
07-12-2025, 08:53 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,625
الدولة :
|
|
رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)
إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء (10)
تفسير سورة الفرقان
من صـ 306 الى صــ 320
الحلقة (375)
بجميع الرسل إذ لا فرق بين رسول ورسول ولو فرض أن الله تعالى بعث إليهم كل رسول فإنهم كانوا يكذبون .
وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا أليما (37)
وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا أليما
ولهذا قال تعالى : "وقوم نوح لما كذبوا الرسل" ولم يبعث إليهم إلا نوح فقط وقد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله عز وجل ويحذرهم نقمه "فما آمن معه إلا قليل" ولهذا أغرقهم الله جميعا ولم يبق منهم أحدا ولم يترك من بني آدم على وجه الأرض سوى أصحاب السفينة فقط "وجعلناهم للناس آية" أي عبرة يعتبرون بها كما قال تعالى : "إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية" أي وأبقينا لكم من السفن ما تركبون في لجج البحار لتذكروا نعمة الله عليكم من إنجائكم من الغرق وجعلكم من ذرية من آمن به وصدق أمره .
وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا (38)
وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا
وقوله تعالى : "وعادا وثمود وأصحاب الرس" قد تقدم الكلام على قصتيهما في غير ما سورة كسورة الأعراف بما أغنى عن الإعادة وأما أصحاب الرس فقال ابن جريج عن ابن عباس هم أهل قرية من قرى ثمود وقال ابن جريج : قال عكرمة أصحاب الرس بفلج وهم أصحاب يس وقال قتادة فلج من قرى اليمامة وقال ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس قوله : "وأصحاب الرس" قال بئر بأذربيجان : وقال الثوري عن أبي بكر عن عكرمة : الرس بئر رسوا فيها نبيهم أي دفنوه فيها وقال ابن إسحاق عن محمد بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبد الأسود وذلك أن الله تعالى بعث نبيا إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها إلا ذلك العبد الأسود ثم"
إن أهل القرية عدوا على النبي فحفروا له بئرا فألقوه فيها ثم أطبقوا عليه بحجر أصم قال فكان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره ثم يأتي بحطبه فيبيعه ويشتري به طعاما وشرابا ثم يأتي به إلى تلك البئر فيرفع تلك الصخرة ويعينه الله تعالى عليها فيدلي إليه طعامه وشرابه ثم يردها كما كانت قال فكان ذلك ما شاء الله أن يكون ثم إنه ذهب يوما يحتطب كما كان يصنع فجمع حطبه وحزم حزمته وفرغ منها فلما أراد أن يحتملها وجد سنة فاضطجع فنام فضرب الله على أذنه سبع سنين ثم إنه هب فتمطى فتحول لشقه الآخر فاضطجع فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى ثم إنه هب واحتمل حزمته ولا يحسب إلا أنه نام ساعة من نهار فجاء إلى القرية فباع حزمته ثم اشترى طعاما وشرابا كما كان يصنع ثم إنه ذهب إلى الحفيرة موضعها الذي كانت فيه فالتمسه فلم يجده وكان قد بدا لقومه فيه بداء فاستخرجوه وآمنوا به وصدقوه قال فكان نبيهم يسألهم عن ذلك الأسود ما فعل فيقولون له لا ندري حتى قبض الله النبي وهب الأسود من نومته بعد ذلك "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم" إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة "وهكذا رواه ابن جرير عن ابن حميد عن سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب مرسلا وفيه غرابة ونكارة ولعل فيه إدراجا والله أعلم وقال ابن جرير : لا يجوز أن يحمل هؤلاء على أنهم أصحاب الرس الذين ذكروا في القرآن لأن الله أخبر عنهم أنه أهلكهم وهؤلاء آمنوا بنبيهم إلا أن يكون حدث لهم أحداث آمنوا بالنبي بعد هلاك آبائهم والله"
أعلم واختار ابن جرير أن المراد بأصحاب الرس هم أصحاب الأخدود الذين ذكروا في سورة البروج فالله أعلم
وقوله تعالى : "وقرونا بين ذلك كثيرا" أي وأمما أضعاف من ذكر أهلكناهم كثيرة .
وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا (39)
وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا
ولهذا قال "وكلا ضربنا له الأمثال" أي بينا لهم الحجج ووضحنا لهم الأدلة كما قال قتادة وأزحنا الأعذار عنهم "وكلا تبرنا تتبيرا" أي أهلكنا إهلاكا كقوله تعالى : "وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح" والقرن هو الأمة من الناس كقوله : "ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين" وعده بعضهم بمائة وعشرين سنة وقيل بمائة وقيل بثمانين وقيل أربعين وقيل غير ذلك والأظهر أن القرن هو الأمة المتعاصرون في الزمن الواحد وإذا ذهبوا وخلفهم جيل فهو قرن آخر كما ثبت في الصحيحين "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" الحديث .
ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا (40)
ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا
"ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء" يعني قرية قوم لوط وهي سدوم التي أهلكها الله بالقلب وبالمطر من الحجارة التي من سجيل كما قال تعالى : "وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين" وقال : "وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون" وقال تعالى "وإنها لبسبيل مقيم" وقال : "وإنهما لبإمام مبين" ولهذا قال "أفلم يكونوا يرونها" أي فيعتبروا بما حل بأهلها من العذاب والنكال بسبب تكذيبهم بالرسول وبمخالفتهم أوامر الله "بل كانوا لا يرجون نشورا" يعني المارين بها من الكفار لا يعتبرون لأنهم لا يرجون نشورا أي معادا يوم القيامة .
وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا (41)
وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا
يخبر تعالى عن استهزاء المشركين بالرسول صلى الله عليه وسلم إذ رأوه كما قال تعالى : "وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا" الآية يعنون بالعيب والنقص وقال ههنا : "وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا" أي على سبيل التنقص والازدراء فقبحهم الله كما قال "ولقد استهزئ برسل من قبلك" الآية .
إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا (42)
إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا
وقوله تعالى : "إن كاد ليضلنا عن آلهتنا" يعنون أنه كاد يثنيهم عن عبادة الأصنام لولا أن صبروا وتجلدوا واستمروا عليها قال الله تعالى متوعدا لهم ومتهددا "وسوف يعلمون حين يرون العذاب" الآية ثم قال تعالى لنبيه منبها أن من كتب الله عليه الشقاوة والضلال فإنه لا يهديه أحد إلا الله عز وجل .
أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا (43)
أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا
"أرأيت من اتخذ إلهه هواه" أي مهما استحسن من شيء ورآه حسنا في هوى نفسه كان دينه ومذهبه كما قال تعالى : "أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء" الآية ولهذا قال ههنا "أفأنت تكون عليه وكيلا" قال ابن عباس كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانا فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الأول.
أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا (44)
أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا
ثم قال تعالى : "أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون" الآية أي هم أسوأ حالا من الأنعام السارحة فإن تلك تفعل ما خلقت له وهؤلاء خلقوا لعبادة الله وحده لا شريك له فلم يفعلوا وهم يعبدون غيره ويشركون به مع قيام الحجة عليهم وإرسال الرسل إليهم .
ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا (45)
ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا
ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ""
من ههنا شرع سبحانه وتعالى في بيان الأدلة الدالة على وجوده وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة فقال تعالى : "ألم تر إلى ربك كيف مد الظل" ؟ قال ابن عباس وابن عمر وأبو العالية وأبو مالك ومسروق ومجاهد وسعيد بن جبير والنخعي والضحاك والحسن وقتادة : هو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس "ولو شاء لجعله ساكنا" أي دائما لا يزول كما قال تعالى : "قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا" الآيات وقوله تعالى : "ثم جعلنا الشمس عليه دليلا" أي لولا أن الشمس تطلع عليه لما عرف فإن الضد لا يعرف إلا بضده .
وقال قتادة والسدي دليلا تتلوه وتتبعه حتى تأتي عليه كله .
ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا (46)
ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا
وقوله تعالى : "ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا" أي الظل وقيل الشمس "يسيرا" أي سهلا قال ابن عباس سريعا وقال مجاهد خفيا وقال السدي قبضا خفيا حتى لا يبقى في الأرض ظل إلا تحت سقف أو تحت شجرة وقد أظلت الشمس ما فوقه وقال أيوب بن موسى في الآية "قبضا يسيرا" قليلا قليلا .
وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا (47)
وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا
وقوله : "وهو الذي جعل لكم الليل لباسا" أي يلبس الوجود ويغشاه كما قال تعالى : "والليل إذا يغشى" "والنوم سباتا" أي قاطعا للحركة لراحة الأبدان فإن الأعضاء والجوارح تكل من كثرة الحركة في الانتشار بالنهار في المعاش فإذا جاء الليل وسكن سكنت الحركات فاستراحت فحصل النوم الذي فيه راحة البدن والروح معا "وجعل النهار نشورا" أي ينتشر الناس فيه لمعايشهم ومكاسبهم وأسبابهم كما
قال تعالى : "ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله" الآية .
وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا (48)
وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا
وهذا أيضا من قدرته التامة وسلطانه العظيم وهو أنه تعالى يرسل الرياح مبشرات أي بمجيء السحاب بعدها والرياح أنواع في صفات كثيرة من التسخير فمنها ما يثير السحاب ومنها ما يحمله ومنها ما يسوقه ومنها ما يكون بين يدي السحاب مبشرا ومنها ما يكون قبل ذلك تقم الأرض ومنها ما يلقح السحاب ليمطر ولهذا قال تعالى : "وأنزلنا من السماء ماء طهورا" أي آلة يتطهر بها كالسحور والوجور وما جرى مجراهما فهذا أصح ما يقال في ذلك وأما من قال إنه فعول بمعنى فاعل أو أنه مبني للمبالغة والتعدي فعلى كل منهما إشكالات من حيث اللغة والحكم ليس هذا موضع بسطها والله أعلم وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي بإسناده إلى حميد الطويل عن ثابت البناني قال دخلت مع أبي العالية في يوم مطير وطرق البصرة قذرة فصلى فقلت له فقال : "وأنزلنا من السماء ماء طهورا" قال طهره ماء السماء وقال أيضا حدثنا أبي حدثنا أبو سلمة حدثنا وهيب عن داود عن سعيد بن المسيب في هذه الآية قال : أنزله الله طهورا لا ينجسه شيء وعن أبي سعيد قال : قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها النتن ولحوم الكلاب ؟ فقال : "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" رواه الشافعي وأحمد
وصححه أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وروى ابن أبي حاتم بإسناده حدثنا أبي حدثنا أبو الأشعث حدثنا معتمر سمعت أبي يحدث عن سيار عن خالد بن يزيد قال : كنا عند عبد الملك بن مروان فذكروا الماء فقال خالد بن يزيد : منه ماء من السماء ومنه ماء يسقيه الغيم من البحر فيذبه الرعد والبرق فأما ما كان من البحر فلا يكون منه نبات فأما النبات فمما كان من السماء وروي عن عكرمة قال : ما أنزل الله من السماء قطرة إلا أنبت بها في الأرض عشبة أو في البحر لؤلؤة وقال غيره : في البر بر وفي البحر در .
لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا (49)
لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا
وقوله تعالى : "لنحيي به بلدة ميتا" أي أرضا قد طال انتظارها للغيث فهي هامدة لا نبات فيها ولا شيء فلما جاءها الحياء عاشت واكتست رباها أنواع الأزاهير والألوان كما قال تعالى : "فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت" الآية : "ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا" أي وليشرب منه الحيوان من أنعام وأناسي محتاجين إليه غاية الحاجة لشربهم وزروعهم وثمارهم كما قال تعالى : "وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا" الآية وقال تعالى : "فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها" الآية .
ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا (50)
ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا
وقوله تعالى : "ولقد صرفناه بينهم ليذكروا" أي أمطرنا هذه الأرض دون هذه وسقنا السحاب يمر على الأرض ويتعداها ويتجاوزها إلى الأرض الأخرى فيمطرها ويكفيها ويجعلها غدقا والتي وراءها لم ينزل فيها قطرة من
ماء وله في ذلك الحجة البالغة والحكمة القاطعة قال ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم ليس عام بأكثر مطرا من عام ولكن الله يصرفه كيف يشاء ثم قرأ هذه الآية "ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا" أي ليذكروا بإحياء الله الأرض الميتة أنه قادر على إحياء الأموات والعظام الرفات أو ليذكر من منع المطر إنما أصابه ذلك بذنب أصابه فيقلع عما هو فيه وقال عمر مولى عقبة : كان جبريل عليه السلام في موضع الجنائز فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "يا جبريل إني أحب أن أعلم أمر السحاب" قال فقال له جبريل يا نبي الله هذا ملك السحاب فسله فقال تأتينا صكاك مختمة : اسق بلاد كذا وكذا كذا وكذا قطرة رواه ابن أبي حاتم وهو حديث مرسل وقوله تعالى : "فأبى أكثر الناس إلا كفورا" قال عكرمة يعني الذين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا وهذا الذي قاله عكرمة كما صح في الحديث المخرج في صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه يوما على أثر سماء أصابتهم من الليل "أتدرون ماذا قال ربكم ؟" قالوا الله ورسوله أعلم قال "قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي كافر بالكوكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب" .
ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا (51)
ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا
يقول تعالى : "ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا" يدعوهم إلى الله عز وجل ولكنا خصصناك يا محمد بالبعثة إلى جميع أهل الأرض وأمرناك أن تبلغهم هذا القرآن ""
لأنذركم به ومن بلغ "" ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده "" لتنذر أم القرى ومن حولها "" قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا "وفي الصحيحين" بعثت إلى الأحمر والأسود "وفيهما" وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة "."
فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا (52)
فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا
ولهذا قال تعالى : "فلا تطع الكافرين وجاهدهم به" يعني بالقرآن قاله ابن عباس : "جهادا كبيرا" .
كما قال تعالى : "يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين" الآية .
وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا (53)
وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا
وقوله تعالى "وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج" أي خلق الماءين الحلو والملح فالحلو كالأنهار والعيون والآبار وهذا هو البحر الحلو العذب الفرات الزلال قاله ابن جريج واختاره ابن جرير وهذا المعنى لا شك فيه فإنه ليس في الوجود بحر ساكن وهو عذب فرات ; والله سبحانه وتعالى إنما أخبر بالواقع لينبه العباد على نعمة عليهم ليشكروه فالبحر العذب هو هذا السارح بين الناس فرقه الله تعالى بين خلقه لاحتياجهم إليه أنهارا وعيونا في كل أرض بحسب حاجتهم وكفايتهم لأنفسهم وأراضيهم وقوله تعالى : "وهذا ملح أجاج" أي مالح مر زعاق لا يستساغ وذلك كالبحار المعروفة في المشارق والمغارب : البحر المحيط وما يتصل به من الزقاق وبحر القلزم وبحر اليمن وبحر البصرة وبحر فارس وبحر الصين والهند وبحر الروم وبحر الخزر وما شاكلها وشابهها من البحار الساكنة التي لا تجري ولكن تموج وتضطرب وتلتطم في زمن الشتاء وشدة الرياح ومنها ما فيه مد وجزر ففي أول كل شهر يحصل منها مد وفيض فإذا شرع الشهر في النقصان جزرت حتى ترجع إلى غايتها الأولى فإذا استهل الهلال من الشهر الآخر شرعت في المد إلى الليلة الرابعة عشرة ثم تشرع في النقص فأجرى الله سبحانه وتعالى - وهو ذو القدرة التامة - العادة بذلك فكل هذه البحار الساكنة خلقها الله سبحانه وتعالى مالحة لئلا يحصل بسببها نتن الهواء فيفسد الوجود بذلك ولئلا تجوى الأرض بما يموت فيها من الحيوان ولما كان ماؤها ملحا كان هواؤها صحيحا وميتتها طيبة ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن ماء البحر أنتوضأ به ؟ فقال : "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" رواه
الأئمة مالك والشافعي وأحمد وأهل السنن بإسناد جيد وقوله تعالى : "وجعل بينهما برزخا وحجرا" أي بين العذب والمالح "برزخا" أي حاجزا وهو اليبس من الأرض "وحجرا محجورا" أي مانعا من أن يصل أحدهما إلى الآخر كقوله "مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان فبأي آلاء ربكما تكذبان" وقوله تعالى : "أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون" .
وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا (54)
وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا
وقوله تعالى : "وهو الذي خلق من الماء بشرا" الآية أي خلق الإنسان من نطفة ضعيفة فسواه وعدله وجعله كامل الخلقة ذكرا وأنثى كما يشاء "فجعله نسبا وصهرا" فهو في ابتداء أمره ولد نسيب ثم يتزوج فيصير صهرا يصير له أصهار وأختان وقرابات وكل ذلك من ماء مهين ولهذا قال تعالى : "وكان ربك قديرا" .
ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا (55)
ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا
يخبر تعالى عن جهل المشركين في عبادتهم غير الله من الأصنام التي لا تملك له ضرا ولا نفعا بلا دليل قادهم إلى ذلك ولا حجة أدتهم إليه بل بمجرد الآراء والتشهي والأهواء فهم يوالونهم ويقاتلون في سبيلهم ويعادون الله ورسوله والمؤمنين فيهم ولهذا قال تعالى : "وكان الكافر على ربه ظهيرا" أي عونا في سبيل الشيطان على حزب الله
وحزب الله هم الغالبون كما قال تعالى "واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون" أي آلهتهم التي اتخذوها من دون الله لا تملك لهم نصرا وهؤلاء الجهلة للأصنام جند محضرون يقاتلون عنهم ويذبون عن حوزتهم ولكن العاقبة والنصرة لله ولرسوله وللمؤمنين في الدنيا والآخرة قال مجاهد "وكان الكافر على ربه ظهيرا" قال يظاهر الشيطان على معصية الله ويعينه وقال سعيد بن جبير "وكان الكافر على ربه ظهيرا" يقول عونا للشيطان على ربه بالعداوة والشرك وقال زيد بن أسلم "وكان الكافر على ربه ظهيرا" قال مواليا .
وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا (56)
وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا
ثم قال تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه "وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا" أي بشيرا للمؤمنين ونذيرا للكافرين مبشرا بالجنة لمن أطاع الله ونذيرا بين يدي عذاب شديد لمن خالف أمر الله .
قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا (57)
قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا
"قل ما أسألكم عليه من أجر" أي عن هذا البلاغ وهذا الإنذار من أجرة أطلبها من أموالكم وإنما أفعل ذلك ابتغاء وجه الله تعالى : "لمن شاء منكم أن يستقيم" "إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا" أي طريقا ومسلكا ومنهجا يقتدي فيها بما جئت به .
وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا (58)
وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا
ثم قال تعالى "وتوكل على الحي الذي لا يموت" أي في أمورك كلها كن متوكلا على الله الحي الذي لا يموت أبدا الذي هو "الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم" الدائم الباقي السرمدي الأبدي الحي القيوم رب كل شيء ومليكه اجعله ذخرك وملجأك وهو الذي يتوكل عليه ويفزع إليه فإنه كافيك وناصرك ومؤيدك ومظفرك كما قال تعالى : "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس" وروى ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل قال قرأت على معقل يعني ابن عبيد الله عن عبد الله بن أبي حسين عن شهر بن حوشب قال : لقي سلمان النبي صلى الله عليه وسلم في بعض فجاج المدينة فسجد له
فقال : "لا تسجد لي يا سلمان واسجد للحي الذي لا يموت" وهذا مرسل حسن وقوله تعالى : "وسبح بحمده" أي اقرن بين حمده وتسبيحه ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك" أي أخلص له العبادة والتوكل كما قال تعالى : "رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا" وقال تعالى "فاعبده وتوكل عليه" وقال تعالى : "قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا" وقوله تعالى : "وكفى به بذنوب عباده خبيرا" أي بعلمه التام الذي لا يخفى عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة .
الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا (59)
الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا
وقوله تعالى : "الذي خلق السموات والأرض" الآية أي هو الحي الذي لا يموت وهو خالق كل شيء وربه ومليكه الذي خلق بقدرته وسلطانه السموات السبع في ارتفاعها واتساعها والأرضين السبع في سفولها وكثافتها "في ستة أيام ثم استوى على العرش" أي يدبر الأمر ويقضي الحق وهو خير الفاصلين وقوله : "ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا" أي استعلم عنه من هو خبير به عالم به فاتبعه واقتد به وقد علم أنه لا أحد أعلم بالله ولا أخبر به من عبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه سيد ولد آدم على الإطلاق في الدنيا والآخرة الذي لا ينطق عن الهوى "إن هو إلا وحي يوحى" فما قاله فهو الحق وما أخبره به فهو الصدق وهو الإمام المحكم الذي إذا تنازع الناس في شيء وجب رد نزاعهم إليه فما وافق أقواله وأفعاله فهو الحق وما خالفها فهو مردود على قائله وفاعله كائنا من كان قال الله تعالى "فإن تنازعتم في شيء" الآية وقال تعالى "وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله" وقال تعالى : "وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا" أي صدقا في الإخبار وعدلا في الأوامر والنواهي ولهذا قال تعالى "فاسأل به خبيرا" قال مجاهد في قوله : "فاسأل به خبيرا" قال ما أخبرتك من شيء فهو كما أخبرتك وكذا قال ابن جريج وقال شمر بن عطية في قوله : "فاسأل به خبيرا" هذا القرآن خبير به .
وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا (60)
وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا
ثم قال تعالى منكرا على المشركين الذين يسجدون لغير الله من الأصنام والأنداد "وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن" أي لا نعرف الرحمن وكانوا ينكرون أن يسمى الله باسمه الرحمن كما أنكروا ذلك يوم الحديبية حين قال النبي صلى الله عليه وسلم للكاتب "اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم" فقالوا لا نعرف الرحمن ولا الرحيم ولكن اكتب كما كنت تكتب : باسمك اللهم ولهذا أنزل الله تعالى "قل ادعوا الله أو"
ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى "أي هو الله وهو الرحمن وقال في هذه الآية" وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن "أي لا نعرفه ولا نقر به" أنسجد لما تأمرنا "أي لمجرد قولك" وزادهم نفورا "فأما المؤمنون فإنهم يعبدون الله الذي هو الرحمن الرحيم ويفردونه بالإلهية ويسجدون له وقد اتفق العلماء - رحمهم الله - على أن هذه السجدة التي في الفرقان مشروع السجود عندها لقارئها ومستمعها كما هو مقرر في موضعه والله سبحانه وتعالى أعلم ."
تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا (61)
تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا
يقول تعالى ممجدا نفسه ومعظما على جميل ما خلق في السموات من البروج وهي الكواكب العظام في قول مجاهد وسعيد بن جبير وأبي صالح والحسن وقتادة وقيل هي قصور في السماء للحرس يروى هذا عن علي وابن عباس ومحمد بن كعب وإبراهيم النخعي وسليمان بن مهران الأعمش وهو رواية عن أبي صالح أيضا والقول الأول أظهر اللهم إلا أن يكون الكواكب العظام هي قصور للحرس فيجتمع القولان كما قال تعالى "ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح" الآية ولهذا قال تعالى "تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا" وهي الشمس المنيرة التي هي كالسراج في الوجود كما قال تعالى "وجعلنا سراجا وهاجا" "وقمرا منيرا" أي مشرقا مضيئا بنور آخر من غير نور الشمس كما قال تعالى "وهو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا" وقال مخبرا عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه "ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا" .
وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا (62)
وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا
ثم قال تعالى "وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة" أي يخلف كل واحد منهما صاحبه يتعاقبان لا يفتران إذا ذهب هذا جاء هذا وإذا جاء هذا ذهب ذاك كما قال تعالى "وسخر لكم الشمس والقمر دائبين" الآية وقال "يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا" الآية وقال "لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر" الآية وقوله تعالى "لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا" أي جعلهما يتعاقبان توقيتا لعبادة عباده له عز وجل فمن فاته عمل في الليل استدركه في النهار ومن فاته عمل في النهار استدركه في
الليل وقد جاء في الحديث الصحيح "إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل" وقال أبو داود الطيالسي حدثنا أبو حمزة عن الحسن أن عمر بن الخطاب أطال صلاة الضحى فقيل له صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه فقال : إنه بقي علي من وردي شيء فأحببت أن أتمه أو قال أقضيه وتلا هذه الآية "وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا" وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية يقول من فاته شيء من الليل أن يعمله أدركه بالنهار أو من النهار أدركه بالليل وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقال مجاهد وقتادة خلفة أي مختلفين أي هذا بسواده وهذا بضيائه .
وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما (63)
وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما
هذه صفات عباد الله المؤمنين "الذين يمشون على الأرض هونا" أي بسكينة ووقار من غير جبرية ولا استكبار كقوله تعالى "ولا تمش في الأرض مرحا" الآية فأما هؤلاء فإنهم يمشون من غير استكبار ولا مرح ولا أشر ولا بطر وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى تصنعا ورياء فقد كان سيد ولد
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|