عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 11-12-2025, 04:15 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,458
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس

صـــ 189 الى صـــ 199
(108)


( قال : ) وإذا كان لرجل نسوة فرضت النفقة لهن عليه بحسب الكفاية على ما قلنا ، فإن كانت إحداهن كتابية ، أو أمة قد بوأها مولاها معه بيتا فرض عليه لكل واحدة منهن ما يكفيها ولا تزاد الحرة المسلمة على الأمة والذمية شيئا ; لأن النفقة مشروعة للكفاية وهذا لا يختلف باختلاف الدين ولا باختلاف الحال في الرق والحرية ، فإن فرض ذلك وهو معسر وعلم القاضي ذلك منه أمرهن بالاستدانة عليه ففي هذا يعتدل النظر من الجانبين ، وإن كان الزوج غائبا ، فقد كان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : أولا يأمرهن بالاستدانة عليه إذا كان يعلم النكاح بينه وبينهن وهو قول زفر رحمه الله تعالى كما يفعل ذلك عند حضرته ، ثم رجع فقال : لا يأمر بذلك وهو قولهما ; لأن فيه قضاء على الغائب وليس له ذلك ، وإن أمرهن بالاستدانة فلم يجدن ذلك لم يفرق بينه وبينهن ولم يجبره على طلاقهن عندنا . وعند الشافعي رحمه الله تعالى يفرق بينه وبينهن إذا طلبن ذلك ، لقوله تعالى { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } والمعروف في الإمساك أن يوفيها حقها من المهر والنفقة فإذا عجز عن ذلك تعين التسريح بالإحسان ، وهو المعنى في ذلك ، فإن المستحق عليه أحد الشيئين فإذا تعذر أحدهما تعين الآخر .

ألا ترى أنه إذا عجز عن الوصول إليها بسبب الجب والعنة فرق بينهما لفوات الإمساك بالمعروف بل أولى ; لأن حاجتها إلى النفقة أظهر من حاجتها إلى قضاء الشهوة ، ولكن لما تعين التفريق لإيصالها إلى حقها من جهة عسره فرق القاضي بينهما ، فكذلك هنا تعين التفريق لإيصالها إلى حقها من جهة غيره ، وبه فارق المهر والنفقة المجتمعة عليه ، فإن التفريق ليس بطريق لإيصالها إلى ذلك الحق من جهة غيره .

فأما نفقة الوقت تصل إليها بعد التفريق من جهة زوج آخر وقاس بنفقة العبد والأمة فإنه يستحق عليه بسبب الملك فإذا تعذر عليه أجبره القاضي على إزالة الملك بالبيع فهنا كذلك ، واستدل بحديث عمر وعلي رضي الله عنهما أنهما كتبا إلى أمراء الأجناد أن مروا من قبلكم أن تبعثوا بنفقة أهليكم أو بطلاقهن . وقيل لسعيد بن المسيب رضي الله عنه : أتفرق بين العاجز عن النفقة وبين امرأته ؟ فقال : نعم . فقيل له : إنه سنة ؟ فقال : نعم . والسنة [ ص: 191 ] إذا أطلقت يفهم منها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحجتنا في ذلك قوله تعالى { ، وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } فهذا تنصيص على أن المعسر منظر ، ولو أجلته في ذلك لم يكن لها أن تطالب بالفرقة ، فكذلك إذا استحق النظرة شرعا . إلا أن المستحق بالنص التأخر ، فلا يلحق به ما يكون إبطالا ; لأن ذلك فوق المنصوص ، وفي حق المملوك يكون إبطالا ; لأنه لا يثبت للمملوك على مولاه دين فأما في حق الزوجية يكون تأخيرا لا إبطالا ، وبهذا يتبين أنه غير عاجز عن معروف يليق بحاله وهو الالتزام في الذمة ، فإن المعروف في النفقة على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ، وهو الالتزام في الذمة مع أن التسريح طلاق ، وعند الشافعي المستحق هنا هو الفسخ بسبب العيب حتى إذا فرق بينهما لم يكن طلاقا ، وبه نجيب عن حديث عمر وعلي رضي الله عنهما مع أنهم ما كانوا عاجزين عن المهر والنفقة .
فإن نفقة عيال من هو من الجند من مال بيت المال ، والإمام هو الذي يوصل ذلك إليهم ولكنهما خافا عليهن الفتنة لطول غيبة أزواجهن فأمراهم أن يبعثوا إليهن ما تطيب به قلوبهن . والمعنى فيه أن النفقة مال فالعجز عنه لا يكون موجبا للفرقة كالمهر والنفقات المجتمعة بل أولى ; لأن ذلك دين مستقر ، ونفقة الوقت لم تستقر دينا بعد وهذا ; لأن المقصود بالنكاح غير المال فكان المال زائدا والعجز عن التبع لا يكون سببا لرفع الأصل وكما أن بالفرقة لا تتوصل إلى مهرها الذي على الزوج الأول وإنما تتوصل إلى مثله من جهة أخرى ، فكذلك النفقة . وبه فارق الجب والعنة ; فإن هناك تحقق فوات ما هو المقصود ، مع أن عندنا هناك لا يفسخ العقد ولكن يفرق بينهما بطريق التسريح بالإحسان حتى يكون ذلك طلاقا لإزالة ظلم التعليق عنها ، وهذا ليس في معنى ذلك من وجوه : أحدها : أن هناك قد انسد عليها باب تحصيل ذلك المقصود بدون التفريق بينهما وهنا لم ينسد عليها وصول النفقة بدون التفريق بأن تستدين فتنفق . والثاني : أن هناك الزوج يمسكها من غير حاجة به إليها فيما هو المقصود فكان ظالما وهنا يمسكها مع حاجته إليها فيما هو المقصود فلا يكون ظالما ، ولأن هناك في ترك التفريق إبطال حقها ; لأن وظيفة الجماع لا تصير دينا على الزوج بمضي المدة ولو فرقنا كان فيه إبطال ملك الزوج فاستوى الجانبان في ضرر الإبطال وفي جانبها رجحان لصدق حاجتها وهنا في ترك التفريق تأخير حقها ; لأن النفقة تصير دينا على الزوج وفي التفريق إبطال الملك على الزوج وضرر التأخير دون ضرر الإبطال ، وبه يفرق بينه وبين العبد فالضرر هناك ضرر الإبطال ; لأن النفقة هناك لا تصير دينا للمملوك على المالك ، ثم فيه [ ص: 192 ] إبطال حقه بغير بدل ، وفي البيع إبطال ملك المولى ببدل ، فكان هذا الضرر أهون حتى أن في الموضع الذي يكون إبطالا بغير بدل لا يفعل ذلك ، وهو أنه إذا عجز عن نفقة أم ولده لم يعتقها القاضي عليه .
( قال : ) والتبوئة في الأمة أن يخلى بين الأمة وزوجها ولا يستخدمها ; لما بينا أن المعتبر في استحقاق النفقة تفريغها نفسها لقيام مصالح الزوج وإنما يحصل ذلك بهذا النوع من التبوئة ، فإن استخدمها بعد ذلك ولم يخل بينه وبينها فلا نفقة لها ; لأنه أزال ما به كانت تجب نفقتها عليه فهي كالحرة الناشزة ، فإن قيل : المولى إنما أزال ذلك بحق له فلماذا لا يجعل هذا كالحرة إذا احتبست نفسها لصداقها قلنا كما في الابتداء فإن الحرة إذا احتبست نفسها بالصداق كان لها أن تطلب النفقة والمولى إذا لم يبوئها بيتا في الابتداء لم يكن لها النفقة ، والمعنى فيه أن الحرة إذا احتبست نفسها بصداقها فالتفويت إنما جاء من قبل الزوج حين امتنع من إيفاء ما لزمه لتنتقل إلى بيته ، فأما هنا التفويت ليس من جهة الزوج بل من جهة من له الحق وهو المولى لشغله إياها بخدمة نفسه ، فلهذا لم يكن لها نفقة عليه ، فإن كانت هي تجيء فتخدمه من غير أن يستخدمها فلها النفقة ; لأن الحق للمولى ، ولم يوجد من جهته تفويت بل الموجود من جهته التسليم ، فإن جاءت في وقت والزوج ليس في البيت فاستخدموها ومنعوها من الرجوع إلى بيتها فلا نفقة لها ; لأن استخدام أهل المولى إياها كاستخدام المولى . وقد بينا أن فيه تفويت التبوئة ، والتبوئة شرط لاستحقاق النفقة وبعد التفويت ممن له الحق لا يكون لها نفقة .
( قال : ) ونفقة المرأة واجبة على الزوج ، وإن مرضت من قبل أنها مسلمة نفسها إلى الزوج في بيته ، ولا فعل منها في المرض لتصير به مفوتة ، مع أنه لا يفوت ما هو المقصود من الاستئناس وغيره ، ولا معتبر بمقصود الجماع في حق النفقة ; فإن الرتقاء تستحق النفقة على زوجها مع فوات مقصود الجماع . وقد روي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أن الرتقاء لا تستوجب النفقة على الزوج إذا لم يرض الزوج بها ويكون له أن يردها إلى أهلها ولا ينفق عليها . وفي المريضة إن تحولت إلى بيته وهي مريضة فله أن يردها إلى أن تبرأ ، وإن مرضت في بيته بعد ما تحولت إليه فليس له أن يردها ، بل ينفق عليها إلا أن يتطاول مرضها . ( قال : ) وهذا استحسان ; لأن النكاح يعقد للصحبة والألفة ، وليس من الألفة أن يمتنع عن الإنفاق أو يردها لقليل مرض فإذا تطاول ذلك فهو بمنزلة الرتق الذي لا يزول عادة . وإنما يلزمه نفقتها لقيامه عليها وقد فات ذلك بمنسي من جهتها فتسقط نفقتها كما إذا كانت صغيرة لا يجامع مثلها ، ولكن قد بينا الفرق [ ص: 193 ] بينهما من حيث إن الصغر يزول فلا ينعدم به استحقاق الجماع بسبب العقد بخلاف الرتق والقرن ، وكذلك لو جنت ، أو أصابها بلاء يمنعه من الجماع أو هرمت حتى لا يستطيع جماعها وذكر في الكتاب أنه لو أصابتها هذه العوارض من بعد ما دخل بها وليس مراده حقيقة الوطء بل المراد انتقالها إلى منزله وسواء انتقلت أو لم تنتقل إذا لم تكن مانعة نفسها ظالمة فهي مستوجبة للنفقة على ما قلنا .
( قال : ) ولا نفقة في النكاح الفاسد والوطء بالشبهة ولا في العدة منه ; لأن ما به تستوجب النفقة معدوم هنا وهو تسليمها نفسها إلى الزوج للقيام بمصالحه فإن فساد النكاح يمنعها من ذلك شرعا ; ولهذا لم تجعل الخلوة في النكاح الفاسد تسليما في حق وجوب المهر فكذا لا تستوجب النفقة في التسليم بالنكاح الفاسد .
( قال : ) وإذا اختلف الزوج والمرأة فقال الزوج أنا فقير وقالت المرأة هو غني فالقول قول الزوج مع يمينه وعلى المرأة البينة ; لأن الفقر في الناس أصل وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله { يولد كل مولود أحمر ليس عليه غبرة أي سترة ، ثم يرزقه الله تعالى من فضله } فالزوج يتمسك بما هو الأصل والمرأة تدعي غنى عارضا فعليها البينة وعليه اليمين لإنكاره ، وبه أجاب في كتاب العتاق إذا ادعى المعتق أنه معسر فالقول قوله فأما ما أشار في سائر الديون إن كان وجوب الدين عليه ببيع ، أو قرض لم يقبل قوله أنه معسر ; لأنه صار غنيا بما دخل في ملكه من المال فلا قول له في دعوى الفقر بعد تيقننا بزوال ذلك الأصل ، وكذلك قالوا في كل دين التزمه بالعقد اختيارا كالمهر ودين الكفالة فإقدامه على الالتزام بمنزلة إقرار منه أنه قادر على الأداء فإن العاقل لا يلتزم ما لا يقدر على أدائه اختيارا . فأما فيما سوى ذلك فالقول قوله في دعوى العسرة . وبعض المتأخرين من مشايخنا يقولون يحكم في ذلك زيه ، فإن كان عليه زي الأغنياء لم يقبل قوله أنه معسر ; لأن الزي دليل على غناه قال الله تعالى { تعرفهم بسيماهم } وقال الله تعالى { ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة } وقال جل وعلا { إن كان قميصه قد من قبل } ففي هذا دليل على أن الظاهر من العلامة يجعل حكما إلا في الفقهاء والعلوية فإنهم يتكلفون الزي مع العسرة ليعظمهم الناس فلا يجعل الزي حكما في حقهم لظهور العادة بخلافه .

( قال : ) فإن لم يكن لها بينة على يساره وسألت القاضي أن يسأل عن يساره في السر فليس ذلك على القاضي ; لأنه وجد دليلا يعتمده لفصل الحكم وهو التمسك بالأصل ، فليس عليه أن يطلب دليلا آخر ، وإن فعله فأتاه من أخبر عنه أنه موسر لا يعتمد ذلك أيضا إلا أن يخبره بذلك رجلان عدلان [ ص: 194 ] ويكونا بمنزلة الشاهدين يخبران أنهما قد علما ذلك فحينئذ لو شهدا عنده في مجلس الحكم يثبت يساره بشهادتهما ، وكذلك إن أخبراه بذلك ; لأن المعتبر علم القاضي ويحصل له علم بخبرهما كما يحصل بشهادتهما ، وإن أخبرا أنهما علما ذلك من رواية راو لم يؤخذ بقولهما ; لأنهما ما أخبراه عن علم وإنما أخبراه عن ظن ، أو عن خبر من يعتمد خبره ، والخبر إذا تداولته الألسنة تتمكن فيه الزيادة والنقصان عادة فلهذا لا يعتمد مثل هذا الخبر .

( قال : ) وإن أقامت المرأة البينة أنه موسر وأقام الزوج البينة أنه محتاج أخذ ببينة المرأة ; لأنها قامت على الإثبات ولأن شهود الزوج اعتمدوا في شهادتهم ما هو الأصل وشهود المرأة عرفوا الغنى العارض فلهذا يفرض لها عليه نفقة الموسرين .

( قال : ) وإذا كان للزوج عليها دين فقال احسبوا لها نفقتها منه كان له ذلك ; لأن أكثر ما في الباب أن تكون النفقة لها دينا عليه فإذا التقى الدينان تساويا قصاصا ، ألا ترى أن له أن يقاص بمهرها فالنفقة أولى
( قال : ) وإذا فرضت النفقة لها على زوجها ولها عليه شيء من مهرها فأعطاها شيئا من ذلك فقال الزوج هو من المهر وقالت المرأة بل هو من النفقة فالقول قول الزوج أنه من المهر ، وكذلك هذا في جميع قضاء الديون إذا كان من وجوه مختلفة ; لأنه هو المملك فالقول قوله في بيان جهة التمليك وهو المحتاج إلى تفريغ ذمته فالقول قوله في أنه تفرغ ذمته بهذا الأداء من كذا دون كذا .
( قال : ) وإذا اختلفا فيما وقع الصلح عليه ، أو الحكم به من النفقة في الجنس أو القدر فالقول قول الزوج والبينة بينة المرأة ; لأنها مدعية الزيادة فتحتاج إلى الإثبات بالبينة ، والزوج منكر لذلك فالقول قوله مع يمينه ، فإن كان الذي أقر به الزوج وحلف عليه لا يكفيها بلغ بها الكفاية في المؤتنف ; لأن النفقة للكفاية وقد بينا أن ما قضى به القاضي أووقع الصلح عليه إن كان لا يكفيها فلها أن تطالب بما يكفيها في المستقبل ، فكذلك ما أقر به الزوج
( قال : ) ولو أخذت المرأة من زوجها كفيلا بالنفقة كل شهر لم يكن على الكفيل إلا شهر واحد ; لأنه أضاف كلمة كل إلا ما لا يعرف منتهاه فيتناول الأدنى كمن يقول لفلان علي درهم وأصله في الإجارة إذا استأجر دارا لكل شهر كان لزوم العقد في شهر واحد وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى إنه كفيل بنفقتها ما عاشت وبقي النكاح بينهما استحسانا ; لما فيه من العرف الظاهر ولأن قصد المرأة التوثق بهذا الجنس من حقها ، فكأن الكفيل صرح لها بما هو مقصودها فقال : في كفالته أبدا ، أو ما عاشت وهناك يثبت حكم الكفالة بهذا الجنس من حقها عليه [ ص: 195 ] عاما ، فكذا هنا ولو ضمن لها نفقة سنة كان جائزا ، وإن لم يكن واجبا ، ولكن إضافة الكفالة إلى سبب الوجوب صحيح وقد حصل ذلك بتسمية المدة ولم يبين أن الزوج هل يجبر على إعطاء الكفيل بالنفقة أم لا فظاهر المذهب أنه لا يجبر على ذلك كما لا يجبر على إعطاء الكفيل بدين آخر وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه قال : إذا قالت المرأة إنه يريد أن يغيب ولا يترك لي نفقة أمره القاضي أن يجعل لها نفقة شهر ، أو يعطيها كفيلا بنفقة شهر استحسانا ; لأنها طلبت من القاضي أن ينظر لها فيجيبها على ذلك ; لأن الحال حال النظر .
( قال : ) وإذا فرض القاضي لها على الزوج نفقة معلومة كل شهر فمضت أشهر لم يعطها حتى مات أو ماتت لم يؤخذ بشيء منها ; لأن النفقة تستحق استحقاق الصلات لا استحقاق المعاوضات على ما قررناه ، والصلات لا تتم إلا بالقبض وتسقط بالموت قبل القبض . وشبهه في الكتاب بمن وجبت عليه الجزية إذا مات لم تستوف من تركته لهذا ولأن السبب قيام الزوج عليها وتفريغها نفسها لمصالحه وقد زال ذلك قبل الاستيفاء ، فيسقط حقها كما إذا زال العيب قبل رد المشترى لم يكن له أن يرد بعد ذلك .
( قال : ) ولو كانت المرأة استعجلت النفقة لمدة ، ثم ماتت قبل مضي تلك المدة لم يكن للزوج أن يسترد من تركتها شيئا من ذلك في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى ; لما قلنا إنها صلة وحق الاسترداد في الصلات ينقطع بالموت كالرجوع في الهبة . وعند محمد رحمه الله تعالى يترك من ذلك حصة المدة الماضية قبل موتها ويسترد ما وراء ذلك ; لأنها أخذت ذلك من ماله لمقصود لم يحصل ذلك المقصود له فكان له أن يسترد منها كما لو عجل لها نفقة ليتزوجها فماتت قبل أن يتزوجها ، وروى ابن رستم عن محمد رحمه الله تعالى قال : إن كان الباقي من المدة شهرا ، أو دونه لم يرجع بشيء في تركتها ، وإن كان فوق ذلك ترك لها مقدار نفقة شهر استحسانا ويسترد من تركتها ما زاد على ذلك ; لأنه إنما يعطيها النفقة شهرا فشهرا عادة ففي مقدار نفقة شهر هي مستوفية حقها وفيما زاد على ذلك مستعجلة ( قال : ) ولو كانا حيين فاختلفا فيما مضى من المدة من وقت قضاء القاضي فالقول قول الزوج لإنكاره الزيادة وإنكاره سبق التاريخ في القضاء ، والبينة بينة المرأة لإثباتها ذلك .
( قال : ) وإذا بعث إليها بثوب فقالت هو هدية وقال الزوج هو من الكسوة فالقول قول الزوج مع يمينه ; لأنه هو المملك للثوب منها فالقول قوله في بيان جهته إلا أن تقيم المرأة البينة أنه بعث به هدية ، وإن أقاما البينة فالبينة بينة الزوج ; لأنه يثبت ببينته فراغ ذمته عن [ ص: 196 ] حقها من الكسوة ، أو المهر ، وكذلك إن أقام كل واحد منهما البينة على إقرار الآخر بما ادعاه ; لأن الزوج هو المدعي للقضاء فيما عليه من الحق فمعنى الإثبات في بينته أظهر وكذلك إن بعث بدراهم فقال : هي نفقة المرأة وقالت المرأة هي هدية فالقول قوله ; لما بينا
( قال : ) وإذا أعطاها كسوة فعجلت تمزيقها ، أو هلكت منها لم يكن عليه أن يكسوها حتى يأتي الوقت ; لما بينا أن أحوال الناس تختلف في صيانة الثياب وتمزيقها فيتعذر تعليق الحكم بحقيقة تجدد الحاجة فيقام الوقت مقامه تيسيرا فما لم يأت الوقت لا تتجدد الحاجة فلا يتجدد سبب الوجوب لها فلم يكن لها أن تطالبه بشيء . ( قال : ) وكذلك إن صانتها ولبست غيرها فإذا جاء الوقت المعلوم لها أن تطالب بالكسوة والقاضي في الابتداء يوقت من المدة ما يتمزق فيه الثوب باللبس . المعتاد فما لم يتبين خطؤه في ذلك التوقيت يجب بناء الحكم عليه ، ولا ينظر إلى تعجيلها التمزيق ولا إلى صيانتها فوق المعتاد .
( قال : ) وكذلك إن أخذت نفقة شهر فلم تنفق حتى جاء الشهر الثاني وهي معها فلها أن تطالبه بنفقة الشهر الثاني بخلاف نفقة ذي الرحم المحرم فإن هناك المعتبر تحقق الحاجة ، ألا ترى أنه لو كان له مال لم يستوجب النفقة على غيره والحاجة مرتفعة ببقاء المأخوذ معه بخلاف نفقة الزوجة .
( قال : ) وإذا فرض القاضي لها النفقة على زوجها فأنفقت من مالها ولم تأخذ منه شيئا فلها أن تأخذه بما مضى من ذلك ; لأن نفقة الزوجة تصير دينا بقضاء القاضي ، أو الصلح عن التراضي وقد بيناه . ( قال : ) وإن كان هذا في ذي الرحم المحرم فأنفق على نفسه من مال آخر بعد فرض القاضي لم يكن له أن يرجع على الذي فرض له عليه بشيء ; لما مضى لما بينا أن المعتبر هنا حقيقة الحاجة وقد انعدم ذلك بمضي ذلك الوقت فلا تصير النفقة دينا وأورد في باب الزكاة من الجامع أن نفقة ذي الرحم المحرم تصير دينا بقضاء القاضي وإنما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع فوضع المسألة هناك فيما إذا استدان المنفق عليه وأنفق من ذلك فتكون الحاجة قائمة لقيام الدين عليه ، وهنا وضع المسألة فيما إذا أنفق من مال له ، أو من صدقة تصدق بها عليه والحاجة لا تبقى بعد مضي المدة وقد قررنا هذا فيما أمليناه من شرح الجامع .
( قال : ) وإن كان الرجل غائبا وله مال حاضر فطلبت المرأة النفقة ، فإن كان القاضي يعلم بالنكاح بينهما فرض لها النفقة في ذلك المال لعلمه بوجود السبب الموجب له .

ألا ترى أن من أقر بدين ، ثم غاب قضى القاضي عليه بذلك لعلمه به ، فكذلك النفقة ولكن يشترط أن ينظر للغائب ، وذلك في أن يحلفها أنه لم يعطها [ ص: 197 ] النفقة لجواز أن يكون أعطاها النفقة قبل أن يغيب وهي تلبس على القاضي لتأخذ ثانيا ، وإذا حلفت فأعطاها النفقة أخذ منها كفيلا لجواز أن يحضر الزوج فيقيم البينة أنه قد كان أوفى نفقتها ، وهذا ; لأن القاضي مأمور بالنظر لكل من عجز عن النظر لنفسه . ( قال : ) وإذا حضر الزوج وأثبت بالبينة أنه كان قد أوفاها ، أو أرسل إليها بشيء في حال غيبته أمرها برد ما أخذت ; لأنه ظهر عند القاضي أنها أخذت بغير حق وللزوج الخيار إن شاء أخذها بذلك ، وإن شاء أخذ الكفيل ، وإن لم يكن النكاح بينهما معلوما للقاضي فأرادت إقامة البينة على الزوجية لم يقبل القاضي ذلك منها عندنا ; لما فيه من القضاء على الغائب بالبينة . وعن زفر رحمه الله تعالى أنه يسمع منها البينة ويعطيها النفقة من مال الزوج ، وإن لم يكن للزوج مال يأمرها بالاستدانة ، فإن حضر الزوج وأقر بالنكاح أمره بقضاء الدين ، وإن أنكر ذلك كلفها إعادة البينة ، فإن لم تعد أمرها برد ما أخذت ولم يقض لها بشيء مما استدانت على الزوج ; لأن في قبول البينة بهذه الصفة نظرا لها ولا ضرر فيه على الغائب فيجيبها القاضي إلى ذلك ولكنا نقول فيه قضاء على الغائب ; لأن دفع ماله إليها لتنفق على نفسها لا يكون إلا بعد القضاء عليه بالزوجية

( قال : ) وإن أحضرت غريما للزوج أو مودعا في يده مال للزوج وهو مقر بالمال والزوجية أمره القاضي بأداء نفقتها من ذلك بخلاف دين آخر على الغائب فإن صاحب الدين إذا أحضر غريما ، أو مودعا للغائب لم يأمره بقضاء دينه منه ، وإن كان مقرا بالمال وبدينه ; لأن القاضي إنما يأمر في حق الغائب بما يكون نظرا له وحفظا لملكه عليه وفي الإنفاق على زوجته من ماله حفظ ملكه عليه وليس في قضاء الدين من ماله حفظ ملكه عليه بل فيه قضاء عليه بقول الغير ; فلهذا المعنى تقع الفرقة بينهما ( قال : ) وإن جحد المديون ، أو المودع الزوجية بينهما ، أو كون المال في يده لم تقبل بينتها على شيء من ذلك ، أما على الدين الوديعة ; فلأنها تثبت الملك للغائب حتى إذا ثبت ملكه ترتب عليه حقها فيه وهي ليست بخصم في إثبات الملك للزوج في أمواله ، وأما إذا جحدا الزوجية فقد كان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول أولا تقبل بينتها على الزوجية ; لأنها تدعي حقا فيما في يده من المال بسبب ، فكان خصما في إثبات ذلك السبب كمن ادعى عينا في يد إنسان أنه له اشتراه من فلان الغائب ، ثم رجع وقال : لا تقبل بينتها على ذلك وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى ; لأنها تثبت النكاح على الغائب ، والمودع والمديون ليس بخصم عن الغائب في إثبات النكاح عليه بالبينة . والاشتغال من القاضي بالنظر يكون بعد العلم [ ص: 198 ] بالزوجية فإذا لم يكن ذلك معلوما له لا يشتغل بسماع البينة من غير خصم ، وإن لم يكن له مال حاضر لم يفرض لها النفقة بطريق الاستدانة عندنا خلافا لزفر رحمه الله تعالى ; لأن في هذا قضاء على الغائب وقد بيناه ، وإن كان له مال حاضر فحضور ماله بمنزلة حضوره استحسانا .
( قال : ) ولا يبيع العروض في نفقتها أما عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى فظاهر ; لأن الزوج لو كان حاضرا لم يبع القاضي عروضه في ذلك فإذا كان غائبا أولى ، وأما على قولهما إنما يبيع على الحاضر عروضه بعد ما يحجر عليه وليس له ولاية الحجر وإلزام القضاء على الغائب ( قال ) وينفق عليها من غلة الدار والعبد ; لأن ذلك من جنس حقها ويعطيها الكسوة من الثياب إن كانت له والنفقة من طعامه إن كان له ; لأنه من جنس حقها ولها أن تأخذ من غير قضاء كما { قال : صلى الله عليه وسلم لهند خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف } فلأن يقضي لها القاضي بذلك كان أولى ، ويأخذ منها كفيلا بجميع ذلك نظرا منه للغائب فإذا رجع الزوج وأقام البينة على وصول النفقة إليها لهذا الوقت فالكفيل ضامن لما أخذت ; لأنه التزم بالكفالة ، وإن لم يكن له بينة وحلفت المرأة على ذلك فلا شيء على الكفيل ، وإن نكلت عن اليمين ونكل الكفيل لزمها وللزوج الخيار بين أن يأخذها بذلك ، أو يأخذ الكفيل ; لأنه كفيل بما لزمها رده من النفقة وقد ثبت ذلك بنكولها ولهذا لزم كفيلها ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب .
باب نفقة العبد

( قال : ) رضي الله عنه وإذا كان للعبد ، أو المدبر أو المكاتب امرأة حرة أو أمة قد بوئت معه بيتا فإنه يفرض عليه نفقتها بقدر ما يكفيها ; لأن سبب وجوب النفقة الزوجية وهي تتحقق في حق المملوك كما تتحقق في حق الحر وهو تسليمها إلى الزوج في منزله والحكم ينبني على السبب .

ألا ترى أن المهر بالنكاح يجب على العبد كما يجب على الحر ، ثم ما يجب على العبد من الديون إذا ظهر في حق المولى تعلق بمالية رقبته حتى يباع فيه إلا أن يقضيه المولى ، ودين النفقة ظهر في حق المولى ; لأن سببه وهو النكاح كان برضاه فإذا اجتمع عليه من النفقة ما يعجز عن أدائه يباع فيه ، ثم إذا اجتمع عليه النفقة مرة أخرى يباع فيه أيضا وليس في شيء من ديون العبد ما يباع فيه مرة بعد مرة إلا النفقة ; لأن النفقة يتجدد [ ص: 199 ] وجوبها بمضي الزمان وذلك في حكم دين حادث وأما المدبر لا يمكن بيعه في النفقة ولكن يؤمر فيه بالسعاية ، وكذلك المكاتب لا يمكن بيعه مع قيام عقد الكتابة وإنما يقضى بالنفقة في كسبه كما يقضى بسائر ديونه في كسبه

فإن كان للعبد ، أو المدبر ولد من امرأته لم يكن عليها نفقة الولد ; لأنها إن كانت أمة فالولد ملك لمولاها ونفقة المملوك على المالك دون الأب ، وإن كانت حرة فولدها يكون حرا ولا تجب نفقة الحر على المملوك بحال ; لأن كسب العبد والمدبر لمولاه ونفقة الولد الحر ليست على المولى ، وكذلك لا يكون في كسبها ، وكذلك المكاتب لا يجب في كسبه نفقة ولد حر ولا نفقة ولد هو مملوك للغير ، وإن كانت امرأته مكاتبة معه لمولى واحد كاتبهما كتابة واحدة فنفقة الولد على الأم دون الأب ; لأن الولد تابع للأم في كتابتها .

ألا ترى أن كسب الولد يكون لها ولو جنى عليه كان أرش الجناية لها ، وإن مات الولد وترك مالا فذلك كله لها ، فكذلك نفقة الولد تكون عليها وهذا بخلاف ما إذا وطئ المكاتب أمته فولدت فإن نفقة ذلك الولد على المكاتب ; لأنه داخل في كتابته حتى كان كسبه له وأرش الجناية عليه له أيضا ليس للأم من ذلك شيء ; لأنها أمة ولو كان للأم فالأم أمة له أيضا ; فلهذا كانت نفقته عليه ولأنه جزء منه فإذا تبعه في العقد كانت نفقته بمنزلة نفقة نفسه

( قال : ) ولو تزوج العبد ، أو المدبر أو المكاتب بغير إذن المولى فلا نفقة عليهم ولا مهر ; لأن وجوب النفقة والمهر يكون بعد صحة العقد ، ونكاحهم بغير إذن المولى غير صحيح ، وإن عتق واحد منهم جاز نكاحه حين يعتق لسقوط حق المولى ويجب عليه المهر والنفقة في المستقبل والمستسعى في بعض القيمة عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى كالمكاتب
( قال : ) وإن كانت المدبرة أو الأمة ، أو أم الولد تحت حر ، أو عبد فلا نفقة عليهما ما لم يبوئها معه بيتا لانعدام التسليم قبل التبوئة ، ويستوي إن كان دخل بها ، أو لم يدخل بها ; لأن بالدخول إنما يوجد تسليم المعقود عليه ولا معتبر به في النفقة فإن تسليم المعقود عليه مقرر للبدل والنفقة ليست ببدل .

ألا ترى أن الرتقاء تستحق النفقة وقد انعدم منها تسليم المعقود عليه فعرفنا أن المعتبر في النفقة تفريغها نفسها لحق الزوج وذلك يكون بالتبوئة ، فإن بوأها معه بيتا فعليه النفقة ، وإن انتزعها منه واحتاج إلى خدمتها فلا نفقة على الزوج ما دامت عند مولاها ، وإن أعادها إليه وبوأها معه بيتا فعليه النفقة كالحرة إذا هربت من زوجها ، ثم عادت إلى بيته ، توضيحه : أن الأمة محبوسة عند مولاها لحق المولى في خدمتها فكانت كالمحبوسة في الدين ولا نفقة للمحبوسة بالدين إذا [ ص: 200 ] كان الزوج ممنوعا منها ، فإذا قضت الدين وعادت إلى بيت الزوج كان لها النفقة ، وإن كان لها منه ولد فلا نفقة عليه للولد ; لأن ولد الأمة مملوك لمولاها فنفقته تكون على مالكه ، وإن كانت المرأة مكاتبة وقد بوأها معه بيتا ، أو لم يبوئها منه فهو سواء ولها النفقة ولأن المكاتبة في يد نفسها كالحرة وليس لمولاها أن يستخدمها فكانت هي كالحرة في استحقاق النفقة على الزوج إذا لم تحبس نفسها عنه ظالمة ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 38.30 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 37.67 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.64%)]