عرض مشاركة واحدة
  #384  
قديم 07-12-2025, 10:08 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,357
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(10)
تفسير سورة النمل
من صـ 411 الى صــ 425
الحلقة (384)






ومؤخر أقدامها كمؤخر الدابة فساءه ذلك فاتخذ هذا ليعلم صحته أم لا ؟ هكذا قول محمد بن كعب القرظي وغيره فلما دخلت وكشفت عن ساقيها رأى أحسن الناس ساقا وأحسنهم قدما لكن رأى على رجليها شعرا لأنها ملكة ليس لها زوج فأحب أن يذهب ذلك عنها فقيل له الموسى فقالت لا أستطيع ذلك وكره سليمان ذلك وقال للجن اصنعوا شيئا غير الموسى يذهب به هذا الشعر فصنعوا له النورة وكان أول من اتخذت له النورة قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة ومحمد بن كعب القرظي والسدي وابن جريج وغيرهم وقال محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان ثم قال لها ادخلي الصرح ليريها ملكا هو أعز من ملكها وسلطانا هو أعظم من سلطانها فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها لا تشك أنه ماء تخوضه فقيل لها إنه صرح ممرد من قوارير فلما وقفت على سليمان دعاها إلى عبادة الله وحده وعاتبها في عبادتها الشمس من دون الله وقال الحسن البصري : لما رأت العلجة الصرح عرفت والله أن قد رأت ملكا أعظم من ملكها وقال محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه قال : أمر سليمان بالصرح وقد عملته له الشياطين من زجاج كأنه الماء بياضا ثم أرسل الماء تحته ثم وضع له فيه سريره فجلس عليه وعكفت عليه الطير والجن والإنس ثم قال لها ادخلي الصرح ليريها ملكا هو أعز من ملكها وسلطانا هو أعظم من سلطانها "فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها" لا تشك أنه ماء تخوضه قيل لها "إنه صرح ممرد من قوارير" فلما وقفت على سليمان دعاها إلى عبادة الله عز وجل وحده وعاتبها في عبادتها الشمس من دون الله فقالت بقول الزنادقة فوقع سليمان ساجدا إعظاما لما قالت وسجد معه الناس فسقط في يديها حين رأت سليمان صنع ما صنع فلما رفع سليمان رأسه قال ويحك ماذا قلت ؟ قالت أنسيت ما قلت ؟ فقالت "رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين" فأسلمت وحسن إسلامها وقد روى الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في
هذا أثرا غريبا عن ابن عباس فقال حدثنا الحسين بن علي عن زائدة حدثني عطاء بن السائب حدثنا مجاهد ونحن في الأزد قال حدثنا ابن عباس قال : كان سليمان عليه السلام يجلس على سريره ثم

توضع كراسي حوله فيجلس عليها الإنس ثم يجلس الجن ثم الشياطين ثم تأتي الريح فترفعهم ثم تظلهم الطير ثم يغدون قدر ما يشتهي الراكب أن ينزل شهرا ورواحها شهرا قال فبينما هو ذات يوم في مسير له إذ تفقد الطير ففقد الهدهد قال "ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين" قال وكان عذابه إياه أن ينتفه ثم يلقيه في الأرض فلا يمتنع من نملة ولا من شيء من هوام الأرض قال عطاء وذكر سعيد بن جبير عن أبن عباس مثل حديث مجاهد "فمكث غير بعيد - فقرأ حتى انتهى إلى قوله - سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين اذهب بكتابي هذا" وكتب بسم الله الرحمن الرحيم إلى بلقيس "أن لا تعلو علي وأتوني مسلمين" فلما ألقى الهدهد الكتاب إليها ألقي في روعها أنه كتاب كريم وأنه كريم وأنه من سليمان وأن لا تعلو علي وأتوني مسلمين قالوا نحن أولوا قوة قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون فلما جاءت الهدية سليمان قال أتمدونن بمال ارجع إليهم فلما نظر إلى الغبار أخبرنا ابن عباس قال وكان بين سليمان وبين ملكة سبأ ومن معها حين نظر إلى الغبار كما بيننا وبين الحيرة قال عطاء ومجاهد حينئذ في الأزد قال سليمان أيكم يأتيني بعرشها ؟ قال وبين عرشها وبين سليمان حين نظر إلى الغبار مسيرة شهرين "قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك" قال وكان لسليمان مجلس يجلس فيه للناس كما يجلس الأمراء ثم يقوم فقال "أنا آتيك به قبل أن تقوم مقامك" قال سليمان أريد أعجل من ذلك فقال الذي عنده علم من الكتاب أنا أنظر في كتاب ربي ثم آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك قال فنظر إليه سليمان فلما قطع كلامه رد سليمان بصره فنبع عرشها من تحت قدم سليمان من تحت كرسي كان سليمان يضع عليه رجله ثم يصعد إلى السرير قال فلما رأى سليمان عرشها قال "هذا من فضل ربي" الآية "قال نكروا لها عرشها" فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو قال فسألته حين جاءته عن أمرين قالت لسليمان أريد ماء ليس من أرض ولا سماء
وكان سليمان إذا سئل عن شيء سأل الإنس ثم الجن ثم الشياطين قال فقالت

الشياطين هذا هين أجر الخيل ثم خذ عرقها ثم املأ منه الآنية قال فأمر بالخيل فجريت ثم أخذ عرقها فملأ منه الآنية قال وسألت عن لون الله عز وجل قال فوثب سليمان عن سريره فخر ساجدا فقال يا رب لقد سألتني عن أمر إنه ليتعاظم في قلبي أن أذكره لك فقال ارجع فقد كفيتكم قال فرجع إلى سريره قال ما سألت عنه ؟ قالت ما سألتك إلا عن الماء فقال لجنوده ما سألت عنه ؟ فقالوا ما سألتك إلا عن الماء قال ونسوه كلهم قال وقالت الشياطين إن سليمان يريد أن يتخذها لنفسه فإن اتخذها لنفسه ثم ولد بينها ولد لم ننفك من عبوديته فقال فجعلوا صرحا ممردا من قوارير فيه السمك قال فقيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها فإذا هي شعراء فقال سليمان هذا قبيح فما يذهبه ؟ قالوا يذهبه الموسى فقال أثر الموسى قبيح قال فجعلت الشياطين النورة قال فهو أول من جعلت له النورة ثم قال أبو بكر بن أبي شيبة ما أحسنه من حديث "قلت" بل هو منكر غريب جدا ولعله من أوهام عطاء بن السائب على ابن عباس والله أعلم والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب مما وجد في صحفهم كروايات كعب ووهب سامحهما الله تعالى فيما نقلاه إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب مما كان وما لم يكن ومما حرف وبدل ونسخ وقد أغنانا الله سبحانه عن ذلك بما هو أصح منه وأنفع وأوضح وأبلغ ولله الحمد والمنة .
أصل الصرح في كلام العرب هو القصر وكل بناء مرتفع قال الله سبحانه وتعالى إخبارا عن فرعون لعنه الله أنه قال لوزيره هامان "ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب" الآيات والصرح قصر في اليمن عالي البناء والممرد المبنى بناء محكما أملس "من قوارير" أي زجاج وتمريد البناء تمليسه ومارد حصن بدومة الجندل والغرض أن سليمان عليه السلام اتخذ قصرا عظيما منيفا من زجاج لهذه الملكة ليريها

عظمة سلطانه وتمكنه فما رأت ما آتاه الله وجلالة ما هو فيه وتبصرت في أمره انقادت لأمر الله تعالى وعرفت أنه نبي كريم وملك عظيم وأسلمت لله عز وجل وقالت "رب إني ظلمت نفسي" أي بما سلف من كفرها وشركها وعبادتها وقومها للشمس من دون الله "وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين" أي متابعة لدين سليمان في عبادته لله وحده لا شريك له الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا .
ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون (45)
ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون
يخبر تعالى عن ثمود وما كان من أمرها مع نبيها صالح عليه السلام حين بعثه الله إليهم فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له "فإذا هم فريقان يختصمون" قال مجاهد : مؤمن وكافر كقوله تعالى "قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه ؟ قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون" .
قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون (46)
قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم
أي لم تدعون بحضور العذاب ولا تطلبون من الله رحمته.
قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون (47)
قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون
أي ما رأينا على وجهك ووجوه من اتبعك خيرا وذلك أنهم لشقائهم كان لا يصيب أحدا منهم سوء إلا قال هذا من قبل صالح وأصحابه قال مجاهد تشاءموا بهم قال مجاهد تشاءموا بهم وهذا كما قال الله تعالى إخبارا عن قوم فرعون "فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه" الآية وقال تعالى "وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله" أي بقضائه وقدره وقال تعالى مخبرا عن أهل القرية إذ جاءها المرسلون "قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم قالوا طائركم معكم" الآية وقال هؤلاء "اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله" أي الله يجازيكم على ذلك "بل أنتم قوم تفتنون" قال قتادة تبتلون بالطاعة والمعصية

والظاهر أن المراد بقوله "تفتنون" أي تستدرجون فيما أنتم فيه من الضلال .
وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون (48)
وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون
يخبر تعالى عن طغاة ثمود ورءوسهم الذين كانوا دعاة قومهم إلى الضلال والكفر وتكذيب صالح وآل بهم الحال إلى أنهم عقروا الناقة وهموا بقتل صالح أيضا بأن يبيتوه في أهله ليلا فيقتلوه غيلة ثم يقولوا لأوليائه من أقربيه إنهم ما علموا بشيء من أمره وإنهم لصادقون فيما أخبروهم به من أنهم لم يشاهدوا ذلك فقال تعالى "وكان في المدينة" أي مدينة ثمود "تسعة رهط" أي تسعة نفر "يفسدون في الأرض ولا يصلحون" وإنما غلب هؤلاء على أمر ثمود لأنهم كانوا كبراءهم ورؤساءهم قال العوفي عن ابن عباس : هؤلاء هم الذين عقروا الناقة أي الذي صدر ذلك عن رأيهم ومشورتهم قبحهم الله ولعنهم وقد فعل ذلك وقال السدي عن أبي مالك عن ابن عباس : كان أسماء هؤلاء التسعة دعمى ودعيم وهرما وهريم وداب وصواب ورياب ومسطع وقدار بن سالف عاقر الناقة أي الذي باشر ذلك بيده قال الله تعالى : "فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر" وقال تعالى "إذ انبعث أشقاها" وقال عبد الرزاق أنبأنا معمر بن ربيعة الصنعاني سمعت عطاء - هو ابن أبي رباح - يقول : "وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون" قال كانو

ا يقرضون الدراهم يعني أنهم كانوا يأخذون منها وكأنهم كانوا يتعاملون بها عددا كما كان العرب يتعاملون وقال الإمام مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال قطع الذهب والورق من الفساد في الأرض وفي الحديث الذي رواه أبو داود وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس والغرض أن هؤلاء الكفرة الفسقة كان من صفاتهم الإفساد في الأرض بكل طريق يقدرون عليها فمنها ما ذكره هؤلاء الأئمة وغير ذلك.
قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون (49)
قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون
أي تحالفوا وتبايعوا على قتل نبي الله صالح عليه السلام من لقيه ليلا غيلة فكادهم الله وجعل الدائرة عليهم قال مجاهد تقاسموا وتحالفوا على هلاكه فلم يصلوا إليه حتى هلكوا وقومهم أجمعين.
ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون (50)
ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون
قال قتادة تواثقوا على أن يأخذوه ليلا فيقتلوه وذكر لنا أنهم بينما هم معانيق إلى صالح ليفتكوا به إذ بعث الله عليهم صخرة فأهمدتهم .
فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين (51)
فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين
قال العوفي عن ابن عباس : هم الذين عقروا الناقة قالوا حين عقروها لنبيتن صالحا وأهله فنقتله ثم نقول لأولياء صالح ما شهدنا من هذا شيئا وما لنا به من علم فدمرهم الله أجمعين .
فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون (52)
فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون
قال محمد بن إسحاق قال هؤلاء التسعة بعدما عقروا الناقة : هلم فلنقتل صالح فإن كان صادقا عجلناه قبلنا وإن كان كاذبا كنا قد ألحقناه بناقته فأتوه ليلا ليبيتوه في أهله فدمغتهم الملائكة بالحجارة فلما أبطئوا على أصحابهم أتوا منزل صالح فوجدوهم منشدخين قد رضخوا بالحجارة فقالوا لصالح أنت قتلتهم ثم هموا به فقامت عشيرته دونه

ولبسوا السلاح وقالوا لهم والله لا تقتلونه أبدا وقد وعدكم أن العذاب نازل بكم في ثلاث فإن كان صادقا فلا تزيدوا ربكم عليكم غضبا وإن كان كاذبا فأنتم من وراء ما تريدون فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم : لما عقروا الناقة قال لهم صالح "تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب" قالوا زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاثة أيام فنحن نفرغ منه وأهله قبل ثلاث وكان لصالح مسجد في الحجر عند شعب هناك يصلي فيه فخرجوا إلى كهف أي غار هناك ليلا فقالوا إذا جاء يصلي قتلناه ثم رجعنا إذا فرغنا منه إلى أهله ففرغنا منهم فبعث الله عليهم صخرة من الهضب حيالهم فخشوا أن تشدخهم فتبادروا فانطبقت عليهم الصخرة وهم في ذلك الغار فلا يدري قومهم أين هم ولا يدرون ما فعل بقومهم : فعذب الله هؤلاء ههنا وهؤلاء ههنا .
وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (53)
وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون
وأنجى الله صالحا ومن معه ثم قرأ "ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين فتلك بيوتهم خاوية" أي فارغة ليس فيها أحد "بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون" .
ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون (54)
ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون
يخبر تعالى عن عبده ورسوله لوط عليه السلام أنه أنذر قومه نقمة الله بهم في فعلهم الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم وهي إتيان الذكور دون الإناث وذلك فاحشة عظيمة استغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء فقال "أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون" أي يرى بعضكم بعضا .
أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون (55)
أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون
أي لا تعرفون شيئا لا طبعا ولا شرعا كما قال في الآية الأخرى "أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من"

أزواجكم بل أنتم قوم عادون "."
فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون (56)
فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون
أي يتحرجون من فعل ما تفعلونه ومن إقراركم على صنيعكم فأخرجوهم من بين أظهركم فإنهم لا يصلحون لمجاورتكم في بلادكم فعزموا على ذلك فدمر الله عليهم وللكافرين أمثالها .
فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين (57)
فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين
أي من الهالكين مع قومها لأنها كانت ردءا لهم على دينهم وعلى طريقتهم في رضاها بأفعالهم القبيحة فكانت تدل قومها على ضيفان لوط ليأتوا إليهم لا أنها كانت تفعل الفواحش تكرمة لنبي الله صلى الله عليه وسلم لا كرامة لها .
وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (58)
وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين
أي حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد ولهذا قال "فساء مطر المنذرين" أي الذين قامت عليهم الحجة ووصل إليهم الإنذار فخالفوا الرسول وكذبوه وهموا بإخراجه من بينهم .
قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون (59)
قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون
يقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول "الحمد لله" أي على نعمه على عباده من النعم التي لا تعد ولا تحصى وعلى ما اتصف به من الصفات العلى والأسماء الحسنى وأن يسلم على عباد الله الذين اصطفاهم واختارهم وهم رسله وأنبياؤه الكرام عليهم من الله أفضل الصلاة والسلام هكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيره إن المراد بعباده الذين اصطفى هم الأنبياء قال وهو كقوله "سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين" وقال الثوري والسدي هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم أجمعين وروي نحوه عن ابن عباس أيضا

ولا منافاة فإنهم إذا كانوا من عباد الله الذين اصطفى فالأنبياء بطريق الأولى والأحرى والقصد أن الله تعالى أمر رسوله ومن اتبعه بعد ذكره لهم ما فعل بأوليائه من النجاة والنصر والتأييد وما أحل بأعدائه من الخزي والنكال والقهر أن يحمدوه على جميع أفعاله وأن يسلموا على عباده المصطفين الأخيار وقد قال أبو بكر البزار حدثنا محمد بن عمارة بن صبيح حدثنا طلق بن غنام حدثنا الحكم بن ظهير عن السدي إن شاء الله عن أبي مالك عن ابن عباس "وسلام على عباده الذين اصطفى" قال هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم اصطفاهم الله لنبيه رضي الله عنهم وقوله تعالى "آلله خير أم ما يشركون" استفهام إنكار على المشركين في عبادتهم مع الله آلهة أخرى .
أم من خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أئله مع الله بل هم قوم يعدلون (60)
أم من خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم
"أمن خلق السموات" أي خلق تلك السموات في ارتفاعها وصفائها وما جعل فيها من الكواكب النيرة والنجوم الزاهرة والأفلاك الدائرة وخلق الأرض في استفالها وكثافتها وما جعل فيها من الجبال والأطواد والسهول والأوعار والفيافي والقفار والزروع والأشجار والثمار والبحار والحيوان على اختلاف الأصناف والأشكال والألوان وغير ذلك وقوله تعالى : "وأنزل لكم من السماء ماء" أي جعله رزقا للعباد "فأنبتنا به حدائق" أي بساتين "ذات بهجة" أي منظر حسن وشكل حسن وشكل بهي "ما كان لكم أن تنبتوا شجرها" أي لم تكونوا تقدرون على إنبات أشجارها وإنما يقدر على ذلك الخالق الرازق المستقل بذلك المتفرد به دون ما سواه من الأصنام والأنداد كما اعترف به هؤلاء المشركون كما قال تعالى في الآية الأخرى "ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله" "ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله" أي هم معترفون بأنه الفاعل لجميع ذلك وحده لا شريك له ثم هم يعبدون معه غيره مما يعترفون أنه لا يخلق ولا يرزق وإنما يستحق أن يفرد بالعبادة من هو المتفرد بالخلق والرزق ولهذا قال تعالى : "أإله مع الله" ؟ أي أإله مع الله يعبد وقد تبين لكم ولكل ذي لب مما يعترفون به أيضا أنه الخالق الرازق

ومن المفسرين من يقول معنى قوله : "أإله مع الله" فعل هذا وهو يرجع إلى معنى الأول لأن تقدير الجواب أنهم يقولون ليس ثم أحد فعل هذا معه بل هو المتفرد به فيقال فكيف تعبدون معه غيره وهو المستقل المتفرد بالخلق والرزق والتدبير ؟ كما قال تعالى "أفمن يخلق كمن لا يخلق" الآية وقوله تعالى ههنا "أمن خلق السموات والأرض" "أمن" في هذه الآيات كلها تقديره أمن يفعل هذه الأشياء كمن لا يقدر على شيء منها ؟ هذا معنى السياق وإن لم يذكر الآخر لأن في قوة الكلام ما يرشد إلى ذلك وقد قال الله تعالى "آلله خير أم ما يشركون" ثم قال في الآية الأخرى "بل هم قوم يعدلون" أي يجعلون لله عدلا ونظيرا وهكذا قال تعالى "أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه" أي أمن هو هكذا كمن ليس كذلك ؟ ولهذا قال تعالى : "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب" "أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية"
قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين "وقال تعالى" أمن هو قائم على كل نفس بما كسبت "أي أمن هو شهيد على أفعال الخلق حركاتهم وسكناتهم يعلم الغيب جليله وحقيره كمن هو لا يعلم ولا يسمع ولا يبصر من هذه الأصنام التي عبدوها من دون الله ؟ ولهذا قال" وجعلوا لله شركاء قل سموهم "وهكذا هذه الآيات الكريمات كلها ."
أم من جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أئله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون (61)
أم من جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا
"أمن جعل الأرض قرارا" أي قارة ساكنة ثابتة لا تميد ولا تتحرك بأهلها ولا ترجف بهم فإنها لو كانت كذلك لما طاب عليها العيش والحياة بل جعلها من فضله ورحمته مهادا بساطا ثابتة لا تتزلزل ولا تتحرك كما قال تعالى في الآية الأخرى "الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء" "وجعل خلالها أنهارا" أي جعل فيها الأنهار العذبة الطيبة شقها في خلالها وصرفها فيها ما بين أنهار كبار وصغار وبين ذلك وسيرها شرقا وغربا وجنوبا وشمالا بحسب مصالح عباده في أقاليمهم وأقطارهم حيث ذرأهم في أرجاء الأرض وسير لهم أرزاقهم

بحسب ما يحتاجون إليه "وجعل لها رواسي" أي جبالا شامخة ترسي الأرض وتثبتها لئلا تميد بكم "وجعل بين البحرين حاجزا" أي جعل بين المياه العذبة والمالحة حاجزا أي مانعا يمنعها من الاختلاط لئلا يفسد هذا بهذا وهذا بهذا فإن الحكمة الإلهية تقتضي بقاء كل منهما على صفته المقصودة منه فإن البحر الحلو هو هذه الأنهار السارحة الجارية بين الناس والمقصود منها أن تكون عذبة زلالا يسقى الحيوان والنبات والثمار منها والبحار المالحة هي المحيطة بالأرجاء والأقطار من كل جانب والمقصود منها أن يكون ماؤها ملحا أجاجا لئلا يفسد الهواء بريحها كما قال تعالى : "وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا" ولهذا قال تعالى : "أإله مع الله" ؟ أي فعل هذا أو يعبد على القول الأول والآخر ؟ وكلاهما متلازم صحيح "بل أكثرهم لا يعلمون" أي في عبادتهم غيره .
أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أئله مع الله قليلا ما تذكرون (62)
أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما
ينبه تعالى أنه هو المدعو عند الشدائد المرجو عند النوازل كما قال تعالى : "وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه" وقال تعالى : "ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون" وهكذا قال ههنا "أمن يجيب المضطر إذا دعاه" أي من هو الذي لا يلجأ المضطر إلا إليه والذي لا يكشف ضر المضرورين سواه قال الإمام أحمد أنبأنا عفان أنبأنا وهيب أنبأنا خالد الحذاء عن أبي تميمة الهجيمي عن رجل من بلهجيم قال قلت يا رسول الله إلام تدعو ؟ قال "أدعو إلى الله وحده الذي إن مسك ضر فدعوته كشف عنك والذي إن أضللت بأرض قفر فدعوته رد عليك والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت لك" قال قلت أوصني قال "لا تسبن أحدا ولا تزهدن في المعروف ولو أن تلقى أخاك وأنت منبسط إليه وجهك ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي واتزر إلى نصف الساق فإن أبيت فإلى الكعبين وإياك وإسبال الإزار فإن إسبال الإزار من المخيلة وإن الله لا يحب المخيلة"

"وقد رواه الإمام أحمد من وجه آخر فذكر اسم الصحابي فقال : حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة حدثنا يونس هو ابن عبيد حدثنا عبيدة الهجيمي عن أبيه عن أبي تميمة الهجيمي عن جابر بن سليم الهجيمي قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محتب بشملة وقد وقع هدبها على قدميه فقلت أيكم محمد رسول الله ؟ فأومأ بيده إلى نفسه فقلت يا رسول الله أنا من أهل البادية وفي جفاؤهم فأوصني قال" لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي وإن امرؤ شتمك بما يعلم فيك فلا تشتمه بما تعلم فيه فإنه يكون لك أجره وعليه وزره وإياك وإسبال الإزار فإن إسبال الإزار من المخيلة وإن الله لا يحب المخيلة ولا تسبن أحدا "قال فما سببت بعده أحدا ولا شاة ولا بعيرا وقد روى أبو داود والنسائي لهذا الحديث طرقا وعندهما طرف صالح منه وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا علي بن هشام حدثنا عبدة بن نوح عن عمر بن الحجاج عن عبيد الله بن أبي صالح قال : دخل علي طاوس يعودني فقلت له ادع الله لي يا أبا عبد الرحمن فقال ادع لنفسك فإنه يجيب المضطر إذا دعاه وقال وهب بن منبه قرأت في الكتاب الأول إن الله تعالى يقول : بعزتي إنه من اعتصم بي فإن كادته السموات بمن فيهن والأرض بمن فيهن فإني أجعل له من بين ذلك مخرجا"
ومن لم يعتصم بي فإني أخسف به من تحت قدميه الأرض فأجعله في الهواء فأكله إلى نفسه.

وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة رجل حكى عنه أبو بكر محمد بن داود الدينوري المعروف بالدقي الصوفي قال هذا الرجل كنت أكاري على بغل لي من دمشق إلى بلد الزبداني فركب معي ذات مرة رجل فمررنا على بعض الطريق عن طريق غير مسلوكة فقال لي خذ في هذه فإنها أقرب فقلت لا خيرة لي فيها فقال بل هي أقرب فسلكناها فانتهينا إلى مكان وعر وواد عميق وفيه قتلى كثيرة فقال لي أمسك رأس البغل حتى أنزل فنزل وتشمر وجمع عليه ثيابه وسل سكينا معه وقصدني ففررت من بين يديه وتبعني فناشدته الله وقلت خذ البغل بما عليه فقال هو لي وإنما أريد قتلك فخوفته الله والعقوبة فلم يقبل فاستسلمت بين يديه وقلت إن رأيت أن تتركني حتى أصلي ركعتين فقال عجل فقمت أصلي فأرتج علي القرآن فلم يحضرني منه حرف واحد فبقيت واقفا متحيرا وهو يقول هيه افرغ فأجرى الله على لساني قوله تعالى : "أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء" فإذا أنا بفارس قد أقبل من فم الوادي وبيده حربة فرمى بها الرجل فما أخطأت فؤاده فخر صريعا فتعلقت بالفارس وقلت بالله من أنت ؟ فقال أنا رسول الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء قال فأخذت البغل والحمل ورجعت سالما وذكر في ترجمة فاطمة بنت الحسن أم أحمد العجيلة قالت هزم الكفار يوما المسلمين في غزاة فوقف جواد جيد بصاحبه وكان من ذوي اليسار ومن الصلحاء فقال للجواد ما لك ويلك إنما كنت أعدك لمثل هذا اليوم فقال له الجواد وما لي لا أقصر وأنت تكل العلوفة إلى السواس فيظلمونني ولا يطعمونني إلا القليل ؟ فقال لك علي عهد الله أني لا أعلفك بعد هذا اليوم إلا في حجري فجرى الجواد عند ذلك ونجى صاحبه وكان لا يعلفه بعد ذلك إلا في حجره واشتهر أمره بين الناس وجعلوا يقصدونه ليسمعوا منه ذلك وبلغ ملك الروم أمره فقال ما تضام بلدة يكون هذا الرجل فيها واحتال ليحصله في بلده فبعث إليه رجلا من المرتدين عنده فلما انتهى إليه أظهر له أنه قد حسنت نيته في الإسلام وقومه حتى استوثق ثم خرجا يوما يمشيان على جنب الساحل وقد واعد شخصا آخر من جهة ملك الروم ليتساعدا على أسره فلما اكتنفاه ليأخذاه رفع طرفه إلى السماء وقال اللهم إنه إنما خدعني بك فاكفنيهما بما شئت قال فخرج سبعان فأخذاهما ورجع الرجل سالما
وقوله تعالى : "ويجعلكم خلفاء الأرض" أي يخلف
قرنا لقرن قبلهم وخلفا لسلف كما قال تعالى : "إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين" وقال تعالى "وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات" وقال تعالى : "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة" أي قوما يخلف بعضهم بعضا كما قدمنا تقريره وهكذا هذه الآية "ويجعلكم خلفاء الأرض" أي أمة بعد أمة وجيلا بعد جيل وقوما بعد قوم ولو شاء لأوجدهم كلهم في وقت واحد ولم يجعل بعضهم من ذرية بعض بل لو شاء لخلقهم كلهم أجمعين كما خلق آدم من تراب ولو شاء أن يجعلهم بعضهم من ذرية بعض ولكن لا يميت أحدا حتى تكون وفاة الجميع في وقت واحد لكانت تضيق عنهم الأرض وتضيق عليهم معايشهم وأكسابهم ويتضرر بعضهم ببعض ولكن اقتضت حكمته وقدرته أن يخلقهم من نفس واحدة ثم يكثرهم غاية الكثرة ويذرأهم في الأرض ويجعلهم قرون بعد قرون وأمما بعد أمم حتى ينقضي الأجل وتفرغ البرية كما قدر ذلك تبارك وتعالى وكما أحصاهم وعدهم عدا ثم يقيم القيامة ويوفي كل عامل عمله إذا بلغ الكتاب أجله ولهذا قال تعالى : "أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله" أي يقدر على ذلك أو أإله مع الله يعبد ؟ وقد علم أن الله هو المتفرد بفعل ذلك وحده لا شريك له ؟ "قليلا ما تذكرون" أي ما أقل تذكرهم فيما يرشدهم إلى الحق ويهديهم إلى الصراط المستقيم.
أم من يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أئله مع الله تعالى الله عما يشركون (63)
أم من يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما
"أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر" أي بما خلق من الدلائل السماوية والأرضية كما قال تعالى "وعلامات وبالنجم هم يهتدون" وقال تعالى "وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر" الآية "ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته" أي بين يدي السحاب الذي فيه مطر يغيث الله به عباده المجدبين الأزلين القانطين "أإله مع الله تعالى الله عما يشركون" .

أم من يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أئله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (64)
أم من يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم
أي هو الذي بقدرته وسلطانه يبدأ الخلق ثم يعيده كما قال تعالى في الآية الأخرى "إن بطش ربك لشديد إنه هو يبدئ ويعيد" وقال تعالى : "وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه" "ومن يرزقكم من السماء والأرض" أي بما ينزل من مطر السماء وينبت من بركات الأرض كما قال تعالى "والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع" وقال تعالى "يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها" فهو تبارك وتعالى ينزل من السماء ماء مباركا فيسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به منها أنواع الزروع والثمار والأزاهير وغير ذلك من ألوان شتى "كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى" ولهذا قال تعالى "أإله مع الله" أي فعل هذا وعلى القول الآخر بعد هذا "قل هاتوا برهانكم" على صحة ما تدعونه من عبادة آلهة أخرى "إن كنتم صادقين" في ذلك وقد علم أنه لا حجة لهم ولا برهان كما قال تعالى "ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون" .
قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون (65)
قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون
يقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه أن يقول معلما لجميع الخلق أنه لا يعلم أحد من أهل السموات والأرض الغيب إلا الله وقوله تعالى : "إلا الله" استثناء منقطع أي لا يعلم أحد ذلك إلا الله عز وجل فإنه المنفرد بذلك وحده لا شريك له كما قال تعالى : "وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو" الآية وقال تعالى : "إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث" إلى آخر السورة والآيات في هذا كثيرة وقوله تعالى : "وما يشعرون أيان يبعثون" أي وما يشعر الخلائق الساكنون ف




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 50.30 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 49.68 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.25%)]