عرض مشاركة واحدة
  #407  
قديم 08-12-2025, 11:43 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,416
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(11)
تفسير سورة السجدة
من صـ / الى صــ /
الحلقة (407)


تفسير سورة السجدة

وهي مكية


. قال البخاري في " كتاب الجمعة " : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان ، عن سعد بن إبراهيم ، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر يوم الجمعة : ( الم تنزيل ) السجدة ، و ( هل أتى على الإنسان ) .

ورواه مسلم أيضا من حديث سفيان الثوري ، به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أسود بن عامر ، أخبرنا الحسن بن صالح ، عن ليث ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ ) الم تنزيل ) السجدة و ( تبارك الذي بيده الملك ) تفرد به أحمد .

الم ( 1 ) تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ( 2 ) أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون ( 3 ) ) .

قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة " البقرة " بما أغنى عن إعادته .

وقوله : ( تنزيل الكتاب لا ريب فيه ) أي : لا شك فيه ولا مرية أنه نزل ، ( من رب العالمين ) .

ثم قال مخبرا عن المشركين : ( أم يقولون افتراه ) ، بل يقولون : ( افتراه ) أي : اختلقه من تلقاء نفسه ، ( بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون ) أي : يتبعون الحق .

[ ص: 359 ] ( الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون ( 4 ) يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ( 5 ) ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم ( 6 ) ) .

يخبر تعالى أنه الخالق للأشياء ، فخلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ، ثم استوى على العرش . وقد تقدم الكلام على ذلك .

( ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع ) أي : بل هو المالك لأزمة الأمور ، الخالق لكل شيء ، المدبر لكل شيء ، القادر على كل شيء ، فلا ولي لخلقه سواه ، ولا شفيع إلا من بعد إذنه .

( أفلا تتذكرون ) يعني : أيها العابدون غيره ، المتوكلون على من عداه - تعالى وتقدس وتنزه أن يكون له نظير أو شريك أو نديد ، أو وزير أو عديل ، لا إله إلا هو ولا رب سواه .

وقد أورد النسائي هاهنا حديثا فقال : حدثنا إبراهيم بن يعقوب ، حدثني محمد بن الصباح ، حدثنا أبو عبيدة الحداد ، حدثنا الأخضر بن عجلان ، عن أبي جريج المكي ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيدي فقال : " إن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ، ثم استوى على العرش في اليوم السابع ، فخلق التربة يوم السبت ، والجبال يوم الأحد ، والشجر يوم الاثنين ، والمكروه يوم الثلاثاء ، والنور يوم الأربعاء ، والدواب يوم الخميس ، وآدم يوم الجمعة في آخر ساعة من النهار بعد العصر ، وخلقه من أديم الأرض ، بأحمرها وأسودها ، وطيبها وخبيثها ، من أجل ذلك جعل الله من بني آدم الطيب والخبيث " .

هكذا أورد هذا الحديث إسنادا ومتنا ، وقد أخرج مسلم والنسائي أيضا من حديث الحجاج بن محمد الأعور ، عن ابن جريج ، عن إسماعيل بن أمية ، عن أيوب بن خالد ، عن عبد الله بن رافع ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو من هذا السياق .

وقد علله البخاري في كتاب " التاريخ الكبير " فقال : " وقال بعضهم : أبو هريرة عن كعب الأحبار وهو أصح " ، وكذا علله غير واحد من الحفاظ ، والله أعلم .

وقوله : ( يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه ) أي : يتنزل أمره من أعلى السماوات إلى أقصى تخوم الأرض السابعة ، كما قال الله تعالى : ( الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما ) [ الطلاق : 12 ] .

وترفع الأعمال إلى ديوانها فوق سماء الدنيا ، ومسافة ما بينها وبين الأرض [ مسيرة ] خمسمائة سنة ، وسمك السماء خمسمائة سنة .

وقال مجاهد ، وقتادة ، والضحاك : النزول من الملك في مسيرة خمسمائة عام ، وصعوده في مسيرة خمسمائة عام ، ولكنه يقطعها في طرفة عين; ولهذا قال تعالى : ( في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ) .

[ ص: 360 ] ( ذلك عالم الغيب والشهادة ) أي : المدبر لهذه الأمور الذي هو شهيد على أعمال عباده ، يرفع إليه جليلها وحقيرها ، وصغيرها وكبيرها - هو ) العزيز ) الذي قد عز كل شيء فقهره وغلبه ، ودانت له العباد والرقاب ، ( الرحيم ) بعباده المؤمنين . فهو عزيز في رحمته ، رحيم في عزته [ وهذا هو الكمال : العزة مع الرحمة ، والرحمة مع العزة ، فهو رحيم بلا ذل ] .


( الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ( 7 ) ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ( 8 ) ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ( 9 ) ) .

يقول تعالى : إنه الذي أحسن خلق الأشياء وأتقنها وأحكمها .

وقال مالك ، عن زيد بن أسلم : ( الذي أحسن كل شيء خلقه ) قال : أحسن خلق كل شيء . كأنه جعله من المقدم والمؤخر .

ثم لما ذكر خلق السماوات والأرض ، شرع في ذكر خلق الإنسان فقال : ( وبدأ خلق الإنسان من طين ) يعني : خلق أبا البشر آدم من طين .

( ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ) أي : يتناسلون كذلك من نطفة تخرج من بين صلب الرجل وترائب المرأة .

( ثم سواه ) يعني : آدم ، لما خلقه من تراب خلقه سويا مستقيما ، ( ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ) ، يعني العقول ، ( قليلا ما تشكرون ) أي : بهذه القوى التي رزقكموها الله عز وجل . فالسعيد من استعملها في طاعة ربه عز وجل .

( وقالوا أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون ( 10 ) قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون ( 11 ) )

يقول تعالى مخبرا عن المشركين في استبعادهم المعاد حيث قالوا : ( أئذا ضللنا في الأرض ) أي : تمزقت أجسامنا وتفرقت في أجزاء الأرض وذهبت ، ( أئنا لفي خلق جديد ) ؟ أي : أئنا لنعود بعد تلك الحال ؟! يستبعدون ذلك ، وهذا إنما هو بعيد بالنسبة إلى قدرتهم العاجزة ، لا بالنسبة إلى قدرة الذي بدأهم وخلقهم من العدم ، الذي إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون; ولهذا قال : ( بل هم بلقاء ربهم كافرون ) .

ثم قال : ( قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ) ، الظاهر من هذه الآية أن ملك الموت شخص [ ص: 361 ] معين من الملائكة ، كما هو المتبادر من حديث البراء المتقدم ذكره في سورة " إبراهيم " ، وقد سمي في بعض الآثار بعزرائيل ، وهو المشهور ، قاله قتادة وغير واحد ، وله أعوان . وهكذا ورد في الحديث أن أعوانه ينتزعون الأرواح من سائر الجسد ، حتى إذا بلغت الحلقوم تناولها ملك الموت .

قال مجاهد : حويت له الأرض فجعلت له مثل الطست ، يتناول منها حيث يشاء . ورواه زهير بن محمد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بنحوه مرسلا . وقاله ابن عباس ، رضي الله عنهما .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا يحيى بن أبي يحيى المقري ، حدثنا عمرو بن شمر عن جعفر بن محمد قال : سمعت أبي يقول : نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " يا ملك الموت ، ارفق بصاحبي فإنه مؤمن " . فقال ملك الموت : يا محمد ، طب نفسا وقر عينا فإني بكل مؤمن رفيق ، واعلم أن ما في الأرض بيت مدر ولا شعر ، في بر ولا بحر ، إلا وأنا أتصفحه في كل يوم خمس مرات ، حتى إني أعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم ، والله يا محمد ، لو أني أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو الآمر بقبضها .

قال جعفر : بلغني أنه إنما يتصفحهم عند مواقيت الصلاة ، فإذا حضرهم عند الموت فإن كان ممن يحافظ على الصلاة دنا منه الملك ، ودفع عنه الشيطان ، ولقنه الملك : " لا إله إلا الله ، محمد رسول الله " في تلك الحال العظيمة .

وقال عبد الرزاق : حدثنا محمد بن مسلم ، عن إبراهيم بن ميسرة قال : سمعت مجاهدا يقول ما على ظهر الأرض من بيت شعر أو مدر إلا وملك الموت يطيف به كل يوم مرتين .

وقال كعب الأحبار : والله ما من بيت فيه أحد من أهل الدنيا إلا وملك الموت يقوم على بابه كل يوم سبع مرات . ينظر هل فيه أحد أمر أن يتوفاه . رواه ابن أبي حاتم .

وقوله : ( ثم إلى ربكم ترجعون ) أي : يوم معادكم وقيامكم من قبوركم لجزائكم .

[ ص: 362 ] ( ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون ( 12 ) ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ( 13 ) فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون ( 14 ) ) .

يخبر تعالى عن حال المشركين يوم القيامة ، وحالهم حين عاينوا البعث ، وقاموا بين يدي الله حقيرين ذليلين ، ناكسي رؤوسهم ، أي : من الحياء والخجل ، يقولون : ( ربنا أبصرنا وسمعنا ) أي : نحن الآن نسمع قولك ونطيع أمرك ، كما قال تعالى : ( أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا ) [ مريم : 38 ] . وكذلك يعودون على أنفسهم بالملامة إذا دخلوا النار بقولهم : ( لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ) [ الملك : 10 ] . وهكذا هؤلاء يقولون : ( ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا ) أي : إلى الدار الدنيا ، ( نعمل صالحا إنا موقنون ) أي : قد أيقنا وتحققنا أن وعدك حق ولقاءك حق ، وقد علم الرب تعالى منهم أنه لو أعادهم إلى الدار الدنيا لكانوا كما كانوا فيها كفارا يكذبون آيات الله ويخالفون رسله ، كما قال : ( ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ) [ الأنعام : 27 - 29 ] .

وقال هاهنا ( ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ) ، كما قال تعالى ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ) [ يونس : 99 ] .

( ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) أي : من الصنفين ، فدارهم النار لا محيد لهم عنها ولا محيص لهم منها ، نعوذ بالله وكلماته التامة من ذلك .

( فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا ) أي : يقال لأهل النار على سبيل التقريع والتوبيخ : ذوقوا [ هذا ] العذاب بسبب تكذيبكم به ، واستبعادكم وقوعه ، وتناسيكم له; إذ عاملتموه معاملة من هو ناس له ، ( إنا نسيناكم ) أي : [ إنا ] سنعاملكم معاملة الناسي; لأنه تعالى لا ينسى شيئا ولا يضل عنه شيء ، بل من باب المقابلة ، كما قال تعالى : ( اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ) [ الجاثية : 34 ] .

وقوله : ( وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون ) أي : بسبب كفركم وتكذيبكم ، كما قال في الآية الأخرى : ( لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا جزاء وفاقا إنهم كانوا لا يرجون حسابا وكذبوا بآياتنا كذابا وكل شيء أحصيناه كتابا فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا ) [ النبأ : 24 - 30 ] .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 32.95 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 32.33 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.91%)]