
07-12-2025, 09:29 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,463
الدولة :
|
|
رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)
إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء (10)
تفسير سورة الشعراء
من صـ 343 الى صــ 352
الحلقة (378)
عليم يقابلونه ويأتون بنظير ما جاء به فتغلبه أنت وتكون لك النصرة والتأييد فأجابهم إلى ذلك وكان هذا من تسخير الله تعالى لهم في ذلك ليجتمع الناس في صعيد واحد وتظهر آيات الله وحججه وبراهينه على الناس في النهار جهرة .
فجمع السحرة لميقات يوم معلوم (38)
فجمع السحرة لميقات يوم معلوم
ذكر الله تعالى هذه المناظر الفعلية بين موسى عليه السلام والقبط في سورة الأعراف وفي سورة طه وفي هذه السورة : وذلك أن القبط أرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم فأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون وهذا شأن الكفر والإيمان ما تواجها وتقابلا إلا غلبه الإيمان "بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون" "وقل جاء الحق وزهق الباطل" الآية .
وقيل للناس هل أنتم مجتمعون (39)
وقيل للناس هل أنتم مجتمعون
ولهذا لما جاء السحرة وقد جمعوهم من أقاليم بلاد مصر وكانوا إذ ذاك أسحر الناس وأصنعهم وأشدهم تخييلا في ذلك وكان السحرة جمعا كثيرا وجما غفيرا قيل كانوا اثني عشر ألفا وقيل خمسة عشر ألفا وقيل سبعة عشر ألفا وقيل تسعة عشر ألفا وقيل بضعة وثلاثين ألفا وقيل ثمانين ألفا وقيل غير ذلك والله أعلم بعدتهم قال ابن إسحاق : وكان أمرهم راجعا إلى أربعة منهم وهم رؤساؤهم وهم : سابور وعاذور وحطحط ومصفى
واجتهد الناس في الاجتماع ذلك اليوم .
لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين (40)
لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين
وقال قائلهم "لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين" ولم يقولوا نتبع الحق سواء كان من السحرة أو من موسى بل الرعية على دين ملكهم.
فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين (41)
فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين
"فلما جاء السحرة" أي إلى مجلس فرعون وقد ضربوا له وطاقا وجمع خدمه وحشمه ووزراءه ورؤساء دولته وجنود مملكته فقام السحرة بين يدي فرعون يطلبون منه الإحسان إليهم والتقرب إليه إن غلبوا أي هذا الذي جمعتنا من أجله .
قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين (42)
قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين
فقالوا "أإن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين" أي وأخص مما تطلبون أجعلكم من المقربين عندي وجلسائي .
قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون (43)
قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون
فعادوا إلى مقام المناظرة "قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى قال بل ألقوا" وقد اختصر هذا ههنا فقال لهم موسى .
فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون (44)
فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون
وهذا كما تقول الجهلة من العوام إذا فعلوا شيئا هذا بثواب فلان وقد ذكر الله تعالى في سورة الأعراف أنهم سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم وقال في سورة طه "فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى - إلى قوله - ولا يفلح الساحر حيث أتى" .
فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون (45)
فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون
وقال ههنا "فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون" أي تخطفه وتجمعه من كل بقعة وتبتلعه فلم تدع منه شيئا .
فألقي السحرة ساجدين (46)
فألقي السحرة ساجدين
قال الله تعالى "فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون" - إلى قوله - "رب موسى وهارون" فكان هذا أمرا عظيما جدا وبرهانا قاطعا للعذر وحجة دامغة وذلك أن الذين استنصر بهم وطلب منهم أن يغلبوا غلبوا وخضعوا وآمنوا بموسى في الساعة الراهنة وسجدوا لله رب العالمين الذي أرسل موسى وهارون بالحق وبالمعجزة الباهرة فغلب فرعون غلبا لم يشاهد العالم مثله وكان وقحا جريئا عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين فعدل إلى المكابرة والعناد ودعوى الباطل فشرع يتهددهم ويتوعدهم ويقول "إنه لكبيركم الذي علمكم السحر" وقال "إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة" الآية .
قالوا آمنا برب العالمين (47)
قالوا آمنا برب العالمين
قال الله تعالى "فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون" - إلى قوله - "رب موسى وهارون" فكان هذا أمرا عظيما جدا وبرهانا قاطعا للعذر وحجة دامغة وذلك أن الذين استنصر بهم وطلب منهم أن يغلبوا غلبوا وخضعوا وآمنوا بموسى في الساعة الراهنة وسجدوا لله رب العالمين الذي أرسل موسى وهارون بالحق وبالمعجزة الباهرة فغلب فرعون غلبا لم يشاهد العالم مثله وكان وقحا جريئا عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين فعدل إلى المكابرة والعناد ودعوى الباطل فشرع يتهددهم ويتوعدهم ويقول "إنه لكبيركم الذي علمكم السحر" وقال "إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة" الآية .
رب موسى وهارون (48)
رب موسى وهارون
قال الله تعالى "فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون" - إلى قوله - "رب موسى وهارون" فكان هذا أمرا عظيما جدا وبرهانا قاطعا للعذر وحجة دامغة وذلك أن الذين استنصر بهم وطلب منهم أن يغلبوا غلبوا وخضعوا وآمنوا بموسى في الساعة الراهنة وسجدوا لله رب العالمين الذي أرسل موسى وهارون بالحق وبالمعجزة الباهرة فغلب فرعون غلبا لم يشاهد العالم مثله وكان وقحا جريئا عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين فعدل إلى المكابرة والعناد ودعوى الباطل فشرع يتهددهم ويتوعدهم ويقول "إنه لكبيركم الذي علمكم السحر" وقال "إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة" الآية .
قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين (49)
قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين
تهددهم فلم ينفع ذلك فيهم وتوعدهم فما زادهم إلا إيمانا وتسليما وذلك أنه قد كشف عن قلوبهم حجاب الكفر وظهر لهم الحق بعلمهم ما جهل قومهم من أن هذا الذي جاء به موسى لا يصدر عن بشر إلا أن يكون الله قد أيده به وجعله له حجة ودلالة على صدق ما جاء به من ربه ولهذا لما قال لهم فرعون "آمنتم له قبل أن آذن لكم" أي كان ينبغي أن تستأذنوني فيما فعلتم ولا تفتئتوا علي في ذلك فإن أذنت لكم فعلتم وإن منعتكم امتنعتم فإني أنا الحاكم المطاع "إنه لكبيركم الذي علمكم السحر" وهذه مكابرة يعلم كل أحد بطلانها فإنهم لم يجتمعوا بموسى قبل ذلك اليوم فكيف يكون كبيرهم الذي أفادهم صناعة السحر ؟ هذا لا يقوله عاقل ثم توعدهم فرعون بقطع الأيدي والأرجل والصلب .
قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون (50)
قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون
فقالوا "لا ضير" أي لا حرج ولا يضرنا ذلك ولا نبالي به "إنا إلى ربنا منقلبون" أي المرجع إلى الله عز وجل وهو لا يضيع أجر من أحسن عملا ولا يخفى عليه ما فعلت بنا وسيجزينا على ذلك أتم الجزاء .
إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين (51)
إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين
ولهذا قالوا "إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا" أي ما قارفناه من الذنوب وما أكرهتنا عليه من السحر "أن كنا أول المؤمنين" أي بسبب أنا بادرنا قومنا من القبط إلى الإيمان فقتلهم كلهم .
وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون (52)
وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون
لما طال مقام موسى عليه السلام ببلاد مصر وأقام بها حجج الله وبراهينه على فرعون وملئه وهم مع ذلك يكابرون ويعاندون لم يبق لهم إلا العذاب والنكال فأمر الله تعالى موسى
عليه السلام أن يخرج ببني إسرائيل ليلا من مصر وأن يمضي بهم حيث يؤمر ففعل موسى عليه السلام ما أمره ربه عز وجل خرج بهم بعدما استعاروا من قوم فرعون حليا كثيرا وكان خروجه بهم فيما ذكره غير واحد من المفسرين وقت طلوع القمر وذكر مجاهد رحمه الله أنه كسف القمر تلك الليلة فالله أعلم وأن موسى عليه السلام سأل عن قبر يوسف عليه السلام فدلته امرأة عجوز من بني إسرائيل عليه فاحتمل تابوته معهم ويقال إنه هو الذي حمله بنفسه عليهما السلام وكان يوسف عليه السلام قد أوصى بذلك إذا خرج بنو إسرائيل أن يحتملوه معهم وقد ورد في ذلك حديث رواه ابن أبي حاتم رحمه الله فقال : حدثنا علي بن الحسين حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان بن صالح حدثنا ابن فضيل عن يونس بن أبي إسحاق عن ابن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى قال : نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعرابي فأكرمه فقال له رسول الله "تعاهدنا" فأتاه الأعرابي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما حاجتك ؟" قال ناقة برحلها وعنز يحتلبها أهلي فقال "أعجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل ؟" فقال له أصحابه وما عجوز بني إسرائيل يا رسول الله ؟ قال "إن موسى عليه السلام لما أراد أن يسير ببني إسرائيل أضل الطريق فقال لبني إسرائيل ما هذا ؟ فقال له علماء بني إسرائيل نحن نحدثك أن يوسف عليه السلام لما حضرته الوفاة أخذ علينا موثقا من الله أن لا نخرج من مصر حتى ننقل تابوته معنا فقال لهم موسى فأيكم يدري أين قبر يوسف ؟ قالوا ما يعلمه إلا عجوز من بني إسرائيل فأرسل إليها فقال لها دليني على قبر يوسف فقالت والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي فقال لها وما حكمك ؟ قالت حكمي أن أكون معك في الجنة ; فكأنه ثقل عليه ذلك فقيل له أعطها حكمها قال فانطلقت معهم إلى بحيرة - مستنقع ماء - فقالت لهم انضبوا هذا الماء فلما أنضبوه قالت احفروا فلما حفروا استخرجوا قبر يوسف فلما احتملوه إذا الطريق مثل ضوء النهار"
; وهذا حديث غريب جدا والأقرب أنه موقوف والله أعلم : .
فأرسل فرعون في المدائن حاشرين (53)
فأرسل فرعون في المدائن حاشرين
فلما أصبحوا وليس في ناديهم داع ولا مجيب غاظ ذلك فرعون واشتد غضبه على بني إسرائيل لما يريد الله به من الدمار فأرسل سريعا في بلاده حاشرين أي من يحشر الجند ويجمعه كالنقباء والحجاب ونادى فيهم .
إن هؤلاء لشرذمة قليلون (54)
إن هؤلاء لشرذمة قليلون
"إن هؤلاء" يعني بني إسرائيل "لشرذمة قليلون" أي لطائفة قليلة.
وإنهم لنا لغائظون (55)
وإنهم لنا لغائظون
"وإنهم لنا لغائظون" أي كل وقت يصل منهم إلينا ما يغيظنا .
وإنا لجميع حاذرون (56)
وإنا لجميع حاذرون
"وإنا لجميع حاذرون" أي نحن كل وقت نحذر من غائلتهم : وقرأ طائفة من السلف "وإنا لجميع حاذرون" أي مستعدون بالسلاح وإني أريد أن أستأصل شأفتهم وأبيد خضراءهم فجوزي في نفسه وجنده بما أراد لهم .
فأخرجناهم من جنات وعيون (57)
فأخرجناهم من جنات وعيون
قال الله تعالى "فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم" أي فخرجوا من هذا النعيم إلى الجحيم وتركوا تلك المنازل العالية والبساتين والأنهار والأموال والأرزاق والملك والجاه الوافر في الدنيا .
وكنوز ومقام كريم (58)
وكنوز ومقام كريم
قال الله تعالى "فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم" أي فخرجوا من هذا النعيم إلى الجحيم وتركوا تلك المنازل العالية والبساتين والأنهار والأموال والأرزاق والملك والجاه الوافر في الدنيا .
كذلك وأورثناها بني إسرائيل (59)
كذلك وأورثناها بني إسرائيل
"كذلك وأورثناها بني إسرائيل" كما قال تعالى "وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها" الآية وقال تعالى "ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين" الآيتين .
فأتبعوهم مشرقين (60)
فأتبعوهم مشرقين
ذكر غير واحد من المفسرين أن فرعون خرج في محفل عظيم وجمع كبير هو عبارة عن مملكة الديار المصرية في زمانه أولي الحل والعقد والدول من الأمراء والوزراء والكبراء
والرؤساء والجنود فأما ما ذكره غير واحد من الإسرائيليات من أنه خرج في ألف ألف وستمائة ألف فارس منها مائة ألف على خيل دهم ففيه نظر : وقال كعب الأحبار فيهم ثمانمائة ألف حصان أدهم وفي ذلك نظر والظاهر أن ذلك من مجازفات بني إسرائيل والله سبحانه وتعالى أعلم .
والذي أخبر به القرآن هو النافع ولم يعين عدتهم إذ لا فائدة تحته لأنهم خرجوا بأجمعهم "فأتبعوهم مشرقين" أي وصلوا إليهم عند شروق الشمس وهو طلوعها.
فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون (61)
فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون
"فلما تراءى الجمعان" أي رأى كل من الفريقين صاحبه فعند ذلك "قال أصحاب موسى إنا لمدركون" وذلك أنهم انتهى بهم السير إلى سيف البحر وهو بحر القلزم فصار أمامهم البحر وقد أدركهم فرعون بجنوده .
قال كلا إن معي ربي سيهدين (62)
قال كلا إن معي ربي سيهدين
لهذا قالوا "إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين" أي لا يصل إليكم شيء مما تحذرون فإن الله سبحانه هو الذي أمرني أن أسير ههنا بكم وهو سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد وكان هارون عليه السلام في المقدمة ومعه يوشع بن نون ومؤمن آل فرعون وموسى عليه السلام في الساقة وقد ذكر غير واحد من المفسرين أنهم وقفوا لا يدرون ما يصنعون وجعل يوشع بن نون أو مؤمن آل فرعون يقول لموسى عليه السلام يا نبي الله ههنا أمرك ربك أن تسير ؟ فيقول نعم فاقترب فرعون وجنوده ولم يبق إلا القليل فعند ذلك أمر الله نبييه موسى عليه السلام أن يضرب بعصاه البحر فضربه وقال انفلق بإذن الله وروى ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا صفوان بن صالح حدثنا الوليد حدثنا محمد بن حمزة بن يوسف عن عبد الله بن سلام أن موسى عليه السلام لما انتهى إلى البحر قال : يا من كان قبل كل شيء والمكون لكل شيء والكائن بعد كل شيء اجعل لنا مخرجا .
فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم (63)
فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم
فأوحى الله إليه "أن اضرب بعصاك البحر" وقال قتادة أوحى الله تلك الليلة إلى البحر أن إذا ضربك موسى بعصاه فاسمع له وأطع فبات البحر تلك الليلة وله اضطراب ولا يدري من أي جانب يضربه موسى فلما انتهى إليه موسى قال له فتاه يوشع بن نون يا نبي الله أين أمرك ربك عز وجل ؟ قال أمرني أن أضرب البحر قال فاضربه وقال محمد ابن إسحاق أوحى الله - فيما ذكر لي - إلى البحر أن إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له قال فبات البحر يضطرب ويضرب بعضه بعضا فرقا من الله تعالى وانتظارا لما أمره
الله وأوحى الله إلى موسى "أن اضرب بعصاك البحر" فضربه بها ففيها سلطان الله الذي أعطاه فانفلق وذكر واحد أنه جاءه فكناه فقال : انفلق علي أبا خالد بإذن الله قال الله تعالى "فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم" أي كالجبل الكبير قاله ابن مسعود وابن عباس ومحمد ابن كعب والضحاك وقتادة وغيرهم وقال عطاء الخراساني هو الفج بين الجبلين وقال ابن عباس صار البحر اثني عشر طريقا لكل سبط طريق وزاد السدي وصار فيه طاقات ينظر بعضهم إلى بعض وقام الماء على حياله كالحيطان وبعث الله الريح إلى قعر البحر فلفحته فصار يبسا كوجه الأرض قال الله تعالى "فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى" .
وأزلفنا ثم الآخرين (64)
وأزلفنا ثم الآخرين
وقال في هذه القصة "وأزلفنا ثم الآخرين" أي هنالك قال ابن عباس وعطاء الخراساني وقتادة والسدي "وأزلفنا" أي قربنا من البحر فرعون وجنوده وأدنيناهم إليه .
وأنجينا موسى ومن معه أجمعين (65)
وأنجينا موسى ومن معه أجمعين
"وأنجينا موسى ومن معه أجمعين" أي أنجينا موسى وبني إسرائيل ومن اتبعهم على دينهم فلم يهلك منهم أحد .
ثم أغرقنا الآخرين (66)
ثم أغرقنا الآخرين
"ثم أغرقنا الآخرين" وأغرق فرعون وجنوده فلم يبق منهم رجل إلا هلك ; وروى ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة حدثنا شبابة حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله هو ابن مسعود أن موسى عليه السلام حين أسرى ببني إسرائيل بلغ فرعون ذلك فأمر بشاة فذبحت وقال لا والله لا يفرغ من سلخها حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط فانطلق موسى حتى انتهى إلى البحر فقال له انفرق : فقال له البحر قد استكبرت يا موسى وهل انفرقت لأحد من ولد آدم فأنفرق لك ؟ قال ومع موسى رجل على حصان له فقال له ذلك الرجل أين أمرت يا نبي الله ؟ قال : ما أمرت إلا بهذا الوجه يعني البحر فأقحم فرسه فسبح به فخرج فقال أين أمرت يا نبي الله قال ما أمرت إلا بهذا الوجه قال والله ما كذب ولا كذبت ثم اقتحم الثانية سبح ثم خرج فقال أين أمرت يا نبي الله ؟ قال ما أمرت إلا بهذا الوجه قال والله ما كذب ولا كذبت قال فأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فضربه موسى بعصاه فانفلق فكان فيه اثنا
عشر سبطا لكل سبط طريق يتراءون فلما خرج أصحاب موسى وتتام أصحاب فرعون التقى البحر عليهم فأغرقهم وفي رواية إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله قال : فلما خرج آخر أصحاب موسى وتكامل أصحاب فرعون انطم عليهم البحر فما رئي سواد أكثر من يومئذ وغرق فرعون لعنه الله .
إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (67)
ثم قال تعالى "إن في ذلك لآية" أي في هذه القصة وما فيها من العجائب والنصر والتأييد لعباد الله المؤمنين لدلالة وحجة قاطعة وحكمة بالغة "وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم" تقدم تفسيره .
وإن ربك لهو العزيز الرحيم (68)
ثم قال تعالى "إن في ذلك لآية" أي في هذه القصة وما فيها من العجائب والنصر والتأييد لعباد الله المؤمنين لدلالة وحجة قاطعة وحكمة بالغة "وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم" تقدم تفسيره.
واتل عليهم نبأ إبراهيم (69)
هذا إخبار من الله تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم عليه السلام إمام الحنفاء أمر الله تعالى رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم أن يتلوه على أمته ليقتدوا به في الإخلاص والتوكل وعبادة الله وحده لا شريك له والتبري من الشرك وأهله .
إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون (70)
فإن الله تعالى آتى إبراهيم رشده من قبل أي من صغره إلى كبره فإنه من وقت نشأ وشب أنكر على قومه عبادة الأصنام مع الله عز وجل فقال لأبيه وقومه ماذا تعبدون أي ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ؟ .
قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين (71)
"قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين" أي مقيمين على عبادتها ودعائها .
قال هل يسمعونكم إذ تدعون (72)
"قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون" يعني اعترفوا بأن أصنامهم لا تفعل شيئا من ذلك وإنما رأوا آباءهم كذلك يفعلون فهم على آثارهم يهرعون فعند ذلك قال لهم إبراهيم .
أو ينفعونكم أو يضرون (73)
"قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون" يعني اعترفوا بأن أصنامهم لا تفعل شيئا من ذلك وإنما رأوا آباءهم كذلك يفعلون فهم على آثارهم يهرعون فعند ذلك قال لهم إبراهيم .
قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون (74)
"قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون" يعني اعترفوا بأن أصنامهم لا تفعل شيئا من ذلك وإنما رأوا آباءهم كذلك يفعلون فهم على آثارهم يهرعون فعند ذلك قال لهم إبراهيم .
قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون (75)
"أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين" أي إن كانت هذه الأصنام شيئا ولها تأثير وتقدر فلتخلص إلي بالمساءة فإني عدو لها لا أبالي بها ولا أفكر فيها وهذا كما قال تعالى مخبرا عن نوح عليه
السلام "فأجمعوا أمركم وشركاءكم" الآية وقال هود عليه السلام "إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم" وهكذا تبرأ إبراهيم من آلهتهم فقال "وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله" الآية وقال تعالى : "قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم" - إلى قوله - "حتى تؤمنوا بالله وحده" وقال تعالى : "وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة" يعني لا إله إلا الله .
أنتم وآباؤكم الأقدمون (76)
أنتم وآباؤكم الأقدمون
"أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين" أي إن كانت هذه الأصنام شيئا ولها تأثير وتقدر فلتخلص إلي بالمساءة فإني عدو لها لا أبالي بها ولا أفكر فيها وهذا كما قال تعالى مخبرا عن نوح عليه السلام "فأجمعوا أمركم وشركاءكم" الآية وقال هود عليه السلام "إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم" وهكذا تبرأ إبراهيم من آلهتهم فقال "وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله" الآية وقال تعالى : "قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم" - إلى قوله - "حتى تؤمنوا بالله وحده" وقال تعالى : "وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة" يعني لا إله إلا الله .
فإنهم عدو لي إلا رب العالمين (77)
فإنهم عدو لي إلا رب العالمين
"أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين" أي إن كانت هذه الأصنام شيئا ولها تأثير وتقدر فلتخلص إلي بالمساءة فإني عدو لها لا أبالي بها ولا أفكر فيها وهذا كما قال تعالى مخبرا عن نوح عليه السلام "فأجمعوا أمركم وشركاءكم" الآية وقال هود عليه السلام "إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم" وهكذا تبرأ إبراهيم من آلهتهم فقال "وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله" الآية وقال تعالى : "قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم" - إلى قوله - "حتى تؤمنوا بالله وحده" وقال تعالى : "وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة" يعني لا إله إلا الله .
الذي خلقني فهو يهدين (78)
الذي خلقني فهو يهدين
يعني لا أعبد إلا الذي يفعل هذه الأشياء "الذي خلقني فهو يهدين" أي هو الخالق الذي قدر قدرا وهدى الخلائق إليه فكل يجري على ما قدر له وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء .
والذي هو يطعمني ويسقين (79)
والذي هو يطعمني ويسقين
ويسقين "أي هو خالقي ورازقي بما سخر ويسر من الأسباب السماوية والأرضية فساق المزن وأنزل الماء وأحيا به الأرض وأخرج به من كل الثمرات رزقا للعباد وأنزل الماء عذبا زلالا يسقيه مما خلق أنعاما وأناسي كثيرا ."
وإذا مرضت فهو يشفين (80)
وإذا مرضت فهو يشفين
وقوله : "وإذا مرضت فهو يشفين" أسند المرض إلى نفسه وإن كان عن قدر الله وقضائه وخلقه ولكن أضافه إلى نفسه أدبا كما قال تعالى آمرا المصلي أن يقول "اهدنا الصراط المستقيم" إلى آخر السورة فأسند الإنعام والهداية إلى الله تعالى والغضب حذف فاعله أدبا وأسند الضلال إلى العبيد كما قالت الجن "وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا" وكذا قال إبراهيم "وإذا مرضت فهو يشفين" أي إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره بما يقدر من الأسباب الموصلة إليه .
والذي يميتني ثم يحيين (81)
والذي يميتني ثم يحيين
"والذي يميتني ثم يحيين" أي هو الذي يحيي ويميت لا يقدر على ذلك أحد سواه فإنه هو الذي يبدئ ويعيد .
والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين (82)
والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين
"والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين" أي لا يقدر على غفران الذنوب في الدنيا والآخرة إلا هو ومن يغفر الذنوب إلا الله وهو الفعال لما يشاء .
رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين (83)
رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين
وهذا سؤال من إبراهيم عليه السلام أن يؤتيه ربه حكما قال ابن عباس وهو العلم وقال عكرمة هو اللب وقال مجاهد هو القرآن وقال السدي هو النبوة وقوله : "وألحقني بالصالحين" أي اجعلني مع الصالحين في الدنيا والآخرة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عند الاحتضار "اللهم في الرفيق الأعلى" قالها ثلاثا وفي الحديث في الدعاء "اللهم أحينا مسلمين وأمتنا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مبدلين"
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|