
11-12-2025, 04:07 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,458
الدولة :
|
|
رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي
الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس
صـــ 179 الى صـــ 189
(107)
( قال : ) وإذا تزوج العبد امرأتين في عقدة وثلاثا في عقدة ثم مات فنكاح الثلاث باطل ; لأن العبد لا يتزوج أكثر من اثنتين فقد تيقنا ببطلان نكاح الثلاث تقدم نكاحهن أو تأخر ، ونكاح الاثنتين صحيح تقدم أو تأخر ، فإن كانت إحدى الثلاث أمة فنكاح الأمة فاسد لانضمام نكاحها إلى نكاح الحرة ، ولا مهر لها لبطلان عقدها وللحرتين اللتين معها مهر واحد ; لأنه إن سبق نكاحهما فلهما مهران ، وإن تأخر نكاحهما فلا شيء لهما وللأخريين مهر واحد أيضا لهذا المعنى ، وإن كان المولى قد أعتق العبد ثم مات العبد فالميراث بين الفريقين نصفان لاستواء حالهما في استحقاق الميراث ، ويستوي إن كان تزوج العبد بإذن مولاه أو بغير إذن مولاه ; لأن عقده بغير إذن المولى يتم بالعتق ، فإن المانع حق المولى وقد زال ذلك بالعتق .
( قال : ) ولو أن رجلا أمر رجلا أن يزوجه امرأة فزوجه امرأتين في عقدة فنكاحهما باطل وقد بينا هذه المسألة ، وقول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - الأول فيها أن نكاح إحداهما بغير عينها صحيح والبيان إلى الزوج ، ولو كان أمره أن يزوجه امرأة بعينها فزوجها إياه وأخرى في عقدة جاز نكاح التي أمره بها ; لأنه في العقد عليها ممتثل لأمر الزوج ، وفي العقد على الأخرى مبتدئ غير ممتثل لأمر سبق من الزوج فينفذ عقده على التي امتثل بها أمر الزوج في العقد عليها ، ويتوقف في الأخرى على إجازة الزوج ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب .
باب النفقة
( قال : ) رضي الله عنه اعلم بأن نفقة الغير تجب بأسباب منها الزوجية ، ومنها الملك ، ومنها النسب ، وهذا الباب لبيان نفقة الزوجات . والأصل فيه قوله تعالى { وعلى المولود له رزقهن [ ص: 181 ] وكسوتهن بالمعروف } وقال الله تعالى : { وبما أنفقوا من أموالهم } وقال الله تعالى : { أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم } معناه : أسكنوهن من حيث سكنتم وأنفقوا عليهن من وجدكم ، وقال : صلى الله عليه وسلم { أوصيكم بالنساء خيرا ; فإنهن عندكم عوان ، اتخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا ، وأن لا يأذن في بيوتكم لأحد تكرهونه ، فإذا فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ، وإن لهن عليكم نفقتهن ، وكسوتهن بالمعروف } وقال صلى الله عليه وسلم لهند : { خذي من مال أبي سفيان رضي الله عنه ما يكفيك وولدك بالمعروف } ، ولأنها محبوسة لحق الزوج ومفرغة نفسها له فتستوجب الكفاية عليه في مال ، كالعامل على الصدقات لما فرغ نفسه لعمل المساكين استوجب كفايته في مالهم ، والقاضي لما فرغ نفسه لعمله للمسلمين استوجب الكفاية في مالهم . إذا عرفنا هذا فنقول طريق إيصال النفقة إليها شيئان التمكين أو التمليك ، حتى إذا كان الرجل صاحب مائدة وطعام كثير ، تتمكن هي من تناول مقدار كفايتها ، فليس لها أن تطالب الزوج بفرض النفقة ، فإن لم يكن بهذه الصفة فخاصمته في النفقة ، فرض لها عليه من النفقة كل شهر ما يكفيها بالمعروف ; لأن النفقة مشروعة للكفاية . فإنما يفرض بمقدار ما يعلم أنه تقع به الكفاية . ويعتبر المعروف في ذلك ، وهو فوق التقتير ودون الإسراف ; لأنه مأمور بالنظر من الجانبين وذلك في المعروف ، وكذلك يفرض لها من الكسوة ما يصلح لها للشتاء والصيف فإن بقاء النفس بهما وكما لا تبقى النفس بدون المأكول عادة لا تبقى بدون الملبوس عادة والحاجة إلى ذلك تختلف باختلاف الأوقات والأمكنة فيعتبر المعروف في ذلك .
فإن كان لها خدم فرض القاضي لخادم واحد ; لأن الزوج محتاج إلى القيام بحوائجها وأقرب ذلك إصلاح الطعام لها وخادمها ينوب عنه في ذلك ، فيلزمه نفقة خادمها بالمعروف ولا تبلغ نفقة خادمها نفقتها ، حتى قالوا يفرض لخادمها أدنى ما يفرض لها على الزوج المعسر ، ولا يفرض إلا لخادم واحد في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وعلى قول أبي يوسف رحمه الله تعالى يفرض لخادمين ; لأنها قد تحتاج إليهما ليقوم أحدهما بأمور داخل البيت ، والآخر يأتيها من خارج البيت بما تحتاج إليه . وهما قالا : حاجتها ترتفع بالخادم الواحد عادة وما زاد على الواحد فللتجمل والزينة . ووجوب النفقة على الزوج للكفاية ، فكما لا يزيدها على قدر الكفاية في نفقتها ، فكذلك في نفقة خادمها ، ولو فرض لخادمين لفرض لأكثر من ذلك ، فيؤدي إلى ما لا [ ص: 182 ] يتناهى ، ثم في ظاهر الرواية المعتبر في ذلك حال الزوج في اليسار والإعسار في ذلك قال الله تعالى : { على الموسع قدره وعلى المقتر قدره } وقال الله تعالى { : لينفق ذو سعة من سعته } الآية تبين أن التكليف بحسب الوسع ، وأن النفقة على الرجال بحسب حالهم . وذكر الخصاف رحمه الله تعالى في كتابه أن المعتبر حالهما جميعا ، حتى إذا كانا موسرين فلها نفقة الموسرين ، وإن كانت هي معسرة تحت زوج موسر تستوجب عليه دون ما تستوجب إذا كانت موسرة ; لأن الظاهر أن دون ذلك يكفيها ، وإن كانت موسرة والزوج معسرا تستوجب عليه فوق ما تستوجب إذا كانت معسرة ; لتحصل كفايتها بذلك .
وفي ظاهر الرواية يقول : لما زوجت نفسها من معسر فقد رضيت بنفقة المعسرين ، فلا تستوجب على الزوج إلا بحسب حاله ، ثم ليس في النفقة تقدير عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى : يقدر كل يوم بمدين على الموسر وبمد ونصف على وسط الحال وبمد على المعسر وهذا ليس بقوي فإن المقصود الكفاية وذلك مما تختلف فيه طباع الناس وأحوالهم من الشباب والهرم ، ويختلف باختلاف الأوقات أيضا ففي التقدير بمقدار إضرار بأحدهما ، والذي قال في الكتاب : إن كان معسرا فرض لها من النفقة كل شهر أربعة دراهم ، أو خمسة ، ولخادمها عليه ثلاثة دراهم أو أقل من ذلك ، أو أكثر فليس هذا بتقدير لازم ; لأن هذا يختلف باختلاف الأسعار في الغلاء والرخص واختلاف المواضع واختلاف الأوقات ، فلا معتبر بالتقدير بالدراهم في ذلك وإنما ذكر هذا بناء على ما شاهد في ذلك الوقت . والذي يحق على القاضي اعتبار الكفاية بالمعروف فيما يفرض لها في كل وقت ومكان ، وكما يفرض لها من قدر الكفاية من الطعام ، فكذلك من الإدام ; لأن الخبز لا يتناول إلا مأدوما عادة . وجاء في تأويل قوله تعالى { من أوسط ما تطعمون أهليكم } أن أعلى ما يطعم الرجل أهله الخبز واللحم ، وأوسط ما يطعم الرجل أهله الخبز والزيت ، وأدنى ما يطعم الرجل أهله الخبز واللبن . وأما الدهن ; فلأنه لا يستغنى عنه خصوصا في ديار الحر فهو من أصل الحوائج كالخبز . ( قال : ) فإن لم يكن لها خادم لم تفرض نفقة الخادم عليه وعن زفر رحمه الله تعالى أنه يفرض لخادم واحد ; لأن على الزوج أن يقوم بمصالح طعامها وحوائجها فإذا لم يفعل ذلك أعطاها نفقة خادم ، ثم تقوم هي بذلك بنفسها ، أو تتخذ خادما فأما في ظاهر الرواية استحقاقها نفقة الخادم باعتبار ملك الخادم فإذا لم يكن لها خادم لا تستوجب نفقة الخادم كالغازي إذا كان راجلا لا يستحق سهم الفارس ، وإن أظهر غناء الفارس في القتال ( قال : ) والكسوة على المعسر في [ ص: 183 ] الشتاء درع وملحفة زطية وخمار سابوري وكساء كأرخص ما يكون كفايتها مما يدفئها ، ولخادمها قميص كرابيس وإزار وكساء كأرخص ما يكون ، وللخادم في الصيف قميص مثل ذلك ، وإزار ، وللمرأة درع وملحفة وخمار ، وإن كان موسرا فالنفقة عليه للمرأة ثمانية دراهم ، أو تسعة ولخادمها ثلاثة دراهم أو أربعة ، والكسوة للمرأة في الشتاء درع يهودي أو هروي وملحفة دينورية وخمار إبريسم وكساء أذربيجاني ولخادمها قميص زطي وإزار كرابيس وكساء رخيص ، وفي الصيف للمرأة درع سابوري وملحفة كتان وخمار إبريسم ، ولخادمها قميص مثل ذلك ، وإزار ، والحاصل أن ما ذكر من التقدير بالدراهم لا معتبر به ; لما قلنا . وما ذكر من الثياب فهو بناء على عادتهم أيضا وذلك يختلف باختلاف الأمكنة في شدة الحر والبرد ، وباختلاف العادات فيما يلبسه الناس في كل وقت ، فيعتبر المعروف من ذلك فيما يفرض . ولم يذكر في كسوة المرأة الإزار والخف في شيء من المواضع ، وذكر الإزار في كسوة الخادم ولم يذكر الخف ، فإن كانت تخرج للحوائج فلها الخف ، أو المكعب ، بحسب ما يكفيها ، فأما المرأة فمأمورة بالقرار في البيت ممنوعة من الخروج فلا تستوجب الخف والمكعب على الزوج ، وكذلك لا تستوجب الإزار ; لأنها مأمورة بأن تكون مهيئة نفسها لبساط الزوج ، فليس على الزوج أن يتخذ لها ما يحول بينه وبين حقه فلهذا لم يذكر الإزار في كسوتها ، ثم النفقة للكفاية في كل يوم فأما الكسوة فإنما تفرض في السنة مرتين في كل ستة أشهر مرة ، فإن فعل ذلك لم يجدد لها الكسوة حتى يبلغ ذلك الوقت ، إلا أن تكون لبست لبسا معتادا فتخرق قبل مجيء ذلك الوقت ، فحينئذ تبين أن ذلك لم يكن يكفيها فتجدد لها الكسوة ، ولكن إن أخذت الكسوة ورمت بها حتى جاء الوقت وقد بقيت تلك الكسوة عندها يفرض لها كسوة أخرى ; لأنها لو لبست لتخرق ذلك فبأن لم تلبس لا يسقط حقها ، ويجعل تجدد الوقت كتجدد الحاجة . وهذا بخلاف كسوة الأقارب فالمعتبر هناك حقيقة الحاجة .
وإذا بقيت تلك الكسوة فلا حاجة . وهنا لا معتبر بحقيقة الحاجة ، فإنها ، وإن كانت صاحبة ثياب تستوجب كسوتها على الزوج ، فلهذا فرقنا بينهما ( قال : ) وإن كان الرجل من أهل الغنى المشهورين بذلك فلامرأته خمسة عشر درهما كل شهر ولخادمها خمسة ولها من الكسوة في الشتاء درع يهودي وملحفة هروي وجبة فرو ، أو درع خز وخمار إبريسم ، ولخادمها قميص يهودي وإزار وجبة وكساء وخفين ، ثم قال محمد رحمه الله تعالى : لا ينبغي أن توقت النفقة على الدراهم ; لأن السعر يغلو ويرخص لكن تجعل النفقة على الكفاية [ ص: 184 ] في كل زمان ، فينظر إلى قيمة ذلك فيفرض لها عليه دراهم شهرا شهرا . وقد بينا هذا الفصل والذي قال : تفرض شهرا شهرا إنما بناه على عادتهم أيضا . وبعض المتأخرين من مشايخنا يعتبر في ذلك حال الرجل أيضا ، فإن كان محترفا تفترض عليه النفقة يوما يوما لأنه يتعذر عليه أداء النفقة شهرا دفعة واحدة ، وإن كان من التجار يفرض الأداء شهرا شهرا ، وإن كان من الدهاقين تفرض عليه النفقة سنة سنة ; لأن تيسر الأداء عليه عند إدراك الغلات في كل سنة ، وتيسر الأداء على التاجر عند اتخاذ أجر غلات الحوانيت وغيرها في كل شهر ، وتيسر الأداء على المحترف بالاكتساب في كل يوم . ولا يؤخذ من الزوج كفيل بشيء من النفقة أما نفقة المستقبل فلم تجب بعد والإنسان لا يجبر على إعطاء الكفيل ما لم يجب عليه وأما الماضي فلأنه بمنزلة سائر الديون يؤمر بقضائها ولا يجبر على إعطاء الكفيل .
ولو خاصمته امرأته في نفقة ما مضى من الزمان قبل أن يفرض القاضي عليه لها النفقة لم يكن لها شيء من ذلك عندنا . وعلى قول الشافعي رحمه الله تعالى يقضى لها بما لم تستوف من النفقة الماضية . وأصل المسألة أن النفقة لا تصير دينا إلا بقضاء القاضي ، أو التراضي عندنا . وعند الشافعي تصير دينا ; لأن وجوبها بالعقد فلا تحتاج إلى القضاء ، أو إلى الرضاء في صيرورتها دينا بعد العقد كالمهر ولأن وجوب النفقة باعتبار قيام الزوج عليها بعد العقد وقد تقرر ذلك فيصير دينا بدون القضاء كالأجرة يصير دينا باستيفاء المنفعة بعد العقد وحجتنا في ذلك أن النفقة صلة والصلات لا تتأكد بنفس العقد ما لم ينضم إليها ما يؤكدها ، كالهبة والصدقة من حيث إنها لا تتم إلا بالقبض . وبيان الوصف أن النفقة ليست بعوض عن البضع فإن المهر عوض عن البضع ، ولا تستوجب عوضين عن شيء واحد بعقد واحد ; ولأن ما يكون عوضا عن البضع يجب جملة ; لأن ملك البضع يحصل للزوج جملة . ولا يجوز أن يكون عوضا عن الاستمتاع والقيام عليها ; لأن ذلك تصرف منه في ملكه فلا يوجب عليه عوضا فعرفنا أن طريقه طريق الصلة ، وتأكدها إما بالقضاء ، أو التراضي ولأن هذه نفقة مشروعة للكفاية فلا تصير دينا بدون القضاء ، كنفقة الوالدين والمولودين لا تصير دينا بمجرد مضي الزمان فكذا هنا ، وكذلك لو استدانت عليه قبل قضاء القاضي ، أو التراضي ; لأنه ليس لها عليه ولاية الاستدانة ، وإنما ولايتها على نفسها فما استدانت يكون في ذمتها وإنفاقها مما استدانت كإنفاقها من سائر أملاكها فلا ترجع بشيء من ذلك على الزوج إلا أن يكون القاضي فرض لها عليه نفقة كل شهر ، أو صالحته على نفقة كل شهر ، ثم [ ص: 185 ] غاب أو حبس للنفقة عليها فاستدانت عليه ، أو لم تستدن أخذته بنفقة ما مضى ; لأن حقها تأكد بقضاء القاضي ، أو بالصلح عن تراض ; فإن ولايته على نفسه في الالتزام فوق ولاية القاضي في الإلزام وذكر عن شريح قال : أيما امرأة استدانت على زوجها وهو غائب فإنما استدانت على نفسها . وإنما أراد به إذا لم يفرض القاضي لها النفقة ، أو فرض لها ولم يأمرها بالاستدانة على زوجها ، فأما إذا أمرها بالاستدانة عليه فذلك على الزوج ; لأن القاضي عليه ولاية فأمرها بالاستدانة عليه كأمر الزوج بنفسه . ( قال : ) وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى : لا أجيز الفرض عليه إذا كان غائبا ; لأن الفرض عليه إذا كان غائبا إلزام وليس للقاضي ولاية الإلزام على الغائب .
وإن كان لها منه ولد فطلبت أن يفرض للولد معها نفقة فرض عليه للصغار والنساء والرجال الزمنى ، فأما الذين لا زمانة بهم من الرجال فلا نفقة لهم عليه بل يؤمرون بالاكتساب والإنفاق على أنفسهم . فأما من كان زمنا منهم فهو عاجز عن الاكتساب . وبالنساء عجز ظاهر عن الاكتساب . وفي أمرها بالاكتساب فتنة ; فإن المرأة إذا أمرت بالاكتساب ، اكتسبت بفرجها ، فإذا لم يكن لها زوج فهي بمنزلة الصغيرة ونفقتها في صغرها على الوالد لحاجتها ، فكذلك بعد بلوغها ما لم تتزوج ; لأن ببلوغها تزداد الحاجة . والأصل في ذلك ما روينا من قوله : صلى الله عليه وسلم { خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف } ولأن مؤنة الرضاع على الوالد بالنص قال الله تعالى { : فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } إلى قوله { ، وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى } وذلك حاجة الولد ما دام رضيعا فيكون هذا دليلا على أن كفاية الولد على الوالد ما بقيت حاجته ، ثم يدفع نفقة الكبار من الولد إليهم ; لأن النفقة حقهم ولهم أهلية استيفاء حقوقهم ، ولا ولاية لأحد عليهم . ويدفع نفقة الصغار إلى المرأة ; لأن الصغير في حجرها وهي التي تصلح له طعامه ، فيدفع نفقته إليها ، ثم بين نفقة الصغير على المعسر بالدراهم وكسوته بالثياب ، وهذا نظير ما ذكرنا في نفقة الزوجة أن المعتبر ما تقع به الكفاية ، وهذا أظهر هنا فإن الحاجة تختلف باختلاف سن الصغير فلا عبرة بالتقدير اللازم فيه ، ولكنه إن كان موسرا أمر بأن يوسع عليه في النفقة والكسوة على حسب ما يرى الحاكم فيه ، ويعتبر فيه المعروف في ذلك كما يعتبر في نفقة الزوجة .
( قال ) وإذا صالحت المرأة زوجها على نفقة لا تكفيها فلها أن ترجع عن ذلك وتطالب بالكفاية ; لأن النفقة إنما تجب شيئا فشيئا . فرضاها بدون الكفاية إسقاط منها لحقها قبل [ ص: 186 ] الوجوب وذلك لا يجوز .
ألا ترى أنها لو أبرأته عن النفقة لم تسقط بذلك نفقتها ، وهذا بخلاف الأجرة فإن الإبراء عن بعض الأجرة بعد العقد قبل استيفاء المنفعة يجوز بلا خلاف ; لأن سبب الوجوب هنا وهو العقد موجود فيقام ذلك مقام حقيقة الوجوب في صحة الإسقاط ، وهناك السبب ليس هو العقد ولكن تفريغها نفسها لخدمة الزوج ، وذلك يتجدد حالا فحالا ، فإسقاطها قبل وجود السبب باطل . توضيحه أن النفقة مشروعة للكفاية وفي التراضي على ما لا تقع به الكفاية تفويت المقصود لا تحصيله فكان باطلا ، وكذلك إن كان القاضي قضى بذلك ; لأنه تبين أنه أخطأ في قضائه حين قضى بما لا يكفيها فعليه أن يتدارك الخطأ بالقضاء لها بما يكفيها .
قال : ) وإذا فرض على المعسر نفقة المعسرين ، ثم أيسر فخاصمته فعليه نفقة الموسرين ; لما بينا أن النفقة تجب شيئا فشيئا فيعتبر حاله في كل وقت فكما لا يستأنف القضاء بنفقة المعسر بعد اليسار ، فكذلك لا يستديم ذلك - القضاء ، وقد كان القضاء عليه بنفقة المعسر لعذر العسرة فإذا زال العذر بطل ذلك : كمن شرع في صوم الكفارة للعسرة ثم أيسر كان عليه التكفير بالمال .
( قال : ) وإذا تغيبت المرأة عن زوجها ، أو أبت أن تتحول معه إلى منزله ، أو إلى حيث يريد من البلدان وقد أوفاها مهرها فلا نفقة لها ; لأنها ناشزة ولا نفقة للناشزة فإن الله تعالى أمر في حق الناشزة بمنع حظها في الصحبة بقوله تعالى { واهجروهن في المضاجع } فذلك دليل على أنه تمنع كفايتها في النفقة بطريق الأولى ; لأن الحظ في الصحبة لهما وفي النفقة لها خاصة ، ولأنها إنما تستوجب النفقة بتسليمها نفسها إلى الزوج وتفريغها نفسها لمصالحه ، فإذا امتنعت من ذلك صارت ظالمة وقد فوتت ما كان يوجب النفقة لها باعتباره فلا نفقة لها وقيل لشريح رحمه الله تعالى : هل للناشزة نفقة فقال : نعم . فقيل كم قال : جراب من تراب . معناه : لا نفقة لها ، وإن كان لم يوفها مهرها فأبت عليه ذلك حتى يوفيها فلها النفقة ; لأنها حبست نفسها بحق فلا تكون مفوتة ما به تستوجب النفقة حكما بل الزوج هو المفوت بمنعها حقها ، ولأن النفقة حقها والمهر حقها فمطالبتها بأحد الحقين لا يسقط حقها الآخر ، وكذلك لو لم يدخل بها في ظاهر الرواية إلا في رواية عن أبي يوسف رحمه الله تعالى إنها قبل الدخول إذا حبست نفسها لاستيفاء مهرها فلا نفقة لها وكأنه على هذه الرواية اعتبر لوجوب النفقة انتقالها إلى بيت الزوج فإذا لم يوجد لا تستوجب النفقة ابتداء ، فأما بعد ما انتقلت إلى بيته ووجبت لها النفقة فلا يسقط ذلك إلا بمنعها نفسها بغير [ ص: 187 ] حق . وفي ظاهر الرواية بعد صحة العقد النفقة واجبة لها ، وإن لم تنتقل إلى بيت زوجها ، ألا ترى أن الزوج لو لم يطلب انتقالها إلى بيته كان لها أن تطالبه بالنفقة ، فكذلك إذا حبست نفسها لاستيفاء المهر ، وإن رجعت الناشزة إلى بيت الزوج فنفقتها عليه ; لأن المسقط لنفقتها نشوزها وقد زال ذلك . والأصل فيه قوله تعالى { ، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا }
( قال : ) ولا نفقة للصغيرة التي لا يجامع مثلها عندنا . وعلى قول الشافعي رحمه الله تعالى لها النفقة ; لأنها مال يجب بالعقد فالصغيرة والكبيرة فيه سواء كالمهر وهذا ; لأن الوجوب لحاجتها والصغيرة محتاجة إلى ذلك كالكبيرة ، ألا ترى أن بسبب ملك اليمين تجب النفقة للصغير كما تجب للكبير ، فكذلك بسبب النكاح ، وحجتنا في ذلك أنها غير مسلمة نفسها إلى زوجها في منزله فلا تستوجب النفقة عليه كالناشزة وهذا ; لأن الصغيرة جدا لا تنتقل إلى بيت الزوج بل تنقل إليه ولا تنقل إليه للقرار في بيته أيضا فتكون كالمكرهة إذا حملت إلى بيت الزوج ، ولأن نفقتها عليه باعتبار تفريغها نفسها لمصالحه فإذا كانت لا تصلح لذلك لمعنى فيها كان ذلك بمنزلة منع جاء من قبلها فلا نفقة لها على الزوج ، بخلاف المملوكة ، فإن نفقتها لأجل الملك فقط ، وذلك لا يختلف بالصغر والكبر ، وإن كانت قد بلغت مبلغا يجامع مثلها فلها النفقة على زوجها صغيرا كان زوجها ، أو كبيرا ; لأنها مسلمة نفسها في منزله مفرغة نفسها لحاجته ، وإنما الزوج هو الممتنع من الاستيفاء لمعنى فيه ، فلا يسقط به حقها في النفقة ، وإن كان الزوج صغيرا لا مال له لم يؤخذ الأب بنفقة زوجته إلا أن يكون ضمنها ; لأن استحقاق النفقة على الزوج كاستحقاق المهر ، فكما لا يؤخذ أبوه بشيء من المهر إذا لم يضمن ذلك ، فكذلك لا يؤخذ بالنفقة . ( قال : ) وكل امرأة قضي لها بالنفقة على زوجها وهو صغير ، أو كبير معسر لا يقدر على شيء فإنها تؤمر بأن تستدين ، ثم ترجع عليه ولا يحبسه القاضي إذا علم عجزه وعسرته ; لأن الحبس إنما يكون في حق من ظهر ظلمه ليكون زاجرا له عن الظلم وقد ظهر هنا عذره لا ظلمه فلا يحبسه ولكن ينظر لها بأن يأمرها بالاستدانة فإذا استدانت بأمر القاضي كان كاستدانتها بأمر الزوج فترجع عليه بذلك إذا أيسر ، وإن كان القاضي لا يعلم من الزوج عسره فسألت المرأة حبسه بالنفقة لم يحبسه القاضي في أول مرة ; لأن الحبس عقوبة لا يستوجبها إلا الظالم ولم يظهر حيفه وظلمه في أول مرة فلا يحبسه ولكن يأمره بأن ينفق عليها ويخبره أنه يحبسه إن لم يفعل ، فإن عادت إليه مرتين ، أو ثلاثا حبسه [ ص: 188 ] لظهور ظلمه بالامتناع من إيفاء ما هو مستحق عليه ، فإن علم أنه محتاج خلى سبيله ; لأنه مستحق للنظرة إلى ميسرة بالنص وليس بظالم في الامتناع من الإيفاء مع العجز .
( قال : ) وينبغي للقاضي إذا حبس الرجل شهرين أو ثلاثة في نفقة ، أو دين أن يسأل عنه وفي بعض المواضع ذكر أربعة أشهر . وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى قدر ذلك بستة أشهر . وذكر الطحطاوي عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أن أدنى المدة فيه شهر . والحاصل أن ليس فيه تقدير لازم ; لأن الحبس للإضجار وذلك مما تختلف فيه أحوال الناس عادة ، فالرأي فيه إلى القاضي حتى إذا وقع في أكبر رأيه أنه يضجر بهذه المدة ويظهر مالا إن كان له أن يسأل عن حاله بعد ذلك . وذكر هشام في نوادره عن محمد رحمه الله تعالى أن له أن يسأل عن حاله بعد ما حبسه ، ولم يعتبر في ذلك مدة ، فإذا سأل عنه فأخبر أنه معسر خلى سبيله ; لأن ما صار معلوما بخبر العدول فهو بمنزلة الثابت بإقرار الخصم ولا يحول بين الطالب وبين ملازمته عندنا ، وكان إسماعيل بن حماد رحمه الله تعالى يقول ليس للطالب أن يلازمه وبه أخذ الشافعي رحمه الله تعالى لأنه منظر بإنظار الله تعالى فهو بمنزلة ما لو أجله الخصم ، أو أبرأه منه فكما لا يلازمه هناك ، فكذلك لا يلازمه هنا . ولكنا نستدل بما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من أعرابي بعيرا بثمن مؤجل فلما حل الأجل طالبه الأعرابي فقال ليس عندنا شيء فقال الأعرابي : واغدراه ، فهم به الصحابة رضوان الله عليهم فقال : صلى الله عليه وسلم دعوه فإن لصاحب الحق اليد واللسان } والمراد باللسان : التقاضي ، وباليد : الملازمة ، ولأن قضاء الدين مستحق على المديون من كسبه وماله فكما أنه إذا كان له مال كان للطالب أن يطالبه بقضاء الدين منه ، فكذلك إذا كان له كسب كان له أن يطالبه بقضاء الدين من كسبه وذلك إنما يتحقق بالملازمة حتى إذا فضل من كسبه شيء عن نفقته أخذه بدينه . ولسنا نعني بهذه الملازمة أن يقعده في موضع فإن ذلك حبس ، ولكن لا يمنعه من التصرف بل يدور معه حيثما دار ، وإن كان غنيا لم يخرجه من السجن أبدا حتى يؤدي النفقة والدين ، لقوله : صلى الله عليه وسلم { لي الواجد يحل عرضه وعقوبته } ولأنه حال بين صاحب الحق وبين حقه مع قدرته على إيفائه فيجازى بمثله ، وذلك بالحيلولة بينه وبين نفسه وتصرفه حتى يوفي ما عليه ، وإن كان له مال حاضر أخذ القاضي الدراهم والدنانير من ماله وأدى منها النفقة والدين ; لأن صاحب الحق إذا ظفر بجنس حقه كان له أن يأخذه فللقاضي أن يعينه على [ ص: 189 ] ذلك أيضا ، وكذلك إذا ظفر بطعامه في النفقة ; لأنه عين ما عليه من الحق . والمرأة تتمكن من أخذه إذا قدرت عليه ، فيعينها القاضي على ذلك .
ولا يبيع القاضي عروضه في النفقة والدين في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وفي قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يبيع ذلك كله ، وهو بناء على مسألة الحجر ، فإن عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى القاضي لا يحجر على المديون بسبب الدين . وبيع المال عليه نوع حجر فلا يفعله القاضي . وعندهما القاضي يحجر عليه بسبب الدين فيبيع عليه ماله واستدلا في ذلك بما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم حجر على معاذ رضي الله عنه وباع عليه ماله وقسم ثمنه على غرمائه بالحصص . } وقال عمر رضي الله عنه في خطبته : أيها الناس إياكم والدين فإن أوله هم وآخره حرب ، وإن أسيفع جهينة قد رضي من دينه وأمانته أن يقال له : سبق الحاج ، فادان معرضا فأصبح وقد رين به ألا إني بائع عليه ماله ، وقاسم ثمنه بين غرمائه بالحصص ، فمن كان له عليه دين فليعد . والمعنى فيه أن قضاء الدين مستحق عليه بدليل أنه يحبس لأجله فإذا امتنع من ذلك وهو مما تجرى النيابة فيه ناب القاضي منابه كالتفريق بين العنين وامرأته . وبالاتفاق يبادل أحد النقدين بالآخر بهذا الطريق ، فكذلك يبيع العروض ولأبي حنيفة ما روي { أن رجلا من جهينة أعتق شقصا من عبد بينه وبين آخر فحبسه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى باع غنيمة له وأدى ضمان نصيب شريكه . } ومعلوم أن النبي كان علم بيساره حين ألزمه ضمان العتق ، ثم اشتغل بحبسه ولم يبع عليه ماله فلو كان ذلك جائزا لاشتغل به ; لأن فيه نظرا من الجانبين والمعنى فيه أن المستحق عليه قضاء الدين ولقضاء الدين طرق سوى بيع المال فليس للقاضي عليه ولاية تعيين هذا الطريق لقضاء الدين .
ألا ترى أنه لا تزوج المديونة لتقضي الدين من صداقها ولا يؤاجر المديون ليقضي الدين من أجرته ; لأنه تعين قضاء الدين عليه ، فكذلك لا يبيع ماله ; لأنه تعين طريق قضاء الدين عليه . ومبادلة أحد النقدين بالآخر لا يفعله في القياس أيضا ولكن في الاستحسان الدراهم والدنانير جعلا كجنس واحد ، فإن المقصود منهما واحد فكان ذلك بمنزلة قضاء الدين من جنس الحق وذلك متعين عليه لصاحب الحق ; لأن له أن يأخذ جنس حقه فكذلك للقاضي أن يعينه عليه وأما { حديث معاذ رضي الله تعالى عنه فإنما باع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله برضاه وسؤاله ; لأنه لم يكن في ماله وفاء بديونه فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يباشر بيع ماله لينال بركة رسول الله [ ص: 190 ] صلى الله عليه وسلم ماله فيصير فيه وفاء بدينه } والمشهور من حديث عمر رضي الله تعالى عنه إني قاسم ماله بين غرمائه ، فإنما يحمل ذلك على أن ماله كان من النقود ، والدليل عليه أن عندهما ليس للقاضي أن يبيع المال إلا بطلب من الخصم ، ولم يكن منهم طلب فعرفنا أنه كان ذلك من جنس الحق ، أو كان فيه نوع مصلحة رآها لأسيفع جهينة .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|