
09-12-2025, 10:25 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,275
الدولة :
|
|
رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)
إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء (12)
تفسير سورة الواقعة
من صــ/ الى صــ /
الحلقة (494)
حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن صالح - كاتب الليث - حدثني الليث ، حدثنا خالد بن يزيد ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن أبي حازم عن عطاء ، عن كعب ، قال : إن طائر الجنة أمثال البخت ، يأكل مما خلق من ثمرات الجنة ، ويشرب من أنهار الجنة ، فيصطففن له ، فإذا اشتهى منها شيئا أتاه حتى يقع بين يديه ، فيأكل من خارجه وداخله ثم يطير لم ينقص منه شيء .صحيح إلى كعب .
وقال الحسن بن عرفة : حدثنا خلف بن خليفة ، عن حميد الأعرج ، عن عبد الله بن الحارث ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويا " .
وقوله : ( وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون ) قرأ بعضهم بالرفع ، وتقديره : ولهم فيها حور عين . وقراءة الجر تحتمل معنيين ، أحدهما : أن يكون الإعراب على الإتباع بما قبله ; لقوله : ( يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وحور عين ) ، كما قال ( وامسحوا برءوسكم وأرجلكم ) [ المائدة : 6 ] ، وكما قال : ( عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق ) [ الإنسان : 21 ] . والاحتمال الثاني : أن يكون مما يطوف به الولدان المخلدون عليهم الحور العين ، ولكن يكون ذلك في القصور ، لا بين بعضهم بعضا ، بل في الخيام يطوف عليهم الخدام بالحور العين ، والله أعلم .
وقوله : ( كأمثال اللؤلؤ المكنون ) أي : كأنهن اللؤلؤ الرطب في بياضه وصفائه ، كما تقدم في " سورة الصافات " ( كأنهن بيض مكنون ) [ الصافات : 49 ] وقد تقدم في سورة " الرحمن " وصفهن أيضا ; ولهذا قال : ( جزاء بما كانوا يعملون ) أي : هذا الذي أتحفناهم به مجازاة لهم على ما أحسنوا من العمل .
ثم قال : ( لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما ) أي : لا يسمعون في الجنة كلاما لاغيا ، أي : غثا خاليا عن المعنى ، أو مشتملا على معنى حقير أو ضعيف ، كما قال : ( لا تسمع فيها لاغية ) [ الغاشية : 11 ] [ ص: 525 ] أي : كلمة لاغية ( ولا تأثيما ) أي : ولا كلاما فيه قبح ، ( إلا قيلا سلاما سلاما ) أي : إلا التسليم منهم بعضهم على بعض ، كما قال : ( تحيتهم فيها سلام ) [ إبراهيم : 23 ] وكلامهم أيضا سالم من اللغو والإثم .
( وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين ( 27 ) في سدر مخضود ( 28 ) وطلح منضود ( 29 ) وظل ممدود ( 30 ) وماء مسكوب ( 31 ) وفاكهة كثيرة ( 32 ) لا مقطوعة ولا ممنوعة ( 33 ) وفرش مرفوعة ( 34 ) إنا أنشأناهن إنشاء ( 35 ) فجعلناهن أبكارا ( 36 ) عربا أترابا ( 37 ) لأصحاب اليمين ( 38 ) ثلة من الأولين ( 39 ) وثلة من الآخرين ( 40 ) ) .
لما ذكر تعالى مآل السابقين - وهم المقربون - عطف عليهم بذكر أصحاب اليمين - وهم الأبرار - كما قال ميمون بن مهران : أصحاب اليمين منزلة دون المقربين ، فقال : ( وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين ) أي : أي شيء أصحاب اليمين ؟ وما حالهم ؟ وكيف مآلهم ؟ ثم فسر ذلك فقال : ( في سدر مخضود ) . قال ابن عباس ، وعكرمة ، ومجاهد ، وأبو الأحوص ، وقسامة بن زهير ، والسفر بن نسير ، والحسن ، وقتادة ، وعبد الله بن كثير ، والسدي ، وأبو حرزة ، وغيرهم : هو الذي لا شوك فيه . وعن ابن عباس : هو الموقر بالثمر . وهو رواية عن عكرمة ، ومجاهد ، وكذا قال قتادة أيضا : كنا نحدث أنه الموقر الذي لا شوك فيه .
والظاهر أن المراد هذا وهذا فإن سدر الدنيا كثير الشوك قليل الثمر ، وفي الآخرة على عكس من هذا لا شوك فيه ، وفيه الثمر الكثير الذي قد أثقل أصله ، كما قال الحافظ أبو بكر بن سلمان النجاد .
حدثنا محمد بن محمد هو البغوي ، حدثني حمزة بن عباس ، حدثنا عبد الله بن عثمان ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، أخبرنا صفوان بن عمرو ، عن سليم بن عامر ، قال : كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولون : إن الله لينفعنا بالأعراب ومسائلهم ; قال : أقبل أعرابي يوما فقال : يا رسول الله ، ذكر الله في الجنة شجرة تؤذي صاحبها ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " وما هي ؟ " . قال : السدر ، فإن له شوكا موذيا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أليس الله يقول : ( في سدر مخضود ) ، خضد الله شوكه ، فجعل مكان كل شوكة ثمرة ، فإنها لتنبت ثمرا تفتق الثمرة منها عن اثنين وسبعين لونا من طعام ، ما فيها لون يشبه الآخر " .
طريق أخرى : قال أبو بكر بن أبي داود : حدثنا محمد بن المصفى ، حدثنا محمد بن المبارك ، حدثنا يحيى بن حمزة ، حدثني ثور بن يزيد ، حدثني حبيب بن عبيد ، عن عتبة بن عبد السلمي [ ص: 526 ] قال : كنت جالسا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاء أعرابي فقال : يا رسول الله ، أسمعك تذكر في الجنة شجرة لا أعلم شجرة أكثر شوكا منها ؟ يعني : الطلح ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله يجعل مكان كل شوكة منها ثمرة مثل خصوة التيس الملبود ، فيها سبعون لونا من الطعام ، لا يشبه لون آخر " .
وقوله : ( وطلح منضود ) : الطلح : شجر عظام يكون بأرض الحجاز ، من شجر العضاة ، واحدته طلحة ، وهو شجر كثير الشوك ، وأنشد ابن جرير لبعض الحداة :
بشرها دليلها وقالا غدا ترين الطلح والجبالا
وقال مجاهد : ( منضود ) أي : متراكم الثمر ، يذكر بذلك قريشا ; لأنهم كانوا يعجبون من وج ، وظلاله من طلح وسدر .
وقال السدي : ( منضود ) : مصفوف . قال ابن عباس : يشبه طلح الدنيا ، ولكن له ثمر أحلى من العسل .
قال الجوهري : والطلح لغة في الطلع .
قلت : وقد روى ابن أبي حاتم من حديث الحسن بن سعد ، عن شيخ من همدان قال : سمعت عليا يقول : هذا الحرف في ( وطلح منضود ) قال : طلع منضود ، فعلى هذا يكون هذا من صفة السدر ، فكأنه وصفه بأنه مخضود وهو الذي لا شوك له ، وأن طلعه منضود ، وهو كثرة ثمره ، والله أعلم .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو معاوية ، عن إدريس ، عن جعفر بن إياس ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد : ( وطلح منضود ) قال : الموز . قال : وروي عن ابن عباس ، وأبي هريرة ، والحسن ، وعكرمة ، وقسامة بن زهير ، وقتادة ، وأبي حزرة ، مثل ذلك ، وبه قال مجاهد وابن زيد - وزاد فقال : أهل اليمن يسمون الموز الطلح . ولم يحك ابن جرير غير هذا القول .
وقوله : ( وظل ممدود ) : قال البخاري : حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة - يبلغ به النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها ، اقرءوا إن شئتم : ( وظل ممدود ) .
ورواه مسلم من حديث الأعرج ، به .
وقال الإمام أحمد : حدثنا سريج ، حدثنا فليح ، عن هلال بن علي ، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة ، اقرءوا إن شئتم : ( وظل ممدود ) .
[ ص: 527 ] وكذا رواه البخاري ، عن محمد بن سنان ، عن فليح به ، وكذا رواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة . وكذا رواه حماد بن سلمة ، عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة ، والليث بن سعد ، عن سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، وعوف ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة [ به ] .
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا حدثنا شعبة ، سمعت أبا الضحاك يحدث عن أبي هريرة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين ، أو مائة سنة ، هي شجرة الخلد " .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا يزيد بن هارون ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله قال : " في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها ، واقرءوا إن شئتم : ( وظل ممدود ) .
إسناده جيد ، ولم يخرجوه . وهكذا رواه ابن جرير ، عن أبي كريب ، عن عبدة وعبد الرحيم ، عن محمد بن عمرو ، به . وقد رواه الترمذي ، من حديث عبد الرحيم بن سليمان ، به .
وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا مهران ، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن زياد - مولى بني مخزوم - عن أبي هريرة قال : إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة ، اقرءوا إن شئتم : ( وظل ممدود ) . فبلغ ذلك كعبا فقال : صدق ، والذي أنزل التوراة على موسى والفرقان على محمد ، لو أن رجلا ركب حقة أو جذعة ، ثم دار حول تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط هرما ، إن الله غرسها بيده ونفخ فيها من روحه ، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة ، وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة .
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي : حدثنا محمد بن منهال الضرير ، حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قول الله عز وجل : ( وظل ممدود ) ، قال : " في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها " .
وكذا رواه البخاري ، عن روح بن عبد المؤمن ، عن يزيد بن زريع ، وهكذا رواه أبو داود [ ص: 528 ] الطيالسي ، عن عمران بن داور القطان ، عن قتادة به . وكذا رواه معمر ، وأبو هلال ، عن قتادة ، به . وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد وسهل بن سعد ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام ما يقطعها " .
فهذا حديث ثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل متواتر مقطوع بصحته عند أئمة الحديث النقاد ، لتعدد طرقه ، وقوة أسانيده ، وثقة رجاله .
وقد قال الإمام أبو جعفر بن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا أبو بكر ، حدثنا أبو حصين قال : كنا على باب في موضع ، ومعنا أبو صالح وشقيق - يعني : الضبي - فحدث أبو صالح قال : حدثني أبو هريرة قال : إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عاما . قال أبو صالح : أتكذب أبا هريرة ؟ قال : ما أكذب أبا هريرة ، ولكني أكذبك أنت . فشق ذلك على القراء يومئذ .
قلت : فقد أبطل من يكذب بهذا الحديث ، مع ثبوته وصحته ورفعه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وقال الترمذي : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا زياد بن الحسن بن الفرات القزاز ، عن أبيه ، عن جده ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما في الجنة شجرة إلا ساقها من ذهب " . ثم قال : حسن غريب .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن أبي الربيع ، حدثنا أبو عامر العقدي ، عن زمعة بن صالح ، عن سلمة بن وهرام ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : الظل الممدود شجرة في الجنة على ساق ظلها قدر ما يسير الراكب في نواحيها مائة عام . قال : فيخرج إليها أهل الجنة ; أهل الغرف وغيرهم ، فيتحدثون في ظلها . قال : فيشتهي بعضهم ويذكر لهو الدنيا ، فيرسل الله ريحا من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو في الدنيا .
هذا أثر غريب وإسناده جيد قوي حسن .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا ابن يمان ، حدثنا سفيان ، حدثنا أبو إسحاق ، عن عمرو بن ميمون في قوله : ( وظل ممدود ) قال : سبعون ألف سنة . وكذا رواه ابن جرير ، عن بندار ، عن ابن مهدي ، عن سفيان ، مثله . ثم قال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا مهران ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون : ( وظل ممدود ) قال : خمسمائة ألف سنة .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، حدثنا حصين بن نافع ، عن الحسن في قول الله تعالى : ( وظل ممدود ) قال : في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها .
[ ص: 529 ] وقال عوف عن الحسن : بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها " . رواه ابن جرير .
وقال شبيب عن عكرمة ، عن ابن عباس : في الجنة شجر لا يحمل ، يستظل به . رواه ابن أبي حاتم .
وقال الضحاك ، والسدي ، وأبو حرزة في قوله : ( وظل ممدود ) لا ينقطع ، ليس فيها شمس ولا حر ، مثل قبل طلوع الفجر .
وقال ابن مسعود : الجنة سجسج ، كما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس .
وقد تقدمت الآيات كقوله : ( وندخلهم ظلا ظليلا ) [ النساء : 57 ] ، وقوله : ( أكلها دائم وظلها ) [ الرعد : 35 ] ، وقوله : ( في ظلال وعيون ) [ المرسلات : 41 ] إلى غير ذلك من الآيات .
وقوله : ( وماء مسكوب ) قال الثوري : [ يعني ] يجري في غير أخدود .
وقد تقدم الكلام عند تفسير قوله تعالى : ( فيها أنهار من ماء غير آسن ) الآية [ محمد : 15 ] ، بما أغنى عن إعادته هاهنا .
وقوله : ( وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة ) أي : وعندهم من الفواكه الكثيرة المتنوعة في الألوان ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، ( كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ) [ البقرة : 25 ] أي : يشبه الشكل الشكل ، ولكن الطعم غير الطعم . وفي الصحيحين في ذكر سدرة المنتهى قال : " فإذا ورقها كآذان الفيلة ونبقها مثل قلال هجر " .
وفيهما أيضا من حديث مالك ، عن زيد ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس قال : خسفت الشمس ، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس معه ، فذكر الصلاة . وفيه : قالوا : يا رسول الله ، رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا ، ثم رأيناك تكعكعت . قال : " إني رأيت الجنة ، فتناولت منها عنقودا ، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا " .
وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا أبو خيثمة ، حدثنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا عبيد الله ، حدثنا ابن عقيل ، عن جابر قال : بينا نحن في صلاة الظهر ، إذ تقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتقدمنا معه ، ثم تناول شيئا ليأخذه ثم تأخر ، فلما قضى الصلاة قال له أبي بن كعب : يا رسول الله ، صنعت اليوم [ ص: 530 ] في الصلاة شيئا ما كنت تصنعه ؟ قال : " إنه عرضت علي الجنة ، وما فيها من الزهرة والنضرة ، فتناولت منها قطفا من عنب لآتيكم به ، فحيل بيني وبينه ، ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه " .
وروى مسلم ، من حديث أبي الزبير ، عن جابر ، نحوه .
وقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن بحر ، حدثنا هشام بن يوسف ، أخبرنا معمر ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عامر بن زيد البكالي : أنه سمع عتبة بن عبد السلمي يقول : جاء أعرابي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن الحوض وذكر الجنة ، ثم قال الأعرابي : فيها فاكهة ؟ قال : " نعم ، وفيها شجرة تدعى طوبى " فذكر شيئا لا أدري ما هو ، قال : أي شجر أرضنا تشبه ؟ قال : " ليست تشبه شيئا من شجر أرضك " . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أتيت الشام ؟ " قال : لا . قال : " تشبه شجرة بالشام تدعى الجوزة ، تنبت على ساق واحد ، وينفرش أعلاها " . قال : ما عظم أصلها ؟ قال : " لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحاطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتها هرما " . قال : فيها عنب ؟ قال : " نعم " . قال : فما عظم العنقود ؟ قال : " مسيرة شهر للغراب الأبقع ، ولا يفتر " . قال : فما عظم الحبة ؟ قال : " هل ذبح أبوك تيسا من غنمه قط عظيما ؟ " قال : نعم . قال : " فسلخ إهابه فأعطاه أمك ، فقال : اتخذي لنا منه دلوا ؟ " قال : نعم . قال الأعرابي : فإن تلك الحبة لتشبعني وأهل بيتي ؟ قال : " نعم وعامة عشيرتك " .
وقوله : ( لا مقطوعة ولا ممنوعة ) أي : لا تنقطع شتاء ولا صيفا ، بل أكلها دائم مستمر أبدا ، مهما طلبوا وجدوا ، لا يمتنع عليهم بقدرة الله شيء .
قال قتادة : لا يمنعهم من تناولها عود ولا شوك ولا بعد . وقد تقدم في الحديث : " إذا تناول الرجل الثمرة عادت مكانها أخرى " .
وقوله : ( وفرش مرفوعة ) أي : عالية وطيئة ناعمة .
قال النسائي وأبو عيسى الترمذي : حدثنا أبو كريب ، حدثنا رشدين بن سعد ، عن عمرو بن الحارث ، عن دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله : ( وفرش مرفوعة ) قال : " ارتفاعها كما بين السماء والأرض ، ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام " .
ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب لا نعرفه ، إلا من حديث رشدين بن سعد . قال : وقال بعض أهل العلم : معنى هذا الحديث : ارتفاع الفرش في الدرجات ، وبعد ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض .
[ ص: 531 ] هكذا قال : إنه لا يعرف هذا إلا من رواية رشدين بن سعد ، وهو المصري ، وهو ضعيف . وهكذا رواه أبو جعفر بن جرير ، عن أبي كريب ، عن رشدين . ثم رواه هو وابن أبي حاتم ، كلاهما عن يونس بن عبد الأعلى ، عن ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، فذكره . وكذا رواه ابن أبي حاتم أيضا عن نعيم بن حماد ، عن ابن وهب . وأخرجه الضياء في صفة الجنة من حديث حرملة عن بن وهب ، به مثله . ورواه الإمام أحمد عن حسن بن موسى ، عن ابن لهيعة ، حدثنا دراج ، فذكره .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو معاوية ، عن جويبر ، عن أبي سهل - يعني : كثير بن زياد - عن الحسن : : ( وفرش مرفوعة ) قال : ارتفاع فراش الرجل من أهل الجنة مسيرة ثمانين سنة .
وقوله : ( إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا لأصحاب اليمين ) جرى الضمير على غير مذكور . لكن لما دل السياق ، وهو ذكر الفرش على النساء اللاتي يضاجعن فيها ، اكتفى بذلك عن ذكرهن ، وعاد الضمير عليهن ، كما في قوله : ( إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب ) [ ص : 31 ، 32 ] يعني : الشمس ، على المشهور من قول المفسرين .
قال الأخفش في قوله : ( إنا أنشأناهن إنشاء ) أضمرهن ولم يذكرهن قبل ذلك . وقال أبو عبيدة : ذكرن في قوله : ( وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون ) [ الواقعة : 22 ، 23 ] .
فقوله : ( إنا أنشأناهن ) أي : أعدناهن في النشأة الآخرة بعدما كن عجائز رمصا ، صرن أبكارا عربا ، أي : بعد الثيوبة عدن أبكارا عربا ، أي : متحببات إلى أزواجهن بالحلاوة والظرافة والملاحة .
وقال بعضهم : ( عربا ) أي : غنجات .
قال موسى بن عبيدة الربذي ، عن يزيد الرقاشي ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنا أنشأناهن إنشاء ) قال : " نساء عجائز كن في الدنيا عمشا رمصا " . رواه الترمذي ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم . ثم قال الترمذي : غريب ، وموسى ويزيد ضعيفان .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عوف الحمصي ، حدثنا آدم - يعني : ابن أبي إياس - حدثنا شيبان ، عن جابر ، عن يزيد بن مرة ، عن سلمة بن يزيد قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في قوله : ( إنا أنشأناهن إنشاء ) يعني : " الثيب والأبكار اللاتي كن في الدنيا " .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|