عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 10-12-2025, 10:42 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,529
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي

الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الخامس

صـــ 169 الى صـــ 179
(106)





(قال وإذا تزوج الرجل امرأة وابنتيها في عقد متفرقة ثم مات، ولا يعلم أيتهن أول فلهن مهر واحد؛ لأن الصحيح نكاح الواحدة وهي السابقة منهن أيتهن كانت، ثم عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - نصف هذا المهر للأم ونصفه للبنتين بينهما نصفان، وكذلك الميراث نصفه للأم ونصفه للبنتين بينهما نصفان، وعلى قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - المهر والميراث بينهن أثلاثا فطريقهما واضح، فإن حجة كل واحدة مثل حجة صاحبتيها على معنى أنه إن تقدم نكاحها استحقت ذلك، وإن تأخر فلا شيء لها.
والمساواة في سبب الاستحقاق يوجب المساواة في الاستحقاق، ألا ترى أنهن لو كن امرأة وأمها وابنتها، أو امرأة وأمها وأخت أمها، كان الميراث والمهر بينهن أثلاثا، فأما أبو حنيفة - رحمه الله - له في المسألة طريقان أشار في الكتاب إلى أحدهما فقال من قبل: إنه لا يثبت نكاح إحدى البنتين بيقين، ومعنى هذا أنا تيقنا ببطلان نكاح إحدى البنتين وأن الأم لا يزاحمها إلا إحدى البنتين، فلهذا كان لها نصف المهر ونصف الميراث وقد استوى في النصف الآخر حال البنتين؛ لأنه ليست إحداهما بتعيين جهة البطلان في نكاحها بأولى من الأخرى، فلهذا كان بينهما نصفين، وطريق آخر أن سبب بطلان النكاح في حق الأم واحد وهو المصاهرة؛ لأنه سواء تزوج الكبرى من البنتين أولا أو الصغرى فقد حرمت الأم بالمصاهرة، فأما السبب في حق كل واحد من البنتين مختلف؛ لأن فساد نكاحها مرة في الجمع بين الأختين ومرة بالجمع بين الأم والبنت، وأحدهما غير الآخر فوجب اعتبار الثنتين في حق كل واحدة منهما، والتوزع على أسباب الحرمة، فإذا كان سبب الحرمة في حق الأم واحدا، وفي حق البنتين متعددا لم يكن بينها وبين كل واحدة منهما مساواة في الحرمان بل حالها أحسن فكان لها ضعف ما لكل واحدة منهما، فأما ما استشهدا به فقد قيل: الكل

على الاختلاف، وقد يستشهد محمد - رحمه الله تعالى - بالمختلف على المختلف.
والصحيح الفرق من قبل أنه لا يقين في بطلان نكاح واحدة بل حال الأم والجدة والنافلة في ذلك سواء، وكذلك السبب المتعدد في حرمة كل واحدة منهن باعتبار اختلاف الاسم، كالأم والجدة والأم والخالة، أو الأم والبنت، فلما استوى حالهن كان الواجب بينهن أثلاثا بالسوية، وإن متن جميعا والزوج حي فالقول في الأولى منهن، قوله كما في حال حياتهن القول في بيان الأولى قوله لأن الملك حقه، فكذلك بعد موتهن القول في بيان الأولى قوله، وإن مات الزوج بعدهن قبل أن يبين فله ثلث ميراث زوج من كل واحدة منهن، وعليه ثلث ما سمى لكل واحدة منهن من المهر باعتبار الأحوال؛ لأن نكاح كل واحدة صحيح في حال دون حالين فلها ثلث ما سمى لها، وباعتبار صحة نكاحها له ميراث زوج منها والصحة في حال دون حالين فله ثلث ميراث زوج من كل واحدة منهن.
(قال فإن كان تزوج البنتين في عقدة واحدة فنكاحهما باطل؛ لأنا نتيقن ببطلان نكاحهما بسبب الجمع بين الأختين سواء تقدم أو تأخر، وعند التيقن ببطلان نكاحهما نتيقن بصحة نكاح الأم، فهي امرأته تقدم نكاحها أو تأخر.
(قال وإن كان قد دخل بهن جميعا ثم مات، ولا يدرى أيتهن دخل بها أولا فنقول: إما لكل واحدة من البنتين الأقل مما سمى لها ومن مهر المثل؛ لأنه دخل بهما بحكم نكاح فاسد، ولا ميراث لهما لفساد نكاحهما، وكذلك لا ميراث للأم؛ لأن نكاحها قد بطل في حال حياته بالدخول بالبنتين سابقا أو متأخرا، فإن الدخول بالبنت يحرم الأم على التأبيد، وأما المهر ففي القياس للأم مهر وربع مهر، وفي الاستحسان لها مهر واحد، وجه القياس أن نكاح الأم صحيح بيقين، فإن كان دخل بإحدى البنتين قبل الأم فقد حرمت الأم بذلك ووجب لها نصف المهر؛ لأن الفرقة جاءت من قبل الزوج قبل الدخول، ثم دخل بالأم بعد ذلك فيجب لها بالدخول مهر فكان لها من هذا الوجه مهر ونصف، وإن كان دخل بالأم أولا فلها مهر واحد وهو المسمى ثم حرمت عليه بالدخول بالبنت بعد ذلك، فإن كان لها في وجه مهر ونصف، وفي وجه مهر فلها مهر بيقين والنصف يثبت في حال دون حال فيتنصف، ولكنه استحسن فقال لها: مهر واحد لأنه يجعل كأنه دخل بالأم أولا، فإن فعله محمول على الحل ما أمكن، وأول فعله يمكن أن يحمل على الوطء الحلال ثم لا إمكان بعد ذلك، فلهذا جعلنا كأنه وطئ الأم أولا حتى يعلم غير ذلك، والثاني أن المهر والنصف وجوبهما باعتبار

سببين: أحدهما العقد الصحيح، والآخر الواطئ بالشبهة، ولم يظهر السببان إنما الظاهر سبب واحد وهو العقد الصحيح، فأما الوطء تصرف في الملك بعده وباعتبار العقد الصحيح لا يجب إلا مهر واحد، فلهذا كان لها مهر واحد، وعلى كل واحدة منهن ثلاث حيض لدخوله بهن، ولو لم يكن دخل بالأم ودخل بالبنتين أو إحداهما فللأم نصف المسمى لوقوع الفرقة بسبب من جهة الزوج بعد صحة نكاحها، ولا عدة عليها وللمدخول بها من البنتين الأقل من المسمى ومن مهر المثل وعليها العدة بثلاث حيض.
(قال وإن كان تزوجهن في عقد متفرقة ولم يدخل بشيء منهن حتى قال: إحداكن طالق، فهذا الكلام لغو منه؛ لأن السابق منهن امرأته والأخريان أجنبيتان، ومن جمع بين امرأته وأجنبيتين وقال: إحداكن طالق لم يقع شيء.
(قال وإن قال: إحدى نسائه طالق وقع على امرأته منهن؛ لأنه أضاف الطلاق إلى امرأته، فإن في نكاحه امرأة واحدة، ومن كان في نكاحه امرأة واحدة إذا قال: إحدى نسائي طالق وقع الطلاق بذلك اللفظ على امرأته، بخلاف الأول فإن هناك أوقع الطلاق على إحدى المعينات بغير عينها، وفيهن من ليست بمنكوحة له، فلا تتعين امرأته لذلك الطلاق، وإذا وقع الطلاق على امرأته فلها نصف المهر ثم الخلاف في نصف المهر هنا كالخلاف في جميع المهر في المسألة الأولى، ولا ميراث لواحدة منهن لوقوع الفرقة بالطلاق قبل الدخول.
(قال وإن كان تزوج البنتين في عقدة ثم قال: إحدى نسائي طالق طلقت الأم بذلك؛ لأن الصحيح نكاح الأم وهو بهذا اللفظ موقع الطلاق على من صح النكاح بينه وبينها، فلهذا طلقت الأم ولها نصف المهر، ولا عدة عليها ولا ميراث لها، وإن قال: إحداكن طالق لم يقع الطلاق على الأم إلا أن ينوبها؛ لأنه جمع بين امرأته وأجنبيتين وأوقع الطلاق على إحداهن، فلا يتعين لذلك امرأته إلا أن ينويها بقلبه، ولو كان تزوجهن في عقدة واحدة فنكاحهن فاسد بعلة الجمع، فإن كان فيهن أمة جاز نكاح الأمة؛ لأن نكاح الحرتين منهن باطل بيقين، فإن الحرتين إن كانتا ابنتين بطل نكاحهما للجمع بين الأختين، وإن كانتا أما وبنتا بطل نكاحهما للجمع أيضا، ومتى كان نكاح الحرتين باطلا بيقين لا يبطل به نكاح الأمة؛ لأن بطلان نكاح الأمة بضمها إلى الحرة، وذلك عند صحة نكاح الحرة لا عند بطلان نكاحها.
(قال وإن كان فيهن أمتان جاز نكاح الحرة؛ لأن نكاح الأمتين باطل بيقين، فإنهما إما أختان أو أم وبنت، وإذا بطل نكاحهما كان ضمهما إلى الحرة لغوا فجاز نكاح الحرة

بمنزلة ما لو كانت اثنتان منهما ذواتي زوج أو في عدة من زوج، ولما بطل نكاحهما صح نكاح الفارغة منهن.
(قال وإن تزوج خمس حرائر وأربع إماء في عقدة واحدة جاز نكاح الإماء وبطل نكاح الحرائر؛ لأن نكاح الحرائر لو انفرد كان باطلا، ولو انفرد نكاح الإماء كان صحيحا، فعند الجمع يصح نكاح من يصح نكاحه عند الانفراد، وبمثله لو تزوج أربع إماء وأربع حرائر في عقدة جاز نكاح الحرائر؛ لأن نكاح الحرائر ولو انفرد هنا كان صحيحا فيندفع بنكاحهن نكاح الإماء، كما لو تزوج حرة وأمة في عقدة واحدة، والأصل الذي تدور عليه المسائل أنه متى جمع في العقد بين الحرائر والإماء نظر، فإن كان نكاح الحرة يجوز عند الانفراد يبطل نكاح الأمة؛ لأنه تحقق ضمها إلى الحرة في النكاح، وإن كان نكاح الحرة لا يجوز عند الانفراد يصح نكاح الأمة؛ لأنه لم يتحقق انضمامها إلى الحرة في النكاح، ألا ترى أن الحرة لو كانت ذات رحم محرم منه فجمع بينها وبين أمة في النكاح جاز نكاح الأمة؛ لأنه لم يتحقق ضمها إلى نكاح الحرة حين لا وجه لتصحيح نكاح الحرة.
(قال وإن تزوج حرة وأمة في عقدة واحدة وإحداهما بنت الأخرى جاز نكاح الحرة؛ لأن كل واحدة لو انفرد نكاحها هنا يصح فيتحقق ضم الأمة إلى الحرة، فلهذا جاز نكاح الحرة دون الأمة.
(قال وإذا كان للرجل أربع نسوة فتزوج خامسة ودخل بها فرق بينه وبينها لبطلان نكاحها وعليه لها الأقل من المسمى، ومن مهر المثل وعليها العدة ولم يقرب الأربع حتى تنقضي عدة الخامسة؛ لأنه لو قربهن كان جامعا ماءه في رحم خمس نسوة بالنكاح، ولأن عدة تلك الواحدة يمنع ابتداء نكاح الأربع إذا اقترن بنكاحهن فيمنع الوطء إذا طرأ على نكاحهن، كعدة الأخت لما منعت نكاح الأخت إذا اقترنت به منعت الوطء إذا طرأت عليه، حتى إذا وطئ أخت امرأته بشبهة فليس له أن يطأ امرأته حتى تنقضي عدة أختها.
(قال ولا بأس أن يتزوج الرجل أخت أم ولده؛ لأن فراش أم الولد ضعيف، ألا ترى أنه مجوز للنسب غير ملزم، حتى لو نفى المولى ولده انتفى بمجرد نفيه، والنكاح قوي ملزم بنفسه، والضعيف لا يكون دافعا للقوي، والدليل عليه أن المولى لو زوج أم ولده كان النكاح صحيحا، فكما أن فراشها لضعفه لا يمنع تزويجها، فكذلك لا يمنع المولى نكاح أختها اعتبارا للمنع في أحد الجانبين بالمنع في الجانب الآخر، وكذلك لو تزوج أخت مدبرته أو أخت أمة له قد كان يطؤها، وهذا أظهر فإنه لا فراش لهما غير أنه لا ينبغي أن يطأ التي تزوج حتى يملك فرج الأمة غيره؛ لأنه لو وطئها صار جامعا ماءه في رحم

أختين، ولأن الجمع بين الأختين في الاستفراش الحقيقي حرام وقد تحقق منه استفراش الأولى، فلا يحل له أن يستفرش الثانية ما لم ينقطع حكم ذلك الاستفراش، وانقطاعه بالتزويج أو البيع في محل البيع، فإن لم يكن وطئ أمته، ولا مدبرته، فلا بأس بأن يطأ امرأته، وليس له أن يطأ الأمة والمدبرة بعد النكاح؛ لأن المنكوحة بالعقد صارت فراشا فليس له أن يستفرش الأمة بعد ذلك وله أن يطأ المنكوحة؛ لأنه لا فراش له على المملوكة حقيقة وحكما.
(قال ولو زوج أم ولده ثم وطئ امرأته ثم مات زوج أم الولد أو فارقها فله أن يطأ امرأته مادام أم ولده تعتد من زوجها؛ لأن فرجها حرام عليه في حال عدتها كما هو حرام عليه في حال نكاحها، فإذا انقضت عدتها، فلا ينبغي له أن يطأ امرأته حتى يملك فرج أم الولد من غيره؛ لأن النكاح قد ارتفع بآثاره فعاد الحكم الذي كان قبله، وكذلك الأمة والمدبرة إذا كان وطئها قبل أن يتزوج الأخت فحكمهما وحكم أم الولد سواء.
(قال فإن أعتق أم ولده فعليها أن تعتد بثلاث حيض عندنا، وعلى قول الشافعي - رحمه الله تعالى - عليها حيضة واحدة، ومذهبنا مروي عن عمر وعلي وابن مسعود - رضي الله عنهم -، ومذهبه مروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما -، ويستوي إن أعتقها أو مات عنها إلا على قول عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما -، فإنه كان يقول: لا تلبسوا علينا سنة نبينا - صلى الله عليه وسلم - عدة أم الولد إذا مات عنها سيدها أربعة أشهر وعشرا، وهذا دليلنا فإنه ألزمها عدة الحرائر إلا أنا نوجب الحيض؛ لأن هذه العدة لا تجب إلا باعتبار الدخول وتوهم اشتغال الرحم فيقدر بالحيض في الحياة والوفاة كالعدة من نكاح فاسد ووطء شبهة، احتج الشافعي فقال: عدتها أثر ملك اليمين فتقدر بحيضة واحدة كالاستبراء، ودليل صحة اعتباره بالاستبراء أنه لا يختلف بالحياة والوفاة، وتأثيره أن المقصود تبين فراغ الرحم لا غير، وذلك يحصل بالقرء الواحد ولكنا نقول: هذه عدة وجبت على حرة، فلا يكتفي فيها بحيضة واحدة كعدة النكاح بل أولى، فإن عدة النكاح قد تجب على الأمة، وهذه العدة لا يجب إلا على الحرة، وتأثيره أن الحرة كاملة الحال فالوظيفة التي لا تجب إلا على الحرة تجب بصفة الكمال؛ لأن المعتبر حال وجوب العدة لا ما كان قبله وبه يتبين الفرق بينه وبين الاستبراء، فإن الاستبراء لا يجب عليها ولكن على المولى أن يستبرئها قال - صلى الله عليه وسلم: «ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن، ولا الحيالى حتى يستبرئن بحيضة».
وهذا خطاب للمولى دون الأمة، فإن قول القائل لا تضرب فلانا خطاب للضارب دون المضروب توضيحه

أن سبب وجوب الاستبراء حدوث ملك الحل بسبب ملك اليمين، ألا ترى أنه لو اشتراها من صبي أو امرأة يجب وهنا سبب وجوب المدة زوال الفراش، والعدة التي تجب بزوال الفراش لا يكتفى فيها بحيضة واحدة، فإن تزوج المولى أختها في عدتها لم يجز عند أبي حنيفة وزفر - رحمهما الله تعالى - وجاز في قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - غير أنه لا يقربها حتى تنقضي عدة أختها، ولو تزوج أربعا سواها في عدتها جاز عندنا وله أن يقربهن، وقال زفر - رحمه الله تعالى - ليس له ذلك زفر - رحمه الله تعالى - يقول: إنها معتدة، فلا يتزوج أختها، ولا أربعا سواها كالمعتدة من نكاح فاسد أو وطء بشبهة بل أولى؛ لأن أصل فراشه في النكاح الفاسد والوطء بالشبهة ما كان موجبا للحل له، وأصل الفراش هنا موجب الحل، ثم العدة التي هي أثر الفراش هناك تمنع نكاح الأخت والأربع فهنا أولى وأبو يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - قالا: عدة أم الولد أثر فراشها وأثر الشيء لا يربو على أثر أصله في المنع، فإذا كان أصل فراشها لا يمنع المولى من نكاح أختها وأربع سواها فكذلك أثر فراشها، وأصل الفراش بالنكاح الصحيح أو الفاسد بعد الدخول يمنع نكاح الأخت والأربع، فكذلك أثره، وهذا لأنه يبقى ببقاء العدة من المنع ما كان ثابتا لا أن يثبت ما لم يكن ثابتا، وهذا بخلاف تزويجها من الغير، فإن أصل فراشها مانع من التزويج من الغير إذا بقي حتى لو كانت حاملا ليس له أن يزوجها من غيره، فكذلك أثر فراشها يمنع، إلا إنها إذا كانت حاملا فله أن يقطع فراشها بالتزويج وليس له أن يقطع عدتها لحق الشرع، والفرق لأبي حنيفة - رحمه الله تعالى - بينهما من وجهين:
(أحدهما) أن بسبب بقاء العدة يبقى الفراش، حتى إذا جاءت بالولد يثبت النسب منه، ولا يثبت النسب منه إلا باعتبار الفراش، فلو تزوج أختها صار جامعا بين الأختين في الفراش وذلك حرام، وإذا تزوج أربعا سواها صار جامعا بين خمس نسوة في الفراش ولكن بسببين مختلفين، وذلك جائز، ألا ترى أن من عنده أربع نسوة له أن يستولد من الجواري ما شاء.
(والثاني) أن فراشها بالعتق يتقوى حتى يثبت النسب بعد العتق على وجه لا يملك نفيه، بخلاف ما قبل العتق، وكذلك بعد العتق لا يملك تزويجها، وإن كان قبل العتق يجوز تزويجها فكل منع كان ثابتا في أصل فراشها يتقوى ذلك بعتقها والمنع من استفراش الأخت كان ثابتا في أصل فراشها حتى لا يحل له أن يطأ أختها بملك اليمين، ولا يملك النكاح فيتقوى ذلك المنع بالعتق فيمنع عقد النكاح أصلا، ولم يكن هو في أصل فراشها

ممنوعا من استفراش الأربع بالنكاح، فلو صار ممنوعا بعد العتق كان هذا إثبات منع مبتدأ لا إظهار قوة فيما كان ثابتا، توضيحه أن المقصود بالنكاح الوطء، ولما لم يكن هو باعتبار عدتها ممنوعا من وطء الأربع بالنكاح بأن يعتقها وتحته أربع نسوة كان له أن يطأهن، فكذلك لا يكون ممنوعا من العقد عليها أيضا بمنزلة المعتدة بالنكاح.
(قال وإذا تزوج الرجل أربع نسوة في عقدة وثلاثا في عقدة ثم طلق إحدى نسائه ثم مات قبل أن يبين فلهن ثلاثة مهور، أما على قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - فلأن أكثر مالهن ثلاثة مهور ونصف مهر بأن صح نكاح الأربع وقد سقط بطلاق إحداهن نصف مهر، وأقل مالهن مهران ونصف مهر بأن صح نكاح الثلاث وقد سقط نصف مهر بطلاق إحداهن، فقدر مهرين ونصف يقينا، ومهر آخر يثبت في حال دون حال فيتنصف، فكان لهن ثلاثة مهور نصف مهر من ذلك للأربع خاصة؛ لأن الثلاث لا يدعين ذلك واستوت منازعة الفريقين في المهرين والنصف، فكان بينهما نصفان لكل فريق مهر وربع، والميراث بين الفريقين نصفان لاستواء حالهما في استحقاقه، وعند محمد - رحمه الله تعالى - كذلك؛ لأن الأربع إن صح نكاحهن فلهن ثلاثة مهور ونصف مهر؛ لأنه طلق إحداهن قبل الدخول، وإن لم يصح نكاحهن، فلا شيء لهن فلهن نصف ذلك وهو مهر وثلاثة أرباع، والثلاث إن صح نكاحهن فلهن مهران ونصف، وإن لم يصح فلا شيء لهن فلهن نصف ذلك وهو مهر وربع مهر
(قال ولو تزوج ثلاث نسوة في عقدة فدخل بواحدة منهن ولم يدخل بالثنتين ثم طلق إحدى نسائه واحدة والأخرى ثلاثا ثم مات قبل أن يبين فللمدخول بها مهر تام لتأكد مهرها بالدخول، وللتين لم يدخل بهما مهر وربع مهر في قول أبي يوسف - رحمه الله - تعالى - لأن أكثر ما يكون لهما مهر ونصف، بأن يكون أحد الطلاقين واقعا على المدخول بها والآخر على إحداهما، وأقل مالهما مهر واحد بأن يكون الطلاقان وقعا عليهما فمهر واحد لها بيقين ونصف مهر يثبت في حال دون حال فيتنصف فيكون لهما مهر وربع مهر بينهما نصفان، وعلى قول محمد - رحمه الله تعالى - للتين لم يدخل بهما مهر وثلث مهر هكذا ذكر في هذا الكتاب، وفي الزيادات يقول: لهما مهر وربع مهر كما هو قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - ولكن بطريق آخر وهو أن إحداهما مطلقة بيقين فيعزلها بنصف مهر، والأخرى إن وقع الطلاق عليها فلها نصف مهر، وإن لم يقع فلها كامل فنصف مهر لها بيقين والنصف الآخر يثبت

في حال دون حال فيتنصف فكان لها ثلاثة أرباع مهر، فإذا ضممت ذلك إلى نصف مهر يكون مهرا وربع مهر بينهما، ووجه رواية هذا الكتاب أنه لو لم يدخل بشيء منهن لكان الواجب عليه مهرين بينهن أثلاثا لكل واحدة منهن ثلثا مهر؛ لأنه قد سقط بالطلاقين مهر واحد، وبأن دخل بإحداهن حتى لم ينتقص من مهرها شيء لم يؤثر ذلك في حق الأخريين بل يجعل في حقهما كأنه لم يدخل بشيء منهن فيكون لهما مهر وثلث مهر بينهما نصفان لكل واحدة منهما ثلثا مهر، وأما الميراث فعلى قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - للمدخول بها خمسة أسهم من اثني عشر سهما من ميراث النساء وللأخريين سبعة أسهم؛ لأنه يلغي التطليقات الثلاث، فإن حالهن فيها على السواء على معنى أنه على أيتهن وقعت حرمتها بقيت التطليقة الواحدة، فإن وقعت على المدخول بها فلها ثلث ميراث النساء أربعة من اثني عشر سهما.
وإن وقعت على إحدى اللتين لم يدخل بهما فلها نصف الميراث ستة، فمقدار أربعة لها بيقين وما زاد على ذلك وهو سهمان يثبت في حال دون حال فيتنصف فيكون لها خمسة من اثني عشر والباقي للتين لم يدخل بهما، وإن وقع الطلاق على إحدى اللتين لم يدخل بهما فلهما نصف الميراث، وإن وقع على المدخول بها فلهما ثلثا الميراث، فمقدار ستة لهما بيقين وسهمان يثبت في حال دون حال فيتنصف فكان لهما سبعة، وذكر في بعض نسخ هذا الكتاب أن قول محمد - رحمه الله تعالى - في الميراث كقول أبي يوسف - رحمه الله تعالى -، وفي بعض النسخ قال: عنده للمدخول بها خمسة أثمان ميراث النساء، وللتين لم يدخل بهما ثلاثة أثمان ميراث النساء، ووجه ذلك أن إحدى اللتين لم يدخل بهما مطلقة محرومة عن الميراث يقينا فعزلها للحرمان، وإن كانت معزولة بوقوع الواحدة عليها بقي الثلاث على أيتهما وقعت حرمتها، فيكون الميراث في هذه الحالة نصفين نصفه للتي دخل بها ونصفه للتين لم يدخل بهما، وإن كانت المعزولة للحرمان معزولة بوقوع الثلاث عليها، فإن وقعت الواحدة على غير المدخول بها فالميراث كله للمدخول بها، وإن وقعت على المدخول بها فالميراث بينهما نصفان، فيثبت للمدخول بها في هذه الحالة ثلاثة أرباع الميراث ستة من ثمانية باعتبار أن لها النصف في حال والكل في حال، وقد كان لها في الحالة الأولى أربعة، فأربعة لها بيقين وما زاد على ذلك إلى تمام ستة يثبت في حال دون حال فيتنصف، فلهذا كان لها خمسة من ثمانية وما بقي للتين لم يدخل بهما أو لأن لهما في الحالة الثانية الربع، وفي الحالة الأولى النصف فيتنصف الربع باعتبار الأحوال

فلهذا كان لهما ثلاثة أثمان الميراث، وروى محمد عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - أن للمدخول بها ثلاثة أرباع الميراث.
ووجه ذلك أن إحدى اللتين لم يدخل بهما محرومة عن الميراث فيعزلها بإيقاع الثلاث عليها؛ لأنا نتيقن أن إيقاع الثلاث موجب حرمان الميراث، ولا يتيقن بذلك في الواحدة فجعلنا المعزولة للحرمان كأن الثلاث وقعت عليها، بقيت الواحدة فإن وقعت على المدخول بها فلها نصف الميراث، وإن وقعت على غير المدخول بها فللمدخول بها جميع الميراث، فكان لها باعتبار الأحوال ثلاثة أرباع الميراث والباقي وهو ربع الميراث للتين لم يدخل بهما، ولو كان دخل باثنتين منهن والمسألة بحالها فلكل واحدة من اللتين دخل بهما مهر كامل لتأكد مهرهما بالدخول بالنكاح الصحيح، وللتي لم يدخل بها ثلاثة أرباع المهر في قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى -، فإنها إن كانت مطلقة فلها نصف مهر، وإن لم يقع عليها شيء فلها مهر كامل، فنصف مهر لها بيقين والنصف الآخر يثبت في حال دون حال فيتنصف قال: وكذلك الجواب عند محمد - رحمه الله تعالى -، وينبغي على قول محمد - رحمه الله تعالى - أن يكون لها ثلثا مهر بالطريق الذي قلنا إنه لو لم يدخل بشيء منهن كان لكل واحدة منهن ثلثا مهر، فيجعل في حق التي لم يدخل بها كأنه لم يدخل بشيء منهن؛ لأن الدخول بغيرها لا يزيد في حقها سببا، فأما الميراث فعلى قول أبي يوسف للتي لم يدخل بها سدس الميراث؛ لأنه إن لم يقع عليها شيء فلها ثلث الميراث، وإن وقع عليها الطلاق فلا شيء لها فلها سدس الميراث، به علل محمد - رحمه الله تعالى - في الكتاب وهو غلط، فإنه إن لم يقع عليها شيء كان لها نصف الميراث لأنه لا يزاحمها في الميراث إلا واحدة، فإن من وقع عليها الطلاق الثلاث من المدخولتين محرومة عن الميراث، ولكن الطريق في التخريج أن التي لم يدخل بها لها ثلاثة أحوال إن وقع عليها واحدة فلا شيء لها.
وإن وقع عليها الثلاث فلا شيء لها، وإن لم يقع عليها شيء فلها نصف الميراث، فلها حالتا حرمان وحالة إصابة، فلهذا جعل لها ثلث النصف وهو السدس قال: وكذلك الجواب في الميراث عند محمد - رحمه الله تعالى - قال الحاكم: - رحمه الله - وليس ذلك بسديد بل الصواب عند محمد - رحمه الله تعالى - أن يكون لها ثمن الميراث وهكذا ذكر في بعض الروايات؛ لأن إحدى المدخولتين وارثة فيعزلها للاستحقاق، فإن كانت معزولة بأن لم يقع عليها شيء فلا شيء للتي لم يدخل بها في هذه الحالة؛ لأن أحد الطلاقين وقع عليها لا محالة، وإن كانت المعزولة للاستحقاق معزولة بوقوع الواحدة عليها، فإن وقع الثلاث على الأخرى فللتي لم يدخل بها نصف الميراث، وإن وقع الثلاث على التي لم

يدخل بها فلا شيء لها من الميراث، فإذا كان لها النصف في حالة وفي حالة لا شيء لها كان لها الربع، ثم هذا الربع لها في هذه الحالة، ولا شيء لها في الحالة الأولى، فلها نصف الربع وهو الثمن والباقي للتين دخل بهما.
(قال وإذا تزوج امرأتين في عقدة وثلاثا في عقدة ثم قال: قد دخلت بأحد الفريقين ثم مات قبل أن يبين فللثنتين مهر واحد وللثلاث مهر ونصف؛ لأن الثلاث إن صح نكاحهن بالسبق وقد دخل بهن فلهن ثلاثة مهور، وإن لم يصح فلا شيء لهن فلهن مهر ونصف مهر، والثنتان إن صح نكاحهما، فإن دخل بهما فلهما مهران، وإن لم يصح فلا شيء لهما فلهما مهر واحد، والميراث بين الفريقين نصفان لاستواء حالهما فيه، وفقه هذه المسألة أنه جعل إقراره بالدخول بأحد الفريقين إقرارا بالدخول بمن صح نكاحه حملا لفعله وقوله على الصحة، فإن دينه وعقله يدعوانه إلى الإقدام على الوطء الحلال ويمنعانه من الإقدام على الوطء الحرام، وكذلك لو طلق إحدى نسائه ثلاثا؛ لأن الإيقاع بهذا اللفظ يتناول من صح نكاحها، فإن من لم يصح نكاحها ليست من نسائه وإيقاع الثلاث بعد الدخول لا يسقط شيئا من الصداق فكان هذا والأول سواء، وإن لم يدخل بشيء منهن وطلق إحدى نسائه ثلاثا فللثلاث مهر وربع مهر؛ لأنه إن صح نكاحهن فلهن مهران ونصف مهر، فإنه قد طلق إحداهن قبل الدخول، وذلك يسقط نصف مهر، وإن لم يصح نكاحهن فلا شيء لهن، فلهذا كان لهن مهر وربع مهر وللاثنتين ثلاثة أرباع مهر؛ لأنه إن صح نكاحهما فلهما مهر ونصف مهر لوقوع الطلاق على إحداهما قبل الدخول، وإن لم يصح نكاحهما فلا شيء لهما فكان لهما ثلاثة أرباع مهر بينهما نصفان.
(قال ولو تزوج ثلاث نسوة فدخل بإحداهن ولا تعرف بعينها ثم طلق إحدى نسائه ثلاثا والأخرى واحدة ثم مات قبل أن يبين فلهن مهران وربع مهر؛ لأنه إن أوقع أحد الطلاقين على المدخول بها فلهن مهران ونصف مهر، وإن أوقع الطلاقين على اللتين لم يدخل بهما فلهن مهران لسقوط مهر بإيقاع الطلاقين على غير المدخولين، فقدر المهرين لهن بيقين، ونصف مهر يثبت في حال دون حال فيتنصف، فلهذا كان لهن مهران وربع مهر بينهن أثلاثا؛ لأن المدخولة منهن غير معينة فحالهن في استحقاق ذلك سواء، والميراث بينهن أثلاثا لهذا المعنى، وعلى كل واحدة منهن عدة المتوفى عنها زوجها تستكمل في ذلك ثلاث حيض؛ لأن كل واحدة منهن يجوز أن تكون هي التي دخل بها ثم أوقع الثلاث عليها فيلزمها العدة بالحيض أو لم يقع عليها شيء

فيلزمها عدة الوفاة، والعدة يؤخذ فيها بالاحتياط، فلهذا كان على كل واحدة منهن عدة الطلاق والوفاة جميعا، فإن عرفت المدخول بها فلها المهر كاملا لتأكد مهرها بالدخول وللتين لم يدخل بهما مهر وربع مهر في قول أبي يوسف، وفي قول محمد - رحمه الله تعالى - لهما مهر وثلث مهر وقد بينا تخريج القولين وبينا حكم تخريج الميراث أيضا على القولين، وإن عرفت المدخول بها وقد أوقع تطليقة ثانية على إحداهن فالميراث بينهن أثلاثا؛ لأن حالهن في استحقاق الميراث سواء، فإن الطلقة الثانية على أيتهن وقعت حرمتها المدخول بها وغير المدخول بها سواء في ذلك.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 38.51 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 37.88 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.63%)]