عرض مشاركة واحدة
  #377  
قديم 07-12-2025, 09:09 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,416
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(10)
تفسير سورة الفرقان
من صـ 336 الى صــ 342
الحلقة (377)



بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الشعراء وهي مكية .
طسم (1)
طسم
سورة الشعراء : "ووقع في تفسير مالك المروي عنه تسميتها سورة الجامعة" قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور فمنهم من قال هي مما استأثر الله بعلمه فردوا علمها إلى الله ولم يفسرها حكاه القرطبي في تفسيره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خيثم واختاره أبو حاتم بن حبان .
ومنهم من فسرها واختلف هؤلاء في معناها فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم إنما هي أسماء السور .
قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره وعليه إطباق الأكثر ونقل عن سيبويه أنه نص عليه ويعتضد لهذا بما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة "الم" السجدة و "هل أتى على الإنسان" وقال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال : الم و "حم" و "المص" و "ص" فواتح افتتح الله بها القرآن وكذا قال غيره عن مجاهد وقال مجاهد في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود عن شبل عن ابن أبي نجيح عنه أنه قال الم اسم من أسماء القرآن وهكذا قال قتادة وزيد بن أسلم ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم إنه اسم من أسماء السور فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن فإنه يبعد أن يكون المص اسما للقرآن كله لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول قرأت المص إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف لا لمجموع القرآن والله أعلم .
وقيل هي اسم من أسماء الله تعالى فقال عنها في فواتح السور من أسماء الله تعالى وكذلك قال سالم بن عبد الله وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير وقال شعبة عن السدي بلغني أن ابن عباس قال الم اسم من أسماء الله الأعظم .
هكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شعبة ورواه ابن جرير عن بندار عن ابن مهدي عن شعبة قال سألت السدي عن حم و "طس" و "الم" فقال قال ابن عباس : هي اسم الله الأعظم وقال ابن جرير وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا أبو النعمان حدثنا شعبة عن إسماعيل السدي عن مرة الهمداني قال : قال عبد الله فذكر نحوه.
وحكي مثله عن علي وابن عباس وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس هو قسم أقسم الله به وهو من أسماء الله تعالى وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث ابن علية عن خالد الحذاء عن عكرمة أنه قال الم قسم .
وروينا أيضا من حديث شريك بن عبد الله بن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن ابن عباس : الم قال أنا الله أعلم وكذا قال سعيد بن جبير وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الم قال أما الم فهي حروف استفتحت من حروف هجاء أسماء الله تعالى .
قال وأبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى الم قال هذه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفا دارت فيها الألسن كلها ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه وليس منها حرف إلا وهو من آلائه وبلألائه ليس منها حرف إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم .
قال عيسى ابن مريم عليه السلام وعجب : فقال أعجب أنهم يظنون بأسمائه ويعيشون في رزقه فكيف يكفرون به فالألف مفتاح الله واللام مفتاح اسمه لطيف والميم مفتاح اسمه مجيد فالألف آلاء الله واللام لطف الله والميم مجد الله والألف سنة واللام ثلاثون سنة والميم أربعون سنة .
هذا لفظ ابن أبي حاتم ونحوه رواه ابن جرير ثم شرع يوجه كل واحد من هذه الأقوال ويوفق بينها وأنه لا منافاة بين كل واحد منها وبين الآخر وأن الجمع ممكن فهي أسماء للسور ومن أسماء الله تعالى يفتتح بها السور فكل حرف منها دل على اسم من أسمائه وصفة من صفاته كما افتتح سورا كثيرة بتحميده وتسبيحه وتعظيمه قال ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسم من أسماء الله وعلى صفة من صفاته وعلى مدة وغير ذلك كما ذكره الربيع بن أنس عن أبي العالية لأن الكلمة الواحدة تطلق على معان كثيرة كلفظة الأمة فإنها تطلق ويراد به الدين كقوله تعالى "إنا وجدنا آباءنا على أمة" وتطلق ويراد بها الرجل المطيع لله كقوله تعالى "إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين" وتطلق ويراد بها الجماعة كقوله تعالى "وجد عليه أمة من الناس يسقون" وقوله تعالى "ولقد بعثنا في كل أمة رسولا" وتطلق ويراد بها الحين من الدهر كقوله تعالى "وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة" أي بعد حين على أصح القولين قال فكذلك هذا .
هذا حاصل كلامه موجها ولكن هذا ليس كما ذكره أبو العالية فإن أبا العالية زعم أن الحرف دل على هذا وعلى هذا وعلى هذا معا ولفظة الأمة وما أشبهها من الألفاظ المشتركة في الاصطلاح إنما دل في القرآن في كل موطن على معنى واحد دل عليه سياق الكلام فأما حمله على مجموع محامله إذا أمكن فمسألة مختلف فيها بين علماء الأصول ليس هذا موضع البحث فيها والله أعلم .
ثم إن لفظة الأمة تدل على كل من معانيها في سياق الكلام بدلالة الوضع فأما دلالة الحرف الواحد على اسم يمكن أن يدل على اسم آخر من غير أن يكون أحدهما أولى من الآخر في التقدير أو الإضمار بوضع ولا بغيره فهذا مما لا يفهم إلا بتوقيف والمسألة مختلف فيها وليس فيها إجماع حتى يحكم به وما أنشدوه من الشواهد على صحة إطلاق الحرف الواحد على بقية الكلمة فإن في السياق ما يدل على ما حذف بخلاف هذا كما قال الشاعر :
قلنا قفي لنا فقالت قاف ... لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف
تعني وقفت .
وقال الآخر :
ما للظليم عال كيف لا ي ... ينقد عنه جلده إذا ي
فقال ابن جرير كأنه أراد أن يقول إذا يفعل كذا وكذا فاكتفى بالياء من يفعل وقال الآخر :
بالخير خيرات وإن شرا فا ... ولا أريد الشر إلا أن ت
يقول وإن شرا فشرا ولا أريد الشر إلا أن تشاء فاكتفى بالفاء والتاء من الكلمتين عن بقيتهما ولكن هذا ظاهر من سياق الكلام والله أعلم .
قال القرطبي وفي الحديث "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة" الحديث قال سفيان هو أن يقول في اقتل "اق" وقال خصيف عن مجاهد أنه قال فواتح السور كلها "ق" و "ص" و "حم" و "طسم" و "الر" وغير ذلك هجاء موضوع وقال بعض أهل العربية هي حروف من حروف المعجم استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفا كما يقول القائل ابني يكتب في - ا ب ت ث - أي في حروف المعجم الثمانية والعشرين فيستغني بذكر بعضها عن مجموعها حكاه ابن جرير .
قلت مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفا وهي - ال م ص ر ك ه ي ع ط س ح ق ن - يجمعها قولك : نص حكيم قاطع له سر .
وهي نصف الحروف عددا والمذكور منها أشرف من المتروك , وبيان ذلك من صناعة التصريف.
قال الزمخشري وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على أصناف أجناس الحروف يعني من المهموسة والمجهورة ومن الرخوة والشديدة ومن المطبقة والمفتوحة ومن المستعلية والمنخفضة ومن حروف القلقلة.
وقد سردها مفصلة ثم قال : فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته .
وهذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله وههنا ههنا لخص بعضهم في هذا المقام كلاما فقال : لا شك أن هذه الحروف لم ينزلها سبحانه وتعالى عبثا ولا سدى ومن قال من الجهلة إن في القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلمة فقد أخطأ خطأ كبيرا فتعين أن لها معنى في نفس الأمر فإن صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به وإلا وقفنا حيث وقفنا وقلنا "آمنا به كل من عند ربنا" ولم يجمع العلماء فيها على شيء معين وإنما اختلفوا فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه وإلا فالوقف حتى يتبين هذا المقام .
المقام الآخر في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور ما هي مع قطع النظر عن معانيها في أنفسها فقال بعضهم إنما ذكرت ليعرف بها أوائل السور حكاه ابن جرير وهذا ضعيف لأن الفصل حاصل بدونها فيما لم تذكر فيه وفيما ذكرت فيه البسملة تلاوة وكتابة وقال آخرون بل ابتدئ بها لتفتح لاستماعها أسماع المشركين إذ تواصوا بالإعراض عن القرآن حتى إذا استمعوا له تلا عليهم المؤلف منه حكاه ابن جرير أيضا وهو ضعيف أيضا لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور لا يكون في بعضها بل غالبها ليس كذلك ولو كان كذلك أيضا لانبغى الابتداء بها في أوائل الكلام معهم سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك ثم إن هذه السورة والتي تليها أعني البقرة وآل عمران مدنيتان ليستا خطابا للمشركين فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه .
وقال آخرون بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا وقرره الزمخشري في كشافه ونصره أتم نصر وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي وحكاه لي عن ابن تيمية .
قال الزمخشري ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت كما كررت قصص كثيرة وكرر التحدي بالصريح في أماكن قال وجاء منها على حرف واحد كقوله - ص ن ق - وحرفين مثل "حم" وثلاثة مثل "الم" وأربعة مثل "المر" و "المص" وخمسة مثل "كهيعص - و - حم عسق" لأن أساليب كلامهم على هذا من الكلمات ما هو على حرف وعلى حرفين وعلى ثلاثة وعلى أربعة وعلى خمسة لا أكثر من ذلك "قلت" ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته وهذا معلوم بالاستقراء وهو الواقع في تسع وعشرين سورة ولهذا يقول تعالى "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" "الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه" "المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه" "الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم" "الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين" "حم تنزيل من الرحمن الرحيم" "حم عسق كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم" وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر والله أعلم .
وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم فقد ادعى ما ليس له وطار في غير مطاره وقد ورد في ذلك حديث ضعيف وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته وهو ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله بن رباب قال مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من اليهود فقال تعلمون والله لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل الله تعالى عليه "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" فقال أنت سمعته قال نعم قال فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد ألم يذكر أنك تتلو فيما أنزل الله عليك "الم ذلك الكتاب" ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بلى" فقالوا جاءك بهذا جبريل من عند الله ؟ فقال "نعم" قالوا لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك.
فقام حيي بن أخطب وأقبل على من كان معه فقال لهم الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون فهذه إحدى وسبعون سنة أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة ؟ ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد هل مع هذا غيره فقال "نعم" قال ما ذاك ؟ قال "المص" قال هذا أثقل وأطول الألف واحد واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد تسعون فهذه إحدى وثلاثون ومائة سنة .
هل مع هذا يا محمد غيره ؟ قال "نعم" قال ما ذاك ؟ قال "الر" قال هذا أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والراء مائتان فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة.
فهل مع هذا يا محمد غيره ؟ قال "نعم" قال ماذا قال "المر" قال هذه أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والراء مائتان فهذه إحدى وسبعون ومائتان ثم قال : لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا.
ثم قال قوموا عنه ثم قال أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب ولمن معه من الأحبار ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون وإحدى وثلاثون ومائة وإحدى وثلاثون ومائتان وإحدى وسبعون ومائتان فذلك سبعمائة وأربع سنين ؟ فقالوا لقد تشابه علينا أمره فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات" فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي وهو ممن لا يحتج بما انفرد به ثم كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحا أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها وذلك يبلغ منه جملة كثيرة وإن حسبت مع التكرر فأطم وأعظم والله أعلم .
تلك آيات الكتاب المبين (2)
تلك آيات الكتاب المبين
وقوله تعالى "تلك آيات الكتاب المبين" أي هذه آيات القرآن المبين أي البين الواضح الجلي الذي يفصل بين الحق والباطل والغي والرشاد .
لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين (3)
لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين
وقوله تعالى "لعلك باخع" أي مهلك "نفسك" أي مما تحرص وتحزن عليهم "أن لا يكونوا مؤمنين" وهذه تسلية من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في عدم إيمان من لم يؤمن به من الكفار كما قال تعالى "فلا تذهب نفسك عليهم حسرات" كقوله "فلعلك باخع نفسك على آثارهم" الآية قال مجاهد وعكرمة وقتادة وعطية والضحاك والحسن وغيرهم "لعلك باخع نفسك" أي قاتل نفسك قال الشاعر :
ألا أيهذا الباخع الحزن نفسه ... لشيء نحته عن يديه المقادر
إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين (4)
إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين
ثم قال تعالى "إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين" أي لو نشاء لأنزلنا آية تضطرهم إلى الإيمان قهرا ولكن لا نفعل ذلك لأنا لا نريد من أحد

إلا الإيمان الاختياري وقال تعالى "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" وقال تعالى "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة" الآية فنفذ قدره ومضت حكمته وقامت حجته البالغة على خلقه بإرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم .
وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين (5)
وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين
ثم قال تعالى "وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين" أي كلما جاءهم كتاب من السماء أعرض عنه أكثر الناس كما قال تعالى "وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين" وقال تعالى "يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون" وقال تعالى "ثم أرسلنا رسلنا تترى كلما جاء أمة رسولها كذبوه" الآية .
فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون (6)
فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون
ولهذا قال تعالى ههنا "فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون" أي فقد كذبوا بما جاءهم من الحق فسيعلمون نبأ هذا التكذيب بعد حين .
أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم (7)
أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم
"وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون" ثم نبه تعالى على عظمة سلطانه وجلالة قدره وشأنه الذي اجترءوا على مخالفة رسوله وتكذيب كتابه وهو القاهر العظيم القادر الذي خلق الأرض وأنبت فيها من كل زوج كريم من زروع وثمار وحيوان قال سفيان الثوري عن رجل عن الشعبي : الناس من نبات الأرض فمن دخل الجنة فهو كريم ومن دخل النار فهو لئيم .
إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (8)
إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين
"إن في ذلك لآية" أي دلالة على قدرة الخالق للأشياء الذي بسط الأرض ورفع بناء السماء ومع هذا ما آمن أكثر الناس بل كذبوا به وبرسله وكتبه وخالفوا أمره وارتكبوا نهيه .
وإن ربك لهو العزيز الرحيم (9)
وإن ربك لهو العزيز الرحيم
وقوله "وإن ربك لهو العزيز" أي الذي عز كل شيء وقهره وغلبه "الرحيم" أي بخلقه فلا يعجل على من عصاه بل يؤجله وينظره ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس وابن إسحاق : العزيز في نقمته وانتصاره ممن خالف أمره وعبد غيره وقال سعيد بن جبير : الرحيم بمن تاب إليه وأناب .
وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين (10)
وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين

يخبر تعالى عما أمر به عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران عليه السلام "حين ناداه من جانب الطور الأيمن وكلمه وناجاه وأرسله واصطفاه وأمره بالذهاب إلى فرعون وملئه ولهذا قال تعالى" أن ائت القوم الظالمين "."
قوم فرعون ألا يتقون (11)
قوم فرعون ألا يتقون
قوم فرعون ألا يتقون قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون "هذه أعذار سأل من الله إزاحتها عنه كما قال في سورة طه" قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري - إلى قوله - قد أوتيت سؤلك يا موسى "."
قال رب إني أخاف أن يكذبون (12)
قال رب إني أخاف أن يكذبون
قوم فرعون ألا يتقون قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون "هذه أعذار سأل من الله إزاحتها عنه كما قال في سورة طه" قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري - إلى قوله - قد أوتيت سؤلك يا موسى "."
ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون (13)
ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون
قوم فرعون ألا يتقون قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون "هذه أعذار سأل من الله إزاحتها عنه كما قال في سورة طه" قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري - إلى قوله - قد أوتيت سؤلك يا موسى "."
ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون (14)
ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون
وقوله تعالى "ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون" أي بسبب قتل القبطي الذي كان سبب خروجه من بلاد مصر .
قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون (15)
قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون
"قال كلا" أي قال الله له لا تخف من شيء من ذلك كقوله "سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا - أي برهانا - فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون" "فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون" كقوله "إنني معكما أسمع وأرى" أي إنني معكما بحفظي وكلاءتي ونصري وتأييدي.
فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين (16)
فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين
كقوله في الآية الأخرى "إنا رسولا ربك" أي كل منا أرسل إليك .
أن أرسل معنا بني إسرائيل (17)
أن أرسل معنا بني إسرائيل
"أن أرسل معنا بني إسرائيل" أي أطلقهم من

أسرك وقبضتك وقهرك وتعذيبك فإنهم عباد الله المؤمنون وحزبه المخلصون وهم معك في العذاب المهين ; فلما قال له موسى ذلك أعرض فرعون هنالك بالكلية ونظر إليه بعين الازدراء والغمص .
قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين (18)
قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين
فقال "ألم نربك فينا وليدا" الآية أي أما أنت الذي ربيناه فينا وفي بيتنا وعلى فراشنا وأنعمنا عليه مدة من السنين ثم بعد هذا قابلت ذلك الإحسان بتلك الفعلة أن قتلت منا رجلا وجحدت نعمتنا عليك .
وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين (19)
وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين
ولهذا قال "وأنت من الكافرين" أي الجاحدين قاله ابن عباس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم واختاره ابن جرير .
قال فعلتها إذا وأنا من الضالين (20)
قال فعلتها إذا وأنا من الضالين
"قال فعلتها إذا" أي في تلك الحال "وأنا من الضالين" أي قبل أن يوحى إلي وينعم الله علي بالرسالة والنبوة قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة والضحاك وغيرهم "وأنا من الضالين" أي الجاهلين قال ابن جريج وهو كذلك في قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .
ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين (21)
ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين
"ففررت منكم لما خفتكم" .
الآية أي انفصل الحال الأول وجاء أمر آخر فقد أرسلني الله إليك فإن أطعته سلمت وإن خالفته عطبت .
وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل (22)
وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل
ثم قال موسى "وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل" أي وما أحسنت إلي وربيتني مقابل ما أسأت إلى بني إسرائيل فجعلتهم عبيدا وخدما تصرفهم في أعمالك ومشاق رعيتك أفيفي إحسانك إلى رجل واحد منهم بما أسأت إلى مجموعهم أي ليس ما ذكرته شيئا بالنسبة إلى ما فعلت بهم .
قال فرعون وما رب العالمين (23)
قال فرعون وما رب العالمين
يقول تعالى مخبرا عن كفر فرعون وتمرده وطغيانه وجحوده في قوله "وما رب"

العالمين "وذلك أنه كان يقول لقومه" ما علمت لكم من إله غيري "" فاستخف قومه فأطاعوه "وكانوا يجحدون الصانع جل وعلا ويعتقدون أنه لا رب لهم سوى فرعون فلما قال له موسى إني رسول رب العالمين قال له فرعون ومن هذا الذي تزعم أنه رب العالمين غيري ؟ هكذا فسره علماء السلف وأئمة الخلف حتى قال السدي هذه الآية كقوله تعالى" قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى "ومن زعم من أهل المنطق وغيرهم أن هذا سؤال عن الماهية فقد غلط فإنه لم يكن مقرا بالصانع حتى يسأل عن الماهية بل كان جاحدا له بالكلية فيما يظهر وإن كانت الحجج والبراهين قد قامت عليه فعند ذلك قال موسى لما سأله عن رب العالمين."
قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (24)
قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين
"قال رب السموات والأرض وما بينهما" أي خالق جميع ذلك ومالكه والمتصرف فيه وإلهه لا شريك له هو الله الذي خلق الأشياء كلها العالم العلوي وما فيه من الكواكب الثوابت والسيارات النيرات والعالم السفلي وما فيه من بحار وقفار وجبال وأشجار وحيوانات ونبات وثمار وما بين ذلك من الهواء والطير وما يحتوي عليه الجو الجميع عبيد له خاضعون ذليلون "إن كنتم موقنين" أي إن كانت لكم قلوب موقنة وأبصار نافذة ; فعند ذلك التفت فرعون إلى من حوله من ملئه ورؤساء دولته قائلا لهم على سبيل التهكم والاستهزاء والتكذيب لموسى .
قال لمن حوله ألا تستمعون (25)
قال لمن حوله ألا تستمعون
فيما قاله "ألا تستمعون" أي ألا تعجبون من هذا في زعمه أن لكم إلها غيري ؟ .
قال ربكم ورب آبائكم الأولين (26)
قال ربكم ورب آبائكم الأولين
فقال لهم موسى "ربكم ورب آبائكم الأولين" أي خالقكم وخالق آبائكم الأولين الذي كانوا قبل فرعون وزمانه .
قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون (27)
قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون
إليكم لمجنون "أي ليس له عقل في دعواه أن ثم ربا غيري" قال "أي موسى لأولئك الذين أوعز إليهم فرعون ما أوعز من الشبهة ."
قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون (28)
قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون
فأجاب موسى بقوله "رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون" أي هو الذي جعل المشرق مشرقا تطلع منه الكواكب والمغرب مغربا تغرب فيه الكواكب ثوابتها وسياراتها مع هذا النظام الذي سخرها فيه وقدرها فإن كان هذا الذي يزعم أنه ربكم وإلهكم صادقا فليعكس الأمر وليجعل المشرق مغربا والمغرب مشرقا كما قال تعالى عن "الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي"

وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب "الآية ولهذا لما غلب فرعون وانقطعت حجته عدل إلى استعمال جاهه وقوته وسلطانه واعتقد أن ذلك نافع له ونافذ في موسى عليه السلام فقال ما أخبر الله تعالى عنه ."
قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين (29)
قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين
لما قامت الحجة على فرعون بالبيان والعقل عدل إلى أن يقهر موسى بيده وسلطانه فظن أنه ليس وراء هذا المقام مقال فقال "لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين" .
قال أولو جئتك بشيء مبين (30)
قال أولو جئتك بشيء مبين
فعند ذلك قال موسى "أولو جئتك بشيء مبين" أي ببرهان قاطع واضح.
قال فأت به إن كنت من الصادقين (31)
قال فأت به إن كنت من الصادقين
"قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين" أي ظاهر واضح في غاية الجلاء والوضوح والعظمة ذات قوائم وفم كبير وشكل هائل مزعج .
فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (32)
فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين
"قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين" أي ظاهر واضح في غاية الجلاء والوضوح والعظمة ذات قوائم وفم كبير وشكل هائل مزعج .
ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (33)
ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين
"ونزع يده" أي من جيبه "فإذا هي بيضاء للناظرين" أي تتلألأ كقطعة من القمر فبادر فرعون بشقاوته إلى التكذيب والعناد .
قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم (34)
قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم
فقال للملإ حوله "إن هذا لساحر عليم" أي فاضل بارع في السحر فروج عليهم فرعون أن هذا من قبيل السحر لا من قبيل المعجزة ثم هيجهم وحرضهم على مخالفته والكفر به .
يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون (35)
يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون
فقال "يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره" الآية أي أراد أن يذهب بقلوب الناس معه بسبب هذا فيكثر أعوانه وأنصاره وأتباعه ويغلبكم على دولتكم فيأخذ البلاد منكم فأشيروا علي فيه ماذا أصنع به ؟ .
قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين (36)
قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين
"قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم" أي أخره وأخاه حتى تجمع له من مدائن مملكتك وأقاليم دولتك .
يأتوك بكل سحار عليم (37)
يأتوك بكل سحار عليم
كل سحار





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 52.76 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 52.13 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.19%)]