن فاجتمع لها رأيها وعقلها وأخوها أو عمها مخوف عليها فلها أن تنزل حيث شاءت في مكان لا يخاف عليها ; لأن الضم كان لخوف الفتنة بسبب الانخداع وفرط الشبق وقد زال ذلك حين دخلت في السن واجتمع لها رأيها وعقلها
( قال : ) وأم الولد إذا أعتقها مولاها في الولد بمنزلة الحرة المطلقة ; لأن ثبوت هذا الحق للأم باعتبار شفقتها على الولد وذلك موجود في حق أم الولد ، بل شفقتهن على أولادهن أظهر من شفقة الحرائر ; لأن الولد كان سبب عتقها إلا أن قبل العتق ليس لها حق الحضانة لاشتغالها بخدمة مولاها ولأنها مملوكة لا على نفسها وحق الحضانة نوع ولاية فكما لا يثبت سائر الولايات للرقيق ، فكذلك في الحضانة وهذا المعنى يزول بالعتق فكانت في الحضانة بعد العتق كالحرة الأصلية ( قال : ) والأمة إذا فارقها زوجها فإن الولد رقيق لمولى الأمة يأخذهم المولى وهو أولى بهم من الأب ; لأن الولد تبع الأم في الملك والمملوك مالكه أحق من غيره ، وكذلك إذا كان الزوج حرا لم يفارق أمه فالمولى أولى بالولد لكونه مملوكا ولكن لا ينبغي أن يفرق بين الولد الصغير وبين أمه لقوله صلى الله عليه وسلم { من فرق بين والدة وولدها فرق الله تعالى بينه وبين أحبته يوم القيامة } والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب
باب متاع البيت

( قال ) رضي الله عنه وإذا اختلف الزوجان في متاع البيت فما كان للنساء كالدرع والخمار والمغازل وما أشبه ذلك فهو للمرأة وما كان للرجال كالسلاح والقباء والقلنسوة والمنطقة والطيلسان والسراويل والفرس فهو للرجل وما كان للرجال والنساء كالخادم والعبد والشاة والفرش فهو للرجل في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى إن كانا حيين ، وإن مات أحدهما ووقع الاختلاف بين الحي منها وورثة الميت فهو للباقي منهما أيهما كان وقال محمد رحمه الله تعالى [ ص: 214 ] ما يصلح للرجال والنساء فهو للرجل إن كان حيا ولورثته إن كان ميتا وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى تعطى المرأة جهاز مثلها والباقي للرجل ، استحسن ذلك ، وقال ابن أبي ليلى : ما يصلح للرجال والنساء فهو للزوج إن كان حيا ولورثته إن كان ميتا وإنما لها ما يصلح للنساء خاصة . وعلى قول ابن شبرمة المتاع كله للرجل إلا ما على المرأة من ثياب بدنها . وقال زفر رحمه الله تعالى المتاع بينهما نصفان إذا لم تقم لواحد منهما بينة وهو قول مالك رحمه الله تعالى وأحد أقاويل الشافعي رضي الله تعالى عنه وفي قول آخر المشكل بينهما نصفان وعلى قول الحسن البصري إن كان البيت بيت المرأة فالمتاع كله لها إلا ما على الزوج من ثياب بدنه ، وإن كان البيت بيت الزوج فالمتاع كله له ; لأن يد صاحب البيت على ما في البيت أقوى وأظهر من يد غيره ; ولأن المرأة ساكنة البيت .

ألا ترى أنها تسمى قعيدة فإذا كان البيت لها فالبيت مع ما فيه في يدها وعند دعوى مطلق الملك القول قول ذي اليد ومن يقول المتاع كله للزوج قال : لأن المرأة في يد الزوج فما في بيتها يكون في يد الزوج أيضا .

ألا ترى أنه صاحب البيت وأن المنزل يضاف إليه ولهذا لو تنازع رجلان في امرأة وهي في بيت أحدهما فأقاما البينة كانت بينة صاحب اليد أولى ، ويكون هذا بمنزلة الأجير مع المستأجر إذا اختلفا في متاع الحانوت فالقول قول المستأجر وليس للأجير إلا ما عليه من ثياب بدنه ، فهذا مثله ، ومن يقول : الكل بينهما نصفان يقول : استويا في سبب الاستحقاق ; لأنهما ساكنان في البيت فالبيت مع ما فيه يكون في يدهما ولا معتبر في الدعوى والخصومات بالشبه ألا ترى أن إسكافا وعطارا لو تنازعا في آلات الأساكفة ، أو آلات العطارين وهو في أيديهما قضي بينهما نصفان ولا ينظر إلى ما يصلح لكل واحد منهما وهذا ; لأن الإنسان قد يتخذ الشيء لاستعماله وقد يتخذه ليتجر فيه ، فكذلك هذا ومن يقول : إن المشكل بينهما ، يقول : لكل واحد منهما فيما يصلح له نوع ترجيح من حيث إن الظاهر أنه هو الذي اتخذه لاستعماله فيترجح به ، كما لو تنازع صاحب الدار مع سكانها في لوح موضوع في الدار ونقشه يشبه نقش الألواح التي في السقف وموضعه من السقف ظاهر فإن القول قول صاحب الدار لأجل شهادة الظاهر له ، وإن لم يكن بهذه الصفة فالقول قول الساكن كسائر الأمتعة فأما في المشكل لا ترجيح لواحد منهما فيعتبر فيه المساواة في سبب الاستحقاق فيكون بينهما نصفان .

وأما أبو يوسف رحمه الله تعالى يقول : القياس أن يكون الكل للزوج ; لأن المرأة مع ما في يدها في يد الزوج إلا أن الظاهر أنها لا تزف إلى [ ص: 215 ] بيت زوجها إلا مع جهاز مثلها ففي مقدار جهاز مثلها يترك القياس للعرف الظاهر ويجعل ذلك لها وفيما زاد على القول قول الزوج بطريق القياس الذي قلنا . وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : ما يصلح للرجال فهو قريب من استعمال الرجل وما يصلح للنساء فهو قريب من استعمالها والاستعمال يد حتى لو تنازع رجلان في ثوب واحد وأحدهما لابسه والآخر متعلق بذيله ، أو تنازعا في دابة وأحدهما راكبها والآخر متعلق بلجامها يجعل القول قول المستعمل فكانت يد المستعمل هنا أقوى فيما هو صالح لأحدهما فأما فيما يصلح لهما فيترجح جانب الرجل في الطلاق ; لأنه صاحب البيت فقد كانت هي مع المتاع في يده فأما بعد موت أحدهما قال محمد رحمه الله تعالى ورثة الزوج يقومون مقام الزوج فكما أن في المشكل القول قوله في حياته فكذلك بعد موته القول قول ورثته . وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى : يد الباقي منهما إلى المتاع أسبق ; لأن الوارث إنما يثبت يده بعد موت المورث ، وكما يقع الترجيح هنا بقوة اليد لصلاحية الاستعمال فكذا يقع الترجيح بسبق اليد ولأن يد الباقي منهما يد نفسه ويد الوارث قائمة مقام يد مورثه فلهذا النوع من الترجيح كان المشكل للباقي منهما أيهما كان . وما كان من متاع التجارة والرجل معروف بتلك التجارة فهو للرجل ، والجبة المحشوة وجبة القز والخز والبرد فهو للرجل إذا كانت ذات لبة ; لأن هذا مما يستعمله الرجال دون النساء . والمستقة والبر كان المعلم مما يكون للرجال والنساء جميعا ، وإن كان أحد الزوجين حرا والآخر مملوكا ، أو مكاتبا فالمتاع للحر منهما أيهما كان في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى . وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى هذا وما لو كانا حرين سواء على ما بينا في الفصل الأول من قول كل واحد منهما وإنما نص على هذا الخلاف في الجامع الصغير وجه قولهما أن المملوك بمنزلة الحر في الاستحقاق باليد ; لأن له يدا معتبرة .

ألا ترى أنه لو تنازع حر ومملوك في متاع في يدهما كان بينهما نصفان ولا تترجح يد الحر بحريته ، فكذلك هذا . ولكن أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول يد الحر أقوى فإنها يد ملك ويد العبد ليست بيد ملك فكما يقع الترجيح هنا بقوة اليد يقع بالقرب من الاستعمال بخلاف سائر الدعاوى والخصومات ، فكذلك يقع الترجيح هنا بقوة اليد بالحرية ، توضيحه أن يد الحر يد نفسه ويد العبد من وجه كأنها يد مولاه وقد بينا أن الترجيح هنا باعتبار أن يده يد نفسه كما بعد موت أحدهما ، وإن كان أحدهما كافرا والآخر مسلما فالمسلم والكافر في [ ص: 216 ] ذلك سواء ; لأنهما في قوة اليد يستويان فإن يد كل واحد منهما يد نفسه وهي يد ملك فيستويان في الاستحقاق ويستوي إن وقعت المنازعة بينهما في حال قيام النكاح ، أو بعد وقوع الفرقة بأي وجه وقعت الفرقة بينهما سواء كانت الفرقة من قبل الزوج ، أو من قبل المرأة ، وإن كانت أمة فأعتقت فاختارت نفسها فما عرف أنه كان في البيت قبل أن تعتق فهو للرجل عند أبي حنيفة بمنزلة ما لو وقعت المنازعة في ذلك قبل عتقها وما أحدثا بعد العتق قبل أن تختار نفسها فهو على ما بينا في الطلاق ; لأن يدها بالعتق تتقوى فتستوي بيد الرجل فيما أحدث بعد العتق
( قال : ) فإن كان له نسوة فوقع الاختلاف بينه وبينهن ، فإن كن في بيت واحد فمتاع النسوة بينهن سواء للمساواة بينهن في سبب الاستحقاق وهو القرب من الاستعمال وقوة اليد بسببه ، وإن كانت كل واحدة منهن في بيت واحد فما في بيت كل واحدة منهن بينها وبين زوجها على ما وصفنا ولا يشارك بعضهن بعضا ; لأنه لا يد لكل واحدة منهن فيما في بيت ضرتها فلا تستحق شيئا من ذلك إلا بحجة .

( قال : ) وإذا أقرت المرأة بمتاع أن الرجل اشتراه فهو للرجل ; لأن الشراء سبب موجب للملك وقد أقرت له بمباشرة هذا السبب ; ولأن ما أقرت به كالمعاين ، ولو عايناه اشترى شيئا كان ذلك مملوكا له ، فكذلك إذا أقرت هي بشرائه .
( قال : ) وإذا مات الرجل فقالت الورثة للمرأة قد كان طلقك في حياته ثلاثا وأرادوا أن يأخذوا منها المشكل لم يصدقوا على ذلك وهذا التفريع عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى فإنه يقول : إذا وقعت الفرقة بالطلاق ففي المشكل القول قول الزوج وإذا وقعت بالموت ففي المشكل القول قول الباقي منهما ، ثم هنا الورثة يدعون طلاقا لم يظهر سببه فلا يقبل قولهم في ذلك إلا بحجة .

ألا ترى أنهم لو أرادوا منع ميراثها بهذه الدعوى لم يقبل قولهم في ذلك ولأن القول قولها بعد ما تحلف بالله أنها ما تعلم أنه طلقها ; لأنها لو أقرت بالطلاق لزمها فإذا أنكرت حلفت عليه ولكن الاستحلاف على فعل الغير يكون على العلم ، فإن علم أنه طلقها في صحته ثلاثا ثم مات ، أو طلقها في مرضه ثلاثا ، ثم مات بعد انقضاء العدة ففي المشكل القول قول ورثة الزوج ; لأنها صارت أجنبية بهذا الطلاق ولو وقعت المنازعة بينهما في المشكل بعد الطلاق كان القول فيه قول الزوج ، فكذلك بعد موته القول فيه قول ورثته ، وإن مات قبل أن تنقضي العدة فهو للمرأة ; لأن الطلاق في المرض لا يجعلها أجنبية ما لم تنقض عدتها .

ألا ترى أنها ترثه بالزوجية إذا مات فكان هذا وما لو وقعت الفرقة بينهما [ ص: 217 ] بالموت سواء ; فلهذا كان القول في المشكل قولها ، وإن كانا مملوكين أو مكاتبين ، أو كافرين فالقول في المتاع على ما وصفنا في الحرين المسلمين ; لأن هذا من باب الدعوى والخصومة . والكفار والمماليك في ذلك يستوون بالأحرار المسلمين كما في سائر الخصومات . والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب

باب القسمة بين النساء .

اعلم بأن الزوج مأمور بالعدل في القسمة فيما بين النساء ، وذلك ثابت بالكتاب والسنة ، أما الكتاب فقوله تعالى { فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة } إلى قوله { ذلك أدنى أن لا تعولوا } معناه : أن لا تجوروا ، وذكر الشافعي رحمه الله تعالى في أحكام القرآن أن معناه : أن لا تكثر عيالكم ، وهذا مخالف لقول السلف فالمنقول عنهم أن لا تميلوا ، ومع ذلك فهو خطأ من حيث اللغة ، فإنه لو كان المراد كثرة العيال لكان يقول : أن لا تعيلوا . يقال : عال إذا مال ، وأعال إذا صار معيلا ، ومن حيث المعنى كذلك أيضا غلط ، فإنه أمر بالاكتفاء بالواحدة واتخاذ ما بينا من ملك اليمين عند هذا الجور ، ومعنى كثرة العيال ووجوب النفقة يحصل في ملك اليمين ، كما يحصل في ملك النكاح وإنما ينعدم في ملك اليمين استحقاق التسوية في القسمة .

وأما السنة فما روي عن عائشة رضي الله عنها { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعدل في القسمة بين نسائه ، وكان يقول : اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك } يعني : من زيادة المحبة لبعضهن وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من كانت له زوجتان فمال إلى إحداهما في القسم جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل } ; ولأن النساء رعاياه ، ألا ترى أنه يحفظهن وينفق عليهن وكل راع مأمور بالعدل في رعيته وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : { كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته } إذا عرفنا هذا فنقول : إذا كان للرجل الحر ، أو المملوك امرأتان حرتان ، فإنه يكون عند كل واحدة منهما يوما وليلة وإن شاء أن يجعل لكل واحدة منهما ثلاثة أيام فعل ; لأن المستحق عليه التسوية ، فأما في مقدار الدور فالاختيار إليه ، وهذه التسوية في البيتوتة عندها للصحبة والمؤانسة لا في المجامعة ; لأن ذلك ينبني على النشاط ولا يقدر على اعتبار المساواة فيه ، فهو نظير المحبة في القلب .

وروي عن الأشعث بن الحكم رضي الله عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأم سلمة رضي الله عنها حين دخل [ ص: 218 ] بها : إن شئت سبعت لك وسبعت لهن } ، زاد في بعض الروايات { إن شئت ثلثت لك وثلثت لهن } ، وفي رواية { وإن شئت ثلثت لك ، ثم درت } ، وبهذا الحديث أخذ علماؤنا فقالوا : الجديدة والقديمة في حكم القسم سواء بكرا كانت الجديدة ، أو ثيبا وقال الشافعي رحمه الله تعالى : إن كانت بكرا يفضلها بسبع ليال ، وإن كانت ثيبا فثلاث ليال ، ثم التسوية بعد ذلك لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { تفضل البكر بسبع والثيب بثلاث } ، ولأن القديمة قد ألفت صحبته وأنست به والجديدة ما ألفت ذلك بل فيها نوع نفرة ووحشة فينبغي أن يزيل ذلك عنها ببعض الصحبة لتستوي بالقديمة في الإلف ، ثم المساواة بعد ذلك فإذا كانت بكرا ففيها زيادة نفرة عن الرجال فيفضلها بسبع ليال ، وإذا كانت ثيبا فهي قد صحبت الرجال وإنما لم تصحبه خاصة فيكفيها ثلاث ليال ; لتأنس بصحبته . وحجتنا في ذلك أن سبب وجوب التسوية ; اجتماعها في نكاحه وقد تحقق ذلك بنفس العقد ولو وجب تفضيل إحداهما كانت القديمة أولى بذلك ; لأن الوحشة في جانبها أكثر حيث أدخل غيرها عليها فإن ذلك يغيظها عادة ، ولأن للقديمة زيادة حرمة بسبب الخدمة ، كما يقال لكل جديد لذة ولكل قديم حرمة وأما الحديث فالمراد التفضيل بالبداية دون الزيادة ، كما ذكر في { حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها إن شئت سبعت لك وسبعت لهن } وقوله : { إن شئت ثلثت لك ، ثم درت } أي أخبرت بمثل ذلك على كل واحدة منهن ونحن نقول به إن للزوج أن يبدأ بالجديدة لما له في ذلك من اللذة ولكن بعد أن يسوي بينهما .

( قال : ) والمسلمة والكافرة والمراهقة والمجنونة والبالغة في استحقاق القسم سواء للمساواة بينهن في سبب هذا الحق وهو الحل الثابت بالنكاح فلا ينبغي أن يقيم عند إحداهن أكثر مما يقيم عند الأخرى ، إلا أن تأذن له فيه ; لما روي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذن نساءه في مرضه أن يكون في بيت عائشة رضي الله تعالى عنها فأذن له في ذلك فكان في بيتها حتى قبض صلى الله عليه وسلم } ففي هذا دليل على أن الصحيح والمريض في القسم سواء { ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم في أول مرضه كان يكون عند كل واحدة منهن ، ثم لما شق ذلك عليه استأذنهن في أن يكون عند عائشة رضي الله تعالى عنها } فدل ذلك على أن الصحيح والمريض سواء وأن عند الإذن له أن يقيم عند إحداهن . فأما الأمة والمكاتبة والمدبرة وأم الولد تكون زوجة الرجل فيتزوج عليها حرة فللحرة يومان وللأمة يوم واحد ; لحديث علي رضي الله تعالى عنه على ما روينا [ ص: 219 ] قال : وللحرة الثلثان من القسم وللأمة الثلث ، ولأن حل الأمة على النصف من حل الحرة ، واستحقاق القسم باعتبار ذلك ، والرق في المكاتبة والمدبرة وأم الولد قائم .
( قال : ) ، وإن سافر الرجل مع إحدى امرأتيه لحج أو غيره فلما قدم طالبته الثانية أن يقيم عندها مثل المدة التي كان فيها مع الأخرى في السفر لم يكن لها ذلك ولم يحتسب عليه بأيام سفره مع التي كانت معه ولكنه يستقبل العدل بينهن ، والكلام هنا في فصلين : أحدهما : أن له أن يسافر بأيتهما من غير إقراع بينهما عندنا . وعند الشافعي رحمه الله تعالى ليس له ذلك ، إلا أن يقرع بينهما ; لحديث عائشة رضي الله عنها أن { النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه قالت عائشة رضي الله عنها وأصابتني القرعة في السفرة التي أصابني فيها ما أصابني } . وحجتنا في ذلك أنه لا حق للمرأة في القسم عند سفر الزوج ، ألا ترى أن له أن يسافر ولا يستصحب واحدة منهن فليس عليه التسوية بينهن في حالة السفر وإنما كان يفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم تطبيبا لقلوبهن ونفيا لتهمة الميل عن نفسه ، وبه نقول : إن ذلك مستحب للزوج ، ثم إذا سافر ببعضهن ليس للباقين بعد الرجوع الاحتساب عليه بتلك المدة عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى إن سافر ببعضهن بغير اقتراع فذلك محسوب عليه في حق الأخرى بناء على أصله أن الإقراع مستحق عليه فإذا لم يفعل ذلك كانت مدة سفره نوبة التي كانت معه فينبغي أن يكون عند الأخرى مثل ذلك ليتحقق العدل ، ولكنا نقول وجوب التسوية في وقت استحقاق القسم عليه ، وقد بينا أنه لا حق للمرأة في القسم في حال سفر الزوج فلا يلزمه مراعاة التسوية باعتبار تلك المدة كما إذا سافر بها بالقرعة ، ألا ترى أنه في حالة الحضر لا فرق بين أن تكون البداية بإقراع ، أو بغير إقراع ، فكذلك في السفر .
( قال : ) ولو أقام عند إحداهما شهرا ، ثم خاصمته الأخرى في ذلك قضي عليه أن يستقبل العدل بينهما وما مضى فهو هدر ، غير أنه هو فيه آثم ; لأن القسمة تكون بعد الطلب من كل واحدة منهما فما مضى قبل الطلب ليس من القسمة في شيء ، والواجب عليه العدل في القسمة ، ألا ترى أن ما مضى قبل نكاح إحداهما لا يعتبر في حق التي جدد نكاحها ، فكذلك ما مضى قبل طلبها .

( قال : ) فإن عاد إلى الجور بعد ما نهاه القاضي أوجعه عقوبة وأمره بالعدل ; لأنه أساء الأدب فيما صنع وارتكب ما هو حرام عليه وهو الجور فيعزر في ذلك ويؤمر بالعدل .

( قال : ) ولو كان عند الرجل امرأة فدخلت في سنها أي كبرت [ ص: 220 ] فأراد أن يستبدل بها شابة فطلبت أن يمسكها ويتزوج بالأخرى ويقيم عند التي تزوج أياما ويقيم عندها يوما فتزوج على هذا الشرط كان جائزا لا بأس به لقوله تعالى { ، وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا ، أو إعراضا فلا جناح عليهما } قال علي رضي الله عنه إنما نزلت هذه الآية في هذا . وبلغنا { عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لسودة بنت زمعة رضي الله عنها حين طعنت في السن : اعتدي فسألته لوجه الله تعالى أن يراجعها ويجعل يوم نوبتها لعائشة ; رضي الله عنها لكي تحشر يوم القيامة مع أزواجه صلى الله عليه وسلم ورضي عنهن ففعل . } ( قال : ) ولا بأس بأن يقيم الرجل عند إحدى امرأتيه أكثر مما يقيم عند الأخرى إذا أذنت له لما روينا من الحديث في مقامه صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة رضي الله عنها بإذنهن رضي الله عنهن ولقول ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء } قال : هذا في الحب فأما في القسم فينبغي أن يعدل ولا يفضل إحداهما ، إلا بإذن الأخرى وعن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى { ، وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا } مثل قول علي رضي الله تعالى عنه ، وكان المعنى فيه أن التي رضيت أسقطت حق نفسها وهي من أهل أن تسقط حقها ، إلا أن هذا الرضا ليس يلزمها شيئا حتى إذا أرادت أن ترجع وتطالب بالعدل في القسم فلها ذلك .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 38.65 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 38.03 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.62%)]