
08-12-2025, 03:35 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,329
الدولة :
|
|
رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)
إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء (11)
تفسير سورة الاحزاب
من صـ / الى صــ /
الحلقة (412)
( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ( 23 ) ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما ( 24 ) )
لما ذكر عن المنافقين أنهم نقضوا العهد الذي كانوا عاهدوا الله عليه لا يولون الأدبار ، وصف المؤمنين بأنهم استمروا على العهد والميثاق و ( صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ) ، قال بعضهم : أجله .
وقال البخاري : عهده . وهو يرجع إلى الأول .
( ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ) أي : وما غيروا عهد الله ، ولا نقضوه ولا بدلوه .
قال البخاري : حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري قال : أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت ، عن أبيه قال : لما نسخنا الصحف ، فقدت آية من " سورة الأحزاب " كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها ، لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري - الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين - : ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) [ ص: 393 ] .
انفرد به البخاري دون مسلم . وأخرجه أحمد في مسنده ، والترمذي والنسائي - في التفسير من سننيهما - من حديث الزهري ، به . وقال الترمذي : " حسن صحيح " .
وقال البخاري أيضا : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، حدثني أبي ، عن ثمامة ، عن أنس بن مالك قال : نرى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر : ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) .
انفرد به البخاري من هذا الوجه ، ولكن له شواهد من طرق أخر . قال الإمام أحمد :
حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا سليمان بن المغيرة ، عن ثابت قال : قال أنس : عمي أنس بن النضر سميت به ، لم يشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ، فشق عليه وقال : أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غيبت عنه ، لئن أراني الله مشهدا فيما بعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرين الله ما أصنع . قال : فهاب أن يقول غيرها ، فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم [ يوم ] أحد ، فاستقبل سعد بن معاذ فقال له أنس يا أبا عمرو ، أبن . واها لريح الجنة أجده دون أحد ، قال : فقاتلهم حتى قتل قال : فوجد في جسده بضع وثمانون من ضربة وطعنة ورمية ، فقالت أخته - عمتي الربيع ابنة النضر - : فما عرفت أخي إلا ببنانه . قال : فنزلت هذه الآية : ( رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ) . قال : فكانوا يرون أنها نزلت فيه ، وفي أصحابه .
ورواه مسلم والترمذي والنسائي ، من حديث سليمان بن المغيرة ، به . ورواه النسائي أيضا وابن جرير ، من حديث حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، به نحوه .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا حميد ، عن أنس أن عمه - يعني : أنس بن النضر - غاب عن قتال بدر ، فقال : غيبت عن أول قتال قاتله رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين ، لئن الله أشهدني قتالا للمشركين ، ليرين الله ما أصنع . قال : فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون ، فقال : اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما جاء هؤلاء - يعني : المشركين - ثم تقدم فلقيه سعد - يعني : ابن معاذ - دون أحد ، فقال : أنا معك . قال سعد : فلم أستطع أن أصنع ما صنع . قال : فوجد فيه بضع وثمانون ضربة سيف ، وطعنة رمح ، ورمية سهم . وكانوا يقولون : فيه وفي أصحابه [ نزلت ] : ( فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ) [ ص: 394 ] وأخرجه الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد ، والنسائي فيه أيضا ، عن إسحاق بن إبراهيم ، كلاهما ، عن يزيد بن هارون ، به ، وقال الترمذي : حسن . وقد رواه البخاري في المغازي ، عن حسان بن حسان ، عن محمد بن طلحة بن مصرف ، عن حميد ، عن أنس ، به ، ولم يذكر نزول الآية . ورواه ابن جرير ، من حديث المعتمر بن سليمان ، عن حميد ، عن أنس ، به .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن الفضل العسقلاني ، حدثنا سليمان بن أيوب بن سليمان بن عيسى بن موسى بن طلحة بن عبيد الله ، حدثني أبي ، عن جدي ، عن موسى بن طلحة ، عن أبيه طلحة قال : لما أن رجع النبي صلى الله عليه وسلم من أحد ، صعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وعزى المسلمين بما أصابهم ، وأخبرهم بما لهم فيه من الأجر والذخر ، ثم قرأ هذه الآية : ( رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) . فقام إليه رجل من المسلمين فقال : يا رسول الله ، من هؤلاء ؟ فأقبلت وعلي ثوبان أخضران حضرميان فقال : " أيها السائل ، هذا منهم " .
وكذا رواه ابن جرير من حديث سليمان بن أيوب الطلحي ، به . وأخرجه الترمذي في التفسير والمناقب أيضا ، وابن جرير ، من حديث يونس بن بكير ، عن طلحة بن يحيى ، عن موسى وعيسى ابني طلحة ، عن أبيهما ، به . وقال : حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث يونس .
وقال أيضا : حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري ، حدثنا أبو عامر - يعني العقدي - حدثني إسحاق - يعني ابن طلحة بن عبيد الله - عن موسى بن طلحة قال : [ دخلت على معاوية ، رضي الله عنه ، فلما خرجت ، دعاني فقال : ألا أضع عندك يا ابن أخي حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " طلحة ممن قضى نحبه " .
ورواه ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا عبد الحميد الحماني ، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة الطلحي ، عن موسى بن طلحة قال ] : قام معاوية بن أبي سفيان فقال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " طلحة ممن قضى نحبه " .
ولهذا قال مجاهد في قوله : ( فمنهم من قضى نحبه ) قال : عهده ، ( ومنهم من ينتظر ) قال : يوما . [ ص: 395 ] وقال الحسن : ( فمنهم من قضى نحبه ) يعني موته على الصدق والوفاء . ( ومنهم من ينتظر ) الموت على مثل ذلك ، ومنهم من لم يبدل تبديلا . وكذا قال قتادة ، وابن زيد .
وقال بعضهم : ( نحبه ) نذره .
وقوله : ( وما بدلوا تبديلا ) أي : وما غيروا عهدهم ، وبدلوا الوفاء بالغدر ، بل استمروا على ما عاهدوا الله عليه ، وما نقضوه كفعل المنافقين الذين قالوا : ( إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ) ، ( ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار ) .
وقوله : ( ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم ) أي : إنما يختبر عباده بالخوف والزلزال ليميز الخبيث من الطيب ، فيظهر أمر هذا بالفعل ، وأمر هذا بالفعل ، مع أنه تعالى يعلم الشيء قبل كونه ، ولكن لا يعذب الخلق بعلمه فيهم ، حتى يعملوا بما يعلمه فيهم ، كما قال تعالى : ( ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم ) [ محمد : 31 ] ، فهذا علم بالشيء بعد كونه ، وإن كان العلم السابق حاصلا به قبل وجوده . وكذا قال تعالى : ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ) [ آل عمران : 179 ] . ولهذا قال هاهنا : ( ليجزي الله الصادقين بصدقهم ) أي : بصبرهم على ما عاهدوا الله عليه ، وقيامهم به ، ومحافظتهم عليه . ( ويعذب المنافقين ) : وهم الناقضون لعهد الله ، المخالفون لأوامره ، فاستحقوا بذلك عقابه وعذابه ، ولكن هم تحت مشيئته في الدنيا ، إن شاء استمر بهم على ما فعلوا حتى يلقوه به فيعذبهم عليه ، وإن شاء تاب عليهم بأن أرشدهم إلى النزوع عن النفاق إلى الإيمان ، وعمل الصالح بعد الفسوق والعصيان . ولما كانت رحمته ورأفته بخلقه هي الغالبة لغضبه قال : ( إن الله كان غفورا رحيما ) .
( ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا ( 25 ) ) .
يقول تعالى مخبرا عن الأحزاب لما أجلاهم عن المدينة ، بما أرسل عليهم من الريح والجنود الإلهية ، ولولا أن جعل الله رسوله رحمة للعالمين ، لكانت هذه الريح عليهم أشد من الريح العقيم على عاد ، ولكن قال الله تعالى : ( وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا ) [ الأنفال : 33 ] ، فسلط عليهم هواء فرق شملهم ، كما كان سبب اجتماعهم من الهوى ، وهم أخلاط من قبائل شتى ، أحزاب وآراء ، فناسب أن يرسل عليهم الهواء الذي فرق [ ص: 396 ] جماعتهم ، وردهم خائبين خاسرين بغيظهم وحنقهم ، لم ينالوا خيرا لا في الدنيا ، مما كان في أنفسهم من الظفر والمغنم ، ولا في الآخرة بما تحملوه من الآثام في مبارزة الرسول ، صلوات الله وسلامه عليه ، بالعداوة ، وهمهم بقتله ، واستئصال جيشه ، ومن هم بشيء وصدق همه بفعله ، فهو في الحقيقة كفاعله .
وقوله : ( وكفى الله المؤمنين القتال ) أي : لم يحتاجوا إلى منازلتهم ومبارزتهم حتى يجلوهم عن بلادهم ، بل كفى الله وحده ، ونصر عبده ، وأعز جنده; ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا إله إلا الله وحده ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وأعز جنده ، وهزم الأحزاب وحده ، فلا شيء بعده " . أخرجاه من حديث أبي هريرة .
وفي الصحيحين من حديث إسماعيل بن أبي خالد ، عن عبد الله بن أبي أوفى قال : دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب فقال : " اللهم منزل الكتاب ، سريع الحساب ، اهزم الأحزاب . اللهم اهزمهم وزلزلهم " . وفي قوله : ( وكفى الله المؤمنين القتال ) : إشارة إلى وضع الحرب بينهم وبين قريش ، وهكذا وقع بعدها ، لم يغزهم المشركون ، بل غزاهم المسلمون في بلادهم .
قال محمد بن إسحاق : لما انصرف أهل الخندق عن الخندق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا : " لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا ، ولكنكم تغزونهم " فلم تغز قريش بعد ذلك ، وكان هو يغزوهم بعد ذلك ، حتى فتح الله عليه مكة .
وهذا الحديث الذي ذكره محمد بن إسحاق حديث صحيح ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى ، عن سفيان ، حدثني أبو إسحاق قال : سمعت سليمان بن صرد يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب : " الآن نغزوهم ولا يغزونا " .
وهكذا رواه البخاري في صحيحه ، من حديث الثوري وإسرائيل ، عن أبي إسحاق ، به .
وقوله تعالى : ( وكان الله قويا عزيزا ) أي : بحوله وقوته ، ردهم خائبين ، لم ينالوا خيرا ، وأعز الله الإسلام وأهله وصدق وعده ، ونصر رسوله وعبده ، فله الحمد والمنة .
[ ص: 397 ] ( وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا ( 26 ) وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها وكان الله على كل شيء قديرا ( 27 ) ) .
قد تقدم أن بني قريظة لما قدمت جنود الأحزاب ، ونزلوا على المدينة ، نقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد ، وكان ذلك بسفارة حيي بن أخطب النضري - لعنه الله - دخل حصنهم ، ولم يزل بسيدهم كعب بن أسد حتى نقض العهد ، وقال له فيما قال : ويحك ، قد جئتك بعز الدهر ، أتيتك بقريش وأحابيشها ، وغطفان وأتباعها ، ولا يزالون هاهنا حتى يستأصلوا محمدا وأصحابه . فقال له كعب : بل والله أتيتني بذل الدهر . ويحك يا حيي ، إنك مشئوم ، فدعنا منك . فلم يزل يفتل في الذروة والغارب حتى أجابه ، واشترط له حيي إن ذهب الأحزاب ، ولم يكن من أمرهم شيء ، أن يدخل معهم في الحصن ، فيكون له أسوتهم . فلما نقضت قريظة ، وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ساءه ، وشق عليه وعلى المسلمين جدا ، فلما أيد الله ونصر ، وكبت الأعداء وردهم خائبين بأخسر صفقة ، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مؤيدا منصورا ، ووضع الناس السلاح . فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل من وعثاء تلك المرابطة في بيت أم سلمة إذ تبدى له جبريل معتجرا بعمامة من إستبرق ، على بغلة عليها قطيفة [ من ] ديباج ، فقال : أوضعت السلاح يا رسول الله ؟ قال : " نعم " . قال : لكن الملائكة لم تضع أسلحتها ، وهذا الآن رجوعي من طلب القوم . ثم قال : إن الله يأمرك أن تنهض إلى بني قريظة . وفي رواية فقال له : عذيرك من مقاتل ، أوضعتم السلاح ؟ قال : " نعم " . قال : لكنا لم نضع أسلحتنا بعد ، انهض إلى هؤلاء . قال : " أين ؟ " . قال : بني قريظة ، فإن الله أمرني أن أزلزل عليهم . فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم من فوره ، وأمر الناس بالمسير إلى بني قريظة ، وكانت على أميال من المدينة ، وذلك بعد صلاة الظهر ، وقال : " لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة " . فسار الناس ، فأدركتهم الصلاة في الطريق ، فصلى بعضهم في الطريق وقالوا : لم يرد منا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تعجيل السير ، وقال آخرون : لا نصليها إلا في بني قريظة . فلم يعنف واحدا من الفريقين . وتبعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد استخلف على المدينة ابن أم مكتوم ، وأعطى الراية لعلي بن أبي طالب . ثم نازلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاصرهم خمسا وعشرين ليلة ، فلما طال عليهم الحال ، نزلوا على حكم سعد بن معاذ - سيد الأوس - لأنهم كانوا حلفاءهم في الجاهلية ، واعتقدوا أنه يحسن إليهم في ذلك ، كما فعل عبد الله بن أبي ابن سلول في مواليه بني قينقاع ، حين استطلقهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فظن هؤلاء أن سعدا سيفعل فيهم كما فعل ابن أبي في أولئك ، ولم يعلموا أن سعدا ، رضي الله عنه ، كان قد أصابه سهم في أكحله أيام الخندق ، فكواه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكحله ، وأنزله في قبة في المسجد ليعوده من قريب . وقال سعد فيما دعا به : اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها . وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة . فاستجاب الله دعاءه ، وقدر عليهم أن نزلوا على حكمه باختيارهم طلبا من تلقاء أنفسهم ، فعند ذلك استدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة ليحكم فيهم ، فلما [ ص: 398 ] أقبل وهو راكب [ على حمار ] قد وطئوا له عليه ، جعل الأوس يلوذون به ويقولون : يا سعد ، إنهم مواليك ، فأحسن فيهم . ويرققونه عليهم ويعطفونه ، وهو ساكت لا يرد عليهم . فلما أكثروا عليه قال : لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم . فعرفوا أنه غير مستبقيهم ، فلما دنا من الخيمة التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قوموا إلى سيدكم " . فقام إليه المسلمون ، فأنزلوه إعظاما وإكراما واحتراما له في محل ولايته ، ليكون أنفذ لحكمه فيهم . فلما جلس قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن هؤلاء - وأشار إليهم - قد نزلوا على حكمك ، فاحكم فيهم بما شئت " . قال : وحكمي نافذ عليهم ؟ قال : " نعم " . قال : وعلى من في هذه الخيمة ؟ قال : " نعم " . قال : وعلى من هاهنا . - وأشار إلى الجانب الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو معرض بوجهه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالا وإكراما وإعظاما - فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نعم " . فقال : إني أحكم أن تقتل مقاتلتهم ، وتسبى ذريتهم وأموالهم . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة " . وفي رواية : " لقد حكمت بحكم الملك " . ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأخاديد فخدت في الأرض ، وجيء بهم مكتفين ، فضرب أعناقهم ، وكانوا ما بين السبعمائة إلى الثمانمائة ، وسبى من لم ينبت منهم مع النساء وأموالهم ، وهذا كله مقرر مفصل بأدلته وأحاديثه وبسطه في كتاب السيرة ، الذي أفردناه موجزا ومقتصا . ولله الحمد والمنة .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|