عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 09-12-2025, 03:29 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,675
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(12)
.تفسير سورة الشورى
من صـ 271 الى صــ 285
الحلقة (454)






الآية "قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى" قالوا يا رسول الله من هؤلاء الذين أمر الله بمودتهم ؟ قال "فاطمة وولدها رضي الله عنهم" وهذا إسناد ضعيف فيه مبهم لا يعرف عن شيخ شيعي مخترق وهو حسين الأشقر ولا يقبل خبره في هذا المحل وذكر نزول الآية في المدينة بعيد فإنها مكية ولم يكن إذ ذاك لفاطمة رضي الله عنها أولاد بالكلية فإنها لم تتزوج بعلي رضي الله عنه إلا بعد بدر من السنة الثانية من الهجرة والحق تفسير هذه الآية بما فسرها به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كما رواه عنه البخاري ولا ننكر الوصاة بأهل البيت والأمر بالإحسان إليهم واحترامهم وإكرامهم فإنهم من ذرية طاهرة من أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخرا وحسبا ونسبا ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه وعلي وأهل بيته وذريته رضي الله عنهم أجمعين .
وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته بغدير خم "إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي وإنهما لم يفترقا حتى يردا علي الحوض" وقال الإمام أحمد حدثنا يزيد بن هارون أنا إسماعيل بن أبي خالد عن يزيد

بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال : قلت يا رسول الله إن قريشا إذا لقي بعضهم بعضا لقوهم ببشر حسن وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها قال فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا وقال "والذي نفسي بيده لا يدخل قلب الرجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله" ثم قال أحمد حدثنا جرير عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث عن عبد المطلب بن ربيعة قال دخل العباس رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنا لنخرج فنرى قريشا تحدث فإذا رأونا سكتوا فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودر عرق بين عينيه ثم قال صلى الله عليه وسلم "والله لا يدخل قلب امرئ مسلم إيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي" وقال البخاري حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب حدثنا خالد حدثنا شعبة عن واقد قال سمعت أبي يحدث عن ابن عمر رضي الله عنهما عن أبي بكر - هو الصديق - رضي الله عنه قال ارقبوا محمدا صلى الله عليه وسلم في أهل بيته .
وفي الصحيح أن الصديق رضي الله عنه قال لعلي رضي الله عنه : والله لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي وقال عمر بن الخطاب للعباس رضي الله تعالى عنهما والله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم لأن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب .
فحال الشيخين رضي الله عنهما هو الواجب على كل أحد أن يكون كذلك ولهذا كانا أفضل المؤمنين بعد النبيين والمرسلين رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة أجمعين وقال الإمام أحمد رحمه الله حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أبي حيان التيمي حدثني يزيد بن حيان قال انطلقت أنا وحصين بن ميسرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم رضي الله عنه فلما جلسنا إليه قال حصين لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعت حديثه وغزوت معه وصليت معه لقد رأيت يا زيد خيرا كثيرا حدثنا

يا زيد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا ابن أخي لقد كبر سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فما حدثتكم فاقبلوه وما لا فلا تكلفونيه ثم قال رضي الله عنه : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطيبا فينا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة فحمد الله تعالى وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال صلى الله عليه وسلم "أما بعد أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله تعالى فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به" فحث على كتاب الله ورغب فيه وقال صلى الله عليه وسلم "وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي" فقال له حصين ومن أهل بيته يا زيد ؟ أليس نساؤه من أهل بيته ؟ قال إن نساءه لسن من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم عليه الصدقة بعده قال ومن هم ؟ قال هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس رضي الله عنهم قال أكل هؤلاء حرم عليه الصدقة ؟ قال نعم .
وهكذا رواه مسلم والنسائي من طرق يزيد بن حبان به وقال أبو عيسى الترمذي حدثنا علي بن المنذر الكوفي حدثنا محمد بن فضيل حدثنا الأعمش عن عطية عن أبي سعيد والأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض والآخر عترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما" تفرد بروايته ثم قال هذا حديث حسن غريب وقال الترمذي أيضا حدثنا نصر بن عبد الرحمن الكوفي حدثنا زيد بن الحسن عن جعفر بن محمد بن الحسن عن أبيه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم

في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول "يا أيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي" تفرد به الترمذي أيضا وقال حسن غريب.
وفي الباب عن أبي ذر وأبي سعيد وزيد بن أرقم وحذيفة بن أسيد رضي الله عنهم .
ثم قال الترمذي أيضا ثنا أبو داود سليمان الأشعث حدثنا يحيى بن معين حدثنا هشام بن يوسف عن عبد الله بن سليمان النوفلي عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده عبد الله بن عباس رضي الله عنهم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أحبوا الله تعالى لما يغذوكم من نعمه وأحبوني بحب الله وأحبوا أهل بيتي بحبي" ثم قال حسن غريب إنما نعرفه من هذا الوجه وقد أوردنا أحاديث أخر عند قوله تعالى "إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا" بما أغنى عن إعادتها ههنا ولله الحمد والمنة .
وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا سويد بن سعيد حدثنا مفضل بن عبد الله عن أبي إسحاق عن حنش قال سمعت أبا ذر رضي الله عنه وهو آخذ بحلقة الباب يقول : يا أيها الناس من

عرفني فقد عرفني ومن أنكرني فأنا أبو ذر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح عليه الصلاة والسلام من دخلها نجا ."
ومن تخلف عنها هلك "هذا بهذا الإسناد ضعيف ."
وقوله عز وجل "ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا" أي ومن يعمل حسنة نزد له فيها حسنا أي أجرا وثوابا كقوله تعالى "إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما" وقال بعض السلف إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها ومن جزاء السيئة بعدها وقوله تعالى "إن الله غفور شكور" أي يغفر الكثير من السيئات ويكثر القليل من الحسنات فيستر ويغفر ويضاعف فيشكر.
أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور (24)
أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور
أي لو افتريت عليه كذبا كما يزعم هؤلاء الجاهلون "يختم على قلبك" أي يطبع على قلبك وسلبك ما كان آتاك من القرآن كقوله جل جلاله "ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين" أي لانتقمنا منه أشد الانتقام وما قدر أحد من الناس أن يحجز عنه .
وقوله جلت عظمته "ويمح الله الباطل" ليس معطوفا على قوله "يختم" فيكون مجزوما بل هو مرفوع على الابتداء .
قاله ابن جرير قال وحذفت من كتابته الواو في رسم مصحف الإمام كما حذفت في قوله "سندع الزبانية" وقوله تعالى "ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير" .
وقوله عز وجل "ويحق الحق بكلماته" معطوف على "ويمح الله الباطل ويحق الحق" أي يحققه ويثبته ويبينه ويوضحه بكلماته أي بحججه وبراهينه "إنه عليم بذات الصدور" أي بما تكنه الضمائر وتنطوي عليه السرائر .
وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون (25)
وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون

يقول تعالى ممتنا على عباده بقبول توبتهم إليه إذا تابوا ورجعوا إليه إنه من كرمه وحلمه أنه يعفو ويصفح ويستر ويغفر كقوله عز وجل "ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما" وقد ثبت في صحيح مسلم رحمة الله عليه حيث قال حدثنا محمد بن الصباح وزهير بن حرب قالا : حدثنا عمر بن يونس حدثنا عكرمة بن عمار حدثنا إسحاق بن أبي طلحة حدثني أنس بن مالك وهو عمه رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لله تعالى أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كانت راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك - أخطأ من شدة الفرح -" وقد ثبت أيضا في الصحيح من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه نحوه وقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في قوله تعالى "وهو الذي يقبل التوبة عن عباده" إن أبا هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في المكان الذي يخاف أن يقتله فيه العطش" وقال همام بن الحارث سئل ابن مسعود رضي الله عنه عن الرجل يفجر بالمرأة ثم يتزوجها ؟ قال لا بأس به وقرأ "وهو الذي يقبل التوبة عن عباده" الآية .
رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث شريح القاضي عن إبراهيم بن مهاجر عن إبراهيم النخعي عن همام

فذكره وقوله عز وجل "ويعفو عن السيئات" أي يقبل التوبة في المستقبل ويعفو عن السيئات في الماضي "ويعلم ما تفعلون" أي هو عالم بجميع ما فعلتم وصنعتم وقلتم ومع هذا يتوب على من تاب إليه .
ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد (26)
ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد
قال السدي يعني يستجيب لهم وكذا قال ابن جرير معناه يستجيب لهم الدعاء لأنفسهم ولأصحابهم وإخوانهم وحكاه عن بعض النحاة وأنه جعلها كقوله عز وجل "فاستجاب لهم ربهم" ثم روى هو وابن أبي حاتم من حديث الأعمش عن شقيق بن سلمة عن سلمة بن سبرة قال خطبنا معاذ رضي الله عنه بالشام فقال أنتم المؤمنون وأنتم أهل الجنة والله إني لأرجو أن يدخل الله تعالى من تسبون من فارس والروم الجنة وذلك بأن أحدكم إذا عمل له يعني أحدهم عملا قال أحسنت رحمك الله أحسنت بارك الله فيك ثم قرأ "ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله" .
وحكى ابن جرير من بعض أهل العربية أنه جعل قوله "الذين يستمعون القول" أي هم الذين يستجيبون للحق ويتبعونه كقوله تبارك وتعالى "إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله" والمعنى الأول أظهر لقوله تعالى "ويزيدهم من فضله" أي يستجيب دعاءهم ويزيدهم فوق ذلك .
ولهذا قال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا محمد بن المصفى حدثنا بقية حدثنا إسماعيل بن عبد الله الكندي حدثنا الأعمش عن شقيق عن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى "ويزيدهم من فضله" قال "الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليهم معروفا في الدنيا"

وقال قتادة عن إبراهيم النخعي في قوله عز وجل "ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات" قال يشفعون في إخوانهم "ويزيدهم من فضله" قال يشفعون في إخوان إخوانهم.
وقوله عز وجل "والكافرون لهم عذاب شديد" لما ذكر المؤمنين وما لهم من الثواب الجزيل ذكر الكافرين وما لهم عنده يوم القيامة من العذاب الشديد الموجع المؤلم يوم معادهم وحسابهم .
ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير (27)
ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير
أي لو أعطاهم فوق حاجتهم من الرزق لحملهم ذلك على البغي والطغيان من بعضهم على بعض أشرا وبطرا وقال قتادة كان يقال خير العيش ما لا يلهيك ولا يطغيك وذكر قتادة حديث "إنما أخاف عليكم ما يخرج الله تعالى من زهرة الحياة الدنيا" وسؤال السائل أيأتي الخير بالشر ؟ الحديث .
وقوله عز وجل "ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير" أي ولكن يرزقهم من الرزق ما يختاره مما فيه صلاحهم وهو أعلم بذلك فيغني من يستحق الغنى ويفقر من يستحق الفقر كما جاء في الحديث المروي "إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه"

وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد (28)
وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد
أي من بعد إياس الناس من نزول المطر ينزله عليهم في وقت حاجتهم وفقرهم إليه كقوله عز وجل "وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين" وقوله جل جلاله "وينشر رحمته" أي يعم بها الوجود على أهل ذلك القطر وتلك الناحية قال قتادة ذكر لنا أن رجلا قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه يا أمير المؤمنين قحط المطر وقنط الناس فقال عمر رضي الله عنه مطرتم ثم قرأ "وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد" أي هو المتصرف لخلقه بما ينفعهم في دنياهم وأخراهم وهو المحمود العاقبة في جميع ما يقدره ويفعله.
ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير (29)
ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير
يقول تعالى "ومن آياته" الدالة على عظمته وقدرته العظيمة وسلطانه القاهر "خلق السماوات والأرض وما بث فيهما" أي ذرأ فيهما أي في السماوات والأرض "من دابة" وهذا يشمل الملائكة والإنس والجن وسائر الحيوانات على اختلاف أشكالهم وألوانهم ولغاتهم وطباعهم وأجناسهم وأنواعهم وقد فرقهم في أرجاء أقطار السماوات والأرض "وهو" مع هذا كله "على جمعهم إذا يشاء قدير" أي يوم القيامة يجمع الأولين والآخرين وسائر الخلائق في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر فيحكم فيهم بحكمه العدل الحق .
وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير (30)
وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير
أي مهما أصابكم أيها الناس من المصائب فإنما هي عن سيئات تقدمت لكم "ويعفو عن كثير" أي من السيئات فلا يجازيكم عليها بل يعفو عنها "ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة" وفي الحديث الصحيح "والذي نفسي بيده لا يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن إلا كفر الله عنه بها من خطاياه حتى الشوكة يشاكها" وقال ابن جرير ثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن علية حدثنا أيوب قال : قرأت في كتاب أبي قلابة قال نزلت "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" وأبو بكر رضي الله عنه يأكل فأمسك وقال : يا رسول الله إني أرى ما عملت من خير وشر ؟ فقال "أرأيت ما رأيت مما تكره ؟ فهو من مثاقيل ذر الشر وتدخل مثاقيل الخير حتى تعطاه يوم القيامة" قال : قال أبو إدريس فإني أرى مصداقها في كتاب الله تعالى "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير" ثم رواه من وجه آخر عن أبي قلابة عن أنس رضي الله عنه قال والأول أصح

وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع حدثنا مروان عن معاوية الفزاري حدثنا الأزهر بن راشد الكاهلي عن الخضر بن القواس البجلي عن أبي سخيلة عن علي رضي الله عنه قال : ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله عز وجل وحدثنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال "ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير" وسأفسرها لك يا علي : ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم والله تعالى أحلم من أن يثني عليه العقوبة في الآخرة وما عفا الله عنه في الدنيا فالله تعالى أكرم من أن يعود بعد عفوه "وكذا رواه الإمام أحمد عن مروان بن معاوية وعبدة عن أبي سخيلة قال : قال علي رضي الله عنه فذكر نحوه مرفوعا ."
ثم روى ابن أبي حاتم نحوه من وجه آخر موقوفا فقال : حدثنا أبي حدثنا منصور بن أبي مزاحم حدثنا أبو سعيد بن أبي الوضاح عن أبي الحسن عن أبي جحيفة قال دخلت على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال : ألا أحدثكم بحديث ينبغي لكل مؤمن أن يعيه ؟ قال فسألناه فتلا هذه الآية "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير" قال ما عاقب الله تعالى به في الدنيا فالله أحلم من أن يثني عليه العقوبة يوم القيامة وما عفا الله عنه في الدنيا فالله أكرم من أن يعود في عفوه يوم القيامة وقال الإمام أحمد حدثنا يعلى بن عبيد حدثنا طلحة يعني ابن يحيى عن أبي بردة عن معاوية هو ابن أبي سفيان رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله

صلى الله عليه وسلم يقول "ما من شيء يصيب المؤمن في جسده يؤذيه إلا كفر الله تعالى عنه به من سيئاته" وقال الإمام أحمد أيضا حدثنا حسن عن زائدة عن ليث عن مجاهد عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له ما يكفرها ابتلاه الله تعالى بالحزن ليكفرها" .
وقال ابن أبي حاتم حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي حدثنا أبو أسامة عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن هو البصري قال في قوله تبارك وتعالى "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير" قال لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "والذي نفس محمد بيده ما من خدش عود ولا اختلاج عرق ولا عثرة قدم إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر" .
وقال أيضا حدثنا أبي حدثنا عمرو بن علي حدثنا هشيم عن منصور عن الحسن عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال : دخل عليه بعض أصحابه وقد كان ابتلي في جسده فقال له بعضهم إنا لنبأس لك لما نرى فيك قال فلا تبتئس بما

ترى فإن ما ترى بذنب وما يعفو الله عنه أكثر ثم تلا هذه الآية "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير" .
وحدثنا أبي حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني حدثنا جرير عن أبي البلاد قال : قلت للعلاء بن بدر "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم" وقد ذهب بصري وأنا غلام ؟ قال فبذنوب والديك .
وحدثنا أبي حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا وكيع عن عبد العزيز بن أبي داود عن الضحاك قال ما نعلم أحدا حفظ القرآن ثم نسيه إلا بذنب ثم قرأ الضحاك "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير" ثم يقول الضحاك وأي مصيبة أعظم من نسيان القرآن .
وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (31)
لا يوجد تفسير لهذه الأية
ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام (32)
ومن آياته الجواري في البحر كالأعلام
يقول تعالى ومن آياته الدالة على قدرته الباهرة وسلطانه تسخيره البحر لتجري فيه الفلك

بأمره وهي الجواري في البحر كالأعلام أي كالجبال قاله مجاهد والحسن والسدي والضحاك أي هذه في البحر كالجبال في البر .
إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (33)
إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور
أي التي تسير في البحر بالسفن لو شاء لسكنها حتى لا تتحرك السفن بل تبقى راكدة لا تجيء ولا تذهب بل واقفة على ظهره أي على وجه الماء "إن في ذلك لآيات لكل صبار" أي في الشدائد "شكور" أي إن في تسخيره البحر وإجرائه في الهوى بقدر ما يحتاجون إليه لسيرهم لدلالات على نعمه تعالى على خلقه لكل صبار أي في الشدائد شكور في الرخاء .
أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير (34)
أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير
أي ولو شاء لأهلك السفن وغرقها بذنوب أهلها الذين هم راكبون فيها "ويعفوا عن كثير" أي من ذنوبهم ولو آخذهم بجميع ذنوبهم لأهلك كل من ركب البحر وقال بعض علماء التفسير معنى قوله تعالى "أو يوبقهن بما كسبوا" أي لو شاء لأرسل الريح قوية عاتية فأخذت السفن وأحالتها عن سيرها المستقيم فصرفتها ذات اليمين أو ذات الشمال آبقة لا تسير على طريق ولا إلى جهة مقصد وهذا القول هو يتضمن هلاكها وهو مناسب للأول وهو أنه تعالى لو شاء لسكن الريح فوقفت أو لقواه فشردت وأبقت وهلكت ولكن من لطفه ورحمته أنه يرسله بحسب الحاجة كما يرسل المطر بقدر الكفاية ولو أنزله كثيرا جدا لهدم البنيان أو قليلا لما أنبت الزرع والثمار حتى إنه يرسل إلى مثل بلاد مصر سيحا من أرض أخرى غيرها لأنهم لا يحتاجون إلى مطر ولو أنزل عليهم لهدم بنيانهم وأسقط جدرانهم .
ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص (35)
ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص
أي لا محيد لهم عن بأسنا ونقمتنا فإنهم مقهورون بقدرتنا .
فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (36)
فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون

يقول تعالى محقرا لشأن الحياة الدنيا وزينتها وما فيها من الزهرة والنعيم الفاني بقوله تعالى "فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا" أي مهما حصلتم وجمعتم فلا تغتروا به فإنما هو متاع الحياة الدنيا وهي دار دنيئة فانية زائلة لا محالة "وما عند الله خير وأبقى" أي وثواب الله تعالى خير من الدنيا وهو باق سرمدي فلا تقدموا الفاني على الباقي ولهذا قال تعالى "للذين آمنوا" أي للذين صبروا على ترك الملاذ في الدنيا "وعلى ربهم يتوكلون" أي ليعينهم على الصبر في أداء الواجبات وترك المحرمات .
والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون (37)
والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون
قال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا أحد أغير من الله فلذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه المدح من الله" أخرجاه في الصحيحين من حديث سليمان بن مهران الأعمش عن شقيق عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود.
"وإذا ما غضبوا هم يغفرون" أي سجيتهم تقتضي الصفح والعفو عن الناس ليس سجيتهم الانتقام من الناس وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله .
وفي حديث آخر كان يقول لأحدنا عند المعتبة "ما له تربت يمينه" وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن زائدة عن منصور عن إبراهيم قال : كان المؤمنون يكرهون أن يستذلوا وكانوا إذا قدروا عفوا .
والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون (38)
والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون
أي اتبعوا رسله وأطاعوا أمره واجتنبوا زجره "وأقاموا الصلاة" وهي أعظم العبادات لله عز وجل "وأمرهم شورى بينهم" أي لا يبرمون أمرا حتى يتشاوروا فيه ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها كما قال تبارك وتعالى "وشاورهم في الأمر" الآية ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يشاورهم في الحروب ونحوها ليطيب بذلك قلوبهم وهكذا لما حضرت عمر بن




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 43.51 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 42.88 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.44%)]