عرض مشاركة واحدة
  #430  
قديم 08-12-2025, 05:02 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,505
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(11)
تفسير سورة يس
من صـ 337 الى صــ 349
الحلقة (430)



للأنبياء في مدة أعماركم فما لكم اليوم ناصر ينقذكم مما أنتم فيه من العذاب والنكال والأغلال .
إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور (38)
إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور
يخبر تعالى بعلمه غيب السماوات والأرض وأنه يعلم ما تكنه السرائر وما تنطوي عليه الضمائر وسيجازي كل عامل بعمله .
هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا (39)
هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا
ثم قال عز وجل "هو الذي جعلكم خلائف في الأرض" أي يخلف قوم لآخرين قبلهم وجيل لجيل قبلهم .
كما قال تعالى : "ويجعلكم خلفاء الأرض" "فمن كفر فعليه كفره" أي فإنما يعود وبال ذلك على نفسه دون غيره "ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا" أي كلما استمروا على كفرهم أبغضهم الله تعالى وكلما استمروا فيه خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة بخلاف المؤمنين فإنهم كلما طال عمر أحدهم وحسن عمله ارتفعت درجته ومنزلته في الجنة وزاد أجره وأحبه خالقه وبارئه رب العالمين .
قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا (40)
قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا
يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين "أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله" أي من الأصنام والأنداد "أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات" أي ليس لهم شيء من ذلك ما يملكون من قطمير وقوله "أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه" أي أم أنزلنا عليهم كتابا بما يقولونه من الشرك والكفر ؟ ليس الأمر كذلك "بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا" أي بل إنما اتبعوا في ذلك أهواءهم وآراءهم وأمانيهم التي تمنوها لأنفسهم وهي غرور وباطل وزور

إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا (41)
إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا
ثم أخبر تعالى عن قدرته العظيمة التي بها تقوم السماء والأرض عن أمره وما جعل فيهما من القوة الماسكة لهما فقال "إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا" أي أن تضطربا عن أماكنهما كما قال عز وجل "ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه" وقال تعالى : "ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره" "ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده" أي لا يقدر على دوامهما وإبقائهما إلا هو وهو مع ذلك حليم غفور أن يرى عباده وهم يكفرون به ويعصونه وهو يحلم فيؤخر وينظر ويؤجل ولا يعجل ويستر آخرين ويغفر ولهذا قال تعالى : "إنه كان حليما غفورا" .
وقد أورد ابن أبى حاتم ههنا حديثا غريبا بل منكرا فقال حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثني هشام بن يوسف عن أمية بن سهل عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى عليه الصلاة والسلام على المنبر قال : "وقع في نفس موسى عليه الصلاة والسلام هل ينام الله عز وجل فأرسل الله تعالى إليه ملكا فأرقه ثلاثا وأعطاه قارورتين في كل يد قارورة وأمره أن يحتفظ بهما قال فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان ثم يستيقظ فيجلس إحداهما عن الأخرى حتى نام نومه فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان قال ضرب الله له مثلا أن الله عز وجل لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض" والظاهر أن هذا الحديث ليس بمرفوع بل من الإسرائيليات المنكرة فإن موسى عليه الصلاة والسلام أجل من أن يجوز على الله سبحانه وتعالى النوم وقد أخبر الله عز وجل في كتابه العزيز بأنه "الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض" وثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله تعالى لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه ويرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه"

ما انتهى إليه بصره من خلقه "وقد قال أبو جعفر بن جرير حدثنا ابن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائل قال : جاء رجل إلى عبد الله هو ابن مسعود رضي الله عنه فقال من أين جئت ؟ قال من الشام قال من لقيت ؟ قال لقيت كعبا قال ما حدثك ؟ قال حدثني أن السماوات تدور على منكب ملك قال أفصدقته أو كذبته ؟ قال ما صدقته ولا كذبته قال لوددت أنك افتديت من رحلتك إليه براحلتك ورحلها كذب كعب إن الله تعالى يقول" إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده "وهذا إسناد صحيح إلى كعب وإلى ابن مسعود رضي الله عنه ثم رواه ابن جرير عن ابن حميد عن جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال ذهب جندب البجلي إلى كعب بالشام فذكر نحوه."
وقد رأيت في مصنف للفقيه يحيى بن إبراهيم بن مزين الطليطلي سماه - سير الفقهاء - أورد هذا الأثر عن محمد بن عيسى بن الطباع عن وكيع عن الأعمش به ثم قال وأخبرنا زونان يعني عبد الملك بن الحسين عن ابن وهب عن مالك أنه قال السماء لا تدور واحتج بهذه الآية وبحديث "إن بالمغرب بابا للتوبة لا يزال مفتوحا حتى تطلع الشمس منه" قلت وهذا الحديث في الصحيح والله سبحانه وتعالى أعلم .
وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا (42)
وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا

يخبر تعالى عن قريش والعرب أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم قبل إرسال الرسول إليهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم أي من جميع الأمم الذين أرسل إليهم الرسل قاله الضحاك وغيره كقوله تعالى : "أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفة من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها" وكقوله تعالى : "وإن كانوا ليقولون لو أن عندنا ذكرا من الأولين لكنا عباد الله المخلصين فكفروا به فسوف يعلمون" قال الله تعالى : "فلما جاءهم نذير" وهو محمد صلى الله عليه وسلم بما أنزل معه من الكتاب العظيم وهو القرآن المبين "ما زادهم إلا نفورا" أي ما ازدادوا إلا كفرا إلى كفرهم .
استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا (43)
استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا
ثم بين ذلك بقوله "استكبارا في الأرض" أي استكبروا عن اتباع آيات الله "ومكر السيئ" أي ومكروا بالناس في صدهم إياهم عن سبيل الله "ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله" أي وما يعود وبال ذلك إلا عليهم أنفسهم دون غيرهم .
قال ابن أبي حاتم ذكر علي بن الحسين حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن أبي زكريا الكوفي عن رجل حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إياك ومكر السيئ فإنه لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ولهم من الله طالب" وقال محمد بن كعب القرظي ثلاث من فعلهن لم ينج حتى ينزل به من مكر أو بغي أو نكث وتصديقها في كتاب الله تعالى "ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله" "إنما بغيكم على أنفسكم" "ومن نكث فإنما ينكث على نفسه" وقوله عز وجل "فهل ينظرون إلا سنة الأولين" يعني عقوبة الله لهم على تكذيبهم رسله ومخالفتهم أمره "ولن تجد لسنة الله تبديلا" أي لا تغير ولا تبدل بل هي جارية كذلك في كل مكذب "ولن تجد لسنة الله تحويلا" أي "وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له" ولا يكشف ذلك عنهم ويحوله عنهم أحد والله أعلم .
أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا (44)
أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان
عليما قديرا
يقول تعالى قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به من الرسالة سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين كذبوا الرسل كيف دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها فخلت منهم منازلهم وسلبوا ما كانوا فيه من النعيم بعد كمال القوة وكثرة العدد والعدة وكثرة الأموال والأولاد فما أغنى ذلك شيئا ولا دفع عنهم من عذاب الله من شيء لما جاء أمر ربك لأنه تعالى لا يعجزه شيء إذا أراد كونه في السماوات والأرض "إنه كان عليما قديرا" أي عليم بجميع الكائنات قدير على مجموعها .
ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا (45)
ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا
ثم قال تعالى : "ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة" أي لو آخذهم بجميع ذنوبهم لأهلك جميع أهل السماوات والأرض وما يملكونه من دواب وأرزاق .
قال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن سنان حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال : كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم ثم قرأ "ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة" وقال سعيد بن جبير والسدي في قوله تعالى : "ما ترك على ظهرها من دابة" أي لما سقاهم المطر فماتت جميع الدواب "ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى" أي ولكن ينظرهم إلى يوم القيامة فيحاسبهم يومئذ ويوفي كل عامل بعمله فيجازي بالثواب أهل الطاعة وبالعقاب أهل المعصية .
ولهذا قال تبارك وتعالى "فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا" .
آخر تفسير سورة فاطر ولله الحمد والمنة .

سورة يس مكية
يس (1)
يس
سورة يس : قال أبو عيسى الترمذي حدثنا قتيبة وسفيان بن وكيع حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرواسي عن الحسن بن صالح عن هارون أبي محمد عن مقاتل بن حيان عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن لكل شيء قلبا وقلب القرآن يس ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات" ثم قال هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حميد بن عبد الرحمن وهارون أبو محمد شيخ مجهول .
وفي الباب عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ولا يصح لضعف إسناده وعن أبي هريرة رضي الله عنه منظور فيه .
أما حديث الصديق رضي الله عنه فرواه الحكيم الترمذي في كتابه نوادر الأصول .
وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه فقال أبو بكر البزار حدثنا عبد الرحمن بن الفضل حدثنا زيد هو ابن الحباب حدثنا حميد هو المكي مولى آل علقمة عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن لكل شيء قلبا وقلب القرآن يس" ثم قال لا نعلم رواه إلا زيد عن حميد .
وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل حدثنا حجاج بن محمد عن هشام بن زياد عن الحسن قال سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من قرأ يس في ليلة أصبح مغفورا له ومن قرأ حم التي يذكر فيها الدخان أصبح مغفورا له" إسناده جيد .

وقال ابن حبان في صحيحه حدثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف حدثنا الوليد بن شجاع بن الوليد السكوني حدثنا أبي حدثنا زياد بن خيثمة حدثنا محمد بن جحادة عن الحسن عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من قرأ يس في ليلة ابتغاء وجه الله عز وجل غفر له" .
وقد قال الإمام أحمد حدثنا عارم حدثنا معتمر عن أبيه عن رجل عن أبيه عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "البقرة سنام القرآن وذروته نزل مع كل آية منها ثمانون ملكا واستخرجت" الله لا إله إلا هو الحي القيوم "من تحت العرش فوصلت بها - أو فوصلت بسورة البقرة - ويس قلب القرآن لا يقرؤها رجل يريد الله تعالى والدار الآخرة إلا غفر له واقرءوها على موتاكم" وكذا رواه النسائي في اليوم والليلة عن محمد بن عبد الأعلى عن معتمر بن سليمان به .
ثم قال الإمام أحمد حدثنا عارم حدثنا ابن المبارك حدثنا سليمان التيمي عن أبي عثمان وليس بالنهدي عن أبيه عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اقرءوها على موتاكم" يعني يس ورواه أبو داود والنسائي في اليوم والليلة وابن ماجه من حديث عبد الله بن المبارك به إلا أن في رواية النسائي عن أبي عثمان عن معقل بن يسار رضي الله عنه ولهذا قال بعض العلماء من خصائص هذه السورة أنها لا تقرأ عند أمر عسير إلا يسره الله تعالى وكأن قراءتها عند الميت لتنزل الرحمة والبركة وليسهل عليه خروج الروح والله تعالى أعلم .
قال الإمام أحمد رحمه الله حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان قال : كان المشيخة يقولون إذا قرئت يعني يس عند الميت خفف الله عنه بها .

وقال البزار حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : "لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي" يعني يس .
قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما وعكرمة والضحاك والحسن وسفيان بن عيينة أن يس بمعنى يا إنسان وقال سعيد بن جبير هو كذلك في لغة الحبشة وقال مالك عن زيد بن أسلم هو اسم من أسماء الله تعالى .
والقرآن الحكيم (2)
والقرآن الحكيم
والقرآن الحكيم "أي المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ."
إنك لمن المرسلين (3)
إنك لمن المرسلين
إنك "أي يا محمد ."
على صراط مستقيم (4)
على صراط مستقيم
لمن المرسلين على صراط مستقيم "أي على منهج ودين قويم وشرع مستقيم ."
تنزيل العزيز الرحيم (5)
تنزيل العزيز الرحيم
تنزيل العزيز الرحيم "أي هذا الصراط والمنهج والدين الذي جئت به تنزيل من رب العزة الرحيم بعباده المؤمنين كما قال تعالى :" وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور "."
لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون (6)
لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون
وقوله تعالى "لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون" يعني بهم العرب فإنه ما أتاهم من نذير من قبله , وذكرهم وحدهم لا ينفي من عداهم كما أن ذكر بعض الأفراد لا ينفي العموم وقد تقدم ذكر الآيات والأحاديث المتواترة في عموم بعثته صلى الله عليه وسلم .
لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون (7)
لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون
قوله تعالى : "قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا" .
وقوله تعالى "لقد حق القول على أكثرهم" قال ابن جرير لقد وجب العذاب على أكثرهم

بأن الله تعالى قد حتم عليهم في أم الكتاب أنهم لا يؤمنون "فهم لا يؤمنون" بالله ولا يصدقون رسله .
إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون (8)
إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون
يقول تعالى إنا جعلنا هؤلاء المحتوم عليهم بالشقاء نسبتهم إلى الوصول إلى الهدى كنسبة من جعل في عنقه غل فجمع يديه مع عنقه تحت ذقنه فارتفع رأسه فصار مقمحا ولهذا قال تعالى "فهم مقمحون" والمقمح هو الرافع رأسه كما قالت أم زرع في كلامها : وأشرب فأتقمح ; أي أشرب فأروى وأرفع رأسي تهنيئا وترويا واكتفى بذكر الغل في العنق عن ذكر اليدين وإن كانتا مرادتين كما قال الشاعر :
فما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني
أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي لا يأتليني
فاكتفى بذكر الخير عن ذكر الشر لما دل الكلام والسياق عليه .
وهكذا هذا لما كان الغل إنما يعرف فيما جمع اليدين مع العنق اكتفى بذكر العنق عن اليدين قال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى "إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون" قال هو كقوله عز وجل "ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك" يعني بذلك أن أيديهم موثقة إلى أعناقهم لا يستطيعون أن يبسطوها بخير .
وقال مجاهد "فهم مقمحون" قال رافعي رءوسهم وأيديهم موضوعة على أفواههم فهم مغلولون عن كل خير .
وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون (9)
وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون
وقوله تعالى "وجعلنا من بين أيديهم سدا" قال مجاهد عن الحق "ومن خلفهم سدا" قال مجاهد : عن الحق فهم مترددون .
وقال قتادة في الضلالات وقوله تعالى "فأغشيناهم" أي أغشينا أبصارهم عن الحق "فهم لا يبصرون" أي لا ينتفعون بخير ولا يهتدون إليه

قال ابن جرير : وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ "فأعشيناهم" بالعين المهملة من العشا وهو داء في العين وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : جعل الله تعالى هذا السد بينهم وبين الإسلام والإيمان فهم لا يخلصون إليه وقرأ "إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم" ثم قال : من منعه الله تعالى لا يستطيع .
وقال عكرمة قال أبو جهل لئن رأيت محمدا لأفعلن ولأفعلن فأنزلت "إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا - إلى قوله - فهم لا يبصرون" قال وكانوا يقولون هذا محمد فيقول أين هو أين هو ؟ لا يبصره رواه ابن جرير ; وقال محمد بن إسحاق حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب قال : قال أبو جهل وهم جلوس إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه كنتم ملوكا فإذا متم بعثتم بعد موتكم وكانت لكم جنان خير من جنان الأردن وأنكم إن خالفتموه كان لكم منه ذبح ثم بعثتم بعد موتكم وكانت لكم نار تعذبون بها وخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك وفي يده حفنة من تراب وقد أخذ الله تعالى على أعينهم دونه فجعل يذرها على رءوسهم ويقرأ "يس والقرآن الحكيم - حتى انتهى إلى قوله تعالى - وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون" وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته وباتوا رصداء على بابه حتى خرج عليهم بعد ذلك خارج من الدار فقال ما لكم ؟ قالوا ننتظر محمدا قال قد خرج عليكم فما بقي منكم من رجل إلا وضع على رأسه ترابا ثم ذهب لحاجته فجعل كل رجل منهم ينفض ما على رأسه من التراب .
قال وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قول أبي جهل فقال : "وأنا أقول ذلك إن لهم مني لذبحا وإنه لآخذهم" وقوله تبارك وتعالى .
وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (10)
وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون
وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون " أي قد ختم الله عليهم بالضلالة فما يفيد فيهم الإنذار ولا يتأثرون به وقد تقدم نظيرها في أول سورة البقرة وكما قال تبارك وتعالى "إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم" ."
إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم (11)
إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم
إنما تنذر من اتبع الذكر "أي إنما ينتفع بإنذارك المؤمنون الذين يتبعون الذكر وهو القرآن العظيم" وخشي الرحمن بالغيب "أي حيث لا يراه أحد إلا الله تبارك وتعالى يعلم أن الله مطلع عليه وعالم بما يفعل" فبشره بمغفرة "أي لذنوبه" وأجر كريم "أي كثير"

واسع حسن جميل كما قال تبارك وتعالى "إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير" .
إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين (12)
إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين
ثم قال عز وجل "إنا نحن نحيي الموتى" أي يوم القيامة وفيه إشارة إلى أن الله تعالى يحيي قلب من يشاء من الكفار الذين قد ماتت قلوبهم بالضلالة فيهديهم بعد ذلك إلى الحق كما قال تعالى بعد ذكر قسوة القلوب "اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون" وقوله تعالى "ونكتب ما قدموا" أي من الأعمال وفي قوله تعالى "وآثارهم" قولان "أحدهما" نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم وآثارهم التي أثروها من بعدهم فنجزيهم على ذلك أيضا إن خيرا فخير وإن شرا فشر كقوله صلى الله عليه وسلم : "من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" رواه مسلم من رواية شعبة عن عون بن أبي جحيفة عن المنذر بن جرير عن أبيه جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه وفيه قصة مجتابي الثمار المضريين ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن يحيى بن سليمان الجعفي عن أبي المحياة يحيى بن يعلى عن عبد الملك بن عمير عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه فذكر الحديث بطوله ثم تلا هذه الآية "ونكتب ما قدموا وآثارهم" وقد رواه مسلم من رواية أبي عوانة عن عبد الملك بن عمير بن المنذر بن جرير عن أبيه فذكره وهكذا الحديث الآخر الذي في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال

رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : من علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له أو صدقة جارية من بعده" وقال سفيان الثوري عن أبي سعيد رضي الله عنه قال سمعت مجاهدا يقول في قوله تعالى "إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم" قال ما أورثوا من الضلالة .
وقال ابن لهيعة عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قوله تعالى "ونكتب ما قدموا وآثارهم" يعني ما أثروا يقول ما سنوا من سنة فعمل بها قوم من بعد موتهم فإن كانت خيرا فلهم مثل أجورهم لا ينقص من أجر من عمل به شيئا وإن كانت شرا فعليهم مثل أوزارهم ولا ينقص من أوزار من عمل بها شيئا ذكرهما ابن أبي حاتم وهذا القول هو اختيار البغوي .
"والقول الثاني" أن المراد بذلك آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية قال ابن أبي نجيح وغيره عن مجاهد "ما قدموا" أعمالهم "وآثارهم" قال خطاهم بأرجلهم وكذا قال الحسن وقتادة "وآثارهم" يعني خطاهم .
وقال قتادة لو كان الله عز وجل مغفلا شيئا من شأنك يا ابن آدم أغفل ما تعفي الرياح من هذه الآثار ولكن أحصى على ابن آدم أثره وعمله كله حتى أحصى هذا الأثر فيما هو من طاعة الله تعالى أو من معصيته فمن استطاع منكم أن يكتب أثره في طاعة الله تعالى فليفعل .
وقد وردت في هذا المعنى أحاديث "الحديث الأول" .
قال الإمام أحمد حدثنا عبد الصمد حدثنا أبي حدثنا الجريري عن أبي نضرة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم : "إني بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد" قالوا نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك

فقال صلى الله عليه وسلم : "يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم دياركم تكتب آثاركم" وهكذا رواه مسلم من حديث سعيد الجريري وكهمس بن الحسن كلاهما عن أبي نضرة واسمه المنذر بن مالك بن قطعة العبدي عن جابر رضي الله عنه به .
"الحديث الثاني" قال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن الوزير الواسطي حدثنا إسحاق الأزرق عن سفيان الثوري عن أبي سفيان عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال كانت بنو سلمة في ناحية من المدينة فأرادوا أن ينتقلوا إلى قريب من المسجد فنزلت "إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم" فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : "إن آثاركم تكتب" فلم ينتقلوا تفرد بإخراجه الترمذي عند تفسير هذه الآية الكريمة عن محمد بن الوزير به ثم قال حسن غريب من حديث الثوري ورواه ابن جرير عن سليمان بن عمر بن خالد الرقي عن ابن المبارك عن سفيان الثوري عن طريف - وهو ابن شهاب أبو سفيان السعدي - عن أبي نضرة به وقد روي من غير طريق الثوري فقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا عباد بن زياد الساجي حدثنا عثمان بن عمر حدثنا شعبة عن سعيد الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : إن بني سلمة شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد منازلهم من المسجد فنزلت "ونكتب ما قدموا وآثارهم" فأقاموا في مكانهم وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الأعلى حدثنا الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه وفيه غرابة من حيث ذكر نزول هذه الآية والسورة بكمالها مكية فالله أعلم .
"الحديث الثالث" قال ابن جرير حدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا أبو أحمد




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 45.28 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 44.65 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.39%)]