
09-12-2025, 05:00 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,463
الدولة :
|
|
رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)
إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء (12)
تفسير سورة الجاثية
من صـ 346 الى صــ 358
الحلقة (459)
لهم وتسخيره إياهم في الأعمال المهينة الشاقة .
من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين (31)
من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين
وقوله تعالى "من فرعون إنه كان عاليا" أي مستكبرا جبارا عنيدا كقوله عز وجل "إن فرعون علا في الأرض" وقوله جلت عظمته فاستكبروا وكانوا قوما عالين "من المسرفين أي مسرف في أمره سخيف الرأي على نفسه ."
ولقد اخترناهم على علم على العالمين (32)
ولقد اخترناهم على علم على العالمين
قال مجاهد "اخترناهم على علم على العالمين" على من هم بين ظهريه وقال قتادة اختيروا على أهل زمانهم ذلك وكان يقال إن لكل زمان عالما وهذا كقوله تعالى "قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس" أي أهل زمانه ذلك كقوله عز وجل لمريم عليها السلام "واصطفاك على نساء العالمين" أي في زمنها فإن خديجة رضي الله عنها إما أفضل منها أو مساوية لها في الفضل وكذا آسية بنت مزاحم امرأة فرعون وفضل عائشة رضي الله عنه على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام .
وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين (33)
وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين
قوله جل جلاله "وآتيناهم من الآيات" أي الحجج والبراهين وخوارق العادات "ما فيه بلاء مبين" أي اختبار ظاهر جلي لمن اهتدى به .
إن هؤلاء ليقولون (34)
إن هؤلاء ليقولون
يقول تعالى منكرا على المشركين في إنكارهم البعث والمعاد وأنه ما ثم إلا هذه الحياة الدنيا ولا حياة بعد الممات ولا بعث ولا نشور ويحتجون بآبائهم الماضين الذين ذهبوا فلم يرجعوا فإن كان البعث حقا "فأتوا بأبائنا إن كنتم صادقين" .
إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين (35)
إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين
يقول تعالى منكرا على المشركين في إنكارهم البعث والمعاد وأنه ما ثم إلا هذه الحياة الدنيا ولا حياة بعد الممات ولا بعث ولا نشور ويحتجون بآبائهم الماضين الذين ذهبوا فلم يرجعوا فإن كان البعث حقا "فأتوا بأبائنا إن كنتم صادقين" .
فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين (36)
فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين
وهذه حجة باطلة وشبهة فاسدة فإن المعاد إنما هو يوم القيامة لا في الدار الدنيا بل بعد انقضائها "وذهابها" وفراغها يعيد الله العالمين خلقا جديدا ويجعل الظالمين لنار جهنم وقودا يوم "تكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ."
أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين (37)
أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين
ثم قال تعالى متهددا لهم ومتوعدا ومنذرا لهم بأسه الذي لا يرد كما حل بأشباههم ونظرائهم من المشركين المنكرين للبعث كقوم تبع وهم سبأ حيث أهلكهم الله
عز وجل وخرب بلادهم وشردهم في البلاد وفرقهم شذر مذر كما تقدم ذلك في سورة سبأ وهي مصدرة بإنكار المشركين للمعاد وكذلك ههنا شبههم بأولئك وقد كانوا عربا من قحطان كما أن هؤلاء عرب من عدنان وقد كانت حمير وهم سبأ كلما ملك فيهم رجل سموه تبعا كما يقال كسرى لمن ملك الفرس وقيصر لمن ملك الروم وفرعون لمن ملك مصر كافرا والنجاشي لمن ملك الحبشة وغير ذلك من أعلام الأجناس ولكن اتفق أن بعض تبابعتهم خرج من اليمن وسار في البلاد حتى وصل إلى سمرقند واشتد ملكه وعظم سلطانه وجيشه واتسعت مملكته وبلاده وكثرت رعاياه وهو الذي مصر الحيرة فاتفق أنه مر بالمدينة النبوية وذلك في أيام الجاهلية فأراد قتال أهلها فمانعوه وقاتلوه بالنهار وجعلوا يقرونه الليل فاستحيا منهم وكف عنهم واستصحب معه حبرين من أحبار يهود كانا قد نصحاه وأخبراه أنه لا سبيل له على هذه البلدة فإنها مهاجر نبي يكون في آخر الزمان فرجع عنها وأخذهما معه إلى بلاد اليمن فلما اجتاز بمكة أراد هدم الكعبة فنهيناه عن ذلك أيضا وأخبراه بعظمة هذا البيت وأنه من بناء إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام وأنه سيكون له شأن عظيم على يدي ذلك النبي المبعوث في آخر الزمان فعظمها وطاف بها وكساها الملاء والوصائل والحبر ثم كر راجعا إلى اليمن ودعا أهلها إلى اليهود معه وكان إذ ذاك دين موسى عليه الصلاة والسلام فيه من يكون على الهداية قبل بعثة المسيح عليه الصلاة والسلام فتهود معه عامة أهل اليمن وقد ذكر القصة بطولها الإمام محمد بن إسحاق في كتابه السيرة وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه ترجمة حافلة أورد فيها أشياء كثيرة مما ذكرنا ومما لم يذكر وذكر أنه ملك دمشق وأنه كان إذا استعرض الخيل صفت له من دمشق إلى اليمن ثم ساق من طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ما أدري الحدود طهارة لأهلها أم لا ؟ ولا أدري تبع لعينا كان أم لا ؟ ولا أدري ذو القرنين نبيا كان أم ملكا" وقال غيره "عزير أكان نبيا أم لا ؟" وهكذا رواه
ابن أبي حاتم عن محمد بن حماد الظهراني عن عبد الرزاق
قال الدارقطني تفرد به عبد الرزاق .
ثم روى ابن عساكر من طريق محمد بن كريب عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا "عزير لا أدري أنبيا كان أم لا ؟ ولا أدري ألعين تبع أم لا ؟" ثم أورد ما جاء في النهي عن سبه ولعنته كما سيأتي إن شاء الله تعالى وكأنه والله أعلم كان كافرا ثم أسلم وتابع دين الكليم على يدي من كان من أحبار اليهود في ذلك الزمان على الحق قبل بعثة المسيح عليه السلام وحج البيت في زمن الجرهميين وكساه الملاء والوصائل من الحرير والحبر ونحر عنده ستة آلاف بدنة وعظمه وأكرمه ثم عاد إلى اليمن وقد ساق قصته بطولها الحافظ ابن عساكر من طرق متعددة مطولة مبسوطة عن أبي بن كعب وعبد الله بن سلام وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم وكعب الأحبار وإليه المرجع في ذلك كله وإلى عبد الله بن سلام أيضا وهو أثبت وأكبر وأعلم وكذا روى قصته وهب بن منبه ومحمد بن إسحاق في السيرة كما هو مشهور فيها .
وقد اختلط على الحافظ ابن عساكر في بعض السياقات ترجمة تبع هذا بترجمة آخر متأخر عنه بدهر طويل فإن تبعا هذا المشار إليه في القرآن أسلم قومه على يديه ثم لما توفي عادوا بعده إلى عبادة النيران والأصنام فعاقبهم الله تعالى كما ذكره في سورة سبأ وقد بسطنا قصتهم هنالك ولله الحمد والمنة وقال سعيد بن جبير كسا تبع الكعبة وكان سعيد ينهى عن سبه وتبع هذا هو تبع الأوسط واسمه أسعد أبو كريب بن مليكرب اليماني ذكروا أنه ملك على قومه ثلاثمائة سنة وستا وعشرين سنة ولم يكن في حمير أطول مدة منه وتوفي قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو من سبعمائة سنة .
وذكروا أنه لما ذكر له الحبران من يهود المدينة أن هذه البلدة مهاجر نبي في آخر الزمان اسمه أحمد قال في ذلك شعرا واستودعه عند أهل المدينة فكانوا يتوارثونه ويروونه خلفا عن سلف وكان ممن يحفظه
أبو أيوب خالد بن زيد الذي نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره وهو :
شهدت على أحمد أنه ... رسول من الله باري النسم
فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت وزيرا له وابن عم
وجاهدت بالسيف أعداءه ... وفرجت من صدره كل غم
وذكر ابن أبي الدنيا أنه حفر قبر بصنعاء في الإسلام فوجدوا فيه امرأتين صحيحتين وعند رءوسهما لوح من فضة مكتوب فيه بالذهب : هذا قبر حيي وتميس وروى حيي وتماضر ابنتي تبع ماتتا وهما تشهدان أن لا إله إلا الله ولا تشركان به شيئا وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما وقد ذكرنا في سورة سبأ شعر سبأ في ذلك أيضا قال قتادة ذكر لنا أن كعبا كان يقول في تبع نعت الرجل الصالح ذم الله تعالى قومه ولم يذمه قال وكانت عائشة رضي الله عنها تقول : لا تسبوا تبعا فإنه قد كان رجلا صالحا .
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا صفوان حدثنا الوليد حدثنا عبد الله بن لهيعة عن أبي زرعة - يعني عمرو بن جابر الحضرمي - قال سمعت سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تسبوا تبعا فإنه قد كان أسلم" ورواه الإمام أحمد في مسنده عن حسن بن موسى عن ابن لهيعة به .
وقال الطبراني حدثنا أحمد بن علي الأبار حدثنا أحمد بن محمد بن أبي برزة حدثنا مؤمل بن إسماعيل حدثنا سفيان عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا تسبوا تبعا فإنه قد أسلم" وقال عبد الرزاق أيضا أخبرنا معمر عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما أدري تبع نبيا كان أم غير نبي" وتقدم بهذا السند من رواية ابن أبي حاتم كما أورده ابن عساكر "لا أدري تبع كان لعينا أم لا" فالله أعلم
ورواه ابن عساكر من طريق زكريا بن يحيى المدني عن عكرمة عن ابن عباس موقوفا وقال عبد الرزاق أخبرنا عمران أبو الهذيل أخبرني تميم بن عبد الرحمن قال : قال عطاء بن أبي رباح لا تسبوا تبعا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن سبه والله تعالى أعلم .
وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين (38)
وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين
يقول تعالى مخبرا عن عدله وتنزيهه نفسه عن اللعب والعبث والباطل كقوله جل وعلا "وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار" .
ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون (39)
ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون
قال تعالى "أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم" .
إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين (40)
إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين
قال تعالى "إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين" وهو يوم القيامة يفصل الله تعالى فيه بين الخلائق فيعذب الكافرين ويثيب المؤمنين وقوله عز وجل "ميقاتهم أجمعين" أي يجمعهم كلهم أولهم وآخرهم .
يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون (41)
يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون
"يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا" أي لا ينفع قريب قريبا كقوله سبحانه وتعالى "فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون" وكقوله جلت عظمته "ولا يسأل حميم حميما يبصرونهم" أي لا يسأل أخا له عن حاله وهو يراه عيانا .
وقوله جل وعلا "ولا هم ينصرون" أي لا ينصر القريب قريبه ولا يأتيه نصره من خارج .
إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم (42)
إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم
قال "إلا من رحم الله" أي لا ينفع يومئذ إلا رحمة الله عز وجل بخلقه "إنه هو العزيز الرحيم" أي هو عزيز ذو رحمة واسعة .
إن شجرة الزقوم (43)
إن شجرة الزقوم
يقول تعالى مخبرا عما يعذب به الكافرين الجاحدين للقائه "إن شجرة الزقوم طعام الأثيم" والأثيم أي في قوله وفعله وهو الكافر وذكر غير واحد أنه أبو جهل ولا شك في دخوله في هذه الآية ولكن ليست خاصة به قال ابن جرير حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن همام بن الحارث أن أبا الدرداء كان يقرئ رجلا "إن شجرة الزقوم طعام الأثيم" فقال طعام اليتيم فقال أبو الدرداء رضي الله عنه قل إن شجرة الزقوم طعام الفاجر أي ليس له طعام من غيرها قال مجاهد ولو وقعت قطرة منها في الأرض لأفسدت على أهل الأرض معايشهم وقد تقدم نحوه مرفوعا .
طعام الأثيم (44)
طعام الأثيم
"طعام الأثيم" والأثيم أي في قوله وفعله وهو الكافر وذكر غير واحد أنه أبو جهل ولا شك في دخوله في هذه الآية ولكن ليست خاصة به قال ابن جرير حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن همام بن الحارث أن أبا الدرداء كان يقرئ رجلا "إن شجرة الزقوم طعام الأثيم" فقال طعام اليتيم فقال أبو الدرداء رضي الله عنه قل إن شجرة الزقوم طعام الفاجر أي ليس له طعام من غيرها قال مجاهد ولو وقعت قطرة منها في الأرض لأفسدت على أهل الأرض معايشهم وقد تقدم نحوه مرفوعا.
كالمهل يغلي في البطون (45)
كالمهل يغلي في البطون
قوله "كالمهل" قالوا كعكر الزيت "يغلي في البطون" .
كغلي الحميم (46)
كغلي الحميم
"كغلي الحميم" أي من حرارتها ورداءتها .
خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم (47)
خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم
قوله "خذوه أي الكافر وقد ورد أنه تعالى إذا قال للزبانية خذوه ابتدره سبعون ألفا منهم وقوله" فاعتلوه "أي سوقوه سحبا ودفعا في ظهره قال مجاهد" خذوه فاعتلوه "أي خذوه فادفعوه ; وقال الفرزدق :"
ليس الكرام بناحليك أباهم ... حتى ترد إلى عطية تعتل
"إلى سواء الجحيم" أي وسطها .
ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم (48)
ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم
"ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم" كقوله عز وجل "يصب من فوق رءوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود" وقد تقدم أن الملك يضربه بمقمعة من حديد فتفتح دماغه ثم يصب الحميم على رأسه فينزل في بدنه
فيسلت ما في بطنه من أمعائه حتى تمرق من كعبيه - أعاذنا الله تعالى من ذلك .
ذق إنك أنت العزيز الكريم (49)
ذق إنك أنت العزيز الكريم
قوله تعالى "ذق إنك أنت العزيز الكريم" أي قولوا له ذلك على وجه التهكم والتوبيخ وقال الضحاك عن ابن عباس أي لست بعزيز ولا كريم .
وقد قال الأموي في مغازيه حدثنا أسباط بن محمد حدثنا أبو بكر الهذلي عن عكرمة قال لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جهل لعنه الله فقال "إن الله تعالى أمرني أن أقول لك أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى" قال فنزع ثوبه من يده وقال ما تستطيع لي أنت ولا صاحبك من شيء ولقد علمت أني أمنع أهل البطحاء وأنا العزيز الكريم قال فقتله الله تعالى يوم بدر وأذله وعيره بكلمته وأنزل "ذق إنك أنت العزيز الكريم" .
إن هذا ما كنتم به تمترون (50)
إن هذا ما كنتم به تمترون
قوله عز وجل "إن هذا ما كنتم به تمترون" كقوله تعالى "يوم يدعون إلى نار جهنم دعا هذه النار التي كنتم بها تكذبون أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون" ولهذا قال تعالى ههنا "إن هذا ما كنتم به تمترون" .
إن المتقين في مقام أمين (51)
إن المتقين في مقام أمين
لما ذكر تعالى حال الأشقياء عطف بذكر السعداء ولهذا سمي القرآن مثاني فقال "إن المتقين" أي لله في الدنيا "في مقام أمين" أي في الآخرة وهو الجنة قد أمنوا فيها من الموت والخروج ومن كل هم وحزن وجزع وتعب ونصب ومن الشيطان وكيده وسائر الآفات والمصائب.
في جنات وعيون (52)
في جنات وعيون
"في جنات وعيون" وهذا في مقابلة ما أولئك فيه من شجرة الزقوم وشرب الحميم .
يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين (53)
يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين
قوله تعالى "يلبسون من سندس" وهو رفيع الحرير كالقمصان ونحوها "وإستبرق" وهو ما فيه بريق ولمعان وذلك كالرياش وما يلبس على أعالي القماش "متقابلين" أي على السرر لا يجلس أحد منهم وظهره إلى غيره.
كذلك وزوجناهم بحور عين (54)
كذلك وزوجناهم بحور عين
قوله تعالى كذلك "وزوجناهم بحور عين" أي هذا العطاء مع ما قد منحناهم من الزوجات الحسان الحور العين اللاتي "لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان" "كأنهن الياقوت والمرجان" "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان" قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا نوح بن حبيب حدثنا نصر بن مزاحم العطار حدثنا عمر بن سعد عن رجل عن أنس رضي الله عنه رفعه نوح قال : لو أن حوراء بزقت في بحر لجي لعذب الماء لعذوبة ريقها .
يدعون فيها بكل فاكهة آمنين (55)
يدعون فيها بكل فاكهة آمنين
قوله عز وجل "يدعون فيها بكل فاكهة آمنين" أي مهما طلبوا من أنواع الثمار أحضر لهم وهم آمنون من انقطاعه وامتناعه بل يحضر إليهم كلما أرادوا .
لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم (56)
لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم
قوله "لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى" هذا استثناء يؤكد النفي فإنه استثناء منقطع ومعناه أنهم لا يذوقون فيها الموت أبدا كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "يؤتى بالموت في صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار ثم يذبح ثم يقال يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت" وقد تقدم الحديث في سورة مريم عليها السلام .
وقال عبد الرزاق حدثنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي مسلم الأغر عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يقال لأهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا" رواه مسلم عن إسحاق بن راهويه وعبد بن حميد كلاهما عن عبد الرزاق به
هكذا يقول أبو إسحاق وأهل العراق أبو مسلم الأغر وأهل المدينة يقولون أبو عبد الله الأغر .
وقال أبو بكر بن أبي داود السجستاني حدثنا أحمد بن حفص عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان عن الحجاج هو ابن حجاج عن عبادة عن عبد الله بن عمرو عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من اتقى الله دخل الجنة ينعم فيها ولا يبأس ويحيا فيها فلا يموت لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه" وقال أبو القاسم الطبراني حدثنا أحمد بن يحيى حدثنا عمرو بن محمد الناقد حدثنا سليم بن عبد الله الرقي حدثنا مصعب بن إبراهيم حدثنا عمران بن الربيع الكوفي عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن المنكدر عن جابر رضي الله عنه قال : سئل نبي الله صلى الله عليه وسلم أينام أهل الجنة ؟ فقال صلى الله عليه وسلم "النوم أخو الموت وأهل الجنة لا ينامون" وهكذا رواه أبو بكر بن مردويه في تفسيره حدثنا أحمد بن القاسم بن صدقة المصري حدثنا المقدام بن داود حدثنا عبد الله بن المغيرة حدثنا سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "النوم أخو الموت وأهل الجنة لا ينامون" .
وقال أبو بكر البزار في مسنده حدثنا الفضل بن يعقوب حدثنا محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان عن محمد بن المنكدر عن جابر رضي الله عنه قال : قيل يا رسول الله هل ينام أهل الجنة ؟ قال صلى الله عليه وسلم "لا النوم أخو الموت" ثم قال لا نعلم أحدا أسنده عن ابن المنكدر عن جابر رضي الله عنه إلا الثوري ولا عن الثوري إلا الفريابي هكذا قال وقد تقدم خلاف ذلك والله أعلم
وقوله تعالى "ووقاهم عذاب الجحيم" أي مع هذا النعيم العظيم المقيم قد وقاهم وسلمهم ونجاهم وزحزحهم عن العذاب الأليم في دركات الجحيم فحصل لهم المطلوب ونجاهم من المرهوب .
فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم (57)
فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم
قال عز وجل "فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم" أي إنما كان هذا بفضله عليهم وإحسانه إليهم كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "اعملوا وسددوا وقاربوا واعلموا أن أحدا لن يدخله عمله الجنة" قالوا ولا أنت يا رسول الله ؟ قال صلى الله عليه وسلم "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل."
فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون (58)
فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون
قوله تبارك وتعالى "فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون" أي إنما يسرنا هذا القرآن الذي أنزلناه سهلا واضحا بينا جليا بلسانك الذي هو أفصح اللغات وأجلاها وأحلاها وأعلاها "لعلهم يتذكرون" أي يتفهمون ويعلمون ثم لما كان مع هذا الوضوح والبيان من الناس من كفر وخالف وعاند قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم مسليا له وواعدا له بالنصر ومتوعدا لمن كذبه بالعطب والهلاك .
فارتقب إنهم مرتقبون (59)
فارتقب إنهم مرتقبون
"فارتقب" أي انتظر "إنهم مرتقبون" أي فسيعلمون لمن تكون النصرة والظفر وعلو الكلمة في الدنيا والآخرة فإنها لك يا محمد ولإخوانك من النبيين والمرسلين ومن اتبعكم من المؤمنين كما قال تعالى "كتب الله لأغلبن أنا ورسلي" الآية وقال تعالى "إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار" آخر تفسير سورة الدخان ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة .
تفسير سورة الجاثية وهي مكية .
بسم الله الرحمن الرحيم
حم (1)
حم
قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور فمنهم من قال هي مما استأثر الله بعلمه فردوا علمها إلى الله ولم يفسرها حكاه القرطبي في تفسيره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خيثم واختاره أبو حاتم بن حبان .
ومنهم من فسرها واختلف هؤلاء في معناها فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم إنما هي أسماء السور .
قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره وعليه إطباق الأكثر ونقل عن سيبويه أنه نص عليه ويعتضد لهذا بما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة "الم" السجدة , و "هل أتى على الإنسان" وقال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال : الم وحم والمص وص .
فواتح افتتح الله بها القرآن وكذا قال غيره عن مجاهد وقال مجاهد في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود عن شبل عن ابن أبي نجيح عنه أنه قال الم اسم من أسماء القرآن وهكذا وقال قتادة وزيد بن أسلم ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه اسم من أسماء السور فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن فإنه يبعد أن يكون المص اسما للقرآن كله لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول قرأت المص إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف لا لمجموع القرآن والله أعلم .
وقيل هي اسم من أسماء الله تعالى فقال عنها في فواتح السور من أسماء الله تعالى وكذلك قال سالم بن عبد الله وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير وقال شعبة عن السدي بلغني أن ابن عباس قال الم اسم من أسماء الله الأعظم .
هكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شعبة ورواه ابن جرير عن بندار عن ابن مهدي عن شعبة قال سألت السدي عن حم وطس والم فقال قال ابن عباس هي اسم الله الأعظم .
تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2)
تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم
يخبر تعالى أنه أنزل الكتاب على عبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين ووصف نفسه بالعزة التي لا ترام والحكمة في الأقوال والأفعال.
إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين (3)
إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين
يرشد تعالى خلقه إلى التفكر في آلائه ونعمه وقدرته العظيمة التي خلق بهما السموات الأرض .
وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون (4)
وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون
وما فيهما من المخلوقات المختلفة الأجناس والأنواع من الملائكة والجن والإنس والدواب والطيور والوحوش والسباع والحشرات وما في البحر من الأصناف المتنوعة.
واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون (5)
واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون
واختلاف الليل والنهار في تعاقبهما دائبين لا يفتران هذا بظلامه وهذا بضيائه وما أنزل الله تبارك وتعالى من السحاب من المطر في وقت الحاجة إليه وسماه رزقا لأن به يحصل الرزق فأحيا به الأرض بعد موتها أي بعدما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء .
وقوله عز وجل وتصريف الرياح أي جنوبا وشمالا ودبورا وصبا برية وبحرية ليلية ونهارية ومنها ما هو للمطر ومنها ما هو للقاح ومنها ما هو غذاء للأرواح ومنها ما هو عقيم لا ينتج وقال سبحانه وتعالى أولا لآيات للمؤمنين ثم يوقنون ثم يعقلون وهو ترق من حال شريف إلى ما هو أشرف منه وأعلى هذه الآيات شبيهة بآية البقرة وهي قوله تعالى إن في خلق السموات الأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون وقد أورد ابن أبي حاتم ههنا عن وهب بن منبه أثرا طويلا غريبا في خلق الإنسان من الأخلاط الأربعة والله أعلم .
تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون (6)
تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون
يقول تعالى تلك آيات الله يعني القرآن بما فيه من الحجج والبينات نتلوها عليك بالحق أي متضمنة الحق من الحق فإذا كانوا لا يؤمنون بها ولا ينقادون لها فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون .
ويل لكل أفاك أثيم (7)
ويل لكل أفاك أثيم
ثم قال تعالى ويل لكل أفاك أثيم أي أفاك في قوله كذاب حلاف مهين أثيم في فعله وقلبه كافر بآيات الله .
يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم (8)
يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم
ولهذا قال "يسمع آيات الله تتلى عليه" أي تقرأ عليه ثم يصر أي على كفره وجحوده استكبارا وعنادا كأن لم يسمعها أي كأنه ما سمعها فبشره بعذاب أليم أي فأخبره أن له عند الله تعالى يوم القيامة عذابا أليما موجعا .
وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (9)
وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين
وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أي إذا حفظ شيئا من القرآن كفر به واتخذه سخريا وهزوا أولئك لهم عذاب مهين أي في مقابلة ما استهان بالقرآن واستهزأ به ولهذا روى مسلم في صحيحه عن ابن عمر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو .
من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم (10)
من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم
ثم فسر العذاب الحاصل له يوم معاده فقال من ورائهم جهنم أي كل من اتصف بذلك سيصيرون إلى جهنم يوم القيامة ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا أي لا تنفعهم أموالهم ولا أولادهم ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء أي ولا تغني عنهم الآلهة التي عبدوها من دون الله شيئا ولهم عذاب عظيم .
هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم (11)
هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم
ثم قال تبارك وتعالى هذا هدى يعني القرآن والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم وهو المؤلم الموجع والله سبحانه وتعالى أعلم .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|