
09-12-2025, 04:54 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,781
الدولة :
|
|
رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)
إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء (12)
تفسير سورة الدخان
من صـ 332 الى صــ 345
الحلقة (458)
قلناه هو قول ابن مسعود رضي الله عنه ومجاهد وقتادة وعليه فسر ابن جرير قال البخاري وقرأ عبد الله يعني ابن مسعود رضي الله عنه "وقال الرسول يا رب" وقال مجاهد في قوله "وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون" قال يؤثر الله عز وجل قول محمد صلى الله عليه وسلم وقال قتادة هو قول نبيكم صلى الله عليه وسلم يشكو قومه إلى ربه عز وجل ثم حكى ابن جرير في قوله تعالى "وقيله يا رب" قراءتين إحداهما النصب ولها توجيهان أحدهما أنه معطوف على قوله تبارك وتعالى "نسمع سرهم ونجواهم" والثاني أن يقدر فعل وقال قيله والثانية الخفض وقيله عطفا على قوله "وعنده علم الساعة" وتقديره وعلم قيله .
فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون (89)
فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون
أي المشركين "وقل سلام" أي لا تجاوبهم بمثل ما يخاطبونك به من الكلام السيئ ولكن تألفهم واصفح عنهم فعلا وقولا "فسوف يعلمون" هذا تهديد من الله تعالى لهم ولهذا أحل بهم بأسه الذي لا يرد وأعلى دينه وكلمته وشرع بعد ذلك الجهاد والجلاد حتى دخل الناس في دين الله أفواجا وانتشر الإسلام في المشارق والمغارب والله أعلم .
آخر تفسير سورة الزخرف .
تفسير سورة الدخان وهي مكية
حم (1)
حم
سورة الدخان : قال الترمذي حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا زيد بن الحباب عن عمرو بن أبي خثعم عن يحيى بن أبى كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قرأ حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك" ثم قال غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وعمرو بن أبي خثعم يضعف قال البخاري منكر الحديث ثم قال حدثنا نصر بن عبد الرحمن الكوفي حدثنا زيد بن الحباب عن هشام أبي المقدام عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قرأ حم الدخان في ليلة الجمعة غفر له" ثم قال غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وهشام أبو المقدام يضعف والحسن لم يسمع من أبي هريرة رضي الله عنه كذا قال أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد رحمة الله عليهم أجمعين : وفي مسند البزار من رواية أبي الطفيل عامر بن واثلة عن زيد بن حارثة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابن صياد "إني قد خبأت خبيئا فما هو" وخبأ له رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الدخان فقال هو الدخ فقال "اخسأ ما شاء الله" ثم انصرف .
بسم الله الرحمن الرحيم يقول تعالى مخبرا عن القرآن العظيم .
والكتاب المبين (2)
والكتاب المبين
يقول تعالى مخبرا عن القرآن العظيم .
إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين (3)
إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين
إنا أنزلناه في ليلة القدر وكان ذلك في شهر رمضان كما قال تبارك وتعالى "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن" وقد ذكرنا الأحاديث الواردة في ذلك في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ومن قال إنها ليلة النصف من شعبان كما روي عن عكرمة فقد أبعد النجعة فإن نص القرآن أنها في رمضان.
والحديث الذي رواه عبد الله بن صالح عن الليث عن عقيل عن الزهري أخبرني عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى إن الرجل لينكح ويولد له وقد أخرج اسمه في الموتى" فهو حديث مرسل ومثله لا يعارض به النصوص .
وقوله عز وجل "إنا كنا منذرين" أي معلمين الناس ما ينفعهم ويضرهم شرعا لتقوم حجة الله على عباده .
فيها يفرق كل أمر حكيم (4)
فيها يفرق كل أمر حكيم
فيها يفرق كل أمر حكيم "أي في ليلة القدر يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السنة وما يكون فيها من الآجال والأرزاق وما يكون فيها إلى آخرها وهكذا"
روي عن ابن عمر ومجاهد وأبي مالك والضحاك وغير واحد من السلف .
وقوله جل وعلا "حكيم" أي محكم لا يبدل ولا يغير .
أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين (5)
أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين
"أمرا من عندنا" أي جميع ما يكون ويقدره الله تعالى وما يوحيه فبأمره وإذنه وعلمه "إنا كنا مرسلين" أي إلى الناس رسولا يتلو عليهم آيات الله مبينات فإن الحاجة كانت ماسة إليه .
رحمة من ربك إنه هو السميع العليم (6)
رحمة من ربك إنه هو السميع العليم
أي الذي أنزل القرآن هو رب السموات والأرض .
رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (7)
رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين
رب السموات والأرض وما بينهما وخالقهما ومالكهما وما فيهما إن كنتم موقنين أي إن كنتم متحققين.
لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين (8)
لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين
قال تعالى "لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين" وهذه الآية كقوله تعالى "قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت" الآية .
بل هم في شك يلعبون (9)
بل هم في شك يلعبون
يقول تعالى بل هؤلاء المشركون في شك يلعبون أي قد جاءهم الحق اليقين وهم يشكون فيه ويمترون ولا يصدقون به .
فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين (10)
فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين
"فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين" قال سليمان بن مهران الأعمش عن أبي الضحى مسلم بن صبيح عن مسروق قال دخلنا المسجد يعني مسجد الكوفة عند أبواب كندة فإذا رجل يقص على أصحابه "يوم تأتي السماء بدخان مبين" تدرون ما ذلك الدخان ؟ ذلك دخان يأتي يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم ويأخذ المؤمنين منه شبه الزكام قال فأتينا ابن مسعود رضي الله عنه فذكرنا ذلك له وكان مضطجعا ففزع فقعد وقال إن الله عز وجل قال لنبيكم صلى الله عليه وسلم "قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين" إن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم الله أعلم سأحدثكم عن ذلك إن قريشا لما أبطأت عن الإسلام
واستعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف فأصابهم من الجهد والجوع حتى أكلوا العظام والميتة وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا الدخان وفي رواية فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد قال الله تعالى "فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم" فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له يا رسول الله استسق الله لمضر فإنها قد هلكت فاستسقى صلى الله عليه وسلم لهم فسقوا فنزلت "إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون" قال ابن مسعود رضي الله عنه فيكشف عنهم العذاب يوم القيامة فلما أصابهم الرفاهية عادوا إلى حالهم فأنزل الله عز وجل "يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون" قال يعني يوم بدر قال ابن مسعود رضي الله عنه فقد مضى خمسة : الدخان والروم والقمر والبطشة واللزام وهذا الحديث مخرج في الصحيحين ورواه الإمام أحمد في مسنده وهو عند الترمذي والنسائي في تفسيريهما وعند ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق متعددة عن الأعمش به وقد وافق ابن مسعود رضي الله عنه على تفسير الآية بهذا وأن الدخان مضى جماعة من السلف : كمجاهد وأبي العالية وإبراهيم النخعي والضحاك وعطية العوفي وهو اختيار ابن جرير وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا جعفر بن مسافر حدثنا يحيى بن حسان حدثنا ابن لهيعة حدثنا عبد الرحمن الأعرج في قوله عز وجل "يوم تأتي السماء بدخان مبين" قال كان يوم فتح مكة وهذا القول غريب جدا بل منكر وقال آخرون لم يمض الدخان بعد بل هو من أمارات الساعة كما تقدم من حديث
أبي سريحة حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله عنه قال أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من غرفة ونحن نتذاكر الساعة فقال صلى الله عليه وسلم "لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات : طلوع الشمس من مغربها والدخان والدابة وخروج يأجوج ومأجوج وخروج عيسى ابن مريم والدجال وثلاثة خسوف : خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس - أو تحشر الناس - تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا" تفرد بإخراجه مسلم في صحيحه وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابن صياد "إنى خبأت لك"
خبيئا "قال هو الدخ فقال صلى الله عليه وسلم له" اخسأ فلن تعدو قدرك "قال وخبأ له رسول الله صلى الله عليه وسلم" فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين "وهذا فيه إشعار بأنه من المنتظر المرتقب وابن صياد كاشف على طريقة الكهان بلسان الجان وهم يقرظون العبارة ولهذا قال هو الدخ يعني الدخان فعندها عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم مادته وأنها شيطانية فقال صلى الله عليه وسلم" اخسأ فلن تعدو قدرك "ثم قال ابن جرير وحدثني عصام بن رواد بن الجراح حدثنا أبي حدثنا سفيان بن أبي سعيد الثوري حدثنا منصور بن المعتمر عن ربعي بن حراش قال سمعت حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" إن أول الآيات الدجال ونزول عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا والدخان - قال حذيفة رضي الله عنه يا رسول الله وما الدخان ؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية "فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم" - يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة وأما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكمة وأما الكافر فيكون بمنزلة السكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره "قال ابن جرير لو صح هذا الحديث لكان فاصلا وإنما لم أشهد له بالصحة لأن محمد بن خلف العسقلاني حدثني أنه سأل روادا عن هذا الحديث هل سمعه من سفيان ؟ فقال له لا قال أقرأته عليه ؟ قال لا قال : فقلت له أقرئ عليه وأنت حاضر فأقر به فقال لا فقلت له فمن أين جئت به فقال جاءني به قوم فعرضوه علي وقالوا لي سمعه منا فقرءوه علي ثم ذهبوا فحدثوا به عني أو كما"
قال وقد أجاد ابن جرير في هذا الحديث ههنا فإنه موضوع بهذا السند وقد أكثر ابن جرير من سياقه في أماكن من هذا التفسير وفيه منكرات كثيرة جدا ولا سيما في أول سورة بني إسرائيل في ذكر المسجد الأقصى والله أعلم
وقال ابن جرير أيضا حدثني محمد بن عوف حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش حدثني أبي حدثني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن ربكم أنذركم ثلاثا الدخان يأخذ المؤمن كالزكمة ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع منه والثانية الدابة والثالثة الدجال" ورواه الطبراني عن هاشم بن يزيد عن محمد بن إسماعيل بن عياش به وهذا إسناد جيد
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا صفوان حدثنا الوليد حدثنا خليل عن الحسن عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "يهيج الدخان بالناس فأما المؤمن فيأخذه كالزكمة وأما الكافر فينفخه حتى يخرج من كل مسمع منه" ورواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه موقوفا وروى سعيد بن عوف عن الحسن مثله .
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن صالح بن مسلم حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه قال : لم تمض آية الدخان بعد يأخذ المؤمن كهيئة الزكام وتنفخ الكافر حتى ينفذ .
وروى ابن جرير من حديث الوليد بن جميع عن عبد الملك بن المغيرة عن عبد الرحمن بن السليماني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : يخرج الدخان فيأخذ المؤمن كهيئة الزكام ويدخل مسامع الكافر والمنافق حتى يكون كالرأس الحنيذ أي المشوي على الرضف ثم قال ابن جرير حدثني يعقوب حدثنا ابن علية عن ابن جريج عن عبد الله بن أبي مليكة قال غدوت على ابن عباس رضي الله عنهما ذات يوم فقال ما نمت الليلة حتى أصبحت قلت لم ؟ قال : قالوا طلع الكوكب ذو الذنب فخشيت أن يكون الدخان قد طرق فما نمت حتى أصبحت
وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن ابن عمر عن سفيان عن عبد الله بن أبي يزيد عن عبد الله بن أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله عنهما فذكره وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس رضي الله عنهما حبر الأمة وترجمان القرآن وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرهما التي أوردوها مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة مع أنه ظاهر القرآن قال الله تبارك وتعالى "فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين" أي بين واضح يراه كل أحد وعلى ما فسر به ابن مسعود رضي الله عنه إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد .
يغشى الناس هذا عذاب أليم (11)
يغشى الناس هذا عذاب أليم
قوله تعالى "يغشى الناس" أي يتغشاهم ويعميهم ولو كان أمرا خياليا يخص أهل مكة المشركين لما قيل فيه "يغشى الناس" .
وقوله تعالى "هذا عذاب أليم" أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا كقوله عز وجل "يوم يدعون إلى نار جهنم دعا هذه النار التي كنتم بها تكذبون" أو يقول بعضهم لبعض ذلك .
ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون (12)
ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون
قوله سبحانه وتعالى "ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون" أي يقول الكافرون إذا عاينوا عذاب الله وعقابه سائلين رفعه وكشفه عنهم كقوله جلت عظمته "ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين" وكذا قوله جل وعلا "وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال" .
أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين (13)
أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين
قال جل وعلا ههنا "أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين" يقول كيف لهم بالتذكر وقد أرسلنا إليهم رسولا بين الرسالة والنذارة .
ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون (14)
ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون
"ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون" ومع هذا تولوا عنه وما وافقوه بل كذبوه وقالوا معلم مجنون وهذا كقوله جلت عظمته "يوم يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى" الآية وكقوله عز وجل "ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد" إلى آخر السورة .
إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون (15)
إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون
قوله تعالى "إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون" يحتمل معنيين "أحدهما" أنه يقول تعالى ولو كشفنا عنكم العذاب ورجعناكم إلى الدار الدنيا لعدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والتكذيب كقوله تعالى "ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون" وكقوله جلت عظمته "ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم"
لكاذبون "" والثاني "أن يكون المراد إنا مؤخرو العذاب عنكم قليلا بعد انعقاد أسبابه ووصوله إليكم وأنتم مستمرون فيما أنتم فيه من الطغيان والضلال ولا يلزم من الكشف عنهم أن يكون باشرهم كقوله تعالى" إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين "ولم يكن العذاب باشرهم واتصل بهم بل كان قد انعقد سببه عليهم ولا يلزم أيضا أن يكونوا قد أقلعوا عن كفرهم ثم عادوا إليه قال الله تعالى إخبارا عن شعيب عليه السلام أنه قال لقومه حين قالوا لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وشعيب عليه السلام لم يكن قط على ملتهم وطريقتهم وقال قتادة إنكم عائدون إلى عذاب الله ."
يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون (16)
يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون
فسر ذلك ابن مسعود رضي الله عنه بيوم بدر وهذا قول جماعة ممن وافق ابن مسعود رضي الله عنه على تفسيره الدخان بما تقدم وروي أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما من رواية العوفي عنه وعن أبي بن كعب رضي الله عنه وهو محتمل والظاهر أن ذلك يوم القيامة وإن كان يوم بدر يوم بطشة أيضا قال ابن جرير حدثني يعقوب حدثنا ابن علية حدثنا خالد الحذاء عن عكرمة قال : قال ابن عباس رضي الله عنهما قال ابن مسعود رضي الله عنه : البطشة الكبرى يوم بدر وأنا أقول هي يوم القيامة وهذا إسناد صحيح عنه وبه يقول الحسن البصري وعكرمة في أصح الروايتين عنه والله أعلم.
ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم (17)
ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم
يقول تعالى ولقد اختبرنا قبل هؤلاء المشركين قوم فرعون وهم قبط مصر "وجاءهم رسول كريم" يعني موسى كليمه عليه الصلاة والسلام .
أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين (18)
أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين
"أن أدوا إلي عباد الله" كقوله عز وجل "أن أرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى" وقوله جل وعلا "إني لكم رسول أمين" أي مأمون على ما أبلغكموه .
وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين (19)
وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين
قوله تعالى "وأن لا تعلوا على الله" أي لا تستكبروا عن اتباع آياته والانقياد لحججه والإيمان ببراهينه كقوله عز وجل "إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين" "إني آتيكم بسلطان مبين" أي بحجة ظاهرة واضحة وهي ما أرسله الله تعالى به من الآيات البينات والأدلة القاطعات.
وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون (20)
وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون
قال ابن عباس رضي الله عنهما وأبو صالح هو الرجم باللسان وهو الشتم وقال قتادة الرجم بالحجارة أي أعوذ بالله الذي خلقني وخلقكم من أن تصلوا إلي بسوء من قول أو فعل .
وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون (21)
وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون
أي فلا تتعرضوا لي ودعوا الأمر بيني وبينكم مسالمة إلى أن يقضي الله بيننا فلما طال مقامه صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم وأقام حجج الله تعالى عليهم كل ذلك وما زادهم ذلك إلا كفرا وعنادا دعا ربه عليهم دعوة نفذت فيهم كما قال تبارك وتعالى
"وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما" .
فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون (22)
فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون
هكذا قال ههنا "فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون" فعند ذلك أمره الله تعالى أن يخرج ببني إسرائيل من بين أظهرهم من غير أمر فرعون ومشاورته واستئذانه ولهذا قال جل جلاله .
فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون (23)
فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون
كما قال تعالى "ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى" .
واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون (24)
واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون
وذلك أن موسى عليه الصلاة والسلام لما جاوز هو وبنو إسرائيل البحر أراد موسى أن يضربه بعصاه حتى يعود كما كان ليصير حائلا بينهم وبين فرعون فلا يصل إليهم فأمره الله تعالى أن يتركه على حاله ساكنا وبشره بأنهم جند مغرقون فيه وأنه لا يخاف دركا ولا يخشى قال ابن عباس رضي الله عنهما واترك البحر رهوا كهيئه وامضه وقال مجاهد رهوا طريقا يبسا كهيئه يقول لا تأمره يرجع اتركه حتى يرجع آخرهم وكذا قال عكرمة والربيع بن أنس والضحاك وقتادة وابن زيد وكعب الأحبار وسماك بن حرب وغير واحد .
كم تركوا من جنات وعيون (25)
كم تركوا من جنات وعيون
وهي البساتين "وعيون وزروع" والمراد بها الأنهار والآبار .
وزروع ومقام كريم (26)
وزروع ومقام كريم
"ومقام كريم" وهي المساكن الأنيقة والأماكن الحسنة .
وقال مجاهد وسعيد بن جبير "ومقام كريم" المنابر وقال ابن لهيعة عن وهب بن عبد الله المعافري عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال نيل مصر سيد الأنهار سخر الله تعالى له كل نهر بين المشرق والمغرب وذلله له فإذا أراد الله عز وجل أن يجري نيل مصر أمر كل نهر أن يمده فأمدته الأنهار بمائها وفجر الله تبارك وتعالى له الأرض عيونا فإذا انتهى جريه إلى ما أراد الله جل وعلا أوحى الله تعالى إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره وقال في قول الله تعالى "فأخرجناهم من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين" قال كانت الجنان بحافتي نهر النيل من أوله إلى آخره في الشقين جميعا ما بين أسوان إلى رشيد وكان له تسع خليج : خليج الإسكندرية وخليج دمياط وخليج سردوس وخليج منف وخليج الفيوم وخليج المنتهى متصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء وزرع ما بين الجبلين كله من أول مصر إلى آخر ما يبلغه الماء وكانت جميع أرض
مصر تروى من ستة عشر ذراعا لما قدروا ودبروا من قناطرها وجسورها وخلجها .
ونعمة كانوا فيها فاكهين (27)
ونعمة كانوا فيها فاكهين
"ونعمة كانوا فيها فاكهين" أي عيشة كانوا يتفكهون فيها فيأكلون ما شاءوا ويلبسون ما أحبوا مع الأموال أو الجاهات والحكم في البلاد فسلبوا ذلك جميعه في صبيحة واحدة وفارقوا الدنيا وصاروا إلى جهنم وبئس المصير واستولى على البلاد المصرية وتلك الحواصل الفرعونية والممالك القبطية بنو إسرائيل كما قال تبارك وتعالى "كذلك وأورثناها بني إسرائيل" وقال في الآية الأخرى "وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون" .
كذلك وأورثناها قوما آخرين (28)
كذلك وأورثناها قوما آخرين
قال عز وجل ههنا "كذلك وأورثناها قوما آخرين" وهم بنو إسرائيل كما تقدم .
فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين (29)
فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين
قوله سبحانه وتعالى "فما بكت عليهم السماء والأرض" أي لم تكن لهم أعمال صالحة تصعد في أبواب السماء فتبكي على فقدهم ولا لهم في الأرض بقاع عبدوا الله تعالى فيها فقدتهم فلهذا استحقوا أن لا ينظروا ولا يؤخروا لكفرهم وإجرامهم وعتوهم وعنادهم .
قال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده حدثنا أحمد بن إسحاق البصري حدثنا مكي بن إبراهيم حدثنا موسى بن عبيدة حدثني يزيد الرقاشي حدثني أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ما من عبد إلا وله في السماء بابان : باب يخرج منه رزقه وباب يدخل منه عمله وكلامه فإذا مات فقداه وبكيا عليه" وتلا هذه الآية "فما بكت عليهم السماء والأرض" وذكر أنهم لم يكونوا عملوا على الأرض عملا صالحا يبكي عليهم ولم يصعد لهم إلى السماء من كلامهم ولا من عملهم كلام طيب ولا عمل صالح فتفقدهم فتبكي عليهم ورواه ابن أبي حاتم من حديث موسى بن عبيدة وهو الربذي .
وقال ابن جرير حدثني يحيى بن طلحة حدثني عيسى بن يونس عن صفوان بن عمرو عن شريح بن عبيد الحضرمي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الإسلام بدأ"
غريبا وسيعود غريبا كما بدأ ألا لا غربة على مؤمن ما مات مؤمن في غربة غابت عنه فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض - ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم - فما بكت عليهم السماء والأرض - ثم قال - إنهما لا يبكيان على الكافر "وقال ابن أبى حاتم حدثنا أحمد بن عصام حدثنا أبو أحمد يعني الزبيري حدثنا العلاء بن صالح عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله قال سأل رجل عليا رضي الله عنه هل تبكي السماء والأرض على أحد ؟ فقال له لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك إنه ليس من عبد إلا له مصلى في الأرض مصعد عمله من السماء وإن آل فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا عمل يصعد في السماء ثم قرأ علي رضي الله عنه" فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين "وقال ابن جرير حدثنا أبو كريب حدثنا طلق بن غنام عن زائدة عن منصور عن منهال عن سعيد بن جبير قال أتى ابن عباس رضي الله عنهما رجل فقال يا أبا العباس أرأيت قول الله تعالى" فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين "فهل تبكي السماء والأرض على أحد ؟ قال رضي الله عنه نعم إنه ليس أحد من الخلائق إلا وله باب في السماء منه ينزل رزقه وفيه يصعد عمله فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء الذي كان يصعد فيه عمله وينزل منه رزقه ففقده بكى عليه وإذا فقده مصلاه من الأرض التي كان يصلي فيها ويذكر الله عز وجل فيها بكت عليه وإن قوم فرعون لم تكن لهم في الأرض آثار صالحة ولم يكن يصعد إلى الله عز وجل منهم خير فلم تبك عليهم السماء والأرض وروى العوفي عن ابن عباس نحو هذا ."
وقال سفيان الثوري عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان يقال تبكي الأرض على المؤمن أربعين صباحا وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وغير واحد وقال مجاهد أيضا ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحا قال : فقلت له أتبكي الأرض ؟ فقال أتعجب ؟ وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود ؟ وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتكبيره وتسبيحه فيها دوي كدوي النحل
وقال قتادة كانوا أهون على الله عز وجل من أن تبكي عليهم السماء والأرض وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا عبد السلام بن عاصم حدثنا إسحاق بن إسماعيل حدثنا المستورد بن سابق عن عبيد المكتب عن إبراهيم قال ما بكت السماء منذ كانت الدنيا إلا على اثنين قلت لعبيد أليس السماء والأرض تبكي على المؤمن ؟ قال ذاك مقامه حيث يصعد عمله قال وتدري ما بكاء السماء ؟ قلت لا قال تحمر وتصير وردة كالدهان : إن يحيى بن زكريا عليه الصلاة والسلام لما قتل احمرت السماء وقطرت دما وإن الحسين بن علي رضي الله عنهما لما قتل احمرت السماء .
وحدثنا علي بن الحسين حدثنا أبو غسان محمد بن عمرو زنيج حدثنا جرير عن يزيد بن أبي زياد قال لما قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما احمرت آفاق السماء أربعة أشهر قال يزيد واحمرارها بكاؤها وهكذا قال السدي في الكبير وقال عطاء الخراساني بكاؤها أن تحمر أطرافها وذكروا أيضا في مقتل الحسين رضي الله عنه أنه ما قلب حجر يومئذ إلا وجد تحته دم عبيط وأنه كسفت الشمس واحمر الأفق وسقطت حجارة وفي كل من ذلك نظر والظاهر أنه من سخف الشيعة وكذبهم ليعظموا الأمر ولا شك أنه عظيم ولكن لم يقع هذا الذي اختلقوه وكذبوه وقد وقع ما هو أعظم من قتل الحسين رضي الله عنه ولم يقع شيء مما ذكروه فإنه قد قتل أبوه علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو أفضل منه بالإجماع ولم يقع شيء من ذلك وعثمان بن عفان رضي الله عنه قتل محصورا مظلوما ولم يكن شيء من ذلك وعمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل في المحراب في صلاة الصبح وكأن المسلمين لم تطرقهم مصيبة قبل ذلك ولم يكن شيء من ذلك وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد البشر في الدنيا والآخرة يوم مات لم يكن شيء مما ذكروه ويوم مات إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم خسفت الشمس فقال الناس خسفت لموت إبراهيم فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الكسوف وخطبهم وبين لهم أن الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته .
ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين (30)
ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين
قوله تبارك وتعالى "ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين" يمتن عليهم تعالى بذلك حيث أنقذهم مما كانوا فيه من إهانة فرعون وإذلاله
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|